النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الزخرف : الآيات ٤٦ - ٥٢
وقال الفراء(١): في ((أَمْ)) وجهان: إن شئتَ جعلتَها من الاستفهام الذي جُعل
بـ (أَم)) لاتصاله بكلام قبله، وإن شئتَ جعلتَها نَسَقاً على قوله: ((أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ)).
وقيل: هي زائدة. وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون ((أَمْ)) زائدة؛ والمعنى:
أنا خير من هذا الذي هو مهين(٢). وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى: أفلا
تبصرون أم تبصرون؛ كما قال:
وبين النَّقا آأنتِ أمْ أمُّ سالِمٍ (٣)
أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بين جُلاحِلٍ
أي: أنتِ أحسن أَم أُمُّ سالم؟
ثم ابتدأ فقال: ((أَنَا خَيْرٌ)).
وقال الخليل وسيبويه: المعنى: ((أَفَلَا تُبْصِرُونَ))، أم أنتم بُصَراء؟ فعطف بـ ((أم))
على ((أَفَلَا تُبْصِرُونَ))؛ لأن معنى ((أَمْ أَنَا خَيْرٌ)) أي: أم تُبصرون؛ وذلك أنهم إذا قالوا
له: أنت خيرٌ منه، كانوا عنده بُصراء(٤).
وروي عن عيسى الثَّقفِيِّ ويعقوبَ الحضرميِّ أنهما وقفا على ((أم)) على أن يكون
التقدير: أفلا تبصرون أم تبصرون؛ فحذف (تبصرون)) الثاني. وقيل: مَن وقف على
((أم)) جعلها زائدة، وكأنه وقف على ((تُبْصِرُونَ)) مِن قوله: (أَفَلَا تُبْصِرُون)). ولا يَتمُّ
الكلام على ((تُبْصِرُونَ)) عند الخليل وسيبويه؛ لأنَّ ((أم)) تقتضي الاتصالَ بما قبلها.
وقال قوم: الوقف على قوله: ((أَفَلَا تُبْصِرُونَ)) ثم ابتدأ ((أَمْ أَنَا خَيْرٌ)) بمعنى: بل أنا؛
= فرعون، حمله على هذا الكفرُ والعِناد، وليس عدم الإفصاح من موسى بسبب لثغته بالجمرة؛ لأن
موسى عليه السلام سأل الله عزَّ وجلَّ أن يَحُلَّ عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله تبارك
وتعالى له في ذلك في قوله: ﴿قَدْ أُوِيَتَ سُؤْلَكَ يَنْمُوسَى﴾ [طه: ٢٦].
(١) في معاني القرآن ٣٥/٣.
(٢) قال ابن الأنباري في البيان ٢/ ٣٥٤: وزعم أبو زيد أن ((أم)) زائدة، وليس بشيء. اهـ. ونحوه في أمالي
ابن الشجري ١٠٩/٣ - ١١٠.
(٣) البيت لذي الرُّمة، وسلف ٢٨٢/١ .
(٤) كلام سيبويه في الكتاب ٣/ ١٧٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٤١٥/٤، وأمالي ابن الشجري ١١٠/٣.

٦٢
سورة الزخرف: الآيات ٤٦ - ٥٣
وأنشد الفرَّاء(١):
وصورتِها أم أنتِ في العين أمْلَحُ
بدت مِثْلَ قَرْن الشمسِ في رَوْنَقِ الضُّحی
فمعناه: بل أنتِ أملح.
وذكر الفرَّاء(٢) أنَّ بعض القراء قرأ: ((أَمَا أَنَا خَيْرٌ))؛ ومعنى هذا: ألستُ خيراً.
وروي عن مجاهدٍ أنه وقف على ((أم))، ثم يبتدئ ((أَنا خَيْرٌ))(٣). وقد ذُكر.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلِّقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ
مُقْتَرِنِنَ
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: هلََّ ﴿أُلْقِىَ عَلَّهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ إنما قال ذلك؛ لأنه
كان عادةَ الوقت وزِيَّ أهلِ الشرف(٤).
وقرأ حفص: ((أَسْوِرَةٌ))(٥) جمع سِوار، كخِمار وأخمرة.
