النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة الجاثية: الآية ٢٣ فاخْضَعْ لِحبِّك كائنًا من كانا (١) وإذا هَوِيتَ فقد تعبَّدك الهوى ولعبد الله بن المبارك: ومن البلاء وللبلاء(٢) علامةٌ العبدُ عبدُ النَّفْس في شهواتها ولا بن دُرَیْد : ألَّ يُرى لك عن هواك نزوعُ والحرُّ يشبع تارةً ويجوعُ ( إذا طالبتك النَّفْسُ يومًا بشهوةٍ فَدَعْها وخالفْ ما هَوِيتَ فإنَّما ولأبي عبيد الطُّوسيّ: وكان إليها للخلاف طريقُ هواكَ عدوٌّ والخلافُ صديقٌ (٤) والنفسُ إنْ أعطيتَها مُناها فاغرةٌ نحو هواها فاها (٥) وقال أحمدُ بن أبي الحَواري: مررتُ براهبٍ فوجدته نحيفًا، فقلت له: أنت عليل؟ قال: نعم. قلت: مذْ كم؟ قال: مذْ عرفتُ نفسي! قلت: فتداوى؟ قال: قد أعياني الدواء وقد عزمتُ على الكيّ. قلت: وما الكَيّ؟ قال: مخالفةُ الهوى(٦). وقال سهلُ بن عبد الله التُّسْتَرِيّ: هواك داؤك، فإنْ خالفتَه فدواؤك . وقال وَهْب: إذا شككتَ في أمرين ولم تدرِ خيرهما، فانظرْ أبعدَهما من هواك فأته(٧) . (١) ذكر الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص ٤٥٤ البيت الثاني، وقبله البيت السالف الذي أوله: نون الهوان ... (٢) في (د) و(ز) و(م): ومن البلايا للبلاء، وفي (خ) و(ق): ومن البلاء للبلاء. والمثبت من (ظ) والمصادر . (٣) البيتان في بهجة المجالس ٣٠٦/٢، وذم الهوى ص ٣٤ . (٤) البيتان ذكرهما الثعالبي في التمثيل والمحاضرة ص ٤٥٣ دون نسبة . وفيه : فخالف هواها ما استطعت . بدل : فدعها وخالف ما هويت . (٥) البيت لأبي العتاهية كما في أشعاره وأخباره ص ٤٥٩، وفيه : اتبعتها . بدل : أعطيتها . (٦) ذم الهوى ص ٢٨ . (٧) المحرر الوجيز ٨٦/٥. ونسب القول الأخير أيضاً لسهل بدل: وهب. ١٦٢ سورة الجاثية: الآية ٢٣ وللعلماء في هذا الباب في ذمِّ الهوى ومخالفته كتبٌ وأبوابٌ أشرنا إلى ما فيه كفايةٌ منه؛ وحسبُك بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىُ. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍ﴾ أي: على علم قد علمَه منه. وقيل: أضلَّه عن الثواب على علم منه بأنَّه لا يستحقه(١). وقال ابن عباس: أي على علم قد سبق عنده أنَّه سيَضل. مقاتل: على علم منه أنَّه ضالّ(٢). والمعنى متقارب. وقيل: على علم من عابد الصنم أنَّه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل: ((عَلَى عِلْم)) يجوزُ أنْ يكون حالاً من الفاعل؛ المعنى: أضلَّه على علم منه به، أي: أضلَّه عالماً بأنَّه من أهل الضَّلال في سابق علمه. ويجوز أنْ يكون حالاً من المفعول؛ فيكون المعنى: أضلَّه في حال علم الكافر بأنَّه ضال. ﴿وَخَتَمَ عَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ﴾ أي: طبع على سمعه حتى لا يسمعَ الوعظ، وطبعَ على قلبه حتى لا يفقَه الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَّةٌ﴾ أي: غطاءً حتى لا يبصر الرشد(٣). وقرأ حمزةُ والكسائيّ: ((غَشْوة)) بفتح الغين من غير ألف (٤)، وقد مضى في (البقرة))(٥). وقال الشاعر: يَمينًا ومالك أُبدي اليمينا أما والذي أنا عبدٌ له لقد كنتُ أصفيتُك الوُدَّ حينا(٦) لئن كنتَ ألبستني غَشْوةٌ ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ﴾ أي: من بعد أنْ أضلَّه. ﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾: تَتَّعظون وتعرفون (١) إعراب القرآن للنحاس ١٤٧/٤-١٤٨. (٢) النكت والعيون ٢٦٥/٥ . (٣) النكت والعيون ٢٦٥/٥ . (٤) السبعة ص ٥٩٥ ، والتيسير ص ١٩٩ . (٥) ١/ ٢٩١ - ٢٩٢. (٦) لم نقف عليهما . ١٦٣ سورة الجاثية: الآيتان ٢٣ - ٢٤ أنَّه قادرٌ على ما يشاء. وهذه الآيةُ تردُّ على القدريَّة والإماميَّة ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد؛ إذْ هي مصرِّحةٌ بمنعهم من الهداية. ثم قيل: ﴿وَخَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلَيْهِ﴾ إِنَّه خارجٌ مخرجَ الخبر عن أحوالهم. وقيل: إنَّه خارجٌ مخرجَ الدُّعاء بذلك عليهم (١)؛ كما تقدَّم في أوّل ((البقرة) (٢). وحكى ابنُ جُريج أنَّها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة (٣). وحكى النَّقَاش أنَّها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف (٤). وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنَّه طاف بالبيت ذات ليلةٍ ومعه الوليد ابن المغيرة؛ فتحدَّثا في شأن النبيِّ ﴾، فقال أبو جهل: والله إني لأَعلم إنَّه لَصادق! فقال له: مَهْ! وما دلَّك على ذلك! قال: يا أبا عبد شمس، كنّا نسمِّيه في صباهُ الصادقَ الأمين؛ فلما تمَّ عقلُه وكَمُل رُشْده، نسمِّيه الكذَّابَ الخائن !! والله إنِّي لأَعلم إنَّه لصادق! قال: فما يمنعُك أنْ تصدِّقَهُ وتؤمنَ به؟ قال: تتحدَّثُ عني بناتُ قريش أني قد اتَّبعت يتيمَ أبي طالبٍ من أجل كِسرة، واللاتِ والعُزَّى إنْ اتَّبعتُه أبداً. فنزلت: ﴿وَخَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ﴾(٥). قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّ الذَّهْرُ وَمَا لَم بِذَلِكَ مِنْ عِلَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ ٢٤٦ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَخَيَا﴾ هذا إنكارٌ منهم للآخرة، (١) النكت والعيون ٢٦٥/٥ . (٢) ٢٨٤/١ . (٣) قال ابن دريد في الاشتقاق ١/ ١٢٠: بنو قيس بن عدي، كانوا من رجال قريش، يلقَّبون الغياطل. وكان قيس بن عدي سيِّد قريش في دهره غير مُدافَع ... والغياطل: جمع غيطلة، وهو الشجر الملتف. (٤) النكت والعيون ٥/ ٢٦٥ ونسب القول الأخير للضحاك بدل النقاش . (٥) لم نقف عليه . ١٦٤ سورة الجاثية: الآية ٢٤ وتكذيبٌ للبعث، وإبطالٌ للجزاء. ومعنى: ((نَمُوتُ وَنَحْيَا)) أي: نموتُ نحن وتحيا (١) أولادنا؛ قاله الكلبيّ. وقُرئ: ((ونُحْيَا)) بضم النون. وقيل: يموتُ بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: نحيا ونموت؛ وهي قراءة ابن مسعود(٢). ﴿وَمَا يُهْلِكُآَ إِلَّ الدَّهْرُ﴾ قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلَّا العمر (٣)؛ والمعنى واحد. وقُرِئ: ((إلا دهرٌ يمرّ)) (٤). وقال ابنُ عيينة: كان أهلُ الجاهلية يقولون: الدهرُ هو الذي يُهلكنا، وهو الذي يُحيينا ويُميتنا؛ فنزلت هذه الآية (٥). وقال قُظْرب: وما يُهلكُنا إلَّ الموت؛ وأنشد قولَ أبي نُؤیب: أَمِن المَنُونِ وَرَيْبِها تتوجَّعُ والدّهْرُ ليس بمعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ(٦) وقال عكرمة: أي: وما يُهلكُنا إلَّا اللـه(٧). وروى أبو هريرة عن النبيِّ﴾ قال: («كان أهلُ الجاهلية يقولون: ما يهلِكُنا إلَّا الليلُ والنَّهار، وهو الذي يهلكُنا ويميتُنا ويحيينا، فيسبُّون الدهرَ. قال الله تعالى: يؤذيني ابنُ آدم يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بيدي الأمرُ، أُقلِّبُ الليلَ والنهار (٨). قلت: قوله: قال الله. إلى آخره. نَصُّ البخاريِّ ولفظُه. وخرَّجه مسلمٌ أيضاً (١) في (د) و(م) : يحيا . (٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٢٦٦/٥ . (٣) أخرجهما الطبري ٩٦/٢١ . (٤) هي قراءة ابن مسعود كما في تفسير الطبري ٩٦/٢١، والمحرر الوجيز ٨٧/٥ . وقال ابن خالويه : يهلكنا إلا دهراً ؛ ابن مسعود . تأويله إلا دهراً يمر . (٥) أخرجه ابن حبان (٥٧١٥)، والحاكم ٢/ ٤٥٣ . (٦) النكت والعيون ٢٦٦/٥ . والبيت في ديوان الهذليين ١/١ . (٧) النكت والعيون ٢٦٦/٥ . (٨) أخرجه الطبري ٢١ / ٩٧ . ١٦٥ سورة الجاثية: الآية ٢٤ وأبو داود(١). وفي الموطأ عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((لا يقولنَّ أحدُكم: يا خيبةً الدهر، فإنَّ الله هو الدهر))(٢). وقد استدلَّ بهذا الحديث من قال: إنَّ الدهرَ من أسماء الله.(٣) وقال من لم يجعلهُ من العلماء اسماً: إنَّما خرج ردًّا على العرب في جاهليتها؛ فإنَّهم كانوا يعتقدونَ أنَّ الدهرَ هو الفاعل، كما أخبر اللهُ عنهم في هذه الآية؛ فكانوا إذا أصابهم ضَرٍّ أو ضَيْمٌ أو مكروه، نَسبوا ذلك إلى الدهر، فقيل لهم على ذلك: لا تسبُّوا الدهرَ؛ فإنَّ الله هو الدهر، أي: إنَّ اللهَ هو الفاعلُ لهذه الأمور التي تضيفونَها إلى الدهر، فيرجعُ السبُّ إليه سبحانه، فَنُهُوا عن ذلك. ودلَّ على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرةً قال: قال رسول الله ﴾: قال اللهُ تبارك وتعالى: يؤذيني ابنُ آدم ... الحديث(٤). ولقد أحسنَ من قال، وهو أبو عليٍّ الثقفي: يا عاتبَ الدهرِ إذا نابَهُ لا تَلُمِ الدهرَ على غَدْرِهِ(٥) وينتهي الدهرُ إلى أمرهِ الدهرُ مأمورٌ، له آمرٌ تزدادُ أضعافًا على كفرهِ (٦) كم كافرٍ أموالُه جَمَّةٌ يزداد إيمانًا على فَقْرِه(٧) ومؤمن ليس له درهمٌ (١) صحيح البخاري (٤٨٢٦)، وصحيح مسلم (٢٢٤٦): (٢)، وسنن أبي داود (٥٢٧٤)، وهو عند أحمد (٧٢٤٥). (٢) الموطأ ٢/ ٩٨٤، وأخرجه أيضاً أحمد (٩١١٦)، ومسلم (٢٢٤٦) (٤). (٣) الصحيح أن الدهر ليس من أسماء الله عز وجل. وانظر كلام المصنف بعده. (٤) سلف قريباً. والكلام بنحوه في المفهم ٥٤٩/٥ . (٥) الشطر الأول في المصادر الآتي ذكرها : يا لائم الدهر إذا ما نبا . (٦) الشطر الأول في المصادر : كم كافٍ بالله أمواله . (٧) روضة العقلاء ص ٢٨٠، وشعب الإيمان ١/ ٢٣٢ . ونسب فيه لأحمد بن عبيد الله الدارمي. ١٦٦ سورة الجاثية: الآية ٢٤ وروي أنَّ سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيراً ما يذكرُ الدَّهرَ، فزجرهُ أبوه وقال: إِيَّاك يا بنيَّ وذِكْرَ الدهر! وأنشد : ولا جالبَ البَلْوَى فلا تشتم الدّهْرَا فما الدهرُ بالجاني لشيءٍ لحَيْنِه على معشرٍ يَجعلْ مياسيرهم عُسْرا ولكنْ متى ما يبعثِ الله باعثًا وقال أبو عبيد(١): ناظرتُ بعضَ المُلْحدة فقال: ألا تراه يقول: ((فإنَّ الله هو الدهر))!؟ فقلتُ: وهل كان أحدٌ يسبُّ الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى : وإنَّ في السَّفْرِ إِذ مَضَوْا مَهَلَا إِنَّ مَحَلَّا وإنَّ مُرْتَحَلا عَدْل ووَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلَا(٢) استأثر اللهُ بالوفاء وبالـ قال أبو عبيد(٣): ومن شأن العرب أنْ يذمُّوا الدهرَ عند المصائبِ والنوائب؛ حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداثَ إليه. قال عمرو بن قميئة (٤): فكيف بمن يُرْمَى وليس برامِ رمتني بناتُ الذَّهر من حيث لا أرى ولكنني أُرْمَى بغير سهامٍ فلوأنَّها نَبْلٌ إِذًا لاتَّقيتُها أُنُوءُ ثلاثًا بعدهنَّ قيامي على الراحتين مرَّةً وعلى العصا ومثلُه كثيرٌ في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر، ويضيفونَه إليه، واللهُ سبحانه الفاعلُ لا ربَّ سواه. ﴿وَمَا لَهُمْ يِذَلِكَ مِنْ عِلَّ﴾ أي: علمٌ. و((مِن)) زائدة، أي: قالوا ما قالوا شاكِّين. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّ يَظُنُونَ﴾ أي: ما هم إلَّ يتكلمون بالظَّنّ. وكان المشركونَ أصنافاً؛ (١) في غريب الحديث ١٤٥/٢ - ١٤٦ . (٢) ديوان الأعشى ص ٢٨٣ . وفيه: ما مضى . بدل : إذ مضوا . (٣) في غريب الحديث ١٤٦/٢ - ١٤٧. (٤) في ديوانه ص ٤٥-٤٦ . ١٦٧ سورة الجاثية: الآيات ٢٤ - ٢٦ منهم هؤلاء، ومنهم من كان يُثْبِتُ الصانعَ وينكر البعث، ومنهم من كان يَشُكُّ في البعث ولا يَقْطعُ بإنكاره. وحَدَث في الإسلام أقوامٌ ليس يمكنهم إنكارُ البعث خوفًا من المسلمين؛ فيتأوَّلون ويرون القيامةَ موتَ البدن، ويرون الثوابَ والعقابَ إلى خيالاتٍ تَقعُ للأرواح بزعمهم، فشرُّ هؤلاء أضرُّ من شرِّ جميع الكفار؛ لأنَّ هؤلاء يُلبِسونَ على الحقّ، ويُغتَرُّ بتلبيسهم الظاهر. والمشركُ المجاهرُ بشركه يحذرُه المسلم. وقيل: نموتُ وتَحيا آثارُنا؛ فهذه حياةُ الذكر. وقيل: أشاروا إلى التناسخ، أي: يموتُ الرَّجل فتجعل روحه في مواتٍ فتحيا به. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُثَى عَلَيْهِمْ ءَايَكُنَا بَيِنَتٍ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِتَابَآَيْنَآ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿﴿ قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَّ يُمِئُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعَكُمْ إِلَى بَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَبِّبَ فِيهِ ٠ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: وإذا تُقرأ على هؤلاء المشركين آياتُنا المنزَّلةُ في جواز البعث، لم يكنْ ثَمَّ دَفْعٌ. ﴿َا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِمَابَيْنَآَ﴾ ((حُجَّتَهُمْ)) خبرُ كان، والاسم ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَنْتُواْ بِنَابَيْنَآَ﴾ الموتى؛ نسألهم عن صدق ما تقولون؛ فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُمِيكُمْ﴾ يعني: بعد كونكم نُطَفًا أمواتًا ﴿ثُمَّ يُسِتُكُنْ ثُمَّ يَحْمَعَكُمْ إِلَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ كما أحياكم في الدنيا . ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الله يعيدُهم كما بدأَهم. الزمخشريّ: فإن قلتَ: لم سمَّى قولَهم حجةً، وليس بحجة؟ قلت: لأنَّهم أدْلَوْا به كما يُذْلي المحتجّ بحجَّته، وساقوه مساقَها، فسُمِّيت حجةً على سبيل التَّهكُم. أو لأنَّه في حسبانهم وتقديرهم حجَّةٌ. أو لأنَّه في أسلوب قولهم(١): تَحِيَّةُ بِينِهِم ضَرْبٌ وَجيعُ(٢) (١) في النسخ عدا (ظ) : قوله . والمثبت موافق للكشاف . (٢) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب، وسلف ٣٨٩/٣. ١٦٨ سورة الجاثية: الآيات ٢٥ - ٢٨ كأنَّه قيل: ما كان حجَّتَهم إلَّ ما ليس بحُجَّة. والمراد نفيُ أنْ تكون لهم حجَّةٌ الْبَنَّةَ. فإنْ قلتَ: كيف وقع قولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ﴾ جواباً [لقولهم]: ((آتْتُوا بِثَابَآيَنَآ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ)»؟ قلتُ: لمَّا أنكروا البعثَ، وكذَّبوا الرسلَ، وحسبوا أنَّ ما قالوه قولٌ مُبَكِّتٌ (١)، أُلزِموا ما هم مُقِرُّون به من أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضُمَّ إلى إلزام ذلك إلزامُ ما هو واجبٌ الإقرارُ به إنْ أنصفوا وأصغَوْا إلى داعي الحقِّ، وهو جَمْعُهم إلى(٢) يوم القيامة، ومن كان قادراً على ذلك، كان قادراً على الإتيان بآبائهم، وكان أهونَ شيءٍ عليه(٣). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا. ﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ ((يَوْمَ)) الأوَّل منصوبٌ بـ((يَخْسَرُ))، و((يَوْمَئِذٍ)) تكريرٌ للتأكيد (٤) أو بدل. وقيل: إنَّ التقدير: وله الملكُ يوم تقوم السَّاعة. والعاملُ في (يَوْمِئذٍ)): ((يَخْسَر))، ومفعول (يَخسَرُ)) محذوف؛ والمعنى: يخسرون منازلَهم في الجنَّة. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّتِ جَائِيَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا أَلْيَوْمَ تُجْزَوَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلّ أُمَّةٍ جَائِيَةٌ﴾ أي: من هول ذلك اليوم. والأُمَّة هنا: أهلُ كلِّ مَّة. وفي الجاثية تأويلاتٌ خمس. (١) التبكيت: الغَلَبة بالحُجَّة. القاموس (بكت). (٢) قوله : إلى. ليس في (د) و(م) . (٣) الكشاف ٥١٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه . (٤) مشكل إعراب القرآن ٦٦٣/٢ . ١٦٩ سورة الجاثية: الآية ٢٨ الأوَّل: قال مجاهد: مستوفِزة. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يُصيب الأرضَ منه إلَّا ركبتاه وأطرافُ أنامله. الضَّحَّاك: ذلك عند الحساب. الثاني: مجتمعة؛ قاله ابن عباس. الفرَّاء: المعنى: وترى أهلَ كلِّ دينٍ مجتمعين. الثالث: متميِّزة؛ قاله عكرمة. الرابع: الرابع: خاضعة، بلغة قريش؛ قاله مُؤَرِّج. الخامس: باركة على الرُّكَب؛ قاله الحسن(١). والجَثْوُ: الجلوسُ على الركب. جثا على ركبتيه يَجْثُو ويجني جُثُوًّا وُجُنِيًّا؛ على فُعول فيهما، وقد مضى في ((مريم))(٢). وأصل الجَثْوَة: الجماعةُ من كلِّ شيءٍ. قال طَرَفُ يصف قبرین : ترى جُثْوَتَيْنِ من ترابٍ عليهما صفائحُ صُمٍّ من صفيحٍ مُنَضَّدٍ(٣) ثم قيل: هو خاصٌّ بالكفار؛ قاله يحيى بن سلَّام. وقيل: إنَّه عامّ للمؤمن والكافر انتظارًا للحساب (٤). وقد رَوى سفيانُ بن عيينة عن عمروٍ عن عبد الله بن باباه أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((كأني أراكم بالكَوْم جائينَ دون جهنم)). ذكره الماورديُّ(٥) . وقال سلمان: إنَّ في يوم القيامة لساعةً هي عشرُ سنينَ يخِرُّ الناسُ فيها جُثاةً على (١) النكت والعيون ٢٦٧/٥ عدا قول الضحاك والفراء. وأخرج قول الضحاك الطبريُّ ١٠١/٢١، وقولُ الفراء في معاني القرآن ٤٨/٣ . (٢) ٤٨٧/١٣ . (٣) ديوان طرفة بن العبد ص ٣٣، وسلف ٤٨٨/١٣. (٤) النكت والعيون ٢٦٧/٥ . (٥) في النكت والعيون ٢٦٧/٥ . والحديث أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٣ ، وابن أبي حاتم ٣٢٩٢/١٠ (١٨٥٤١)، وأبو نعيم في الحلية ٢٩٩/٧، عمرو: هو ابن دينار. قال ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٠٥ : أخرجه البيهقي في البعث من مرسل عبد الله بن باباه بسند رجاله ثقات رفعه. اهـ. والكوم : بالفتح : المواضع المُشرِفة ، واحدها : كومة . النهاية (كوم) . ١٧٠ سورة الجاثية: الآيتان ٢٨ - ٢٩ رُكَّبهم، حتى إنَّ إبراهيم عليه السلام لَيُنادي: لا أسألُكَ اليومَ إلَّا نفسي(١). ﴿كُلُّ أُمٍَّ نُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا﴾ قال يحيى بنُ سلَّام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها الذي كان يُستنسخُ لها فيه ما عملتْ من خيرٍ وشرّ؛ قاله مقاتل. وهو معنى قول مجاهد(٢). وقيل: ((كِتابها)): ما كتبت الملائكةُ عليها(٣). وقيل: كتابها المنزَّل عليها لِينظر هل عملوا بما فيه (٤). وقيل: الكتابُ ها هنا اللوحُ المحفوظ(٥). وقرأ يعقوب الحضرميّ: ((كُلَّ أُمَّةٍ)) بالنصب على البدل من (كُلّ)) الأُولى لِمَا في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى؛ إذ ليس في جُثوّها شيءٌ من حال شرح الجُثِّ كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه، وهو استدعاؤُها إلى كتابها. وقيل: انتصبَ بإعمال ((تَرىّ)) مضمراً (٦). والرفعُ على الابتداء. ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ﴾ من خيرٍ أو شرّ. قوله تعالى: ﴿هَذَا كِنَبْنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩ قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَا﴾ قيل: من قول الله لهم. وقيل: من قول الملائكة. ﴿يَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: يشهد. وهو استعارة؛ يقال: نَطَقَ الكتابُ بكذا، أي: بَيَّن. وقيل: إنَّهم يقرؤونه، فيُذكِّرهُم الكتابُ ما عملوا؛ فكأنَّه ينطق عليهم (٧)؛ دليلُه قوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيَِّثْنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. وفي ((المؤمنين)): ﴿وَلَدَيِّنَا كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الآية: ٦٢]، (١) الوسيط للواحدي ٤/ ١٠١. (٢) هو قول الكلبي ، وليس بقول مقاتل ولا مجاهد. كما في النكت والعيون ٢٦٩/٥ . وقول مقاتل ومجاهد فيه في تفسير الآية التي بعدها. والله أعلم . (٣) ذكره بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٩/٥ . (٤) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٢٦٨/٥ ونسبه للجاحظ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ١٦١ . (٦) ينظر مجمع البيان ١٣٧/٢٥، وقراءة يعقوب في النشر ٣٧٢/٢، وهو من العشرة. (٧) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٠٥ . ١٧١ سورة الجاثية: الآية ٢٩ وقد تقدَّم(١). و(يَنْطِقُ)) في موضع الحال من الكتاب، أو من ذا، أو خبرٌ ثانٍ لذا، أو يكون (كِتَابُنَا)) بدلاً من ((هَذَا))، و((يَنْطِقُ)) الخبر(٢). ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ مَا كُتُعْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نأمرُ بنسخ ما كنتم تعملون. قال عليٍّ ◌َ﴾: إنَّ لِلَّه ملائكةٌ ينزلون كلَّ يومٍ بشيءٍ يكتبون فيه أعمالَ بني آدم(٣). وقال ابن عباس: إنَّ الله وَّل ملائكةً مطهّرين، فينسخون من أمِّ الكتاب في رمضانَ كلَّ ما يكون من أعمال بني آدم، فيُعارضون حَفَظةَ الله على العباد كلَّ خميس، فيجدون ما جاء به الحفظةُ من أعمال العباد موافقًا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب، لا زيادةَ فيه ولا نقصان(٤). قال ابن عباس: وهل يكون النَّسخُ إلَّا من كتاب(٥). الحسن: نستنسخُ ما كتبته الحفظة على بني آدم؛ لأنَّ الحفظةَ تَرفعُ إلى الخَزَنة صحائفَ الأعمال(٦). وقيل: تَحمل الحفظةُ كلَّ يوم ما كتبوا على العبد، ثمَّ إذا عادوا إلى مكانهم نُسِخَ(٧) منه الحسناتُ والسيئات؛ ولا تُحَوَّلُ المباحاتُ إلى النسخة الثانية. وقيل: إنَّ الملائكةَ إذا رفعتْ أعمالَ العباد إلى الله عزَّ وجلَّ، أمر بأنْ يُثْبَتَ عندَه منها ما فيه ثوابٌ وعقاب، ويُسقَطَ من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب(٨). (١) ١٣ / ٢٩٧ - ٢٩٨ و١٥ /٦٠. (٢) مشكل إعراب القرآن ٦٦٣/٢ . (٣) أخرجه الطبري ١٠٥/٢١ . (٤) ذكره أبو الليث في تفسيره ٣/ ٢٢٧ من رواية الضحاك عن ابن عباس . (٥) أخرجه الطبري ٢١/ ١٠٥ . (٦) النكت والعيون ٢٦٨/٥ . (٧) في (د) و(ظ) : نسخوا . (٨) معاني القرآن للفراء ٤٨/٣ - ٤٩ . ١٧٢ سورة الجاثية: الآيات ٣٠-٣٢ قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُهُمْ فِ رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ◌َايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُنْ فَاسْتَكْبَرُمْ وَكُمْ قَوْمًا هُوَ الْفَوّزُ الْمُبِينُ (٣) ٣١ تُجْرِمِينَ قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ فَيُدْيِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِ﴾ أي: الجنَّة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: فيقال لهم ذلك، وهو استفهامُ توبيخ. ﴿فَأَسْتَكْرَتُمْ﴾ عن قبولها. ﴿وَكُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ أي: مشركين تكسِبون المعاصي. يقال: فلانٌ جريمةُ أهله. إذا كان كاسِبَهم(١)؛ فالمجرم: من أَكسبَ نفسَه المعاصي. وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَجْعَلُ الِْينَ كَأُْجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] فالمجرمُ ضدُّ المسلم، فهو المذنبُ بالكفر إذاً. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي: البعث كائن. ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَا﴾ وقرأ حمزةُ: ((وَالسَّاعَةَ)) بالنصب عطفًا على (وَعْدَ)). الباقون بالرفع(٢) على الابتداء، أو العطف على موضع ((إِنَّ وَعْدَ اللهِ)). ولا يحسُنُ على الضمير الذي في المصدر؛ لأنَّه غيرُ موَّد، والضميرُ المرفوع إنَّما يُعطَفُ عليه بغير تأكيدٍ في الشعر(٣). ﴿قُلُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾ هل هي حقٌّ أم باطل؟! ﴿ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا﴾ تقديره عند المبَرِّد: إنْ نحن إلا نظنُّ ظنًّا. وقيل: التقدير: إنْ نَظنُّ إلَّا أنَّكم تظنُّون ظنًّا(٤). وقيل: أي: وقلتم: إنْ نظنُّ إلا ظنًّا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنَّ الساعةَ آتيَةٌ. (١) الصحاح (جرم) . (٢) السبعة ص ٥٩٥ ، والتيسير ص ١٩٩. (٣) الكلام بنحوه في الحجة ١٧٩/٦ - ١٨٠. (٤) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٦٣ . ١٧٣ سورة الجاثية: الآيات ٣٣ - ٣٥ قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءُونَ قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: ظَهر لهم جزاءُ سيئاتِ ما عملوا. ﴿وَحَافَ بِهِم﴾ أي: نزل بهم وأحاط ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَنَسَنَكُمْ كَا نَسِيْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ ٣٤ مِن