النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
سورة الفتح: الآيتان ٤ - ٥
﴿وَنصُرَكَ اَللَّهُ نَصْرًا عَزِبِزًا﴾ أي: غالباً منيعاً لا يَتبعُه ذلّ.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾﴾
((السَّكِينَةَ)): السكونُ والُّمأنينة. قال ابن عباس: كلُّ سكينةٍ في القرآن هي
الظُّمأنينة إلا التي في ((البقرة)(١). وتقدَّم معنى زيادة الإيمان في ((آل عمران))(٢).
وقال ابنُ عباس: بُعث النبيُّ ◌َ﴾ بشهادة أنْ لا إله إلاَّ الله، فلمَّا صدَّقوه فيها
زادَهم الصَّلاة، فلما صدَّقوه زادهم الزكاة، فلما صدَّقوه زادهم الصِّيام، فلما صدَّقوه
زادهم الحج، ثمَّ أكمل لهم دينَهم(٣)؛ فذلك قوله: ﴿لِزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيَنِهِمْ﴾ أي:
تصديقاً بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الربيعُ بن أنس: خَشْيَةً مع
خشيتهم (٤). وقال الضَّحَّاك: يقيناً مع يقينهم(٥).
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال ابن عباس: يريدُ الملائكةَ والجنَّ والشياطين
والإنس(٦) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوال خلقه ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يريده.
قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤِْينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾﴾
أي: أنزل السكينةَ ليزدادوا إيماناً. ثم تلك الزيادة سبب(٧) إدخالهم الجنة. وقيل:
(١) تفسير البغوي ١٨٩/٤.
(٢) ٥ / ٤٢٣ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤٦/٢١، والطبراني في الكبير (١٣٠٢٨).
(٤) قاله الربيع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. كما في تفسير
الطبري ٢٩/١١ - ٣٠ .
(٥) ذكره البغوي في تفسيره ١٨٩/٤ .
(٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٤ / ١٣٥.
(٧) في (د) و(ز) و(ق): لسبب، وفي (م): بسبب. والمثبت من (خ) و(ظ) و(ف). وينظر تفسير الرازي
٨١/٢٨-٨٢.
٣٠٢
سورة الفتح: الآيات ٥ - ٧
اللام في ((لُبِدْخِلَ)) يتعلق بما يتعلق به اللَّام في قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ))(١).
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الوعدُ من دخول مكّة وغفران الذنوب. ﴿عِندَ اللَّهِ
فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: نجاةً من كلِّ غمٍّ، وظفراً بكلِّ مطلوب.
وقيل: لمَّا قرأ النبيُّ ◌َ﴾ على أصحابه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾
قالوا: هنيئاً لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزل: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَّتِ جَنَّتٍ﴾. ولمَّا
قرأ ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قالوا: هنيئاً لك؛ فنزلت: ﴿وَأَتْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]
فلمَّا قرأ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزل في حقِّ الأمَّة: ﴿وَبَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾
[الفتح: ٢٠]. ولما قال: ﴿وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ نزل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الروم: ٤٧]. وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. ثم قال: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ﴾
[الأحزاب: ٤٣] ذكره القشيريُّ.
قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّنِيْنَ بِالَّهِ
ظَرَبَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّرٌ وَسَاءَتْ
مَصِيرًا ﴿ وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِنَ وَالْمُشْرِكَتِ﴾ أي: بإيصال الهموم
إليهم بسبب عُلُوّ كلمة المسلمين، وبأنْ يُسلِّط النبيَّ عليه الصلاة والسلام قَتْلاً وأسرًا
واسترقاقاً.
﴿اَلَّائِينَ بِاللَّهِ ظَرَبَّ السَّوْءِ﴾ يعني ظنّهم أنَّ النبيّ ﴾ لا يرجعُ إلى المدينة، ولا
أحدٌ من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأنَّ المشركين يستأصلونَهم. كما قال:
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢]. وقال الخليلُ
وسيبويه: ((السّوء)) هنا الفساد(٢).
(١) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢٤٧/٢١.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٠/٥ .
٣٠٣
سورة الفتح: الآيات ٦ - ٩
﴿ عَلَيَّهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ في الدنيا بالقتل والسَّبي والأسر، وفي الآخرة بجهنَّم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿دائرةُ السُّوءِ﴾ بالضم. وفتحَ الباقون(١). قال
الجوهري(٢): ساءه يسوءه سَوْءاً؛ بالفتح، ومَسَاءة ومَسائية؛ نقيضُ سرَّه، والاسم:
السُّوء؛ بالضم. وقُرِئ ﴿عليهم دائرةُ السُّوء﴾ يعني: الهزيمة والشر. ومن فَتَح فهو من
المساءة.
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِّ وَكَنَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. تقدَّم في غير موضع جميعه، والحمد لله.
وقيل: لمَّا جرى صُلح الحديبية قال ابن أُبيّ: أيظنُّ محمدٌ أنَّه إذا صالح أهلَ مَّة
أو فتحها لا يبقى له عدوّ، فأين فارسُ والروم؟ فبيَّنَ الله عزَّ وجلَّ أنَّ جنودَ السماوات
والأرضِ أكثرُ من فارس والروم.
وقيل: يدخل فيه جميع المخلوقات. وقال ابن عباس: ولله جنود السماوات:
الملائكة، وجنود الأرض: المؤمنون. وأعاد لأنَّ الذي سبقَ عقيبَ ذكر المشركين من
قريش، وهذا عقيبَ ذكر المنافقين وسائر المشركين. والمرادُ في الموضعين التخويف
والتهديد. فلو أراد إهلاكَ المنافقين والمشركين لم يُعجزه ذلك، ولكن يؤخّرهم إلى
أجلٍ مُسَمَّى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا
لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،
٨
وَتُعَزِرُهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرَسَلْنَكَ شَهِدًا﴾ قال قتادة: على أمَّتك بالبلاغ. وقيل: شاهداً
عليهم بأعمالهم من طاعةٍ أو معصية. وقيل: مُبيِّنًا لهم ما أرسلناك به إليهم(٣). وقيل:
(١) السبعة ص٦٠٣، والتيسير ص١١٩.
(٢) في الصحاح (سوا).
(٣) النكت والعيون ٣١٢/٥ .
