النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة محمد: الآيات ٢٦ - ٢٨
وقراءة العامة: ((أسْرَارَهُمْ)) بفتح الهمزة جمع سِرّ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي
حاتم. وقرأ الكوفيون وابن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم:
(إسْرَارَهُمْ)) بكسر الهمزة على المصدر(١)، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَّمْ إِسْرَارًا﴾
[نوح: ٩] جُمع لاختلاف ضروب السر (٢).
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
﴾
٢٧
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ أي: فكيف تكون حالهم(٣). ﴿إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَبِكَةُ
يَضْرِبُونَ﴾ أي: ضاربين؛ فهو في موضع الحال(٤). ومعنى الكلام التخويف
والتهديد، أي: إن تأخر عنهم العذابُ فإلى انقضاء العمر. وقد مضى في ((الأنفال))
و((النحل))(٥).
وقال ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه(٦).
وقيل: ذلك عند القتال نُصْرَةً لرسول الله ﴾، بضرب الملائكة وجوهَهم عند
الطلب، وأدبارَهم عند الهرب. وقيل: ذلك في القيامة عند سَوْقهم إلى النار (٧).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ
أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك جزاؤهم(٨). ﴿يَأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اُللَّهَ﴾
(١) المحرر الوجيز ١١٩/٥، والسبعة ص ٦٠١، والتيسير ص٢٠١، وإعراب القرآن للنحاس ١٩٠/٤.
(٢) الكشف عن وجوه القراءات ٢٧٨/٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤ /١٩٠.
(٤) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٧٤ .
(٥) ٤٤/١٠ - ٤٥ و٣١٥/١٢.
(٦) الكشاف ٥٣٧/٣ بنحوه، ووقع في (ظ): يضرب ضرباً شديداً.
(٧) النكت والعيون ٣٠٣/٥-٣٠٤ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٩٠.

٢٨٢
سورة محمد: الآيات ٢٨ - ٣٠
قال ابن عباس: هو كتمانُهم ما في التوراة من نعت محمد ﴾(١). وإن حُملت على
المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر. ﴿وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ﴾ يعني:
الإيمان. ﴿فَأَخَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: ما عملوه من صدقة وصلة رحم وغير ذلك؛ على ما
تقدّم(٢).
قوله تعالى: ﴿أَمَ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغَنَهُمْ
٢٩٦
وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلَّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ
٣٠
أَعْمَلَكُمْ
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُّ﴾: نفاق وشكٌ(٣)، يعني
المنافقين. ﴿أَنْ لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ﴾ الأضغان ما يُضمر من المكروه.
واختلف في معناه؛ فقال السُّدِّيّ: غِشّهم. وقال ابن عباس: حسدهم. وقال
قُطْرُب: عداوتهم، وأنشد قول الشاعر:
ساء الصديقَ وشيَّدَ الأضغانا
قل لابن هندٍ ما أردتَ بمَنْطِقٍ
وقيل: أحقادهم(٤). واحدها ضِغن(٥). قال:
وذي ضغنٍ كففتُ النفسَ عنهُ
وقد تقدم(٦).
وقال عمرو بن كلثوم :
عليك ويُخرجُ الداءَ الدفينا(٧)
وإنَّ الضِّغنَ بعد الضُّغنِ يَفْشُو
(١) الوسيط ١٢٨/٤، وتفسير البغوي ١٨٥/٤ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٥/٥، وسلف ص ٢٥٥ من هذا الجزء.
(٣) النكت والعيون ٣٠٤/٥ .
(٤) المصدر السابق، وفيه: (وسرَّ ذا الأضغان) بدل (وشيد الأضغانا).
(٥) تفسير البغوي ٤/ ١٨٥ .
(٦) صدر بيت للزبير بن عبد المطلب وعجزه: وكنت على مساءته مقيتا، وسلف ٦/ ٤٨٦.
(٧) شرح المعلقات للنحاس ١٠١/٢ - معلقة عمرو بن كلثوم - قال النحاس: الداء: يعني الحقد.

٢٨٣
سورة محمد: الآيتان ٢٩ - ٣٠
قال الجوهريّ: الضِّغن والضَّغينة: الحِقْد. وقد ضَغِنَ عليه - بالكسر - ضِغناً.
وتضاغن القومُ واضْطَغَنُوا: انْطَوَوْا(١) على الأحقاد. واضْطَغَنْت الصبيَّ: إذا أخذتَه
تحت حضنك. وأنشد الأحمر:
كأنّه مُضْطَغِنُ صبِيًّا (٢)
أي: حاملُه في حِجْره. وقال ابن مُقبل :
ومِرفقِ كرِئاس السيفِ إذْ شَسَفًا(٣)
إذا اضطغنتُ سلاحي عند مَغْرِضِها
وفرس ضاغن: لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب.
والمعنى: أم حسبوا أن لن يُظهرَ الله عداوتَهم وحقدَهم لأهل الإسلام. ﴿وَلَوْ
نَشَاءُ لَرَيْنَكَهُمْ﴾ أي: لعرَّفناكهم (٤).
قال ابن عباس: وقد عرّفه إيّاهم في سورة براءة(٥).
تقول العرب: سأريك ما أصنع، أي: سأعلمك(٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَكَ
اُللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما أعلمك.
﴿فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ﴾ أي: بعلاماتهم. قال أنس: ما خفيَ على النبيّ ﴿ بعد هذه
الآية أحدٌ من المنافقين؛ كان يعرفهم بسيماهم(٧). وقد كنا في غَزَاة وفيها سبعة من
المنافقين يشكونهم الناس (٨)، فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كلِّ واحد منهم مكتوبٌ
(١) في النسخ: أبطنوا، والمثبت من الصحاح، والكلام منه.
(٢) الصحاح (ضغن)، والرجز أيضاً في غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ١٩٣.
(٣) هذه رواية الصحاح، وفي ديوان ابن مقبل ص١٨٦: (ثم اضطبنت) بدل (إذا اضطغنت). اضطبنت:
أي: احتضنت، والمغرض: جانب البطن أسفل الأضلاع، ورئاس السيف: مقبضه، وشسفَ، أي:
يبس من الضمر والهزال. اللسان (ضبن) (غرض) (رأس) (شف).
(٤) تفسير البغوي ٤/ ١٨٥ بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢٢/٢١ .
(٦) تفسير الطبري ٢٢٢/٢١.
(٧) تفسير البغوي ٤/ ١٨٥، والكشاف ٣/ ٥٣٧.
(٨) في (ف): يشكوا الناس، وفي الكشاف ٥٣٧/٣ والكلام منه: يشكوهم الناس.