نَّصِرِينَ قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَسَنَكُمْ﴾ أي: نتركُكُم في النار كما تركْتُم لقاءَ يومِكم هذا، أي: تركتم العمل له . ﴿وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ﴾ أي: مسكنُكم ومستقرُّكم. ﴿وَمَا لَكُم مِّن ◌َّصِرِينَ﴾: مَنْ ينصرُكم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُ أَخَذْتُ ،َيَتِ اَلَهِ هُزُوًّا وَغَرَّتْكُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّ فَلْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمّ يُسْتَعْنَبُنَ (٢٥)﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ اَخَذْتُمْ ءَايَتِ الَّهِ﴾ يعني: القرآن ﴿هُزُواْ﴾: لعباً. ﴿وَغَرَّتَكُ اٌلَْوَةُ الدُّنْيَ﴾ أي: خدعَتْكُم بأباطيلها وزخارفها؛ فظننتُم أنْ ليس ثَمَّ غيرُها، وأنْ لا بعث. ﴿فَلْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: من النار. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾: يُستَرْضَوْن. وقد تقدَّم(١). وقرأ حمزةُ والكسائيّ: ((فاليوم لا يخرجون)) بفتح الياء وضمِّ الراء(٢)؛ لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَدُواْ أَنْ يَخْرُوْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. الباقون بضمِّ الياء وفتح الراء؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآَ أَخْرِجْنَا﴾ [النساء: ٧٥]. ونحوه (٣). (١) ١٢ / ٤٠٧ - ٤٠٨ . (٢) السبعة ص ٥٩٥ ، والتيسير ص ١٧٥ . (٣) الحجة للفارسي ٦/ ١٧٩ . ١٧٤ سورة الجاثية: الآيتان ٣٦ -٣٧ قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ ٣٦ قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ اٌلَْنْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قرأ مجاهد وحُميد وابن مُحَيْصِن («رَبُّ السموات وربُّ الأرض ربُّ العالمين)» بالرفع فيها كلِّها على معنى: هو رَبُّ(١). ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي: العَظَمَةُ والجلالُ والبقاءُ والسلطانُ والقدرةُ والكمال ﴿فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). (١) المحرر الوجيز ٩٠/٥، وذكر القراءة فيه عن ابن محيصن ، وهي قراءة شاذة. (٢) بعدها في (د) و(م): والله أعلم . ختم تفسير سورة الجاثية والحمد لله . سورة الأحقاف مكيةٌ في قول جميعهم. وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمسٌ(١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ رَحَيَةٍ قوله تعالى: ﴿حَمّ ) تَنِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَأَلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ قوله تعالى: ﴿حَمّ. تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِ﴾ تقدَّم (٢). ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِ﴾ تقدَّم أيضاً (٣). ﴿وَأَجَلِ تُسَنَّىَ﴾ يعني القيامة؛ في قول ابنٍ عباس وغيره (٤). وهو الأجلُ الذي تنتهي إليه السماواتُ والأرض(٥). وقيل: إنه هو الأجل المقدورُ لكلِّ مخلوقٍ (٦). ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ﴾: خُوِّفُوا ﴿ مُعْرِشُونَ﴾ : مُؤَلُّون لاهُون غير مستعدِّين له. ويجوز أن تكون ((ما)) مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم(٧). (١) الكشاف ٥١٤/٣، وقوله : مكية في قول الجميع، فيه نظر ؛ فقد روي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آية مدنية كما هو في النكت والعيون ٥/ ٢٧٠، وزاد المسير ٣٦٨/٧ . وروي أيضاً عن مقاتل: نزلت بمكة غير آيتين. ذكره ابن الجوزي أيضاً . وينظر المحرر الوجيز ٥/ ٩١ . (٢) ص ١٤٣ من هذا الجزء. (٣) ٢٤٩/١٢ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٢٧١. (٥) الوسيط ٤/ ١٠٢ . (٦) النكت والعيون ٢٧١/٥ . (٧) الكشاف ٥١٥/٣ . ١٧٦ سورة الأحقاف: الآية ٤ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرٌْ فِى السَّمَوَتِّ أَثْنُونِي بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْيِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (١)) فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلٌ أَرَبَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما تعبدون من الأصنام والأندادِ من دون الله. ﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: هل خَلَقوا شيئاً من الأرض؟ ﴿أَمْ لَمْ شِرٌّ﴾ أي: نصيبٌ ﴿فِ الشَّمَوَتِ﴾ أي: في خلق السماوات مع اللهِ. ﴿أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ أي: من قبل هذا القرآن(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قراءة العامة: ((أَوْ أثارةٍ)) بألفٍ بعد الثاء. قال ابن عباس عن النبيِّ ﴾: «هو خطّ كانت تخظُّه العرب في الأرض)) (٢)؛ ذكره المهدويُّ والثعلبيُّ. وقال ابن العربي(٣): ولم يصحَّ. وفي مشهور الحديث عن النبيِّ﴾ قال: ((كان نبيٌّ من الأنبياء يَخُطُ، فَمَنْ وافَق خطّه فذاك)) ولم يصحّ أيضاً. قلت: هو ثابتٌ من حديث معاوية بن الحَكَم السُّلمي؛ خَرَّجه مسلم (٤). وأسند النحاس: حدَّثنا محمد بن أحمد - يعرف بالجرايحي(٥) - قال حدثنا محمد بن بندار قال: حذَّثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن صفوان بن سُلَيم، عن أبي سَلَمة، عن ابن عباس، عن النبي ﴿ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ أَثَرَقْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال: ((الخطّ)) وهذا صحيحٌ أيضاً(٦). (١) تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٢٩/٣ - ٢٣٠. (٢) أخرجه الطبري ١١٣/٢١، وسيذكره المصنف بلفظ: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾: الخط. (٣) في أحكام القرآن ١٦٨٤/٤ . (٤) برقم (٥٣٧) ، وهو عند الإمام أحمد (٢٣٧٦٢) . (٥) في (خ) و(د) بالجريحي. وفي (ظ) بالحريجي . (٦) أخرجه الإمام أحمد (١٩٩٢)، والبغدادي في تاريخ بغداد ٣٥٥/٤، وعبد الرزاق ٢١٥/٢، والطبري ١١٣/٢١، وسلف آنفاً . ١٧٧ سورة الأحقاف: الآية ٤ قال ابن العربي(١): واختلفوا في تأويله؛ فمنهم من قال: جاء لإباحة الضرب؛ لأن بعضَ الأنبياء كان يفعله. ومنهم من قال: جاء للنهي عنه؛ لأنه ﴿ قال: ((فمَنْ وافقَ خطَّه فذاك)). ولا سبيل إلى معرفة طريق النبيِّ المتقدِّم فيه؛ فإذاً لا سبيل إلى العمل به. قال(٢): لَعمرك ما تدري الضواربُ بالحصا ولا زاجراتُ الطير ما اللهُ صانعُ وحقيقتُه عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب، فيدلُّ ما يخرج منها على ما تدل عليه تلك الكواكبُ من سعدٍ أو نحسٍ يحلُّ بهم، فصار ظنًّا مبنيًّا على ظنّ، وتعلقًا بأمرٍ غائب قد دَرَسَتْ طريقُه وفات تحقيقُه؛ وقد نهت الشريعةُ عنه، وأخبرت أن ذلك مما اختصَّ الله به، وقطعه عن الخَلق، وإن كانت لهم قبل ذلك أسبابٌ يتعلَّقون بها في درك الأشياء المغيَّبة؛ فإن الله قد رفعَ تلك الأسبابَ، وطمسَ تيك الأبوابَ، وأفرد نفسَه بعلم الغيب؛ فلا يجوز مزاحمتُه في ذلك، ولا يَحلُّ لأحدٍ دعواه. وطلبُه عناءٌ لو لم يكن فيه نھيٌّ، فإذ وقد ورد النهي؛ فطلبه معصية أو كفرٌ بحسب قصد الطالب. قلت: ما اختاره هو قول الخطابي(٣). قال الخطابي: قوله عليه الصلاة والسلام: ((فمن وافَق خطَّه فذاك)) هذا يَحتمل الزجر إذ كان ذلك عَلَماً لنبوَّته، وقد انقطعت، فنُهينا عن التعاطي لذلك. قال القاضي عياض(٤): الأظهر من اللفظ خلافُ هذا، وتصويب خط من يوافق خطَّه؛ لكن من أين تُعلم الموافقة والشرعُ منعَ من التخرُّص وادعاءِ الغيب جملةً؟ فإنما معناه: أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته؛ لا أنه يريد إباحةَ ذلك لفاعله على ما تأوَّله بعضُهم . (١) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٨٤ - ١٦٨٥. (٢) لبيد بن ربيعة ، ديوانه ص ٩٠ . (٣) ينظر معالم السنن ٢٢٢/١. (٤) في إكمال المعلم ٢/ ٤٦٤، ونقله أبو العباس في المفهم ٢/ ١٤١ - ١٤٢، والكلام وما قبله منهما . ١٧٨ سورة الأحقاف: الآية ٤ وحكى مكيٍّ في تفسير قوله: ((كان نبيٌّ من الأنبياء يخطُ)»: أنه كان يخظُ بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يَزْجُر. وقال ابن عباس في تفسير قوله: ((ومنَّا رجالٌ يخُون))(١): هو الخظُ الذي يَخظُّه الحازي(٢) فيعطيه(٣) حُلواناً فيقول: اقعد حتى أخطَّ لك؛ وبين يدي الحازي غلامٌ معه مِيلٌ، ثم يأتي إلى أرضٍ رَخْوةٍ، فيخظُ الأستاذُ خطوطاً معجلةً لئلا يلحقَها العددُ، ثم يرجع فيمحو على مَهَلٍ خطّين خطّين، فإن بقي خطّان فهو علامة النُّجح، وإن بقي خطّ فهو علامة الخيبة. والعرب تسميه: الأسحم، وهو مشؤوم عندهم. الثالثة: قال ابن العربي(٤): إن اللهَ تعالى لم يُبْقِ من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلُّق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا؛ فإنه أذِن فيها، وأخبر أنها جزء من النبوة(٥) وكذلك الفأل(٦)؛ وأما الطَّيّرة والزَّجر فإنه نَهى عنهما. والفَأُلُ: هو الاستدلال بما يَسْمَع من الكلام على ما يُريد من الأَمر إذا كان حسناً؛ فإذا سمِع مكروهاً فهو تطيُّر، أمرَه الشرعُ بأن يفرح بالفأل ويمضيَ على أمره مسروراً. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجْله، وقد قال النبيَُّ﴾: «اللهمَّ لا طَيْرَ إلا طيرك، ولا خيرَ إلى خيرُك، ولا إله غيرُك))(٧). وقد روى بعضُ الأدباء: الفَأُلُ والزَّجْرُ والكُمَّانُ كلُّهُمُ مضلَّلون ودون الغيبِ أقْفالُ (٨) (١) هو قطعة من حديث معاوية بن الحكم السلمي السالف. (٢) الحازي: هو الكاهن ، ويقال له أيضاً: الحزَّاء، وهو الذي يحزر الأشياء ويُقدرها بظنه. النهاية (حزو) . (٣) في (م) و(د) و(ظ) فيعطى. والمثبت من (خ) و(ز) و(ق) والإكمال والمفهم. وهو في النهاية لابن الأثير (خطط) ذكره عن ابن عباس أيضاً . (٤) في أحكام القرآن ٤ / ١٦٨٥ . (٥) سلف قوله :﴿ ١١/ ٢٤٧ عن الرؤيا ((جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). (٦) سلف ٧/ ٢٩٠ - ٢٩١ حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا طيرة، وخيرها الفأل)) قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم))، وهو في الصحيحين. (٧) قطعة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وسلف ٩/ ٣٠٧ . (٨) ذكره المبرد في الكامل ٤١٩/١، والبغدادي في الخزانة ٣٢١/١٠ دون نسبة. ١٧٩ سورة الأحقاف : الآية ٤ وهذا كلامٌ صحيح، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأقرَّبه، فلا يُقبل من هذا الشاعر ما نظَمه فيه؛ فإنه تكلم بجهل، وصاحبُ الشرع أصدقُ وأعلم وأحكم. قلت: قد مضى في الطَّرَة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في ((المائدة)) (١) وغيرها. ومضى في ((الأنعام))(٢) أنَّ الله سبحانه منفرِدٌ بعلم الغيب، وأن أحداً لا يعلم من ذلك إلا ما أعلمه اللهُ، أو يجعل على ذلك دلالةً عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة، وقد يختلف، مثاله: إذا رأى نخلةً قد أطلَعَت، فإنه يعلم أنها ستثمر، وإذا رآها قد تناثر طَلْعُها عَلِم أنها لا تثمر. وقد يجوز أن يأتي عليها آفةٌ تُهلك ثمرَها فلا تثمر؛ كما أنه جائز أن تكون النخلة التي قد تناثر طَلْعُها يُطلع اللهُ فيها طلعاً ثانياً فتثمر. وكما أنه جائز - أيضاً - ألَّا يلي شهرَه شهرٌ ولا يومَه يوم إذا أراد اللهُ إفناءَ العالَم ذلك الوقت. إلى غير ذلك مما تقدَّم في ((الأنعام)) بيانُه. الرابعة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ يريد الخطَّ. وقد كان مالك رحمه اللهُ يحكم بالخطّ إذا عَرَف الشاهدُ خطّه. وإذا عرف الحاكم خطَّه أو خطّ من كتب إليه حكم به، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحِيل والتزوير. وقد روي عنه أنه قال: يُحدِث الناس فجوراً فتحدث لهم أقضية. فأمَّا إذا شهد الشهود على الخطّ المحكوم به؛ مثل أن يشهدوا أن هذا خظُ الحاكم وكتابُه، أَشهدنا على ما فيه وإن لم يعلموا ما في الكتاب. وكذلك الوصية أو خطّ الرجل باعترافه بمالٍ لغيره يشهدون أنه خطه، ونحو ذلك، فلا يختلف مذهبه أنه يحكم به(٣). وقيل: ((أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْم)): أو بقية من علم؛ قاله ابن عباس والكلبي (٤) وأبو بكر (١) ٢٩٠/٧. (٢) ٨/ ٤٠٢ وما بعدها . (٣) ينظر الكافي لابن عبد البرّ ٩١٥/٢ . (٤) تفسير البغوي ٤ / ١٦٣ . ١٨٠ سورة الأحقاف: الآية ٤ ابن عياش(١) وغيرهم. وفي الصحاح(٢) ((أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْم)): بقية منه. وكذلك الأَثَرَة، بالتحريك. ويقال: سَمِنت الإبل على أثارة، أي: بقية شحم كان قبل ذلك. وأنشد الماورديُّ(٣) والثعلبي قولَ الراعي: وذاتٍ أثارة أكلتْ عليها نباتاً في أكمَّته قِفارا(٤) وقال الهَرَوي: والأثارة والأثر: البقيَّة؛ يقال: ما ثَمَّ عين ولا أثر. وقال ميمون ابن مِهران وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن وقتادة: ((أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْم)»: خاصة من علم(٥). وقال مجاهد: روايَةٍ تأثرونها عمَّن كان قبلكم(٦). وقال عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء(٧). وقال القُرَظِي: هو الإسناد(٨). الحسن: المعنى شيء يثار أو يستخرج (٩). وقال الزجاج(١٠): (أَوْ أَثَارَةٍ)) أي: علامة. والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة(١١). وأصل الكلمة من الأَثَر، وهي الرواية؛ يقال: أثرت الحديث أَثُرُهُ أَثْرًا وأَثَارَةً وأُثْرة فأنا آثر؛ إذا ذكرتَه عن غيرك. ومنه قيل: حديث مأثور، أي: نقله خَلَف عن سَلَف. قال الأعشى : (١) النكت والعيون ٢٧١/٥، وأخرجه عنه الطبري ١١٥/٢١. (٢) مادة : (أثر). (٣) في النكت والعيون ٢٧١/٥ . (٤) ديوان الراعي النميري ص ١٤٢، وجاء في النسخ الخطية: قصارا، بدل: قفارا، والمثبت من (م)، ونسب البيت أيضاً للشماخ، وهو في ديوانه ص ٤٤٥ . قوله: في أكمّته أي : في غُلفه ، جمع كِمام، وهو جمع كِمّ، والكِمّ: غطاء الثَّور وغلافه . وقوله: قِفارا أي: خالياً من الناس. فَرَعَته الناقةُ وحدها. وقفار: وصف نبات. الخزانة ١٠/ ١٤١. (٥) النكت والعيون ٢٧١/٥، وأخرجه الطبري ١١٤/٢١. (٦) أخرجه الطبري ١١٤/٢١ - ١١٥. (٧) تفسير البغوي ٤ / ١٦٣. (٨) المحرر الوجيز ٩٢/٥. (٩) أخرجه عبد الرزاق ٢١٥/٢، والطبري ١١٤/٢١. (١٠) في معاني القرآن له ٤ /٤٣٨ . (١١) معاني القرآن للفراء ٥٠/٣.