وقرأ أُبَيّ: ((أَساوِر)) جمع إسوار. وابن مسعود: ((أَساوير))(٢). الباقون: ((أَسَاوِرَة))
جمع الأَسْوِرة؛ فهو جمع الجمع. ويجوز أن يكون ((أَسَاوِرة)) جمعَ ((إِسْوَار))، وأُلحقت
الهاءُ في الجمع عوضاً من الياء؛ فهو مثل: زناديق وزنادقة، وبطاريق وبطارقة،
وشِبهِه. وقال أبو عمرو بنُ العَلَاء: واحد الأَساورةِ والأساور والأساوير إِسوار(٧)،
وهي لغةٌ في سِوَار.
(١) في معاني القرآن ١/ ٧٢. وسلف البيت ٢٠٥/٢ .
(٢) في معاني القرآن ٣٥/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٥٩/٥.
(٤) النكت والعيون ٢٣٠/٥ .
(٥) السبعة ص ٥٨٧ ، والتيسير ص ١٩٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٩/٥. وقراءة ((أساور)) نسبها في القراءات الشاذة ص ١٣٥ للأعمش. وقراءة ((أساوير))
نسبها لأبي أو عبد الله. وينظر تفسير الطبري ٦١٥/٢٠، وإعراب القرآن للنحاس ١١٤/٤.
(٧) ذكره عنه بنحوه الطبري في تفسيره ٦١٥/٢٠، والجوهري في الصحاح (سور).

٦٣
سورة الزخرف: الآيتان ٥٣ - ٥٤
قال مجاهد: كانوا إذا سوَّدوا(١) رجلاً، سوَّروه بسوارَين، وطوَّقوه بطوقٍ ذهب؛
علامةً لسيادته، فقال فرعون: هلَّا أَلقى ربُّ موسى عليه أساورةً من ذهب إن كان
صادقاً! ﴿أَوْ جَّةَ مَعَهُ الْمَلَئِكَةُ مُفْتَرِنِينَ﴾ يعني: متتابعين؛ في قول قتادة. مجاهد:
يمشون معًا(٢). ابن عباس: يعاونونه على مَن خالفه؛ والمعنى: هلَّا ضمَّ إليه الملائكة
التي يزعُم أنها عند ربه حتى يتكثَّرَ بهم ويَصرِفَهم على أمره ونهيه؛ فيكونَ أهْيَبَ في
القلوب. فأَوهمَ قومَه أنَّ رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في الشاهد، ولم
يَعلم أنَّ رسلَ الله إنما أُيِّدوا بالجنود السماوية؛ وكلُّ عاقلٍ يعلم أنَّ حِفظ الله موسى،
مع تفرُّده ووحدته، من فرعون، مع كثرة أتباعه، وإمدادَ موسى بالعصا واليدِ البيضاء
كان أبلغَ مِن أن يكون له أسورةٌ، أو ملائكة يكونون معه أعواناً؛ في قول مقاتلٍ، أو
دليلاً على صدقه؛ في قول الكلبي. وليس يَلزم هذا؛ لأن الإعجاز كافٍ، وقد كان في
الجائز أن يُكَذَّبَ مع مجيء الملائكة كما كُذِّب مع ظهور الآيات. وذَكَر فرعونُ
الملائكة حكايةً عن لفظ موسى؛ لأنه لا يؤمن بالملائكة مَن لا يَعرف خالقهم(٣).
٥٤
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَ قَوْمَهُ﴾ قال ابن الأعرابي: المعنى: فاستجهلَ قومَه(٤)
﴿ فَطَاعُوهُ﴾ لِخِفَّة أحلامهم وقِلَّة عقولهم؛ يقال: استخفَّه الفرح، أي: أزعجه،
واستخفَّه، أي: حمله على الجهل، ومنه: ﴿وَلَا يَسْتَحِقَتَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[الروم: ٦٠]. وقيل: استفزَّهم بالقول فأطاعوه على التكذيب(٥). وقيل: استخفَّ قومَه،
(١) في النسخ عدا (ف): سوروا. والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في تفسير البغوي ٤/ ١٤٢،
والكلام منه.
(٢) أخرج قولهما الطبري ٦١٦/٢٠.
(٣) النكت والعيون ٢٣١/٥، وفيه قول مقاتل والكلبي.
(٤) ياقوتة الصراط ص ٤٦٠ .
(٥) النكت والعیون ٥/ ٢٣١ عن ابن زياد.