٢٨٤
سورة محمد: الآيتان ٢٩ - ٣٠
((هذا منافق)) فذلك سيماهم(١).
وقال ابن زيد: قدَّر الله إظهارَهم، وأمر أن يُخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن
يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحُقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها(٢).
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوَّلْ﴾ أي: في فحواه ومعناه. ومنه قول الشاعر:
وخيرُ الكلام ما كان لَحْنَا
أي: ما عُرف بالمعنى ولم يُصَرَّح به(٣).
مأخوذ من اللَّحن في الإعراب، وهو الذهابُ عن الصواب، ومنه قول النبيّ ﴾:
((إِنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض)) أي: أذهبَ بها
في الجواب لقوّته على تصريف الكلام(٤).
أبو زيد: لَحَنْتُ له - بالفتح - ألْحَنُ لَحْناً: إذا قُلْتَ له قولاً يفهمه عنك، ويخْفَى
على غيره. ولَحِنَه هو عَنِّ - بالكسر - يلحَنه لَحْناً، أي: فهمه. وألحنته أنا إياه.
ولا حنْتُ الناس: فاطنتُهم، قال الفَزارِيّ:
وحدِيثٍ ألَذُّهُ هو ممّا
يَنْعَتِ النَّاعِثُون يُوزَن وزْنَا
ناً وخير الحديث ما كان لحنًا (٥)
منطِقٌ رائعٌ وتَلْحَنُ أحيا
يريد أنَّها تتكلم وهي تريد غيرَه، وتُعَرِّض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها
وذكائها. وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾. وقال القَتَّال الكِلابِيّ:
(١) الكشاف ٣/ ٥٣٧، وفيه (تسعة) بدل (سبعة).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢٣/٢١ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٨٥/٦-٤٨٦، وفيه: (وخير الحديث) بدل (وخير الكلام)، والشعر لمالك بن
أسماء الفزاري وسيأتي قريباً.
(٤) النكت والعيون ٣٠٤/٥-٣٠٥، والحديث سلف ٢٧٤/٢ .
(٥) الصحاح (لحن) وهذه روايته، والبيت أيضاً في الشعر والشعراء ٢/ ٧٨٢، والأغاني ٢٣٦/١٧
وروايتهما فيه: (صائب) بدل (رائع)، و(أحلى) بدل (خير)، ووقع في الشعر والشعراء أيضاً (يشتهي)
بدل (ينعت)، والفزاري قال ابن قتيبة: هو مالك بن أسماء بن خارجة، وآباؤه سادة غَطَفان.

٢٨٥
سورة محمد: الآيات ٢٩ - ٣١
ولقد وَحَيْتُ لكم لكيما تفهموا ولَحَنْتُ لحنّا ليس بالمرتابِ(١)
وقال مرار الأسدي :
صدودُكِ تُرْضين الوُشاةَ الأعادِیا
ولحنتِ لحنّا فيه غشٌّ ورابني
قال الكلبي: فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي8ّ# منافق إلا عرفه(٢).
وقيل: كان المنافقون يخاطبون النبيَّ 18 بكلام تواضعوه فيما بينهم، والنبيُّ ﴾.
يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى عليه، فكان بعد هذا يعرف
المنافقين إذا سمع كلامَهم.
قال أنس: فلم يَخْفَ منافقٌ بعد هذه الآية على رسول الله ﴾؛ عَرّفه الله ذلك
بوحي أو علامة عرَفها بتعريف الله إياه(٣).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منها.
قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ
٣١
قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: نتعبّدكم بالشرائع وإن علمنا عواقبَ الأمور،
وقيل: لنعاملنَّكم معاملة المختبرين (٤).
﴿حَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُرْ وَالصَّبِينَ﴾ عليه. قال ابن عباس: ((حَتَّى نَعْلَمَ)): حتى
نميّز. وقال عليّ ﴾: ((حَتَّى نَعْلَمَ)): حتى نرى. وقد مضى في ((البقرة))(٥).
(١) الصحاح (لحن) وهذه روايته، وهو في ديوان القتّال الكلابي ص٣٦ برواية:
ووحيت وحياً ليس بالمرتاب
ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا
والقتّال الكلابي: هو عبد الله بن مُحبِّب بن المضرحيّ، شاعر فارس. المؤتلف والمختلف للآمدي
ص٢٥٢ .
(٢) النكت والعيون ٣٠٥/٥، والبيت السالف فيه.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٨٥، والكشاف ٣/ ٥٣٧.
(٤) تفسير البغوي ٤ / ١٨٥ .
(٥) ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨.

