النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة محمد: الآية ٢ ربهم. وقيل: أي: إنَّ القرآن هو الحقُّ من ربهم (١)، نَسَخَ به ما قبلَه ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَبِئَاتِهِمْ﴾ أي: ما مضى من سيئاتهم قبل الإيمان. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: شأنَّهم؛ عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالَهم. ابن عباس: أمورهم. والثلاثة متقاربة، وهي متأوّلة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. وحكى النقاشُ أنَّ المعنى: أصلح نياتِهم؛ ومنه قول الشاعر : فإن تُقبلي بالودِّ أقبِلْ بمثله وإن تُدبري أذهبْ إلى حالٍ باليا(٢) وهو على هذا التأويل(٣) محمول على إصلاح دينهم(٤). (والبال)) كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العربُ إلا في ضرورة الشِّعر فيقولون فيه: بالات(٥). المبرِّد: قد يكون البال في موضع آخر بمعنى القلب؛ يقال: ما يخطر فلان على بالي، أي: على قلبي (٦). الجوهري (٧): والبال رخاءُ النفس؛ يقال: فلان رخيّ البال. والبال: الحال؛ يقال: ما بالك؟ وقولهم: ليس هذا من بالي، أي: مما أباليه. والبال: الحوتُ العظيمُ من حيتان البحر، وليس بعربيّ. والبالة: وعاء الطِّيب؛ فارسي معرَّب، وأصله بالفارسية بيله. قال أبو ذؤيب: كأنَّ عليها بالةً لَظَمِيَةً لها من خلال الدَّأْيتَيْنِ أرِيجُ(٨) (١) النكت والعيون ٢٩١/٥ . (٢) النكت والعيون ٥/ ٢٩١ - ٢٩٢، والبيت أيضاً في أمالي الزجاجي ص ١٦١ غير منسوب. (٣) في (م): التأول. (٤) النكت والعيون ٢٩٢/٥. (٥) المحرر الوجيز ١١٠/٥، وفيه: البال: مصدر، كالحال والشأن. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٧٨/٤. (٧) في الصحاح (بول). (٨) البيت في ديوان الهذليين ص٥٩. اللطميّة: أو: اللطيمة: هي العنبرة التي لُطِمت بالمسك، فتفتّقت = ٢٤٢ سورة محمد: الآيتان ٣ - ٤ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن ◌َّيْهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَبَعُواْ الْحَقَّ مِن زَِّهِمْ﴾ ((ذلك)) في موضع رفع، أي: الأمر ذلك، أو ذلك الإضلال والهدى المتقدم ذكرهما سببه هذا(١). فالكافر اتّبع الباطل، والمؤمن اتّبع الحقّ. والباطل: الشرك. والحقّ: التوحيد والإيمان. ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾ أي: كهذا البيان الذي بُيّن؛ يُبَيّن الله للناس أمر الحسنات والسيئات(٢). والضمير في ((أَمْثَالَهُمْ)) يرجع إلى الذين كفروا والذين آمنوا(٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابٍ حَّةٍ إِذَا أَنْخَتُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءٍ حَتَّى تَضَعَ الْرِبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِنَّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابٍ﴾ لمَّا ميّز بين الفريقين؛ أمرَ بجهاد الكفار. قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدةُ الأوثان. وقيل: كلُّ من خالف دينَ الإسلام من مشركٍ أو كتابيٍّ إذا لم يكن صاحبَ عهد ولا ذِمّة. ذكره الماوردي(٤)، واختاره ابن العربيّ(٥) وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه. = به حتى نشبت رائحتها. الدأي: ضلوع الصدر في ملتقاه وملتقى الجنب. الأريج: الريح الطيبة. اللسان (لطم) (دأي) (أرج). (١) أي: تكون ((ذلك)) إما في موضع رفع خبر، على إضمار مبتدأ، أي: الأمر ذلك، أو في موضع رفع بالابتداء، وما بعده خبره. إعراب القرآن للنحاس ١٧٨/٤ . (٢) معاني القرآن للنحاس ٦ / ٤٦١ . (٣) تفسير الرازي ٤٣/٢٨ . (٤) في النكت والعيون ٢٩٣/٥ . (٥) في أحكام القرآن له ٤/ ١٦٨٨ . ٢٤٣ سورة محمد: الآية ٤ ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) مصدر (١). قال الزجَّاج(٢): أي: فاضربوا الرِّقاب ضرباً. وخصّ الرِّقاب بالذِّكر؛ لأنَّ القتلَ أكثر ما يكون بها(٣). وقيل: نصب على الإغراء (٤). قال أبو عبيدة(٥): هو كقولك: يا نفسُ صبراً. وقيل: التقدير: اقصدوا ضرب الرقاب(٦). وقال: ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) ولم يقل: فاقتلوهم؛ لأنَّ في العبارة بضرب الرِّقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل؛ لِما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة؛ وهو حزُّ العنق وإطارةُ العضو الذي هو رأس البدن وعُلوه وأوْجَهُ أعضائه(٧). الثانية: قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنَْتُهُمْ﴾ أي: أكثرتُم القتل. وقد مضى في (الأنفال)) عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُتْحِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾ [الأنفال: ٦٧](٨). ﴿فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾ أي: إذا أسرتُموهم. والوَثاق اسم من الإيثاق، وقد يكون مصدراً؛ يقال: أوثقتُه إيثاقاً ووَثاقاً (٩). وأما الوٍثاق - بالكسر - فهو اسم الشيء الذي يوثَق به؛ كالرِّباط. قاله القشيري. وقال الجوهَري(١٠): وأوثقه في الوٍثاق، أي: شدّه، وقال تعالى: ((فَشُدُّوا الوثاقَ)». والوِثاق - بكسر الواو - لغة فيه. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٧٩/٤. (٢) في معاني القرآن له ٦/٥ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٦ / ٤٦١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٧٩/٤ - ونسب القول فيه للفراء - وتفسير البغوي ٤ /١٧٨. (٥) في مجاز القرآن ٢١٤/٢ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤ /١٦٨٨. (٧) الكشاف ٣/ ٥٣٠ . (٨) ١٠ / ٧٤ . (٩) الوسيط ١١٩/٤، وزاد المسير ٣٩٧/٧. (١٠) في الصحاح (وثق). ٢٤٤ سورة محمد: الآية ٤ وإنما أمر بشدّ الوَثاق لئلا يُفلِتوا. ﴿فَإِمَّا مَنّ﴾ عليهم بالإطلاق من غير فِدْية ﴿وَإِمَّا فِدَةٌ﴾(١). ولم يذكر القتل هاهنا؛ اكتفاءً بما تقدّم من القتل في صدر الكلام. و((مَنَّا)) و((فِدَاءً)) نصب بإضمار فعل. وقرئ: ((فَدّى)) بالقصر مع فتح الفاء، أي: فإما أن تمنُّوا عليهم مَنَّا، وإما أن تفادوهم فِداءً(٢). روي عن بعضهم أنَّه قال: كنت واقفاً على رأس الحجّاج حين أُتيَ بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانُ مئة، فقتل منهم نحواً من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كِندة فقال: يا حجَّاج، لا جازاك الله عن السنّة والكرم خيراً! قال: ولم ذلك؟ قال: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإذَا لَفِيُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ اُلِقَابٍ خََّ إِذَا أَنَْتُوُمْ فَشُدُواْ الْوَثَقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ في حقّ الذين كفروا، فوالله ما مَنَنْتَ ولا فَدَيتَ! وقد قال شاعركم فيما وصف به قومَه من مكارم الأخلاق: إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِمِ(٣) ولا نَقتلُ الأسرى ولكن نفكّهم فقال الحجّاج: أفِّ لهذه الجِيَف! أمَّا كان فيهم مَنْ يحسن مثل هذا الكلام؟! خَلُّوا سبيل من بقي. فخُلِّيَ يومئذ عن بقية الأسرى - وهم زهاء ألفين - بقول ذلك (٤) الرجل (٤) . الثالثة: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: الأوّل: أنها منسوخةٌ، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن يفادَوا ولا يُمَنَّ عليهم. والناسخُ لها عندهم قوله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥) (١) تفسير البغوي ١٧٨/٤ بنحوه. (٢) الكشاف ٥٣١/٣، وتفسير الرازي ٤٤/٢٨، وذكر قراءة: فَدِّى، الزمخشري، وهي قراءة شاذة. (٣) البيت للفرزدق كما في طبقات فحول الشعراء ٤٠٢/٢، والأغاني ٣٤٣/١٥. (٤) القصة مختصرة في العقد الفريد ١٧٤/٢ ورواية البيت فيه: (القلائد) بدل: (المغارم)، وبهجة المجالس ٩٩/١، ووقع في وفيات الأعيان لابن خلّكان ٣٩/٢ أنّه رجل من بني تميم. (٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥/٣. ٢٤٥ سورة محمد: الآية ٤ [التوبة: ٥] وقوله: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقولُه: ﴿وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦] الآية. قاله قتادة والضحاك والسُّدّي وابنُ جُرَيج والعَوْفي عن ابن عباس، وقاله كثير من الكوفيين(١). وقال عبد الكريم الجَزَري(٢): كُتب إلى أبي بكر في أسير أسِر، فذكروا أنَّهم التمسوه بفداء كذا وكذا، فقال: اقتلوه، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبّ إليّ من كذا وكذا(٣). الثاني: أنها في الكفار جميعاً. وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر، منهم قتادة ومجاهد. قالوا: إذا أُسِر المشركُ، لم يجز أن يُمَنَّ عليه، ولا أن يفادى به فيردّ إلى المشركين، ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة؛ لأنَّها لا تُقتل. والناسخ لها: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إذ كانت ((براءة)) آخر ما نزلت بالتوقيف؛ فوجب أن يُقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن تؤخذ منه الجزية (٤) - وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة (٥) - خيفة أن يعودوا حَرْباً للمسلمين. ذكر عبد الرّزاق أخبرنا معمر عن قتادة ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ قال: نسخها: ﴿فَشَرِدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]. وقال مجاهد: نسخها: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وهو قول الحگم.