٦٤
سورة الزخرف: الآيات ٥٤ - ٥٦
أي: وجدهم خِفَافَ العقول. وهذا لا يدُلُّ على أنه يجب أن يطيعوه، فلا بدَّ من
إضمارٍ بعيد، تقديره: وجدهم خفافَ العقول فدعاهم إلى الغَوَاية فأطاعوه. وقيل :
استخفَّ قومه وقهرهم حتى اتّبعوه؛ يقال(١): استخفَّه خلافُ استثقله، واستخفَّ به:
أهانه. ﴿إنّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَنِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَفْتَهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أُنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ روى الضخَّاك عن ابن عباس: أي:
غاظونا وأغضبونا. وروى عنه عليُّ بن أبي طلحة: أي: أسخطونا. قال الماورديّ (٢).
ومعناهما مختلف، والفرق بينهما أنَّ السَّخط إظهارُ الكراهة، والغضبَ إرادة الانتقام.
القشيريّ: والأسف ها هنا بمعنى الغضب؛ والغضب من الله إمَّا إرادةُ العقوبة،
فيكونُ من صفات الذات، وإما عينُ العقوبة، فيكون من صفات الفعل؛ وهو معنى
قولِ الماوردي(٣).
وقال عمر بنُ ذَرّ: يا أهل معاصي الله، لا تغترُّوا بطول حِلْمِ اللهِ عنكم،
واحذَروا أسفه؛ فإنه قال: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أُنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. وقيل: ((آسَفُونَا)) أي:
أغضبوا رسُلَنا وأولياءنا المؤمنين(٤)؛ نحوُ السَّحَرةِ وبني إسرائيل. وهو كقوله تعالى:
﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] و ﴿يُحَارِبُونَ اَللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣] أي: أولياءه ورسله.
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْأَخِرِينَ
٥٦
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا﴾ أي: جعلنا قومَ فرعونَ سَلَفًا. قال أبو مِجْلَز:
((سَلَفاً)) لمن عَمِلَ عملَهم، ((وَمَثَلًا)) لمن [لم] يعملْ عملَهم(٥). وقال مجاهد: ((سَلَفًا))
(١) قاله الجوهري في الصحاح (خفف).
(٢) في النكت والعيون ٢٣١/٥، وما قبله منه. وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٦١٧/٢٠ .
(٣) الصواب إثبات صفة الغضب لله عز وجل بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل، على ما يليق بجلال الله وعظمته.
(٤) الوسيط ٧٧/٤-٧٨، والنكت والعيون ٢٣٢/٥.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٧٣/٦، وما بين حاصرتين منه.

٦٥
سورة الزخرف: الآيتان ٥٦ - ٥٧
إخباراً لأمة محمدٍ ﴿، ((وَمَثَلًا)) أي: عِبرةً لهم. وعنه أيضاً: ((سَلَفًا)) لكفار قومك
يتقدَّمونهم إلى النار. قتادة: ((سَلَفًا)) إلى النار، ((وَمَثَلًا)): عِظةً لمن يأتي بعدهم(١).
والسَّلَف: المتقدِّم؛ يقال سَلَفَ يَسْلُف سَلَفًا؛ مثل: طلب يطلُب(٢) طلباً، أي: تقدَّم
ومضى. وسلف له عملٌ صالح، أي: تقدَّم. والقوم السُّلَّاف: المتقدِّمون. وسَلَفُ
الرَّجُل: آباؤه المتقدِّمون؛ والجمع: أسلافٌ وسُلَّاف.
وقراءة العامة: ((سَلَفًا)) بفتح السين واللام: جمع سالف؛ كخادم وخَدَم، وراصد
ورَصَد، وحارس وحَرَس. وقرأ حمزة والكِسائي: ((سُلُفًا)) بضم السين واللام(٣). قال
الفراء(٤): هو جمع سَلِيف، نحو: سرير وسُرُر. وقال أبو حاتم: هو جمع سَلَف؛
نحو خَشَب وخُشُب، وثَمَر وثُمُر؛ ومعناهما واحد.