٢٨٦
سورة محمد: الآيتان ٣١ - ٣٢
وقراءة العامة بالنون في (نَبْلُونَّكُمْ)) و((نعم)) ((وَنَبْلُوَ)). وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء
فيهنّ. وروى رُوَيس عن يعقوب إسكانَ الواو من ((نبلو)) على القطع مما قبل. ونصب
الباقون ردًّا على قوله: ((حَتَّى نَعْلَمَ (١)».
وهذا العِلمُ هو العِلمُ الذي يقع به الجزاء؛ لأنَّه إنَّما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه
القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلمَ المجاهدين علمَ شهادة؛ لأنَّهم إذا أمروا بالعمل
يشهد منهم ما عملوا، فالجزاءُ بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة(٢). ﴿ وَنَبْلُوا
آَخْبَارَكُمْ﴾: نختبرها ونظهرها.
قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال:
اللهم لا تبتلنا(٣)؛ فإنَّك إذا بلوتنا فضحْتَنا وهتكْتَ أستارَنا (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدٍ مَا تَبَيَّنَ
(٣٢)
لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللَّهُ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ
يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود(٥).
وقال ابن عباس: هم المطعِمون يوم بدر. نظيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ
أَمَّوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] الآية(٦).
﴿وَشَآتُواْ الرَّسُولَ﴾ أي: عادوه وخالفوه. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ﴾ أي:
علموا أنه نبيّ بالحُجج والآيات. ﴿لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بكفرهم. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ﴾
أي: ثوابَ ما عملوه(٧).
(١) السبعة ص٦٠١، والتيسير ص٢٠١، والنشر ٢/ ٣٧٥. والكلام بنحوه في المحرر الوجيز ١٢١/٥.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٦/٥ بنحوه.
(٣) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: لا تبتلينا.
(٤) الكشاف ٥٣٨/٣، والمحرر الوجيز ١٢١/٥ دون ذكر إبراهيم بن الأشعث.
(٥) المحرر الوجيز ١٢١/٥.
(٦) تفسير البغوي ١٨٦/٤.
(٧) تفسير أبي الليث ٢٤٧/٣ .

٢٨٧
سورة محمد: الآية ٣٣
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ
فيه مسألتان :
١٣٣
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ لمَّا بَيَّن حال
الكفار، أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره، والرسولِ في سننه.
﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: حسناتِكم بالمعاصي. قاله الحسن. وقال الزُّهْرِي:
بالكبائر. ابن جريج: بالرِّياء والسُّمعة (١). وقال مقاتل والثُّمَاليّ: بالمّنّ(٢)؛ وهو
خطاب لمن كان يمنّ على النبيّ 8# بإسلامه. وكلُّه متقارب، وقول الحسن يجمعه.
وفيه إشارة إلى أنَّ الكبائرَ تحبط الطاعات، والمعاصي تُخرِج عن الإيمان(٣).
الثانية: احتج علماؤنا وغيرُهم بهذه الآية على أنَّ التحللَ من التطوّع - صلاةً كان
أو صوماً - بعد التلبس به لا يجوز؛ لأنَّ فيه إبطالَ العمل، وقد نهى الله عنه. وقال من
أجاز ذلك ــ وهو الإمام الشافعي وغيرُه -: المراد بذلك إبطالُ ثواب العمل
المفروض، فنهى الرجل عن إحباط ثوابه. فأمّا ما كان نفلاً فلا؛ لأنَّه ليس واجباً عليه.
فإن زعموا أنَّ اللفظ عام، فالعامّ يجوز تخصيصه. ووجه تخصيصه أنَّ الثَّفلَ تطوّع،
والتطوّع يقتضي تخييراً(٤).
وعن أبي العالية: كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب، حتى نزلت هذه الآية
فخافوا الكبائر أن تُحبط الأعمال. وقال مقاتل: يقول الله تعالى إذا عصيتم الرسول
فقد أبطلتم أعمالكم (٥).
(١) النكت والعيون ٣٠٦/٥.
(٢) زاد المسير ٧/ ٤١٢ دون نسبة.
(٣) الكشاف ٥٣٨/٣ - ٥٣٩ بنحوه، وهذا كلام المعتزلة، ومذهب أهل السنة أن المعاصي لا تبطل
الحسنات، ولا تُخرج صاحبها عن الإيمان، غير أن من أصرَّ عليها خيف عليه أن يرين على قلبه،
فيخرجه من الإيمان. وينظر روح المعاني ٧٩/٢٦ - ٨٠، والداء والدواء ص١٠٣- ١٠٥ .
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤/ ٣٧٥ .
(٥) لفظ قول مقاتل في تفسير البغوي ١٨٦/٤: ((لا تَمُنُّوا على رسول اللـه ﴾؛ فتبطلوا أعمالكم)). وذكر
قول أبي العالية بنحوه أيضاً الواحدي في الوسيط ١٢٩/٤، وأبو الليث في تفسيره ٢٤٧/٣ .