٣٠٤
سورة الفتح: الآيتان ٨ - ٩
شاهداً عليهم يوم القيامة. فهو شاهدُ أفعالهم اليوم، والشهيدُ عليهم يوم القيامة. وقد
مضى في ((النساء)) عن سعيد بن المسيِّب(١) هذا المعنى مبيّناً.
﴿وَمُبَشِّرًا﴾ لمن أطاعه بالجنة. ﴿وَنَذِيرًا﴾ من النار لمن عصى؛ قاله قتادة
وغيره(٢). وقد مضى في ((البقرة)) اشتقاقُ البِشارة والنِّذارة ومعناهما(٣). وانتصبَ
(شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) على الحال المقدَّرة، حكى سيبويه(٤): مررتُ برجلٍ معه صقرٌ
صائداً به غداً. فالمعنى: إنَّا أرسلناك مقدِّرين بشهادتك يومَ القيامة. وعلى هذا تقول:
رأيت عمراً قائماً غداً .
لِتُؤْمِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ ابنُ كثير وابنُ مُحَيصن وأبو عمرو: (لِيُؤمِنُوا)) بالياء،
وكذلك ((وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَفِّرُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ)) كلُّه بالياء على الخبر. واختاره أبو عبيد لذكر
المؤمنين قبله وبعده؛ فأمَّا قبلَه فقوله: ﴿لِدْخِلَ﴾ وأمَّا بعدَه فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ﴾ الباقون بالتاء على الخطاب(٥)، واختارَه أبو حاتم.
﴿وَتُعَزِرُؤُهُ﴾ أي: تُعِظِّموه وتُفخِّموه؛ قاله الحسن والكلبي(٦). والتعزير: التعظيم
والتوقير. وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه(٧). ومنه التعزير في الحدّ؛ لأنَّه مانع. قال
القَطَاميّ(٨) :
ألا بَكَرَتْ مَيٍّ بغير سَفَاهةٍ
تُعاتِبُ والمَوْدُود ينفعه العَزْرُ
(١) في النسخ عدا (خ) و(ظ): سعيد بن جبير - وسلف هذا المعنى عن سعيد بن المسيب ٣٢٦/٦.
(٢) النكت والعيون ٣١٣/٥، وأخرج قول قتادة الطبري ٢٥٠/٢١.
(٣) ٢٨١/١، ٣٥٨.
(٤) في الكتاب ٤٩/٢ .
(٥) قراءة ابن كثير وأبي عمرو في السبعة ص ٦٠٣، والتيسير ص٢٠١ .
(٦) النكت والعيون ٣١٣/٥ .
(٧) أخرجه الطبري ٢٥١/٢١ .
(٨) في ديوانه ص١٢٤. وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣١٣/٥، والكلام فيه بنحوه.
٣٠٥
سورة الفتح: الآيات ٨ - ١٠
وقال ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف(١). وقال بعضُ أهل اللغة:
تطيعوه. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تسوِّدُوه؛ قاله السُّديّ(٢). وقيل: تُعظموه. والتوقير: التعظيم
والتَّرْزِين أيضاً (٣). والهاء فيهما للنبيِّ﴾. وهنا وقفٌ تام، ثم تبتدئ: ((وتُسَبِّحُوهُ)).
أي: تسبحوا الله ﴿بُكْرَةً وَصِيلًا﴾ أي: عَشِيًّا.
وقيل: الضمائرُ كلُّها لله تعالى؛ فعلى هذا يكون تأويل («تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)) أي:
تُثبتوا له صحةَ الربوبية وتنفوا عنه أنْ يكونَ له ولدٌ أو شريك(٤). واختارَ هذا القول
القشيريّ. والأوَّل قولُ الضَّحَّاك، وعليه يكون بعضُ الكلام راجعاً إلى الله سبحانه
وتعالى، وهو: ((وَتُسَبِّحُوهُ)) من غير خلاف، وبعضُه راجعاً إلى رسوله 8﴾ وهو
((وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَفِّرُوهُ)) أي: تَدْعوه بالرسالة والنبوَّة لا بالاسم والكُنيّة.
وفي ((تُسَبِّحُوهُ)) وجهان: أحدهما: تسبيحُه بالتنزيه له سبحانه من كلِّ قبيح.
والثاني: هو فعلُ الصلاة التي فيها التسبيح. ((بُكْرَةً وَأَصِيلًا)) أي: غُدْوة وعَشِيّاً(٥). وقد
مضى القول فيه (٦). وقال الشاعر(٧):
لَعَمْرِي لأنتَ البيتُ أُكْرِمُ أهلَهُ وأجلس في أقْيائه بالأصائلِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ تَّكَثَ
فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيَّهُ اللَّهَ فَسَيُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ بالحديبية يا محمد. ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾؛ بَيَّن
(١) قول ابن عباس من طريق مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة عن عكرمة عنه أخرجه الحاكم في
مستدركه ٢/ ٤٦٠ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: قال أحمد: مبشر بن عبيد
كان يضع الحديث. وقول عكرمة أخرجه الطبري ٢١/ ٢٥٢ .
(٢) النكت والعيون ٣١٣/٥.
(٣) الصحاح (وقر). وسلف قوله: تعظموه عن الحسن والكلبي.
(٤) النكت والعيون ٣١٣/٥ .
(٥) النكت والعيون ٣١٣/٥-٣١٤.
(٦) ١٧ / ١٦٧ - ١٦٨ .
(٧) هو أبو ذؤيب. والبيت في ديوان الهذليين ١/ ١٤١. وسلف ٩/ ٤٣٥.
٣٠٦
سورة الفتح: الآيتان ١٠ - ١١
أن بيعتهم لنبيِّه ◌َ﴿ إنَّما هي بيعةُ الله؛ كما قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهُ﴾
[النساء: ٨٠]. وهذه المبايعةُ هي بيعةُ الرِّضوان؛ على ما يأتي بيانها في هذه السورة إنْ
شاء الله تعالى.
﴿يَدُ اَلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ قيل المعنى(١): يدُه في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويدُه
في المِنَّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة(٢). وقال الكلبيّ: معناه نعمة الله
عليهم فوق ما صنعوا من البيعة (٣). وقال ابن كَيْسان: قوَّةُ الله ونصرتُه فوق قوَّتهم
ونصرتهم (٤).