وقرأ عليٍّ وابن مسعود وعلقمة وأبو وائلٍ والنَّخَعِيُّ وحُميد بنُ قيس: ((سُلَفاً)) بضم
السين وفتح اللام، جمع سُلْفة(٥)، أي: فِرِقَةٌ متقدِّمة. قال المؤرِّج والنَّضْر بنُ شُمَيل:
((سُلَفًّا)) جمع سُلْفة، نحو غُرْفَة وغُرَف، وظُرْفة وظُرَف، وظُلْمة وظلَم.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (@)
لمَّا قال تعالى: ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَ الِهَةً
يُعْبَدُونَ﴾ تعلَّق المشركون بأمر عيسى، وقالوا: ما يريد محمدٌ إلَّا أنْ نتخذَه إلها كما
اتخذت النصارى عيسى ابنَ مريم إلهًا، قاله قتادة. ونحوُه عن مجاهد؛ قالت: إنَّ
قريشًا قالت: إنَّ محمدًا يريد أن نعبُدَه كما عبد قومُ عيسى عيسى؛ فأنزل الله هذه
الآية(٦).
(١) أخرج هذه الآثار الطبري ٦٢٠/٢٠ -٦٢١ .
(٢) قوله: يطلب من (ظ)، وهو موافق لما في الصحاح (سلف)، والكلام منه.
(٣) السبعة ص ٥٨٧ ، والتيسير ص ١٩٧ .
(٤) كلامه في تفسير البغوي ١٤٢/٤، وينظر معاني القرآن له ٣٦/٣.
(٥) قراءة علي ﴾ في المحرر الوجيز ٥/ ٦٠، وقراءة حميد في القراءات الشاذة ص١٣٥.
(٦) أخرج قولهما الطبري ٦٢٢/٢٠ .

٦٦
سورة الزخرف: الآية ٥٧
وقال ابن عباس: أراد به مناظرةً عبدِ الله بنِ الزِّبَعْرَى مع النبيِّ ﴾ في شأن
عيسى، وأنَّ الضارب لهذا المثل هو عبد الله بنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ حالةً كفره؛ لمَّا
قالت له قريش: إنَّ محمداً يتلو: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية، فقال: لو حضرتُه لَرددت عليه؛ قالوا: وما كنتَ تقول
له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيحُ تعبده النصارى، واليهودُ تعبد عُزَيْراً، أَفَهما من
حَصَب جهنم؟ فعَجِبت قريشٌ من مقالته ورأوا أنه قد خُصِم؛ وذلك معنى قوله:
(يَصِدُّونَ))، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا
مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
ولو تأمل ابنُ الزبعرى الآيةَ ما اعترض عليها؛ لأنه قال: ((وَمَا تَعْبُدُونَ)) ولم يقل:
ومن تعبدون، وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يَعقِل، ولم يُرد المسيح ولا
الملائكةَ وإنْ كانوا معبودين. وقد مضى هذا في آخر سورة الأنبياء(١).
وروى ابنُ عباس أنَّ رسول اللـه # قال لقريش: ((يا معشر قريش، لا خير في
أَحدٍ يُعبد من دون الله)). قالوا: أليس تزعُمُ أنَّ عيسى كان عبداً نبيًّا وعبداً صالحًا، فإن
كان كما تزعم فقد كان يُعبد من دون الله !. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَعَ
مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾(٢). أي: يَضِجُون كضجيج الإبلِ عند حمل الأثقال.
وقرأ نافعٌ وابن عامر والكِسائي: ((يَصُدُّون)). بضم الصاد، ومعناه: يُعرِضون؛ قاله
النَّخَعِيُّ، وكَسَرَ الباقون(٣). قال الكسائي(٤): هما لغتان؛ مثل: يَعْرِشون ويَعْرُشون
ويَنِمُّون ويَنُمُّون، ومعناه: يَضِجُّون.
(١) ١٤/ ٢٩٠، ومضى فيه أثر ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه أحمد (٢٩١٨)، والواحدي في أسباب النزول ص٣٩٧ .
(٣) السبعة ص ٥٨٧، والتيسير ص ١٩٧، وقول النخعي في النكت والعيون ٢٣٤/٥.
(٤) ذكر قوله النحاس في إعراب القرآن ١١٥/٤، والبغوي في تفسيره ١٤٣/٤، وابن عطية في المحرر
الوجيز ٥ / ٦٠ .

٦٧
سورة الزخرف: الآيتان ٥٧ - ٥٨
قال الجوهري(١): وصَدَّ يَصُدُّ صديداً، أي: ضَجّ. وقيل: إنه بالضم من الصدود
وهو الإعراض، وبالكسر من الضجيج؛ قاله قُطْرُب(٢). قال أبو عبيد: لو كانت من
الصدود عن الحقِّ لكانت: إذا قومُك عنه يصدون(٣). الفرَّاء(٤): هما سواء؛ منه وعنه.