٢٨٨
سورة محمد: الآيتان ٣٤ - ٣٥
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ
(٣٤)
﴾
اللَّهُ لَوْ
بيّن أنَّ الاعتبارَ بالوفاة على الكفر يوجبُ الخلودَ في النار. وقد مضى في ((البقرة))
الكلام فيه (١). وقيل: إنَّ المرادَ بالآية أصحابُ القليب. وحكمها عام(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَ نَّهِنُواْ وَنَدْعُوْاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَّكُمْ
٣٥
أَعْمَلَكُمْ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا﴾ أي: تضعفوا عن القتال(٣).
والوَهْن: الضعف. وقد وَهَن الإنسانُ وَوَهَنَهُ غيره، يتعدّى ولا يتعدَّى. قال:
إنَّني لسْتُ بموهونٍ فَقِرُ (٤)
ووَهِن أيضاً - بالكسر - وَهْنًا، أي: ضعف(٥).
وقرىء: ((فما وَهُنُوا)) بضم الهاء وكسرها. وقد مضى في ((آل عمران))(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَدْعُوَاْ إِلَى السَّمِ﴾ أي: الصُّلح. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي:
وأنتم أعلمُ بالله منهم. وقيل: وأنتم الأعلون في الحجة(٧). وقيل: المعنى: وأنتم
الغالبون لأنَّكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال(٨).
(١) ٣/ ٤٣٠ .
(٢) الكشاف ٥٣٩/٣، والقليب: البئر، والمراد: قليب بدر. النهاية (قلب).
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣٩٣/٣ .
(٤) عجز بيت لطرفة وصدره: وإذا تلسُنُني ألسُنها، وهو في ديوانه ص ٥٣ ، والكلام في الصحاح (وهن).
(٥) الصحاح (وهن).
(٦) ٣٥٣/٥، ولم نقف على من قرأ ((وهُنوا)) بضم الهاء.
(٧) تفسير أبي الليث ١/ ٣٠١ .
(٨) تفسير البغوي ١٨٦/٤ .

٢٨٩
سورة محمد: الآية ٣٥
وقال قتادة: لا تكونوا أوّلَ الطائفتين ضرعتْ إلى صاحبتها(١).
الثالثة: واختلف العلماء في حكمها؛ فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَإِن
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَمَا﴾ [الأنفال: ٦١] لأنَّ الله تعالى منع من المَيْل إلى الصلح إذا لم
يكن بالمسلمين حاجةٌ إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَعُواْ لِلِسَّلِّمِ
فَاجْنَحْ لَمَا﴾ [الأنفال: ٦١]. وقيل: هي محكمة. والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال.
وقيل: إنَّ قوله: ((وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)» مخصوص في قوم بأعيانهم،
والأخرى عامة(٢).
فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة؛ وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف
المسلمين(٣). وقد مضى هذا المعنى مستوفى (٤).
﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أي: بالنَّصر والمعونة(٥)؛ مثل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[العنكبوت: ٦٩].
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: لن ينقصَكم؛ عن ابن عباس وغيره(٦).
ومنه الموتور الذي قُتِل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وَتَرَه بَيْرِه وتْرًا وَتِرَةً(٧).
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((من فاتته صلاةُ العصر فكأنَّما وُتِرَ أهلَه ومالَه))
أي: ذُهب بهما (٨).
(١) الكشاف ٥٣٩/٣، وفيه: ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٢٤/٢ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣/٣، وينظر ٣٨٥/٢ منه.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤/ ٣٧٥ .
(٤) ١٠/ ٦٢ فما بعدها.
(٥) تفسير البغوي ٤ /١٨٦.
(٦) النكت والعيون ٣٠٦/٥ عن مجاهد وقطرب، وقول مجاهد في تفسيره ٥٩٩/٢ .
(٧) الصحاح (وتر).
(٨) أخرجه أحمد (٦٣٢٤)، والبخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦): (٢٠١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٢٩٠
سورة محمد: الآيات ٣٥ - ٣٧
وكذلك وَتَرَهُ حقّه أي: نقصه. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: لن
ينتقصَكم في أعمالكم، كما تقول: دخلتُ البيت؛ وأنت تريد في البيت. قاله
الجوهريّ(١).
الفرّاء: ((وَلَنْ يَتِرَكُمْ)) هو مشتقٌّ من الوتر، وهو الفرد؛ فكان المعنى: ولن يفردكم
بغير ثواب(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَيَوَّةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا
يَسْئَلْكُمْ أَقْوَلَكُمْ ﴾ إِن يَسْتَذْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَّكُمْ (٢)﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المَوَّةُ اُلُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ تقدّم في ((الأنعام))(٣). ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ
وَتَنَّقُواْ يُؤْتِّكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ شرط، وجوابه. ﴿وَلَا يَسْئَلَكُمْ أَقْوَلَكُمْ﴾ أي: لا يأمركم بإخراج
جميعها في الزكاة؛ بل أمر بإخراج البعض. قاله ابن عيينة وغيره (٤).
وقيل: ((لايَسْألُكم أموالَكُم)) لنفسه(٥) أو لحاجة منه إليها، إنَّما يأمركم بالإنفاقِ
في سبیلہ؛ لیرجع ثوابُه إليكم.
وقيل: ((لَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)) إنَّما يسألكم أمواله؛ لأنَّه أملَكُ (٦) لها، وهو المنعم
بإعطائها(٧) .
وقيل: ولا يسألكم محمدٌ أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة. نظيره: ﴿قُلْ مَا
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] الآية. ﴿إِن يَتَذْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾: يلحّ عليكم.
(١) في الصحاح (وتر).
(٢) المحرر الوجيز ١٢٢/٥ دون نسبة. وقال: والأول أصح.
(٣) ٨/ ٣٦٠ - ٣٦١.
(٤) تفسير البغوي ١٨٦/٤، والمحرر الوجيز ١٢٣/٥ بنحوه عن ابن عيينة.
(٥) النكت والعيون ٣٠٦/٥ .
(٦) في (م): المالك.
(٧) النكت والعيون ٣٠٧/٥ .