(٦) الثالث: أنها ناسخة. قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن جُوَيبِر عن الضحاك: (١) تفسير الطبري ١٨٣/٢١ - ١٨٥. (٢) في (م) و(د) و(ز) و(ق): الجوزي، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. (٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٠، والطبري في تفسيره ٢١/ ١٨٤، وذكره أبو الليث في تفسيره ٢٤٠/٣. (٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٢٤/٢، ٠٧/٣ (٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤ /١٦٩٠. (٦) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٠/٣، وأثر قتادة في تفسير عبد الرزاق ٢٢١/٢ . ٢٤٦ سورة محمد: الآية ٤ ﴿ فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قال: نسخها ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآَةٌ﴾. وقال ابن المبارك عن ابن جُرَيج عن عطاء: ((فَإِمَّا مَنَّا بَعدُ وإِمَّا فِدَاءً)) فلا يُقتل المشرك ولكن يُمَنّ عليه ويُفادى؛ كما قال الله عزَّ وجلَّ. قال الأشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو: ((فَإِمَّا مَنَّ بَعدُ وإِمَّا فِدَاءً))(١). وقال الحسن أيضاً: في الآية تقديم وتأخير؛ فكأنه قال: فضرب الرِّقاب حتى تضع الحربُ أوزارَها. ثم قال: ﴿حََّ إِذَا أَنَْتُوُمْ فَشُدُواْ الْوَاقَ﴾. وزعم أنَّه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله، لكنه بالخيار في ثلاثة منازل: إما أن يَمُنّ، أو يُفادى، أو يسترقّ(٢). الرابع: قول سعيد بن جُبَير: لا يكون فداءٌ ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فإذا أسِر بعد ذلك، فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره(٣). الخامس: أنَّ الآية محكمة، والإمام مخيَّر في كل حال(٤)؛ رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس(٥)، وقاله كثير من العلماء؛ منهم ابن عمرَ والحسن وعطاء، وهو مذهبُ مالك والشافعيِّ والثوريِّ والأوزاعيِّ وأبي عبيد وغيرهِم، وهو الاختيار؛ لأنَّ النبيَّ :﴿ والخلفاء الراشدين فعلوا كلَّ ذلك(٦)؛ قَتَل النبيُّ ◌َ﴾ عُقبة بن أبي مُعَيط والنضرَ بنَ الحارث يوم بدر صَبْرًا(٧)، وفادى سائر أسارى بدر، ومنَّ على أبي عروة (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٠/٣-١١. (٢) أحكام القرآن للكيا ٤/ ٣٧٤ . (٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥/٣، ١١. (٤) الناسخ والمنسوخ ٥/٣ . (٥) أخرجه أبو عبيد في الأموال ص ١٧٠ (٣٤٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٢/٣ . (٦) الأوسط لابن المنذر ٢٢٤/١١-٢٢٧، وينظر تفسير البغوي ١٧٨/٤. (٧) سلف ٢٣/١٠. ٠ ٢٤٧ سورة محمد: الآية ٤ الجمحي(١)، وقتل بني قريظة وقد نزلوا على حكم سعد وصاروا في يده سِلْماً(٢). ومَنَّ على ثُمامة بن أُثَال الحنفي وهو أسير في يده(٣)، وأخذ من سلمة بن الأكوع جاريةً ففدى بها أناساً من المسلمين (٤)، وهبط عليه - عليه الصلاة والسلام - قوم من أهل مكة، فأخذهم النبيُّ :﴿ وقد منّ عليهم، وقد منّ على سَبي هوازن(٥). وهذا كلُّه ثابت في الصحيح، وقد مضى جميعه في ((الأنفال))(٦) وغيرها. قال النحاس(٧): وهذا على أنَّ الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قولٌ حسن؛ لأنَّ النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبُّد، إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر؛ جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمنّ على ما فيه الصلاح للمسلمين. وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد. وحكاه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة، والمشهورُ عنه ما قدّمناه(٨)، وبالله عزَّ وجلَّ التوفيق. الرابعة: قوله تعالى: ﴿حَّى تَضَعَ الْرّبُ أَوْزَارَهَا ﴾ قال مجاهد وابن جبير: هو خروج عيسى عليه السلام(٩). وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى حتى لا يكون دينٌ إلا دين (١) الكشاف ٥٣١/٣ وفيه (الحجبي) بدل (الجمحي). (٢) من قوله: ((ومنّ على أبي عروة)) إلى قوله: ((في يده سلماً)). من (خ) و(د) و(ظ) و(ف). وحكم سعد في بني قريظة سلف ٦٣/٦ . ووقع في (د) ((وقتل من قريظة)» بلد ((وقتل بني قريظة)). (٣) سلف ٢/ ٤٢٢. (٤) أخرجه أحمد (١٦٥٠٢)، ومسلم (١٧٥٥) مطولاً. (٥) سلف ١٠/ ١١. (٦) ١٠/ ٧١ فما بعدها. (٧) في الناسخ والمنسوخ ١٢/٣ . (٨) الكشاف ٣/ ٥٣١. (٩) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٦٣، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٥٩٧. ٢٤٨ سورة محمد: الآية ٤ الإسلام، فَيُسْلِم كل يهوديّ ونصرانيّ وصاحب مِّة، وتأمن الشاة من الذئب(١). ونحوه عن الحسن والكلبي والفرّاء (٢) والكسائي. قال الكسائي: حتى يُسْلِم الخلق. وقال