ابنُ المسيّب: يصدون: يَصيحون(٥). الضحاك: يَعجُّون. ابن عباس: يضحكون(٦).
أبو عبيدة(٧): مَن ضَمَّ فمعناه: يعدلون؛ فيكون المعنى: من أجل الميل يعدلون. ولا
يُعَدَّى ((يَصِدُّون)) بمن، وَمن كَسَرَ فمعناه: يضِجُّون؛ فـ ((من)) متصلةٌ بـ ((يَصِدُّون))
والمعنى : يَضجون منه.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ ءَأَلِهَتُنَّا خَيْرُ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْاْ بَلَ هُمْ قَوْمُ
٥٨)
خَصِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوَاْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمَّ هُوَّ﴾ أي: آلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ قاله
السُّدّيّ. وقال: خاصموه وقالوا: إنَّ كلَّ مَن عُبد من دون الله في النار، فنحن
نرضى أن تكونَ آلهتُنا مع عيسى والملائكةِ وعُزير، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١](٨). وقال قتادة: ((أَمْ
(١) في الصحاح (صدد).
(٢) النكت والعيون ٢٣٤/٥.
(٣) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١١٥/٤ - ١١٦، ثم قال: وفي هذا ردٌّ على الجماعة الذين قراءتهم
حجة، وقد خالف بقوله هذا الكسائي والفراء، والذي ذكره من الحجة ليس بواجب؛ لأنه يقال:
صددتُ من قوله، أي: لأجل قوله .
(٤) في معاني القرآن ٣/ ٣٧ .
(٥) في (ف) و(م): يضجون. وذكر هذا الأثر والذي بعده البغوي في تفسيره ٤/ ١٤٣ .
(٦) المشهور عن ابن عباس: يضجون؛ كما أخرجه الفراء ٣٦/٣ وغيره. وهو في مسند أحمد (٢٩١٨) وقد
سلف قريباً تخريجه. وقوله: يضحكون، نسبه في النكت والعيون ٢٣٣/٥ لقتادة، وفي تهذيب اللغة
١٠٤/١٢ الليث. وينظر المحرر الوجيز ٦٠/٥.
(٧) في مجاز القرآن ٢٠٥/٢ .
(٨) أخرجه الطبري ٢٠/ ٦٢٧ .

٦٨
سورة الزخرف: الآيات ٥٨ - ٦٠
هُوَ)) يعنون محمداً ◌َ﴾(١).
وفي قراءة ابنٍ مسعود: ((آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا))(٢). وهو يقوِّي قولَ قتادة، فهو
استفهامُ تقریرٍ في أنَّ آلهتهم خیر.
وقرأ الكوفيُّون ويعقوب: ((أأَلهتُنا)) بتحقيق الهمزتين، ولَيَّن الباقون(٣). وقد تقدَّم.
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ حال، أي: جدلين. يعني: ما ضربوا لك هذا المَثَلَ إلَّا
إرادةَ الجدل؛ لأنهم علموا أنَّ المراد بحصب جهنم ما اتخذوه من المَوَات(٤).
﴿بَلْ مُرْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ : مجادِلون بالباطل.
وفي صحيح الترمذِيّ عن أبي أمامة قال: قال رسول اللـه ﴾: «ما ضلَّ قومٌ بعد
هُدّى كانوا عليه إلَّا أُوتوا الجدل)) ثم تلا رسولُ اللـه لَ﴾ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا
جَدَلَا بَلَّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾(٥).
(ج وَلَوْ
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِيّ إِسْرَِّيلَ
نَشَاءُ لَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَئِكَةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: ما عيسى إلَّا عبدٌ أَنعم اللهُ عليه
بالنبوَّة، وجَعَلَه مَثَلًا لبني إسرائيل، أي: آيةً وعبرةً يُستدلُّ بها على قدرة الله تعالى،
فإنَّ عيسى كان من غير أب، ثم جعل إليه من إحياء الموتى وإبراءِ الأَكْمَه والأبرص
والأسقام كلِّها ما لم يجعل لغيره في زمانه، مع أنَّ بني إسرائيل كانوا يومئذ خيرَ
الخلق وأحبَّه إلى الله عزَّ وجلَّ، والناسُ دونهم، ليس أحدٌ عند الله عزَّ وجلَّ مثلَهم.