٢٩١
سورة محمد: الآيات ٣٧ - ٣٨
يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألحّ بمعنى واحد. والحَفَيّ المستقصِي في
السؤال، وكذلك الإحفاء الاستقصاء في الكلام والمنازعة. ومنه أحفى شاربَه؛ أي:
استقصى في أخذه(١).
﴿تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَّكُمْ﴾ أي: يخرج البخل أضغانَكم.
قال قتادة: قد علم الله أنّ في سؤال المال خروجَ الأضغان(٢).
وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن مُحَيصِن وحميد: ((وتَخْرُج)) بتاء مفتوحة وراء
مضمومة. ((أضْغَانُكُمْ)) بالرفع لكونه الفاعل(٣). وروى الوليدُ عن يعقوب الحضرميّ
((ونخرج)) بالنون (٤). وأبو معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو: ((ويخرج)) بالرفع في
الجيم على القطع والاستئناف(٥)، والمشهور عنه: ((ويُخْرِجْ)) كسائر القرّاء، عطف
على ما تقدّم.
قوله تعالى: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوّنَ لِنُنفِقُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم ◌َن يَبْخَلْ
وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ
قوله تعالى: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ﴾ أي: هأنتم هؤلاء أيُّها المؤمنون تُدعون
﴿لِنُنفِقُوْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد وطريق الخير. ﴿فَمِنكُمْ مَن يَبْخَلَّ وَمَن
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهَ﴾ أي: على نفسه؛ أي: يمنعها الأجر والثواب. ﴿ وَاللَّهُ
الْغَنِىُّ﴾ أي: إنَّه ليس بمُحتاجٍ إلى أموالكم. ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ إليها .
(١) الصحاح (حفا).
(٢) تفسير أبي الليث ٢٤٨/٣، والوسيط ١٣٠/٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٢٤/٢ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٤١، والبحر المحيط ٨٦/٨ .
(٤) البحر المحيط ٨٦/٨، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٤١ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) المحتسب ٢٧٣/٢، والقراءات الشاذة ص ١٤١.

٢٩٢
سورة محمد: الآية ٣٨
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلٌ قَوْمًّا غَرَّكُمْ﴾ أي: أطوعَ لله منكم(١).
روى الترمذي(٢) عن أبي هريرة قال: تلا رسولُ اللـه:# هذه الآية: ﴿وَإِن
تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمُ﴾ قالوا: ومن يُستبدل بنا؟ قال: فضرب
رسولُ الله ﴾ على منكِب سلمان ثم قال: ((هذا وقومُه. هذا وقومُه)) قال: حديث
غريب في إسناده مقال.
وقد روى عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني أيضاً هذا الحديث
عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب
رسول الله وَله: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء الذين ذكر اللهُ إنْ تَوَلَّينا استُبدلوا، ثمَّ لا
يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمانُ جنب رسول الله ﴾ قال: فضرب رسولُ الله ﴾
فخذَ سلمان، قال: «هذا وأصحابُه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمانُ مَنُوطًا بالقُّرِيًّا
لتناولَه رجالٌ من فارس»(٣).
وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس والروم(٤). قال المحاسبيّ:
فلا أحد بعد العرب من جميع أجناسِ الأعاجم أحسنُ دِيناً، ولا كانت العلماءُ منهم
إلا الفرس.
وقيل: إنَّهم اليمن، وهم الأنصار. قاله شريح بن عبيد(٥). وكذا قال ابن عباس:
(١) تفسير أبي الليث ٢٤٨/٣ .
(٢) في سننه (٣٢٦٠).
(٣) سنن الترمذي (٣٢٦١)، وهو في صحيح ابن حبان (٧١٢٣) من طريق مسلم بن خالد عن العلاء ...
وأخرجه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١) بلفظ: (( ... فوضع يده على سلمان ثم قال: ((لو
كان الإيمان عند الثريا، لَنَالُهُ رجال من هؤلاء)».
وأخرجه أحمد (٨٠٨١)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣٠) بلفظ: ((لو كان الدين عند الثريا، لذهب به رجل من
فارس - أو قال - من أبناء فارس)) . .
(٤) تفسير البغوي ١٨٧/٤، والكشاف ٥٤٠/٣ .
(٥) النكت والعيون ٣٠٧/٥ .

٢٩٣
سورة محمد: الآية ٣٨
هم الأنصار(١). وعنه: أنَّهم الملائكة(٢). وعنه: هم التابعون. وقال مجاهد: إنَّهم من
شاء من سائر الناس(٣).
﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ قال الطبريّ: أي: في البُخل بالإنفاق في سبيل الله.
وحُكي عن أبي موسى الأشعريّ أنَّه لمّا نزلت هذه الآيةُ، فرح بها رسولُ الله ◌ِ﴾
وقال: ((هي أحبُّ إليَّ من الدنيا))(٤). والله أعلم.
ختمت السورةُ بحمد الله وعونه، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله
وصحبه الأطهار.
(١) نسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٤١٦/٧ لمقاتل.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٧/٥ دون نسبة.
(٣) زاد المسير ٤١٦/٧ .
(٤) النكت والعيون ٣٠٨/٥ .