﴿فَمَنْ تَّكَثَ﴾ بعد البيعة. ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾ أي: يَرجعُ ضررُ النَّكث عليه؛
لأنَّه حَرَمَ نفسَه الثوابَ، وألزمَها العقاب.
﴿وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ قيل: في البيعة. وقيل: في إيمانه. ﴿فَسَيُؤْيهِ أَجْراً
عَظِيمًا﴾ يعني في الجنَّة.
وقرأ حفصٌّ والزُّهريّ: ((عليهُ الله)) بضمِّ الهاء. وجرَّها الباقون. وقرأ نافعٌ وابنُ
كثير وابن عامر: ((فَسَنُؤْتِيهِ)) بالنون. واختاره الفرّاء وأبو معاذ. وقرأ الباقون بالياء(٥).
وهو اختيارُ أبي عبيد وأبي حاتم؛ لِقُرب اسم الله منه.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَلُنَا وَأَهْلُونَا فَأَسْتَغْفِرْ
لَنَّ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَن يَعْلِكُ لَكُمُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ
بِكُمْ ضَرَّ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال مجاهدٌ وابن عباس: يعني
(١) لفظة: المعنى. ليست في (م).
(٢) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٢/٥ .
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٩٠.
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ١٣٦/٤ .
(٥) السبعة ص٦٠٣، والتيسير ص١٤٤، ٢٠١ .
٣٠٧
سورة الفتح: الآية ١١
أعراب غِفار ومُزَيْنة وجُهينة وأسلم وأشْجَع والدِّيل؛ وهم الأعرابُ الذين كانوا حول
المدينة؛ تخلَّفوا عن رسول اللـه ﴿ حين أرادَ السَّفر إلى مَّة عام الفتح، بعد أنْ كان
استنفرَهم ليخرجوا معه حَذَراً من قريش، وأحرم بعُمرَةٍ وسَاق معه الهَدْيَ؛ ليعلَمَ
النَّاسُ أنَّه لا يريدُ حرباً، فتثاقلوا عنه، واعتلُوا بالشُّغل؛ فنزلت(١). وإنما قال:
((المُخَلَّفُونَ))؛ لأنَّ الله خلَّفهم عن صُحبة نبيِّه. والمخَلَّف المتروك. وقد مضى في
((براءة))(٢).
﴿شَغَلَتْنَآَ أَمْوَلْنَا وَأَهْلُونَ﴾ أي: ليس لنا من يقومُ بهما. ﴿فَأَسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ جاؤوا
يطلبون الاستغفار واعتقادُهم بخلاف ظاهرهم؛ ففضَحَهم الله تعالى بقوله: ﴿يَقُولُونَ
بِأَسِنَتِهِم ◌َا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ وهذا هو النَّفَاقُ المحض.
﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَمّا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيّ: ((ضُرًّا)
بضمِّ الضَّاد هنا فقط، أي: أمراً يضرُّكم. وقال ابنُ عباس: الهزيمة. الباقون
بالفتح(٣)؛ وهو مصدر ضررته ضَرًّا. وبالضَّمِّ اسمُ لمَا ينالُ الإنسان من الهُزال وسوء
الحال (٤). والمصدرُ يؤدّي عن المرّة وأكثر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ قالا: لأنَّه
قابَله بالنفع، وهو ضدُّ الضُّرِّ(٥). وقيل: هما لغتان بمعنَى؛ كالفَقْر والفُقْر، والضَّعْف
والضُّعف(٦). ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: نصراً وغَنِمةً. وهذا ردِّ عليهم حين ظنُّوا أنَّ
التخلُّف عن الرسول يدفعُ عنهم الضُّرَّ ويعجِّلُ لهم النفع(٧).
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٩١ .
(٢) ٣١٦/١٠.
(٣) السبعة ص ٦٠٤، والتيسير ص٢٠١.
(٤) ينظر الصحاح (ضرر).
(٥) ذكر قول أبي عبيد النحاس في إعراب القرآن ١٩٩/٤.
(٦) حجة القراءات لابن زنجلة ص ٦٧٢، والحجة للفارسي ٢٠٢/٦ .
(٧) الوسيط للواحدي ٤/ ١٣٧ .
٣٠٨
سورة الفتح: الآية ١٢
قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّنْ يَنَقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيْنَ
١٣
ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ الشَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا
﴾
قوله تعالى: ﴿بَلّ ظَنَنْتُمْ أَن لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًّ﴾ وذلك أنَّهم
قالوا: إنَّ محمداً وأصحابَه أكَلَةُ رأسٍ لا يرجعون(١). ﴿وَزُّيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: النِّفاق.
﴿فِى قُلُوبِكُمْ﴾ وهذا التزيينُ من الشيطان، أو يخلقُ الله ذلك في قلوبهم.
﴿وَظَنْتُمْ ظَرَبَّ السَّوْءِ﴾ أنَّ الله لا يَنْصر رسولَه. ﴿وَكُنْتُرْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي :
هَلْكَى؛ قاله مجاهد. وقال قتادة: فاسدين لا يصلحون لشيءٍ من الخير(٢). قال.
الجَوهِريّ(٣): البُور: الرجلُ الفاسدُ الهالك الذي لا خير فيه. قال عبدُ الله بن
الزِّبَعرى السَّهمِي(٤):
يا رسول المليك إنَّ لساني
راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ
وامرأةٌ بُور أيضاً؛ حكاه أبو عبيد(٥). وقوم بُورٌ هَلْكَى. قال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًاً
بُورًا﴾ وهو جمع بائر؛ مثل: حائل وحُول. وقد بار فلانٌ، أي: هلك. وأبارَه الله،
أي: أهلكه.
وقيل: ((بُوراً)): أشراراً؛ قاله ابن بحر (٦). وقال حسان بن ثابت:
لا ينفع الطُول من نُوكِ القلوبِ وقد يهدي الإله سبيلَ المَعْشَرِ البورِ (٧)
أي: الهالك.
(١) تفسير البغوي ١٩١/٤ . وقولهم: هم أكلة رأس، أي: هم قليلٌ يشبعُهم رأسٌ واحد. الصحاح (أكل).
(٢) النكت والعيون ٣١٤/٥ .