وقيل: المراد بالعبد المنعَم عليه محمدٌ ﴿، والأوَّلُ أظهر.
(١) النكت والعيون ٢٣٤/٥، وتفسير البغوي ١٤٣/٤، والمحرر الوجيز ١٠٤/٥.
(٢) الكشاف ٣/ ٤٩٤ .
(٣) السبعة ص ٥٨٧، والتيسير ص ١٩٧، وقراءة يعقوب هي من رواية روح كما في النشر ٣٦٤/١ -٣٦٥.
(٤) الوسيط للواحدي ٧٩/٤ .
(٥) سنن الترمذي (٣٢٥٣) وقال: حديث حسن صحيح. وهو في مسند أحمد (٢٢١٦٤).

٦٩
سورة الزخرف: الآيات ٥٩ - ٦٢
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: بَدَلًا منكم ﴿مَّلَئِكَةً﴾ يكونون خَلَفًا عنكم؛ قاله
السُّدِّيّ. ونحوُه عن مجاهد قال: ملائكةٌ يَعمُرون الأرضَ بدلاً منكم (١).
وقال الأزهريّ: إنَّ (مِن)) قد تكون للبدل؛ بدليل هذه الآية(٢).
قلت: قد تقدَّم هذا المعنى في ((براءة))(٣) وغيرِها.
وقيل: لو نشاء لجَعلنا من الإنس ملائكةً وإنْ لم تَجرِ العادةُ بذلك(٤)، والجواهرُ
جِنسٌ واحدٌ والاختلافُ بالأوصاف؛ والمعنى: لو نشاء لأسكنا الأرضَ الملائكة،
وليس في إسكاننا إيَّاهم السماءَ شرفٌ حتى يُعبدوا، أو يقال لهم: بناتُ اللـه.
ومعنى ((يَخْلُفُونَ)): يخلفُ بعضُهم بعضاً؛ قاله ابن عباس(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
١٢
وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا﴾ قال الحسن وقتادة وسعيد بنُ
جبير: يريد القرآن(٦)؛ لأنه يدلُّ على قُرب مجيء الساعة، أو به تُعلم الساعةُ وأهوالها
وأحوالها. وقال ابن عباس ومجاهدٌ والضحاك والسديُّ وقتادة أيضاً: إنه خروجُ
عيسى عليه السلام(٧)، وذلك من أعلام الساعة، لأن الله يُنزِله من السماء قُبيلَ قيامِ
الساعة، كما أنَّ خروج الدجّال من أعلام الساعة.
(١) أخرج قولهما الطبري ٢٠/ ٦٣٠ .
(٢) ذكر قوله الواحدي في الوسيط ٤ / ١٠٥ .
(٣) ١٠/ ٢٠٧.
(٤) ينظر النكت والعيون ٢٣٥/٥ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٠/ ٦٣٠.
(٦) أخرجه الطبري ٦٣٤/٢٠ عن الحسن وقتادة، وذكره عنهما ابن عطية في المحرر الوجيز ٦١/٥،
وذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٢٣٥ عن الحسن وسعيد بن جبير.
(٧) أخرج أقوالهم الطبري ٦٣١/٢٠ - ٦٣٣. وقول ابن عباس قطعة من حديث عند أحمد (٢٩١٨)،
وسلف بعضه عند الآية (٥٧).

٧٠
سورة الزخرف: الآيتان ٦١ - ٦٢
وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بنُ دينار والضحاك: ((وإِنَّهُ لَعَلَمْ لِلسَّاعَةِ))
بفتح العين واللام(١)، أي: أمارة. وقد روي عن عِكرمة: ((وإنه لَلْعَلَم)) بلامين(٢)،
وذلك خلافٌ للمصاحف.
وعن عبد الله بن مسعود قال: لما كان ليلةَ أُسْريَ برسول اللـه﴾، لقي إبراهيم
وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فتذاكروا الساعة، فبدؤوا بإبراهيم فسألوه
عنها، فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى، فلم يكن عنده منها علم؛ فرُدَّ
الحديثُ إلى عيسى ابن مريم، فقال: قد عُهد إليَّ فيما دون وَجْبَتِها، فأما وجبتُها فلا
يعلمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ؛ فذَكَرَ خروجَ الدجال، قال: فأَنزِلُ فأقتُلُه. وذكر الحديث،
خرَّجه ابنُ ماجه في سننه(٣).