سورة الفتح
مدنيَّةٌ بإجماع، وهي تسع وعشرون آية. ونزلت ليلاً بين مكة والمدينة في شأن
الحُدَيْبِية. روى محمد بن إسحاق عن الزهريّ عن عروة عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ومروان
ابن الحكم، قالا: نَزلتْ سورةُ الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحُدَيبية من أوَّلها إلى
آخرها(١).
وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّ رسول اللـه {﴿ كانَ يسيرُ في بعض
أسفاره، وعمرُ بنُ الخطّابِ يسيرُ معه ليلاً فسأله عمرُ عن شيءٍ فلم يجبه رسول الله لَ﴾،
ثمَّ سأله فلم يُجِبه، ثمَّ سألَه فلم يُجِبه؛ فقال عمرُ بن الخطاب: ثَكِلَتْ أمّ عمر، نَزَرْتَ
رسول الله ﴿ ثلاثَ مرَّاتٍ كُلَّ ذلك لم يجبك؛ فقال عمر: فحرَّكتُ بعيري ثمَّ تقدَّمتُ
أمامَ الناس، وخشيتُ أنْ يُنزَلَ فيَّ قرآن، فما نَشِبتُ أنْ سمعتُ صارخاً يصرخ بي؛
فقلت: لقد خشيتُ أنْ يكون نَزلَ فيَّ قرآن، فجئتُ رسولَ الله ﴿ فسلَّمتُ عليه؛ فقال:
((لقد أُنزِلت عليَّ الليلةَ سورةٌ لهي أحبُّ إليَّ ممّا طَلَعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا
لَكَ فَتَا مُبِينًا﴾)). لفظ البخاريّ(٢). وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح(٣).
وفي صحيح مسلم(٤) عن قتادة أنَّ أنس بن مالك حدَّثهم قال: لمَّا نزلت: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا فُِّينَا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا
مُسْتَقِيمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مَرْجِعَه من الحُدَيْبِيَة وَهُم يخالطُهم الحزنُ والكآبة،
وقد نَحر الهَديَ بالحُدَيْبِيَة، فقال: ((لقد أُنزِلَتْ عليَّ آيَةٌ هي أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعاً)).
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٤٠٣ .
(٢) صحيح البخاري (٤١٧٧) و(٤٨٣٣). وليس في صحيح مسلم ولم يعزه المزي إليه ٦/٨. وهو في
مسند أحمد (٢٠٩). وقوله: نزرتّ رسول الله، أي: ألححتَ عليه في المسألة إلحاحاً. ولم ينشب أن
فعل كذا: أي لم يلبث. النهاية (نزر) (نشب).
(٣) سنن الترمذي (٣٢٦٢).
(٤) برقم (١٧٨٦)، وأخرجه أحمد (١٣٢٤٦).

٢٩٥
سورة الفتح: الآية ١
وقال عطاء عن ابن عباس: إنَّ اليهودَ شتموا النبيَّ :﴿ والمسلمين لمَّا نَزلَ قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وقالوا: كيف نتَّبع رجلاً لا يدري
ما يُفعل به! فاشتدَّ ذلك على النبيِّ ﴾، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيْنَا لِيَغْفِرَ
لَكَ الَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَتْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(١).
ونحوه قال مقاتل بن سليمان: لمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا
بِكُمْ﴾ فَرِحَ المشركون والمنافقون، وقالوا: كيف نشَّبع رجلاً لا يدري ما يُفْعَل به ولا
بأصحابه فنزلتْ بعد ما رجع من الحديبية: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْمًا فُبِينَا﴾ أي: قضينا لك
قضاء. فنَسخَتْ هذه الآيةُ تلك. فقال النبيُّ ◌َ﴾: «لقد أُنزلت عليَّ سورةٌ ما يَسُرُّني بها
حُمْرُ النَّعَم)) (٢).
وقال المسعودي: بلغني أنَّه من قرأ سورةَ الفتح في أوَّل ليلةٍ من رمضان في صلاة
التطوُّع حفظه الله ذلك العام(٣).
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَمِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
T
اختُلِف في هذا الفتح ما هو؟ ففي البخاري(٤): حدّثني محمد بن بشار قال:
حدّثنا غُندر قال: حدّثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾
قال: الحُدَيْبِيَة.
(١) أسباب النزول للواحدي ص٤٠٣-٤٠٤، وسلف نحوه في موضعه من الأحقاف.
(٢) ذكره بنحوه أبو الليث في تفسيره ٢٤٩/٣، وليس فيه ذكر النَّسخ، ولا قول النبي # ((لقد نزلت علي
سورة ... )).
(٣) ذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٠ وعزاه للسِّلَفي في الطيوريات، ولم يذكر المسعودي إسناده إلى
من بلغه، فالخبر ضعيف. ثم إن المسعودي - وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن
مسعود - صدوق اختلط قبل موته؛ كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب.
(٤) برقم (٤٨٣٤).

٢٩٦
سورة الفتح: الآية ١
وقال جابر: ما كنا نعدُّ فتح مكّة إلا يومَ الحُدَيْبَيَةُ(١).
وقال البراء (٢): تعدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مَّة، وقد كان فتح مكَّة فتحاً، ونحن نعدُ
الفتحَ بيعةَ الرِّضوان يومَ الحديبية، كنا نُعَدُّ مع النبي ﴾ أربع عشرة مئة، والحديبية
بتر (٣).
وقال الضحاك: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بغير قتال. وكان الصلح من الفتح(٤).
وقال مجاهد(٥): هو مَنْحَره بالحديبية وحلقه رأسه.
وكان(٦) فتحُ الحديبية آيةٌ عظيمة، نُزِحَ ماؤُها، فمجَّ فيها، فدرَّت بالماء حتى
شَرب جميعُ من كان معه(٧).
وقال موسى بن عقبة: قال رجلٌ عند مُنصَرَفهم من الحديبية: ما هذا بفتح؛ لقد
صدُّونا عن البيت. فقال النبيُّ﴾: ((بل هو أعظمُ الفتوح، قد رضيَ المشركون أنْ
يدفعوكم عن بلادهم بالرَّاح، ويسألوكم القضيَّة، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا
منكم ما كرهوا))(٨) .
وقال الشعبيُّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا فُبِينًا﴾ قال: هو فتحُ الحديبية، لقد
(١) أخرجه الطبري ٢٤٢/٢١.
(٢) في النسخ: الفراء. وهو خطأ.
(٣) قطعة من حديث البراء أخرجه البخاري (٤١٥٠)، والطبري ٢٤٣/٢١، وأخرج بعضه أحمد
(١٨٥٦٣). وفي الطبري: خمس عشرة مئة. بدل: أربع عشرة مئة. قال الحافظ ابن حجر ٤٤٠/٧ :
والجمع بين هذا الخلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربع مئة، فمن قال: ألفاً وخمس مئة جبر الكسر،
ومن قال ألفاً وأربع مئة ألغاه.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ١٨٨/٤ .
(٥) تفسير مجاهد ٦٠١/٢، وأخرجه الطبري ٢٣٩/٢١.
(٦) في النسخ عدا (د) و(ز): وقال: كان. بدل: وكان.
(٧) معاني القرآن للزجاج ١٩/٥، والكشاف ٥٤٠/٣ . وهذا المعنى هو بعض حديث البراء عند البخاري
(٤١٥٠) السالف ذكره.
(٨) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٥٤١. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ١٦٠.