(٣) في الصحاح (بور).
(٤) ديوانه ص٣٦ .
(٥) في الصحاح: أبو عبيدة.
(٦) النكت والعيون ٥/ ٣١٤ .
(٧) ديوان حسان ص١٢٣ . وفيه: الرجال. بدل: القلوب. ونقله المصنف عن الماوردي في النكت والعيون
٤١٣/٥، ووقع في الديوان، والخزانة ٧٢/٤: ولا يهدي. بدل: وقد يهدي. وقوله: النوك، بضم
النون، أي: الحماقة.
٣٠٩
سورة الفتح: الآيات ١٣ - ١٥
﴾
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا
وعيدٌ لهم، وبيانُ أنَّهم كفروا بالنِّفاق.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٣)
أي: هو غنيٌّ عن عباده، وإنَّما ابتلاهم بالتكليف ليُثيبَ من آمن، ويعاقبَ من كفر
وعصى.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا
نَّعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَشَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَّأَ بَلْ كَانُوْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَفْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ يعني مغانَمَ
خيبر؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ وَعَدَ أهلَ الحديبية فتحَ خَيْبر، وأنها لهم خاصَّةً من غاب
منهم ومن حضر. ولم يَغِب منهم عنها غيرُ جابر بن عبد الله، فقسَم له رسولُ الله ﴾
كَسَهْمِ من حضر(١).
قال ابن إسحاق: وكان المتولِّي للقسمة بخيبر جَبّار بن صخر الأنصاري من بني
سلمة(٢)، وزيد بن ثابت من بني النَّجَّار؛ كانا حاسبَين قاسمَين(٣).
﴿ذَرُونَاَ نَِّّعْكُمْ﴾ أي: دعونا. تقول: ذَرْه، أي: دعه. وهو يَذَرُه، أي: يَدَعُه.
وأصله: وَذِرَه يَذَرُه، مثالُ: وَسِعَه يسَعُه. وقد أُمِيت مصدرُه(٤)، لا يقال: وَذَره ولا
(١) سيرة ابن هشام ٣٤٩/٢.
(٢) جبار بن صخر ممن شهد بدراً، وكان ابن اثنين وثلاثين سنة، ثم شهد أحداً وما بعدها من
المشاهد، وكان أحد السبعين ليلة العقبة، توفي في المدينة سنة ثلاثين. الاستيعاب (بهامش الإصابة)
١٢٥/٢.
(٣) الدرر ص٢٣٧، ووقع في سيرة ابن هشام ٢/ ٣٥٧: يزيد بن ثابت.
(٤) في النسخ: صدره. والمثبت من الصحاح (وذر) والكلام منه. قال الزبيدي في تاج العروس (وذر):
أماتوا مصدره و ماضيه.
٣١٠
سورة الفتح: الآية ١٥
وَاذِر، ولكنْ تركه وهو تارك .
قال مجاهد: تخلفوا عن الخروج إلى مكّة، فلمَّا خرج النبي #، وأخذَ قوماً،
ووجَّه بهم، قالوا: ذَرُونا شَّبعكم فنقاتلَ معكم(١).
﴿يُرِيِدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَمَ اللَّهِ﴾ أي: يغيِّروا. قال ابنُ زيد: هو قوله تعالى:
فَأُسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًّا وَلَن نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ الآية [التوبة: ٨٣]. وأنكر
هذا القولَ الطبريُّ(٢) وغيره؛ بسبب أنَّ غزوةَ تَبُوك كانت بعد فتح خَيْبَر وبعد فتح مكّة.
وقيل: المعنى يريدون أنْ يغيِّروا وعدَ الله الذي وَعَد لأهل الحُدَيبِيَة، وذلك أنَّ اللـه
تعالى جعل لهم غنائم خيبر عِوَضاً عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح؛
قاله مجاهدٌ وقتادة، واختارَه الطبريُّ(٣)، وعليه عامَّةُ أهل التأويل(٤).
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((كَلِمَ)) بإسقاط الألف وكسر اللام؛ جمع كلمة؛ نحو
سَلِمة وسَلِم. الباقون: (كَلَامَ)) على المصدر(٥). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اعتباراً
بقوله: ﴿إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَكِ وَبِكَلَئِى﴾ [الأعراف: ١٤٤].
والكلام: ما استقلَّ بنفسه من الجمل. قال الجوهريّ: الكلام اسمُ جنسٍ يَقَع
على القليل والكثير. والكَلِم لا يكون أقلّ من ثلاث كلمات؛ لأنَّه جمعُ كَلِمة؛ مثل
نَبِقة ونَبِق. ولهذا قال سيبويه(٦): هذا بابُ عِلم مَا الكَلِمُ من العربية، ولم يقل: ما
الكلام؛ لأنَّه أراد نفسَ ثلاثة أشياء: الاسمُ والفعلُ والحرف، فجاء بما لا يكون إلا
جمعاً، وتركَ ما يمكن أنْ يقعَ على الواحد والجماعة. وتميمٌ تقول: هي كِلْمةٌ، بكسر
(١) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٥٠١، وأخرجه الطبري ٢٦٢/٢١.
(٢) في تفسيره ٢٦٣/٢١.
(٣) في تفسيره ٢٦١/٢١- ٢٦٢، وخرج قولي مجاهد وقتادة فيه.
(٤) ينظر تفسير البغوي ٤/ ١٩٢.
(٥) السبعة ص ٦٠٤، والتيسير ص٢٠١ .
(٦) في الكتاب ١/ ١٢ .
٣١١
سورة الفتح: الآيتان ١٥ - ١٦
الكاف(١)، وقد مضى في ((براءة)) القول فيها(٢).
﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: مِنْ قبل رجوعنا من الحديبية: إنَّ غنيمةً خيبر
لمن شهد الحديبية خاصة. ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحُْدُونَنَّ﴾ أنْ نُصيبَ معكم من الغنائم (٣).
وقيل: قال رسول اللـه ﴾: ((إنْ خرجتُم لم أمنعكم إلا أنَّه لا سهمَ لكم)). فقالوا: هذا
حسد. فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى:
﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنّ﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: لا
يعلمون إلَّا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهونَ من أمر الدين إلَّا قليلاً؛ وهو ترك القتال.
قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ
أَوْ يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرً حَسَنٌَّ وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ
يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ أي: قل لهؤلاء الذين تخلَّفوا
عن الحديبية: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابنُ عباس وعطاءُ بن أبي رباح
ومجاهدٌ وابنُ أبي لَيْلَى وعطاءٌ الخراسانيّ: هم فارس. وقال كعبٌ والحسنُ
وعبدُ الرحمن بن أبي لَيْلَى: الروم. وعن الحسن أيضاً: فارس والروم. وقال ابن
جُبِير: هوازن وثَقِيف. وقال عكرمة: هوازن. وقال قتادة: هوازن وغَطَفان يومَ حُنين.
وقال الزُّهْرِيُّ ومقاتل: بنو حنيفة أهلُ اليمامة أصحابُ مُسَيلِمة. وقال رافعُ بن خَديج:
والله لقد كنّا نقرأ هذه الآية فيما مضى: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْرٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾، فلا نعلم
مَن هم؛ حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة؛ فعلمنا أنَّهم هم. وقال أبو هريرة: لم
(١) الصحاح (كلم).
(٢) ٢١٩/١٠-٢٢٠.
(٣) الوسيط للواحدي ١٣٨/٤، وتفسير البغوي ٤/ ١٩٢.
٣١٢
سورة الفتح: الآية ١٦
تأت هذه الآية بعدُ. وظاهر الآية يردُّه(١).
الثانية: في هذه الآية دليلٌ على صحة إمامة أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما؛ لأنَّ
أبا بكرِ دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم. وأمَّا قولُ
عكرمة وقتادة: إنَّ ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين. فلا؛ لأنَّه يمتنع أنْ يكون
الداعي لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنَّه قال: ﴿لَن تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَتِلُواْ
مَعِىَ عَدُوًّاً﴾. فدلَّ على أن المراد بالداعي غيرُ النبيِ ﴾. ومعلومٌ أنَّه لم يدعُ هؤلاء
القومَ بعد النبيِ ﴿ إِلَّا أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما (٢). الزَّمَخْشَرِي(٣): فإنْ صحَّ
ذلك عن قتادة؛ فالمعنى: لنْ تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض
القلوب والاضطراب في الدِّين، أو على قول مجاهد؛ كان الموعدُ أنَّهم لا يتَبعون
رسولَ الله لَ﴾ إلَّا متطوّعين لا نصيبَ لهم في المغنم. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿نُقَيِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ هذا حكمُ من لا تُؤخذ منهم الجزية،
وهو معطوفٌ على ((تُقَاتِلُونَهُمْ)). أي: يكونُ أحدُ الأمرين: إمَّا المقاتلةُ وإمَّا الإسلام،
لا ثالث لهما. وفي حرف أُبَيّ: ((أَوْ يُسْلِمُوا))(٤) بمعنى: حتى يُسْلِمُوا، كما تقول: كُلْ
أو تشبع، أي: حتى تشبع. قال:
فقلتُ له لاتَبْكِ عَيْنُك إنَّما
نحاوِلُ مُلْكاً أو نموتَ فنُعذَرا(٥)
وقال الزَّجَّاج: قال: ((أَوْ يُسْلِمُونَ))؛ لأنَّ المعنى: أو هم يُسلِمون من غير
قتال(٦). وهذا في قتال المشركين، لا في أهل الكتاب.
(١) هذه الأقوال في النكت والعيون ٣١٥/٥-٣١٦، وتفسير البغوي ١٩٢/٤، وزاد المسير ٤٣١/٧.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٩٣/٣ -٣٩٤.
(٣) في الكشاف ٣/ ٥٤٥ .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٤٣ .
(٥) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص ٦٦، وسلف ١٧٣/٥ .
(٦) كلام الزجاج بنحوه في البيان لابن الأنباري ٢/ ٣٧٧ .
٣١٣
سورة الفتح: الآيتان ١٦ - ١٧
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَناً﴾: الغنيمةَ والنَّصر في
الدنيا، والجنَّة في الآخرة. ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ﴾: عام الحُدَيْبِيَة ﴿يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا﴾: وهو عذابُ النار.
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجُ وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ
حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُّ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا
أَلِمًا (4)
قال ابن عباس: لمَّا نزلت ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال
أهلُ الزَّمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ
حَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَيٌ﴾ (١) أي: لا إثمَ عليهم في التخلُّف عن الجهاد لِعَمَاهم
وزمانتهم وضعفهم. وقد مضى في ((براءة)) وغيرها الكلام فيه مُبيِّنًا(٢).
والعَرَجُ: آفةٌ تَعرِض لرِجْلٍ واحدة، وإذا كان ذلك مؤثِّرًا؛ فخللُ الرِّجْلين أولى أنْ
يؤثّر.
وقال مقاتل: هم أهلُ الزّمانة الذين تخلَّفوا عن الحديبية وقد عذرهم (٣). أي: مَنْ
شاء أنْ يسير منهم معكم إلى خَيْبَر فليفعل.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمره. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((نُدْخِلْهُ)) بالنون على التعظيم. الباقون بالياء(٤)،
واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدُّم اسم الله أوّلاً. ﴿وَمَن يَنَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
(١) ذكره أبو الليث في تفسيره ٢٥٦/٣، ونسبه للكلبي.
(٢) ٣٣١/١٠، ٣٤٣/١٥-٣٤٤ .
(٣) ذكره الواحدي في الوسيط ١٣٩/٤.
(٤) السبعة ص ٦٠٤، والتيسير ص ٢٠١.