وفي صحيح مسلم(٤): (( فبينما هو - يعني المسيحَ الدجال - إذ بعث اللهُ المسيح
ابنَ مريم، فيَنزل عند المنارة البيضاءِ شرقيّ دِمَشْق بين مَهْرُودَتَين واضعاً كفَّيه على
أجنحة مَلَكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمَانٌ كاللؤلؤ، فلا يَحِلُّ
لكافر يجد ريحَ نَفَسِه إلَّ مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه، فيطلبُه حتى يدرِكَه
بباب لُدِّ، فيقتله ... )) الحديث.
وذكر الثعلبيُّ والزَّمَخْشريُّ وغيرهما من حديث أبي هريرة، أنَّ النبيَّ # قال:
((يَنزل عيسى ابنُ مريم عليه السلام(٥) على ثَنِيَّةٍ من الأرض المقدَّسة، يقال لها : أفِيقُ،
بين مُمَصَّرَتَيْن، وشعرُ رأسه دَهين، وبيده حَرْبٌ يقتل بها الدَّجَّال، فيأتي بيت المقدس
(١) القراءات الشاذة ص ١٣٥ - ١٣٦ والمحرر الوجيز ٦١/٥. وقراءة ابن عباس أخرجها الطبري ٢٠/ ٦٣٢.
(٢) المحرر الوجيز ٦١/٥، والقراءات الشاذة ص١٣٦.
(٣) برقم (٤٠٨١). قال البوصيري في الزوائد ٣١٢/٢: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. قوله: وجبتها،
أي: قيامها. شرح السندي ٥١٧/٢ .
(٤) برقم (٢٩٣٧)، وسلف ٥/ ١٣٧ .
(٥) بعدها في (م): من السماء.

٧١
سورة الزخرف: الآيتان ٦١ - ٦٢
والناسُ في صلاة العصر والإمامُ يَؤُّ بهم، فيتأخر الإمام، فيقدِّمه عيسى ويصلِّ خلفه
على شريعة محمدٍ ﴿، ثم يقتل الخنازير، ويَكسِر الصليب، ويخرب البِيَعَ والكنائس،
ويقتل النصارى إلَّا مَن آمن به))(١).
وروى خالدٌ عن الحسن قال: قال رسول اللـه ﴾: ((الأنبياء إخوةٌ لِعَلَّات،
أُمهاتُهم شَتَّى ودينُهُم واحد، وأنا أوْلَى الناس بعيسى ابنٍ مريم، إنه ليس بيني وبينه
نبيّ، وإنه أوَّلُ نازلٍ، فَيَكسِرُ الصليب، ويقتل الخنزير، ويقاتلُ الناسَ على
الإسلام)) (٢).
قال الماورديّ: وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا: إذا نزل عيسى رُفع
التكليف؛ لئلا يكونَ رسولاً إلى ذلك الزمانِ يأمرُهم عن الله تعالى وينهاهم.
وهذا قول مردودٌ لثلاثة أمور؛ منها: الحديث، ولأنَّ بقاء الدنيا يقتضي [بقاء]
التكليفِ فيها، ولأنه يَنزل آمرًا بمعروفٍ وناهياً عن منكر. وليس يُستنكر أنْ يكونَ أَمْرُ
الله تعالى له مقصوراً على تأييد الإسلام والأمرِ به والدعاءِ إليه(٣).
قلت: ثبت في صحيح مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾:
(لَيَنْزِلَنَّ عيسى ابنُ مريم حَكَمًا عادلاً، فليَكْسِرَنَّ الصليب، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنزير، وَلَيَضَعنَّ
الجِزية، ولَتُتْرَكَنَّ القِلَاصُ فلا يُسعَى عليها، ولَتَذْهَبَنَّ الشحناءُ والتَّاغضُ والتحاسد،
ولَيَدْعُوَنَّ إلى المال فلا يقبلُه أحد))(٤). وعنه قال: قال رسول الله ﴾: ((كيف أنتم إذا
(١) الكشاف ٣/ ٤٩٤، وتفسير البغوي ١٤٤/٤. وقوله: ممصرتين: هما الثوبان فيهما صفرة خفيفة.
النهاية (مصر). وفي الكشاف: وعليه ممصَّرتان.