٢٩٧
سورة الفتح: الآية ١
أصاب بها ما لم يُصِب في غزوة، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، وبُويع بيعةَ
الرضوان، وأُطعِموا نخلَ خيبر، وبلغَ الهَدْيُ مَحِلّه، وظهرت الرومُ على فارس، ففرح
المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس(١) .
وقال الزهريّ: لقد كان الحديبيةُ أعظمَ الفتوح؛ وذلك أنَّ النبيَّ # جاء إليها في
ألف وأربع مئة، فلما وقع الصلحُ؛ مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن
الله، فما أراد أحدٌ الإسلام إلا تمكّن منه؛ فما مضتْ تلك السنتان إلاَّ والمسلمونَ قد
جاؤوا إلى مكّة في عشرة آلاف(٢). وقال مجاهدٌ أيضاً والعَوْفي(٣): هو فتح خيبر.
والأوَّل أكثر؛ وخَيْبَرُ إنَّما كانت وغْدًا وُعِدُوه؛ على ما يأتي بيانه في قوله تعالى:
◌ِسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أُنَطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥]، وقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةُ
تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠].
وقال مُجَمِّع بن جارية - وكان أحدَ القرَّاء الذين قرؤوا القرآن -: شهدنا الحديبيةً
مع النبيِّ ﴾، فلمَّا انصرفنا عنها، إذا الناس يهزُّون الأباعر، فقال بعضُ النَّاس
لبعض: ما بالُ النَّاس؟ قالوا: أوحى الله إلى النبيِّ لَ﴾. قال: فخرجنا نُوجِف فوجدنا
نبيَّ اللـه ﴾ عند كُراع الغَمِيم، فلمَّا اجتمع الناسُ قرأ النبيُّ ◌َ﴾: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا
◌ُبِينًا﴾. فقال عمرُ بن الخطاب: أوَ فتحّ هو يا رسول الله؟ قال: ((نعم، والذي نفسي
بيده إنَّه لَفتح)). فقُسِمت خيبرُ على أهل الحديبية، لم يُدْخَل فيها (٤) أحدٌ إلاَّ من شَهد
الحديبية(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥، والطبري ٢٤٤/٢١، والبيهقي في الدلائل ١٦٢/٤ - ١٦٣.
(٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٧/٣ .
(٣) ذكر قولهما ابن الجوزي في زاد المسير ٤٢٣/٧ .
(٤) لفظة: فيها. ليست في (م).
(٥) أخرجه أحمد (١٥٤٧٠)، وأبو داود (٢٧٣٦). قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦٨/٦: وفي
إسناده ضعف. اهـ. قوله: يهزون الأباعر: أي يحثُّونها ويدفعونها، والوهز: شدَّة الدفع والوَطء.
النهاية (وهز)، وقوله: نوجف: الإيجاف سرعة السير، النهاية (وجف). وكُراع الغميم: موضع بناحية
الحجاز بين مكة والمدينة. معجم البلدان ٤/ ٤٤٣ .

٢٩٨
سورة الفتح: الآيات ١ - ٣
وقيل: إنَّ قوله تعالى: ((فَتْحاً)) يدلُّ على أنَّ مَّة فُتحِت عَنْوةٌ؛ لأنَّ اسم الفتح لا
يقع مطلقاً إلاَّ على ما فُتِحِ عَنْوةً. هذا هو حقيقةُ الاسم. وقد يقال: فُتِح البلد صُلحاً،
فلا يفهمُ الصُّلح إلَّا بأن يُقرن بالفتح، فصار الفتحُ في الصلح مجازاً(١). والأخبارُ دالةٌ
على أنَّها فُتِحت عَنْوة؛ وقد مضى القولُ فيها، ويأتي(٢).
قوله تعالى: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وَيَصُرَكَ اَللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾﴾
قال ابن الأنباري: ((فَتحاً مُبِناً)) غير تام؛ لأنَّ قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ﴾ متعلقٌ
بالفتح. كأنَّه قال: إنَّا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجمعَ الله لك مع الفتح المغفرة؛
فيجمع الله لك به ما تَقَرُّ به عينُك في الدنيا والآخرة. وقال أبو حاتم السّجستانيّ: هي
لام القسم. وهذا خطأ؛ لأنَّ لامَ القسم لا تُكسر ولا يُنَصب بها؛ ولو جاز هذا لجاز:
ليقوم زيد؛ بتأويل ليقومنَّ زيد(٣).
الزَّمخْشَرِي (٤): فإنْ قلتَ: كيف يجعل فتحَ مكّة عِلَّةٌ للمغفرة؟ قلت: لم يُجعل
علَّةٌ للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدَّد من الأمور الأربعة؛ وهي: المغفرةُ، وإتمامُ
النعمة، وهدايةُ الصراط المستقيم، والنصرُ العزيز. كأنَّه قيل(٥): يَسَّرْنا لك فتح مگّة،
ونصرناك على عدوّك ليُجمع لك عِزُّ الدَّارين، وأغراضُ(٦) العاجل والآجل. ويجوز
أنْ يكونَ فتحُ مكّة من حيثُ إنَّه جهادٌ للعدوِّ سبباً للغفران والثواب.
وفي الترمذيّ عن أنس قال: أُنزلت على النبيّ ◌َ﴾ .: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ
(١) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٣٩٣/٣.
(٢) سلف ١٤ / ٣٥٢، وسيأتي ص ٢٨٢ من هذا الجزء.
(٣) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٠٠ و٧٠٠ .
(٤) في الكشاف ٥١٤/٣ .
(٥) في (م): قال.
(٦) في النسخ: أعراض. والمثبت من الكشاف.