٣١٤
سورة الفتح: الآيتان ١٨ - ١٩
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا
فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَأُ
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ هذه بيعةُ
الرِّضوان، وكانت بالحُديبية، وهذا خبرُ الحديبية على اختصار: وذلك أنَّ النبيَّ ◌ِ*
أقام مُنْصَرَفَه من غَزْوة بني المُصطَلِق في رمضان وشؤَّال، وخرج في ذي القَعدة
مُعْتَمِرًا، واستنفر الأعرابَ الذين حول المدينة، فأبطأ عنه أكثرُهم، وخرج النبيُّ ﴾
بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتَّبعه من العرب، وجميعُهم نحو ألفٍ وأربع
مئة(١) وقيل: ألف وخمس مئة(٢). وقيل غير هذا، على ما يأتي. وساقَ معه الهَدْيَ،
فأحرم رسول الله ﴿ لِيَعْلَمِ النَّاسُ أنَّه لم يخرجْ لحرب، فلمَّا بلغ خروجُه قريشاً خرج
جمْعُهم صادِّين لرسول اللـه﴿ عن المسجد الحرام ودخول مكة، وإنَّ إنْ قاتلهم قاتلوه
دون ذلك، وقدَّموا خالد بن الوليد في خيل إلى كُرَاعِ الغَمِيم(٣). فورد الخبرُ بذلك
على رسول الله ﴾ وهو بعُسفان(٤) وكان المخبرَ له بشرُ بن سفيان الكَعبيّ(٥)، فسلك
(١) هو قول جابر # كما في مسند أحمد (١٤٨٢٣)، وصحيح البخاري (٤١٥٤)، ومسلم (١٨٥٦):
(٦٧)، وسيأتي بتمامه ص٣١٧ من هذا الجزء، وسلف من قول البراء أيضاً ص٢٩٦ من هذا الجزء.
(٢) هو قول جابر أيضاً كما في مسند أحمد (١٤١٨١)، وسيأتي ص ٣١٧ من هذا الجزء.
(٣) كذا في سيرة ابن هشام ٣٠٩/٢، والدرر لابن عبد البر ص ٢٢٢ والكلام منه. وفي صحيح البخاري
(٢٧٣١-٢٧٣٢) في حديث طويل عن المسور بن مخرمة ومروان ... قال النبي #: ((إن خالد بن الوليد
بالغميم في خيل ... )) قال ابن حجر في فتح الباري ٣٣٥/٥: وسياق الحديث ظاهر في أنه كان قريباً من
الحديبية فهو غير كراع الغميم ... وهو الذي بين مكة والمدينة، وأما الغميم هذا فقال ابن حبيب: هو
قريب من مكان بين رابغ والجحفة.
(٤) عُسْفان: على مرحلتين من مكة على طريق المدينة. معجم البلدان ٤/ ١٢٢.
(٥) سيرة ابن هشام ٣٠٩/٢. ثم قال ابن هشام: ويقال: بُسْر. اهـ. والأخير هو الذي صححه الحافظ ابن
حجر في فتح الباري ٣٣٤/٥ . وهو بُشْر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي. أسلم سنة ست من
الهجرة. الاستيعاب (بهامش الإصابة) ٣٠٩/١ .
٣١٥
سورة الفتح: الآيتان ١٨ - ١٩
طريقاً يخرجُ به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، وكان دليلَه فيه(١)
رجلٌ من أسلم، فلمَّا بلغ ذلك خيلَ قريشٍ التي مع خالد؛ جرت إلى قريشٍ تُعلمهم
بذلك.
فلمّا وصل رسولُ اللـه﴾ إلى الحديبية؛ بركت ناقتُه﴾، فقال الناس: خلأت
خلأت! فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((ما خَلأتْ؛ وما هو لها بخُلُق، ولكن حبسَها حابسُ الفيل
عن مكّة. لا تدعوني قريشٌ اليومَ إلى خُّةٍ يسألوني فيها صلة رَحِم إلَّا أعطيتُهم إِيَّاها».
ثم نزلَ# هناك؛ فقيل: يا رسول الله، ليس بهذا الوادي ماء! فأخرج عليه الصلاة
والسلام سهماً من كِنَانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قَليبٍ من تلك القُلُب،
فغرزَه في جوفه، فجاشَ بالماء الرَّواء حتى كفى جميعَ الجيش (٢).
وقيل: إنَّ الذي نزل بالسَّهم في القليب ناجية بن جُنْدب بن عمير الأسلمي، وهو
سائقُ بُدْن النبيِّ لَ﴾ يومئذٍ. وقيل: نزل بالسَّهم في القَليب البرَاءُ بن عازب.
ثمَّ جرت السُّفَراء بين رسول الله ﴾ وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع
إلى أنْ جاءه(٣) سُهيل بن عمرو العامريّ، فقاضاه على أنْ ينصرف عليه الصلاة
والسلام عامَه ذلك، فإذا كان من قابل، أتى مُعْتَمِراً، ودخل هو وأصحابُه مكَّة بلا
سلاح (٤)، حاشا السيوف في قُرَبها، فيقيم بها ثلاثاً ويخرج، وعلى أنْ يكون بينه
(١) في (ز) و(ف) و(ق) و(م): فيهم. والمثبت من (خ) و(د) و(ظ) وهو الموافق للدرر ص ٢٢٢ والكلام
منه.
(٢) خبر وقوف ناقته #، ونبع الماء من القليب عند أحمد (١٨٩١٠)، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) من
حديث عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم مطول.
وقوله خلات: الخلاء للنوق كالإلحاح للجمال، والحران للدواب. النهاية (خلا). وماء رَواء. أي: كثير
مرپٍ. اللسان (روي).
(٣) في (م): جاء.
(٤) في (د) و(م): بغير سلاح، وفي (خ): بالسلاح، وفي (ز): بسلاح. والمثبت من (ظ) و(ف) و(ق).
وهو الموافق للدرر والكلام منه.
٣١٦
سورة الفتح: الآيتان ١٨ - ١٩
وبينهم صلحُ عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمنُ بعضهم بعضاً، وعلى أنَّ من
جاء من الكفّار إلى المسلمين مسلماً من رجلٍ أو امرأةٍ رُدَّ إلى الكفار، ومن جاء من
المسلمين إلى الكفار مرتداً، لم يردُّوه إلى المسلمين؛ فعَظُم ذلك على المسلمين حتى
كان لبعضهم فيه كلام، وكان رسولُ الله﴾ أعلم؛ لما(١) علَّمه الله من أنَّه سيجعل
للمسلمين فرجاً، فقال لأصحابه: ((اصبروا؛ فإن الله يجعلُ هذا الصلحَ سبباً إلى
ظهور دينه)). فأنِس الناسُ إلى قوله هذا بعد نفارٍ منهم.