الفرّاء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدِّين كلِّه(٣). وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. وقيل: معنى الأوزار السلاح؛ فالمعنى: شدّوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا (٤) السلاح(٤). وقيل: معناه حتى تضع الحرب؛ أي: الأعداءُ المحاربون أوزارَهم(6)؛ وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة(٦). ويقال للكراع: أوزار. قال الأعشى: رماحاً طِوَالاً وخَيْلاً ذُكُورا وأعددْت للحرب أوزارَها على أثر الحيِّ عِيراً فعِيرا(٧) ومِن نَسْج داودَ يحدى بها وقيل: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) أي: أثقالها. والوِزر: الثقل، ومنه وزير الملك؛ لأنَّه يتحمّل عنه الأثقالَ. وأثقالها: السلاح؛ لثقل حملها(٨). قال ابن العربي(٩): قال الحسن وعطاء: في الآية تقديم وتأخير؛ المعنى: (١) أحكام القرآن للكيا ٣٧٤/٤-٣٧٥، وقول مجاهد أيضاً في تفسيره ٢/ ٥٩٧ ، وأخرجه الطبري ١٨٨/٢١ . (٢) في معاني القرآن له ٥٧/٣- ٥٨ . (٣) النكت والعيون ٢٩٣/٥ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٦٤ بنحوه. (٥) تفسير الرازي ٤٥/٢٨ . (٦) النكت والعيون ٢٩٣/٥ . : (٧) تفسير غريب القرآن ص ٤٠٩، والبيتان في ديوان الأعشى ص١٤٩، ورواية البيت الثاني فيه: تُساق مع الحيِّ عيراً فعيرا ومن نَسْج داودَ موضونة (٨) النكت والعيون ٢٩٣/٥ . (٩) في أحكام القرآن ١٦٩١ - ١٦٩٢ .. ٢٤٩ سورة محمد: الآية ٤ فضرب الرِّقاب حتى تضع الحربُ أوزارَها، فإذا أثخنتموهم فشدّوا الوَثاق، وليس للإمام أن يقتل الأسير. وقد روي عن الحجّاج أنه دفع أسيراً إلى عبد الله بن عمر ليقتله، فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله، وقرأ: ﴿حََّ إِذَا أَنَْتُهُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ﴾. قلنا: قد قاله رسولُ الله :﴿ وفعله(١)، وليس في تفسير الله للمنّ(٢) والفداء منع من غيره، فقد بيّن الله في الزنى حكم الجلد، وبيّن النبيّ ﴿ حكم الرجم، ولعلَّ ابنَ عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَنَصَرَ مِنْهُمْ﴾ ((ذَلِكَ)) في موضع رفع على ما تقدّم، أي: الأمر ذلك الذي ذكرت وبينت(٣). وقيل: هو منصوب على معنى افعلوا ذلك (٤). ويجوز أن يكون مبتدأ، المعنى: ذلك حكمُ الكفار. وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، وهو كما قال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلِّينَ لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ [ص: ٥٥]. أي: هذا حقٌّ وأنا أعرّفكم أنَّ للظالمين كذا. ومعنى: ((لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ)) أي: أهلكهم بغير قتال(٥). وقال ابن عباس: لأهلكهم بجند من الملائكة(٦). ﴿وَلَكِنْ لِبْلُواْ بَعْضَكُمْ يِبَعْضٍ﴾ أي: أمركم بالحرب ليبلُوَ ويختبرَ بعضكم ببعض، فيعلم المجاهدِين والصابرين، كما في السورة نفسِها (٧). ﴿وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِي سَبِيلِ الَّهِ﴾ يريد قتلى أُحُد من المؤمنين ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُ﴾ قراءة العامة: ((قاتلوا)) وهي اختيار أبي عبيد. وقرأ أبو عمرو وحفص: ((قُتِلوا)) بضم القاف وكسر التاء (٨)، (١) سلف ١٠/ ٧٣ . (٢) في النسخ الخطية (لكم) بدل (للمنّ)، وهي نسخة من أحكام القرآن كما في حواشيه، والمثبت من (م) والأحكام. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٧٩/٤. (٤) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٧ . (٥) تفسير البغوي ٤ /١٧٩ . (٦) نسب القول في النكت والعيون ٢٩٤/٥ للكلبي. (٧) الآية ٣١، وينظر الكشاف ٥٣١/٣. (٨) السبعة ص ٦٠٠، والتيسير ص ٢٠٠ . ٢٥٠ سورة محمد: الآيتان ٤ - ٥ وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدّد التاء على التكثير(١). وقرأ الجَحْدرِيّ وعيسى بن عمر وأبو حَيْوة: ((قَتَلُوا)) بفتح القاف والتاء من غير ألف (٢)؛ يعني الذين قتلوا المشركين. قال قتادة: ذكر لنا أنَّ هذه الآية نزلت يوم أُحُد ورسولُ اللـه ﴾ في الشّعب، وقد فَشَت فيهم الجراحات والقتل(٣)، وقد نادى المشركون: اعْلُ هُبَلُ. ونادى المسلمون: الله أعلى وأجلّ. وقال المشركون: يومٌ بيوم بَدر والحرب سِجال. فقال النبي : «قولوا: لا سواء. قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون، وقتلاكم في النار يعذَّبون)). فقال المشركون: إنَّ لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. وقد تقدّم ذكر ذلك في ((آل عمران)) (٤). قوله تعالى: ﴿سَهْدِيِمْ وَيُصْلِحُ بَلَمْ قال القشيري: قراءة أبي عمرو: ((قُتِلوا)) بعيدة؛ لقوله تعالى: ((سَيَهْدِيهِم وَيُصْلِحُ بالَهُمْ)) والمقتول لا يوصف بهذا. قال غيره: يكون المعنى سيهديهم إلى الجنة، أو سيهدي من بقي منهم. أي: يحقّق لهم الهداية. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجّة منكر ونكير في القبر (٥). قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشادُ المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المُفْضية إليها؛ من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُ . سَيَهْدِيهِمْ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] معناه: فاسلكوهم إليها (٦). (١) القراءات الشاذة ص ١٤٠. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٨٠، والمحرر الوجيز ١١١/٥. (٣) تفسير البغوي ١٧٩/٤، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٩٠/٢١-١٩١. (٤) ٣٥٨/٥ - ٣٥٩ . (٥) النكت والعيون ٢٩٤/٥ . (٦) في (م) و(ق): فاسلكوا بهم إليها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١/ ٧٣ وكلام أبي المعالي منه. ٢٥١ سورة محمد: الآية ٦ قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ أي: إذا دخلوها يقال لهم: تفرّقوا إلى منازلكم، فهم أعرفُ بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين(١). وفي البخاري(٢) ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: قال رسول الله ﴾: «يَخْلُص المؤمنون من النار، فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنَّة والنار [فَيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا] حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُوا، أُذِن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسُ محمد بيده لَأَحدُهم أهدى بمنزله في الجنة [منه] بمنزله كان(٣) في الدنيا». وقيل: ((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) أي: بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال (٤). قال الحسن: وصف الله تعالى لهم الجنةَ في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها(٥). وقيل: فيه حذف، أي: عَرَّف طرقَها ومساكنَها وبيوتَها لهم، فحذف المضاف. وقيل: هذا التعريف بدليل، وهو المَلَك المؤكَّل بعمل العبد يمشي بين يديه (٦) ويتبعه العبد حتى يأتي العبدُ منزلَه، ويعرّفه المَلَك جميع ما جُعل له في الجنة. وحديث أبي سعيد الخُذْريّ يردّه. وقال ابن عباس: ((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) أي: طيّبها لهم بأنواع الملاذْ؛ مأخوذ من العَرْف، (١) الوسيط ١٢١/٤ دون ذكر مجاهد، وينظر قوله في الكشاف ٥٣٢/٣، وزاد المسير ٣٩٨/٧. (٢) في صحيحه (٦٥٣٥) وما سيأتي بين حاصرتين منه، وسلف عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الزمر. القنطرة: الجسر. اللسان (قنطر). (٣) لفظة ((كان)) ليست في (م). (٤) الوسيط ١٢١/٤. (٥) النكت والعيون ٢٩٤/٥ -٢٩٥ . (٦) تفسير الرازي ٤٨/٢٨ بنحوه. ٢٥٢ سورة محمد: الآيتان ٦ - ٧ وهو الرائحة الطيبة. وطعام مُعَرَّف، أي: مطيّب(١)، تقول العرب: عرّفت القِدر: إذا طيبتَها بالملح والأبزار(٢). وقال الشاعر یخاطب رجلاً ويمدحه: عَرُفْتَ كإِتْبِ عرّفته اللَّطائمُ يقول(٣): كما عَرُف الإِثْب، وهو البَقِير والبَقِيرة، وهو قميص لا كمّينٍ(٤) له، تلبسه النساء(٥). وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، يقال: خزير(٦) معرّف، أي: بعضه على بعض، وهو من العُرْف المتتابع كعُرف الفرس . وقيل: ((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) أي: وفَّقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة. وقيل: عرّف أهل السماء أنّها لهم؛ إظهاراً لكرامتهم فيها. وقيل: عرّف المطيعين أنها لهم. قوله تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُنَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ٧ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار. نظيره: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ؟﴾ [الحج: ٤٠] وقد تقدّم(٧). وقال قُظْرُب: إن تنصروا نبيّ الله ينصركم الله، والمعنى واحد . ﴿وَيُثِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي: عند القتال. وقيل: على الإسلام. وقيل: على الصراط. (١) الوسيط ١٢١/٤، وتفسير البغوي ٤ /١٧٩. (٢) المحرر الوجيز ١١٢/٥ بنحوه. (٣) في (م): يقوله. (٤) في النسخ الخطية: كمّي. (٥) الصحاح (عرف) (بقر). اللطائم : - جمع لطيمة - قطعة مسك. اللسان (لطم). (٦) في النسخ حرير، والمثبت من تهذيب اللغة ٣٤٥/٢ ، والكلام منه. والخزير: اللحم الغاب يؤخذ فيقطع صغاراً في القدر، ثمَّ يطبخ بالماء الكثير والملح. اللسان (خزر). (٧) ١٤ / ٤١٢ . ٢٥٣ سورة محمد: الآيتان ٧ - ٨ وقيل: المراد تثبيت القلوب بالأمن(١)؛ فيكون تثبيتُ الأقدام عبارةً عن النصر والمعونة في موطن الحرب(٢) . وقد مضى في ((الأنفال)) هذا المعنى(٣). وقال هناك: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢] فأثبت هناك واسطة ونفاها هنا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَقَّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] ثم نفاه بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]. ﴿اَلَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ﴾ [الملك: ٢] ومثله كثير؛ فلا فاعل إلا الله وحده. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ٨ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره ((فَتَعْسًا لَّهُمْ)) كأنه قال: أَتْعَسَ الذين كفروا (٤). و(تَعْسًا لهم)) نصب على المصدر بسبيل الدعاء. قاله الفرّاء(٥)، مثل: سَقْيًا له ورَعیًا. وهو نقيض: لَعًا له. قال الأعشى: فالنَّعْس أوْلَى لها من أن أقول لَعَا(٦) (١) النكت والعيون ٢٩٥/٥ . (٢) المحرر الوجيز ٥٠٧/٢ . (٣) ٩ /٤٦٦ . (٤) الكشاف ٣/ ٥٣٢ . (٥) نقله عنه البغوي في تفسيره ٤ / ١٨٠. (٦) الكشاف ٥٣٢/٤، والبيت في ديوان الأعشى ص١٥٣، ودرة الغواص للحريري ص ١١٠ وروايتهما (أدنى) بدل (أولى) وصدره: بذات لَوْث عَفَرْناةٍ إذا عثرت. اللوث بالفتح: القوة، وناقة عفرناة، أي : قوية. اللسان (لوث) (عفر). قال في درة الغواص: العرب تقول في الدعاء على العاثر: تعساً له وفي الدعاء له: لعاً. ٢٥٤ سورة محمد: الآية ٨ وفيه عشرة أقوال: الأوّل: بُعْدًا لهم. قاله ابن عباس وابن جريج(١). الثاني: خزياً لهم(٢). قاله السدي. الثالث: شقاء لهم. قاله ابن زيد. الرابع: شَتماً لهم من الله. قاله الحسن. الخامس: هلاكاً لهم. قاله ثعلب. السادس: خَيْبَةً لهم. قاله الضحاك وابن زيد. السابع: قبحاً لهم. حكاه النقاش. الثامن: رغماً لهم. قاله الضحاك أيضاً(٣). التاسع: شَرًّا لهم. قاله ثعلب أيضاً(٤). العاشر: شقوة لهم. قاله أبو العالية (٥). وقيل: إنَّ التَّعس الانحطاطُ والعِثار(٦). قال ابن السِّيت: التعس أن يَخِرّ على وجهه(٧). والنَّكْس أن يَخِرّ على رأسه. قال: والتعس أيضاً الهلاك(٨). قال الجوهري(٩): وأصله الكَبّ، وهو ضدّ الانتعاش، وقد تَعَس - بفتح العين - يَتْعَسِ تَعْساً، وأتعسه الله. قال مُجَمّع بن هلال(١٠): تقول وقد أفرَذْتُها من حَلِيلها(١١) تَعَسْتَ كما أتْعَسْتَني يا مُجَمِّعُ(١٢) (١) تفسير البغوي ٤ / ١٨٠. (٢) في (م) و(ز) و(ق): حزناً لهم، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٢٩٥/٥ والكلام منه. (٣) النكت والعيون ٢٩٥/٥، وتفسير البغوي ٤/ ١٨٠ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٦٧. (٥) تفسير البغوي ٤/ ١٨٠ وفيه: (سقوطاً) بدل (شقوة). (٦) النكت والعيون ٢٩٥/٥ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٤٦٧/٦، والمحرر الوجيز ١١٢/٥، ونسبه في تهذيب اللغة ٧٨/٢ للرُّستُمي. (٨) تهذيب اللغة ٧٨/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٤٦٨/٦. (٩) في الصحاح (تعس). (١٠) هو مجمّع بن مالك بن هلال، شاعر جاهلي. معجم الشعراء ص٤٣٨ . (١١) في (م) و(ق) خليلها، والمثبت من باقي النسخ. (١٢) البيت في درة الغواص ص ١١٠، والخزانة ٤٠٣/١٠ . ٢٥٥ سورة محمد: الآيتان ٨- ٩ يقال: تعساً لفلان، أي: ألزمه الله هلاكاً (١). قال القُشَيرِي: وجوّز قوم تعِس بكسر العين. قلت: ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((تَعِس عَبدُ الدينار والدرهم والقَطِيفة والخَمِيصة، إن أُعطيَ رَضيَ، وإنْ لم يُعْطَ لم يرض)) خرّجه البخاري (٢). في بعض طرق هذا الحديث: (تَعِس وانتكس، وإذا شِيك فلا انْتَقَش)) خرّجه ابن ماجه(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: أبطلها؛ لأنَّها كانت في طاعة الشيطان(٤). ودخلت الفاء في قوله: ((فَتَعْساً)) لأجل الإبهام الذي في ((الَّذِينَ))، وجاء ((وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) على الخبر حملاً على لفظ الذين؛ لأنَّه خبر في اللفظ، فدخول الفاء حملاً على المعنى، ((وأضلَّ)) حَملاً على اللفظ. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ أي: ذلك الإضلال والإتعاس(٥)؛ لأنَّهم ﴿كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ من الكتب والشرائع. ﴿فَأَخَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: مالهم من صور الخيرات، كعمارة المسجد وقِرى الضيف وأصناف القُرَب، ولا يَقبَل الله العملَ إلا من مؤمن. وقيل: أحبط أعمالهم، أي: عبادة الصنم. (١) الصحاح (تعس). (٢) في صحيحه (٢٨٨٦). قوله: القطيفة كساء له خَمْل؛ والخميصة: ثوب من خزّ أو صوف مُعْلَم، وكانت من لباس الناس قديماً. النهاية (قطف) (خمص). (٣) في سننه (٤١٣٦)، وهو في صحيح البخاري أيضاً (٢٨٨٧) قوله: ((انتكس)) أي: انقلب على رأسه، وهو دعاءٌ عليه بالخيبة، وقوله: ((وإذا شيك فلا انتقش)) أي: إذا دخلتْ فيه شوكة، لا أخرجها من موضعها وهو دعاء عليه أيضاً. النهاية (نقش) (نكس). (٤) تفسير البغوي ٤ / ١٨٠ . (٥) الوسيط ١٢١/٤، وتفسير البغوي ٤ / ١٨٠. ٢٥٦ سورة محمد: الآيتان ١٠ - ١١ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيُرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا ﴾﴾ بَيَّنَ أحوالَ المؤمن والكافر تنبيهاً على وجوب الإيمان، ثمَّ وصل هذا بالنظر؛ أي: ألم يَسِرْ هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم ﴿فَيَنْظُرُواْ﴾ بقلوبهم ﴿كَيْفَ كَانَ﴾ آخِرُ أمر الكافرين قبلهم ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَيَّهِمْ﴾ أي: أهلكهم واستأصلهم. يقال: دمّره تدميراً ودمّر عليه، بمعنىّ(١). ثم توعّد مشركي مكةَ فقال: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا﴾(٢) أي: أمثالُ هذه الفَعْلة(٣)؛ يعني التدمير. وقال الزَّجَّاج والطبري: الهاء تعود على العاقبة؛ أي: وللكافرين من قريش أمثالُ عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا(٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ أي: وليُّهم وناصرُهم(٥). وفي حرف ابن مسعود: «ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ وَلَيُّ الَّذينَ آمَنُوا». فالمولى: الناصر هاهنا. قاله ابن عباس وغيره. قال : فَعْدَتِ كِلاَ الفَرْجَيْن تحسب أنه مَولَى المخافة خَلْفُها وأمامُها (٦) (١) الصحاح (دمر). (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٨٠. (٣) المحرر الوجيز ١١٣/٥. (٤) معاني القرآن للزجاج ٨/٥، وتفسير الطبري ١٩٥/٢١. (٥) تفسير البغوي ٤ / ١٨٠ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٨١/٤-١٨٢. والبيت للبيد، وهو في ديوانه ص٣١١، والبيت أيضاً في تهذيب اللغة ٦٣٩/١٥ وروايته فيه: (فعدت) بدل (فغدت) وذكر الأزهري في شرح البيت أنه يصف = ٢٥٧ سورة محمد: الآيات ١١ - ١٣ قال قتادة: نزلت يوم أَحُد والنبيّ ﴾ في الشّعب إذ صاح المشركون: يومٌ بيوم، لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم؛ قال النبي ﴾: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)) وقد تقدّم(١). ﴿وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: لا ينصرهم أحد من الله(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا ٠ اُلْأَنْهَذِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ تقدّم في غير موضع. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ﴾ في الدنيا كأنَّهم أنعام، ليس لهم هِمّة إلا بطونُهم وفروجُهم، ساهون عمَّا في غدِهم. وقيل: المؤمن في الدنيا يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع (٣). ﴿وَالنَّارُ مَثْوَّى لَّمْ﴾ أي: مقام ومنزل(٤). قوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْبَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَاَ نَاصِرَ لَهُمْ قوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ﴾ تقدّم الكلام في ((كَأَيِّنْ)) في ((آل عمران))(٥). وهي هاهنا بمعنى كم، أي: وكم من قرية. وأنشد الأخفش قول لبيد: ومفتاحٍ قَيْد للأسير المكبَّل(٦) وكائنْ رأينا من ملوكٍ وسُوقةٍ = بقرة وحشية غرها القناص فعدت، وكلا فرجيها: وهما أمامها وخلفها، وقال في اللسان (فرج): الفرج الثغرُ المخُوف، وهو موضع المخافة. (١) ص ٢٥٠ من هذا الجزء. (٢) معاني القرآن للزجاج ٨/٥ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ١٨٠ . (٤) الكشاف ٣/ ٥٣٢ . (٥) ٣٤٩/٥-٣٥١. (٦) النكت والعيون ٢٩٦/٥، والبيت في ديوان لبيد ص٣، ورواية البيت فيه: وصاحبْتُ من وفدٍ كرام وموكب وكائنْ رأيتُ من ملوك وسوقة ٢٥٨ سورة محمد: الآيتان ١٣ - ١٤ فيكون معناه: وكم من أهل قرية ﴿هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرِيَئِكَ الَّتِىَ أَخْرَجَنْكَ﴾ أي: أخرجَك أهلها(١). ﴿أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ قال قتادة وابن عباس: لما خرج النبيُّ # من مكة إلى الغار، التفت إلى مكة وقال: ((اللَّهُمْ أنتِ أحبُّ البلاد إلى الله، وأنتِ أحبُّ البلاد إليّ، ولولا المشركون أهْلُكِ أخرجوني لَما خرجت منك)). فنزلت الآية(٢)؛ ذكره الثعلبي، وهو حديث صحيح. قوله تعالى: ﴿أَفَتَنْ كَانَ عَلَى بَيِنَةٍ مِّنْ زَّيِّهِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وَبَّعُوْ ١٤ أهواءَهُم قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ الألف ألف تقرير(٣). ومعنى ((على بينةٍ)) أي: على ثبات ویقین. قاله ابن عباس. أبو العالية: وهو محمد ﴾. والبينة: الوَحْيُّ(٤). ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ﴾ أي: عبادة الأصنام، وهو أبو جهل والكفار(٥). ﴿وَبَعُواْ أَهْوَآءَهُ﴾ أي: ما اشتهوا. وهذا التزيينُ من جهة الله خلقاً. ويجوز أن يكون من الشيطان دعاءً ووسوسة. ويجوز أن يكون من الكافر، أي: زيَّن لنفسه سوءً عمله وأصرّ على الكفر. وقال: ((سُوءُ)) على لفظ ((مَن)) ((واتََّعُوا)) على معناه(٦). (١) النكت والعيون ٢٩٦/٥ . (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩٨/٢١ عن ابن عباس، وأخرجه بنحوه الترمذي (٣٩٢٦). (٣) معاني القرآن للزجاج ٩/٥ . (٤) النكت والعيون ٢٩٦/٥ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ١٨٠ بنحوه. (٦) الكشاف ٤/ ٥٣٣ . ٢٥٩ سورة محمد: الآية ١٥ قوله تعالى: ﴿وَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيَهَا أَنْهَرٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَّبٍَ لَّمْ يَغَرْ طَعْمُهُ, وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلِشَّرِبِينَ وَأَنْهٌَ مِنْ عَسَلٍ مُّصَفَّىٌّ وَلَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِىِ النَّارِ وَسُقُواْ مَآءٍ خَمِيمًا فَقَطَّعَ آَمَعَاءَهُمْ قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ لما قال عزَّ وجلَّ: ((إنَّ الله يُدْخِلُ الَّذين آمنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات)) وصف تلك الجنات، أي: صفة الجنة المعدّة للمتقين. وقد مضى الكلام في هذا في ((الرعد))(١). وقرأ علي بن أبي طالب: ((مِثَالُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ))(٢). ﴿فِيَهّ أَنْهَرٌ مِّنِ مٍَّ غَيْرٍ ءَاسِنٍ﴾ أي: غير متغير الرائحة. والآسِن من الماء مثل الآجِن(٣). وقد أسَن الماء يأسُن ويأسِن أُسُوناً: إذا تغيّرت رائحته. وكذلك أجَن الماء يأجُن ويأجِن أَجْناً وأُجُوناً(٤). ويقال بالكسر فيهما : أجِن وأسِن يأسَن ويأجَن أَسَناً وأَجَناً. قاله اليزيدي. وأسِنَ الرجل أيضاً يأسَن؛ بالكسر لا غير(٥): إذا دخل البئر فأصابته ريحٌ منتنة من ريح البئر أو غير ذلك، فغُشِي عليه أو دارَ رأسُه، قال زُهير : قد أترك القِرنَ مُصفَرًّا أناملُه يَمِيدُ في الرُّمح مَيدَ المائحِ الأسِنِ(٦) (١) ١٢ / ٨٠-٨١. (٢) المحرر الوجيز ١١٤/٥. (٣) زاد المسير ٧/ ٤٠١ بنحوه. (٤) تفسير البغوي ٤ / ١٨١. (٥) يعني في الماضي كما قيده صاحب القاموس على مثال: فرح. (٦) الصحاح (أجن) (أسن)، والبيت في شرح ديوان زهير ص١٢١، وخزانة الأدب ٢٥٩/١١ ، ورواية الديوان : يَميلُ في الرُّمح مَيْل المائح الأسن يغادر القِرْنَ مصفرًّا أناملُه القِرْن: كفؤك في الشجاعة. الصحاح (قرن). قال شارح الديوان: مصفرًّا أناملُه؛ دنا موته فاصفرَّت أنامله، والمائح: الذي ينزل إلى أسفل البئر يملأ الدلو إذا قلَّ الماء. ٢٦٠ سورة محمد: الآية ١٥ ويروى: ((الوَسِن)). وتأسّن الماء: تغيّر. أبو زيد: تأسّن عليَّ تأسُّناً: اعتلّ وأبطأ. أبو عمرو: تأسّن الرجل أباه: أخذ أخلاقه. وقال اللَّحيانيّ: إذا نزع إليه في الشَّبَه(١). وقراءة العامة: (آسن)) بالمدّ. وقرأ ابن كثير وحُميد: ((أَسِن)) بالقصر، وهما لغتان(٢)، مثل حاذر وحَذِر. وقال الأخفش: أسِنَ للحال، وآسنَ مثل فاعل يراد به الاستقبال. ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَبَنٍ لَّمْ يَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا على الحموضة(٣). ﴿وَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّكْرِبِنَ﴾ أي: لم تُدنسْها الأرجلُ ولم تُرَنِّقْها الأيدي كخمر الدنيا (٤)؛ فهي لذيذةُ الطعم، طيبةُ الشرب، لا يتكرَّهها الشاربون. يقال: شراب لَذُّ ولذيذ بمعنّى. واستلذّه: عدّه لذيذاً(٥). ﴿وَنْهٌَ مِنْ عَلٍ مُصَفِىٌ﴾ العسل ما يسيل من لُعاب النَّحل(٦). ((مُصَفَّى)) أي: من الشمع والقَذَى، خلقه الله كذلك؛ لم يطبخ على نار، ولا دنّسه النَّحل. وفي الترمذيّ عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن النبي ﴾ قال: ((إنَّ في الجنَّة بحرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللّبن، وبحرَ الخمر، ثمّ تشقّق الأنهارُ بعدُ)). قال: حديث حسن صحيح(٧). وفي صحيح مسلم(٨) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((سَيْحانُ وجَيْحانُ والنِّيلُ والفُراتُ، كلٌّ من أنهار الجنّة)). وقال كعب: نهر دجلةَ نهرُ ماء أهل (١) الصحاح (أسن). (٢) السبعة ص ٦٠٠، والتيسير ص ٢٠٠ . (٣) الوسيط ٤/ ١٢٢. (٤) تفسير البغوي ٤/ ١٨١ بنحوه. وترنِّق، أي: تُكدِّر. (٥) الصحاح (لذذ). (٦) تهذيب اللغة ٢/ ٩٣ . (٧) سنن الترمذي (٢٥٧١)، وهو في مسند أحمد (٢٠٠٥٢). (٨) برقم (٢٨٣٩)، وسلف ٢٩/١٦ .