٢٩٩
سورة الفتح: الآيتان ٢ - ٣
وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مَرجِعَه من الحديبية؛ فقال النبي ﴾: «لقد أُنزِلت عليَّ آيَةٌ أحبُّ إليَّ ممَّا
على وجه الأرض)). ثم قرأها النبيُّ# عليهم؛ فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسولَ الله، لقد
بَيَّن الله لك ماذا يُفْعَل بك؛ فماذا يُفْعَل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيَدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ حتى بلغ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]. قال: حديثٌ حسنٌ
صحيح، وفيه عن مُجَمِّع بن جارية(١).
واختلف أهلُ التأويل في معنى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فقيل:
﴿مَا تَّقَدَّمَ مِنْ ذَنْكَ﴾ قبل الرسالة. ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ بعدها؛ قاله مجاهد(٢). ونحوه قال
الطبريُّ وسفيانُ الثوري.
قال الطبريّ: هو راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى
قوله: ﴿تَوَّابًا﴾ [النصر: ١-٣]. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ﴾ قبل الرسالة ﴿وَمَا
تَأَخَّرَ﴾ إلى وقت نزول هذه الآية(٣).
وقال سفيانُ الثوري: ﴿لَيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ﴾: ما عملتَه في الجاهلية من
قبل أنْ يوحى إليك . ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: كلَّ شيء لم تعمله؛ وقاله الواحدي(٤).
وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على الأنبياء في سورة البقرة(٥)؛ فهذا قول.
وقيل: ((مَا تَقَدَّمَ)): قبل الفتح. ((ومَا تَأَخَّرَ)) بعد الفتح. وقيل: ((مَا تَقَدَّمَ)»: قبل نزول
(١) سنن الترمذي (٣٢٦٣)، وهو عند أحمد (١٢٢٢٦)، وأخرجه البخاري (٤١٧٢) من طريق شعبة عن
قتادة. قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كلّه عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له فقال: أما ﴿إِنّا
فَحْنَا لَكَ﴾ فعن أنس، وأما هنيئاً مريئاً، فعن عكرمة. اهـ. وأخرج مسلم (١٧٨٦) الشطر الأول منه.
وحديث مجمِّع بن جارية سلف قريباً.
(٢) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٩٦/٤.
(٣) تفسير البغوي ١٨٩/٤، وعنه نقل المصنف كلام الطبري. إلا أن قول الطبري كما في تفسيره
٢٣٦/٢١ :... ما تقدم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخر بعد فتحه لك ذلك.
(٤) في الوسيط ٤/ ١٣٤.
(٥) ١/ ٤٥٨ - ٤٦٠ .

٣٠٠
سورة الفتح: الآيتان ٢ - ٣
هذه الآية. ((ومَا تَأْخَّرَ)) بعدها(١).
وقال عطاء الخراسانيّ: ((مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ)) يعني من ذنب أبويك آدم وحوّاء.
((ومَا تَأْخَّرَ)) من ذنوب أمتك(٢).
وقيل: من ذنب أبيك إبراهيم. (وَمَا تَأخَّرَ)) من ذنوب النبيّين.
وقيل: ((مَا تَقَدَّمَ)): من ذنب يوم بدر. ((ومَا تَأْخَّرَ)) من ذنب يوم حُنَين. وذلك أنَّ
الذنب المتقدّم يوم بدر، أنَّه جعل يدعو ويقول: «اللهم إنْ تهلك هذه العصابة لا تُعْبد
في الأرض أبداً)). وجعل يردِّدُ هذا القول دفعات، فأوحى الله إليه: من أين تعلم أني
لو أهلكتُ هذه العصابة لا أُعبد أبداً؛ فكان هذا الذنبَ المتقدِّم. وأمَّا الذنبُ المتأخر
فيوم حنين، لمَّا انهزمَ النَّاسُ قال لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان: ((ناولاني كَفَّا
من حَصْباء الوادي)) فناولاه، فأخذَه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال: ((شاهت
الوجوه. حَم. لا ينصرون)). فانهزمَ القوم عن آخرهم، فلم يبق أحدٌ إلا امتلأت عيناه
رملاً وحصباء. ثم نادى في أصحابه فرجَعوا، فقال لهم عند رجوعهم: ((لو لم أرمهم
لم ينهزموا)). فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَعَ﴾
[الأنفال: ١٧] فكان هذا هو الذنبَ المتأخّر.
وقال أبو علي الرُّوذَبَاري: يقول: لو كان لك ذنبٌ قديم أو حديثٌ لغفرناه لك(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيُبِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: في الجنة(٤). وقيل: بالنبوّة
والحكمة(٥). وقيل: بفتح مكّة والطائف وخيبر. وقيل: بخضوع من استكبر، وطاعة
من تجبَّر (٦). ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: يُثبِّتك على الهدى إلى أنْ يقبضك إليه.
(١) النكت والعيون ٣١٠/٥.
(٢) ذكره البغوي ١٨٩/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٢٦/٥.
(٣) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٥٣/٢٦ دون نسبة.
(٤) الوسيط ٤/ ١٣٤.
(٥) تفسير البغوي ١٨٩/٤ .
(٦) النكت والعيون ٣١٠/٥.