وأبَى سهيلُ بن عمرو أنْ يُكْتَب في صدر صحيفة الصُّلح: من محمدٍ رسول الله،
وقالوا له(٢): لو صدَّقناك بذلك ما دفعناك عمَّا تريد! فلابدَّ أنْ تكتب: باسمك اللهم.
فقال لعليٍّ - وكان يكتب صحيفةَ الصلح -: ((امح يا عليّ، واكتب باسمك اللهم)) فأبى
عليّ أن يمحو بيده: ((محمد رسول الله)). فقال له رسول الله ﴾: (اعرضه عليَّ)) فأشار
إليه فمحَاه رسولُ الله ﴾ بيده، وأمره أن يكتب: ((من محمد بن عبد الله)).
وأتى أبو جَنْدل بن سهيل يومئذٍ بإثر كتاب الصلح، وهو يَرْسُفُ في قيوده، فردَّه
رسولُ الله ﴾ إلى أبيه؛ فعظُم ذلك على المسلمين، فأخبرهم رسول الله ﴾. وأخبر أبا
جندل أنَّ الله سيجعلُ له فرجاً ومخرجاً (٣) .
وكان رسول اللـه ® قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكّةَ رسولاً، فجاء
خبرٌ إلى رسول الله ﴾ بأنَّ أهل مكّة قتلوه، فدعا رسول اللـه ﴾ حينئذٍ إلى المبايعة له
على الحرب والقتال لأهل مكّة؛ فرُوي أنَّه بايعَهم على الموت. ورُوي أنَّه بايعَهم على
أَلَّا يَفِرُّوا؛ وهي بيعةُ الرِّضوان تحت الشجرة، التي أخبرَ الله تعالى أنَّه رضيَ عن
المبايعين لرسول اللـه * تحتَها. وأخبر رسولُ اللـه ﴾ أنَّهم لا يدخلون النَّار. وضربَ
(١) في (م) والدرر ص٢٢٤: بما.
(٢) في الدرر: وقال له.
(٣) الدرر ص ٢٢٤، وقصة أبي جندل خرجها أحمد في الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان بن
الحكم (١٨٩١٠)، وهي في صحيح البخاري (٢٧٣١ -٢٧٣٢) دون قوله: «أن الله سيجعل له فرجاً
و مخرجاً».
٣١٧
سورة الفتح: الآيتان ١٨ - ١٩
رسولُ الله ﴾ بيمينه على شماله لعثمان، وقال: «هذه عن عثمان»(١)؛ فهو كمن
شهدَها. وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبيّ قال: أوَّلُ من بايع
رسولَ الله * يوم الحديبية أبو سنان(٢) الأسدي(٣).
وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: كنَّا يومَ الحديبية ألفاً وأربع مئة؛
فبايعناه وعمرُ آخذٌ بيده تحتَ الشجرة وهي سَمُرَة، وقال: بايعناه على ألَّا نفرَّ، ولم
نبايعه على الموت (٤).
وعنه أنَّه سمع جابراً يُسأل: كم كانوا يومَ الحديبية؟ قال: كنَّا أربعَ عشرة مئة؛
فبايعناه وعمرُ آخذٌ بيده تحت الشجرة؛ وهي سَمُرة؛ فبايعناه، غيرَ جَدِّ بن قيس
الأنصاري، اختبأ تحتَ بطن بعيره(٥).
وعن سالم بن أبي الجَعْد قال: سألتُ جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة،
فقال: لو كنَّا مئة ألفٍ لكفانا، كنَّا ألفاً وخمس مئة (٦). وفي روايةٍ: كنَّا خمسَ عشرة
مئة(٧).
وعن عبد الله بن أبي أوْفى قال: كان أصحابُ الشجرة ألفاً وثلاث مئة، وكانت
أسلَمُ ثُمُنَ المهاجرين(٨).
(١) خبر مبايعة النبي # عن عثمان طه أخرجه البخاري (٣٦٩٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٢) في النسخ: أبو سفيان. والمثبت من المصادر.
(٣) الدرر ص٢٢٢-٢٢٥ والكلام من أول قصة الحديبية منه. وخبر الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٠٤ .
(٤) صحيح مسلم (١٨٥٦): (٦٧)، وسلف طرفه ص٣١٤ من هذا الجزء. والسمرة: هي الشجرة التي
كانت عندها بيعة الرضوان. النهاية (سمر).
(٥) أخرجه أحمد (١٥٢٥٩)، ومسلم (١٨٥٦): (٦٩).
(٦) أخرجه أحمد (١٤١٨١)، ومسلم (١٨٥٦): (٧٢). وقوله: لكفانا، يعني الماء الذي جعل يفور من بين
أصابعه# عندما وضع يده الشريفة في الركوة، كما في رواية البخاري (٤١٥٢).
(٧) أخرجه البخاري (٣٥٧٦)، ومسلم (١٨٥٦): (٧٣).
(٨) أخرجه البخاري (٤١٥٢)، ومسلم (١٨٥٧).
٣١٨
سورة الفتح: الآيتان ١٨ - ١٩
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: قلتُ لسلمة: على أيِّ شيء بايعتُم رسولَ الله {* يومَ
الحديبية؟ قال: على الموت(١).
وعن البراء بن عازب قال: كتب عليٍّ الصُّلح بين النبيِّ﴿ وبين المشركين
يوم الحديبية؛ فكتب: هذا ما كاتبَ عليه محمدٌ رسول الله ﴾، فقالوا: لا تكتب
رسول الله، فلو نعلمُ أنَّك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبيّ ﴿ لعليٍّ: ((امْحُه)). فقال:
ما أنا بالذي أمحاه؛ فمحاه النبيُّ﴾ بيده. وكان فيما اشترطوا: أن يدخلوا مكة
فيقيموا فيها ثلاثاً، ولا يدخلها بسلاح إلا جُلُبَّان السلاح؛ القِراب وما فيه (٢).
وعن أنس: أنَّ قريشاً صالحوا النبيَّ :﴿؛ فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبيُّ *
لعليّ: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) فقال سهيلُ بن عمرو: أما بسم الله، فما
ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فقال:
((اكتب من محمدٍ رسول الله)) قالوا: لو علمنا أنَّك رسوله لا تبعناك! ولكنْ اكتب
اسمكَ واسمَ أبيك. فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((اكتب: من محمد بن عبد الله)). فاشترطوا على
النبيِّ أنَّ من جاء منكم لم نردَّه عليكم، ومن جاء (٣) منَّا رددتموه علينا. فقالوا:
يا رسول الله، أنكتبُ هذا! قال: ((نعم، إنَّه مَن ذهب (٤) منَّا إليهم فأبعده الله، ومن
جاءنا منهم فسيجعلُ الله له فرجاً ومخرجاً))(٥).
وعن أبي وائل قال: قام سهلُ بن حُنيف يومَ صِفِّين فقال يا أيُّها الناس، اتَّهموا
أنفسكم، لقد كنّا مع رسول اللـه# يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا؛ وذلك في
(١) أخرجه أحمد (١٦٥٠٩)، والبخاري (٢٩٦٠)، ومسلم (١٨٦٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٥٦٧)، والبخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣): (٩٠). وقوله: القِراب وما فيه. هو
من كلام أبي إسحاق؛ راوي الحديث عن البراء. كما في صحيح مسلم.
(٣) في (م): جاءكم.
(٤) في النسخ الخطية: جاء، والمثبت من (م).
(٥) أخرجه أحمد (١٣٨٢٧)، ومسلم (١٧٨٤).
٣١٩
سورة الفتح: الآيتان ١٨ - ١٩
الصُّلح الذي كان بين رسول اللـه ﴾ وبين المشركين. فجاء عمرُ بن الخطاب ، فأتى
رسولَ اللهِ﴾ فقال: يا رسولَ الله، ألسنا على حقِّ وهم على باطل؟ قال: (بلى))،
قال: أليس قتلانا في الجنَّة، وقتلاهم في النَّار؟ قال: ((بلى)) قال: ففيَم نعطي
الدّنِيَّة في ديننا، ونرجعُ ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: ((يا ابن الخطاب إنِّي
رسولُ الله، ولن يُضَيِّعَني الله أبداً)) قال: فانطلق عمر، فلم يصبر مُتَغَيِّظاً، فأتى أبا
بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا
في الجنَّة، وقتلاهم في النَّار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدَّنيَّة في ديننا، ونرجع
ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب، إنَّه رسولُ الله، ولن يُضيعه الله
أبداً. قال: فنَزل القرآنُ على رسول الله ﴾ بالفتح، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه،
فقال: يا رسول الله، أوَ فَتْحٌ هو؟ قال: (نعم)). فطابتْ نفسُه ورجع(١).
قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق والوفاء؛ قاله الفراء(٢). وقال ابن
جريج وقتادة: من الرِّضا بأمر البيعة على ألَّ يفرُّوا. وقال مقاتل: من كراهة البيعة على
أن يقاتلوا معه على الموت(٣). ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بايعوا .
وقيل: ﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ من الكآبة بصدِّ المشركين إيَّاهم، وتخلُّفِ رؤيا
النبيِّ# عنهم؛ إذ(٤) رأى أنَّه يدخل الكعبة، حتَّى قال رسول الله ﴾: ((إنَّما ذلك رؤيا
منام)). وقال الصِّدِّيق: لم يكن فيها الدخولُ في هذا العام .
والسكينة: الطُّمأنينةُ وسكونُ النفس إلى صدق الوعد. وقيل: الصبر.
﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا﴾ قال قتادة وابن أبي ليلى: فتحُ خيبر. وقيل: فتحُ مكة(٥).
(١) أخرجه أحمد (١٥٩٧٥)، والبخاري (٣١٨٢)، ومسلم (١٧٨٥): (٩٤).
(٢) النكت والعيون ٣١٦/٥ .
(٣) ذكر قول مقاتل الماورديُّ في النكت والعيون ٣١٦/٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٤/٥ قال
ابن عطية: وهذا ضعيف: فيه مذمة للصحابة.
(٤) في (د) و(م): إذا.
(٥) النكت والعيون ٣١٦/٥، وقول قتادة وابن أبي ليلى أخرجه الطبري ٢٧٨/٢١.
٣٢٠
سورة الفتح: الآيات ١٩ - ٢٠
وقُرئ: ((وَآتَاهُمْ))(١).
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ يعني: أموال خيبر، وكانت خيبرُ ذاتَ عقار وأموال،
وكانت بين الحديبية ومكّة. فـ((مَغَانِمَ)) على هذا بدلٌ من ((فَتْحًا قَرِيبًا))، والواو مقحمة.
وقيل : ((وَمَغَانِم)) فارس والروم.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَّكَفَّ أَيْدِىَ
٢٠
النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا
قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ قال ابن عباس ومجاهد: إنَّها
المغانمُ التي تكون إلى يوم القيامة. وقال ابن زيد: هي مغانمُ خيبر. ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ
هَذِهِ،﴾ أي: خيبر؛ قاله مجاهد. وقال ابن عباس: عجّل لكم صلح الحديبية.
﴿وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾ يعني أهلَ مكَّة؛ كفَّهُم عنكم بالصلح. وقال قتادة: كفَّ
أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبيِّ # إلى الحديبية وخيبر. وهو اختيار
الطبريّ(٢)؛ لأنَّ كفَّ أيدي المشركين بالحديبية مذكورٌ في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤]. وقال ابن عباس: في ((كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ)) يعني عُيَينة
ابن حِصْن الفَزَارِي وعوف بن مالك النَّضْريّ ومن كان معهما؛ إذ جاؤوا لينصروا أهل
خيبر والنبيُّ # محاصرٌ لهم؛ فألقى الله عزَّ وجلَّ في قلوبهم الرُّعب، وكَفَّهم عن
المسلمين(٣).
﴿وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولتكون هزيمتُهم وسلامتكم آيةً للمؤمنين؛ فيعلموا
أنّ الله يحرسهم في مشهدهم ومَغيبهم(٤). وقيل: أي: وليكون(٥) كفُّ أيديهم عنكم
(١) ذكرها أبو حيان في البحر ٩٦/٨، ونسبها للحسن ونوح القارئ، وهي قرءاة شاذة.
(٢) في تفسيره ٢١/ ٢٨٢، والأقوال السالفة جميعها أخرجها الطبري ٢٧٩/٢١-٢٨٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٠١ .
(٤) تفسير الطبري ٢٨٣/٢١ .
(٥) في (ف) و(م): ولتكون.