(٢) النكت والعيون ٢٣٥/٥. وأخرجه أحمد (٩٢٧٠) من حديث أبي هريرة # بنحوه مطولاً. وهو عند
البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥) مختصر. قوله: إخوة لِعَلَّات؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح
٤٨٩/٦: العَلَّات؛ بفتح المهملة: الضرائر ... وأولاد العَلَّات: الإخوة من الأب وأمهاتهم شتَّى ...
ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد - وهو التوحيد - وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل: أزمنتهم
مختلفة.
(٣) النكت والعيون ٢٣٥/٥، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) صحيح مسلم (١٥٥): (٢٤٣)، وهو في سنن ابن ماجه (٤٠٧٨) مختصر. وسلف ١٥٥/٥ .

٧٢
سورة الزخرف: الآيتان ٦١ - ٦٢
نزل ابنُ مريم فيكم وإمامُكم منكم)) وفي رواية: ((فأَمَّكم منكم)). قال ابن أبي
ذئب: تدري: ما (أمَّكم منكم؟)) قلت: تُخْبِرني، قال: فأمَّكم بكتاب ربِّكم وسُنَّةِ
نبيكم ﴾(١).
قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: فهذا نصٌّ على أنه يَنزِل مجدِّدًا لدِين النبيِّ #*
للذي دَرَس منه، لا بشرع مبتَدأ، والتكليفُ باقٍ؛ على ما بيَّنَّاه هنا وفي كتاب
((التذكرة)»(٢).
وقيل: ((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)) أي: وإنَّ إحياءَ عيسى الموتى دليلٌ على الساعة وبعثٍ
الموتى؛ قاله ابنُ إسحاق(٣).
قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: ((وَإِنَّهُ)): وإنَّ محمدًا : ﴿ لَعِلْم للساعة؛ بدليل
قوله عليه الصلاة والسلام: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين)) وضَمَّ السَّبَّابةَ والوسطى؛
خرَّجه البخاريُّ ومسلم(٤). وقال الحسن: أوَّلُ أشراطها محمدٌ ﴾(٥).
﴿فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا﴾: فلا تشكُّون فيها؛ يعني: في الساعة؛ قاله يحيى بنُ سلَّام.
وقال السُّدِّي: فلا تكذِّبون بها(٦)، ولا تجادلون فيها فإنها كائنةٌ لا محالة.
﴿وَأَتَّبِعُونَ﴾ أي: في التوحيد وفيما أُبلِّغكم عن الله. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي:
طريقٌ قويم إلى الله، أي: إلى جنته.
وأثبت الياءَ يعقوبُ في قوله: ((وَاتَّبِعُونٍ)) في الحالين، وكذلك ((وَأَطِيعُونٍ)).
وأبو عمرٍو وإسماعيلُ عن نافع في الوصل دون الوقف(٧)، وحَذَفَ الباقون في الحالين.
(١) صحيح مسلم (١٥٥): (٢٤٤)، (٢٤٦). وسلف ٥/ ١٥٥ . وابن أبي ذئب أحد رجال السند.
(٢) ص ٦٧٧ - ٦٧٨ .
(٣) النكت والعيون ٢٣٥/٥ .
(٤) صحيح البخاري (٦٥٠٤)، وصحيح مسلم (٢٩٥١) من حديث أنس . وسلف ١٢/ ٢٦٨ .
(٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥٠ بلفظ: محمد # من أشراطها. ونسبه لابن أبي حاتم.
(٦) النكت والعيون ٢٣٦/٥ . وأخرجه الطبري ٦٣٤/٢٠ بلفظ: فلا تشكون فيها.
(٧) يعني في قوله: ﴿وَأَنَّبِعُونَ﴾. وقراءة نافع المشهورة عنه كقراءة الباقين. السبعة ص ٥٩٠ ، والتيسير
ص١٩٧، والنشر ٢/ ٣٧٠ .

٧٣
سورة الزخرف: الآيات ٦١ - ٦٤
﴿وَلَا يَصُدَّتَّكُمُ الشَّيْطَرِّ﴾ أي: لا تغترُّوا بوساوسه وشُبَهِ الكفار المجادِلين؛ فإنَّ
شرائع الأنبياء لم تختلف في التوحيد، ولا فيما أخبروا به مِن عِلم الساعة وغيرِها بما
تضمنته من جنةٍ ونار. ﴿إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ تقدَّم في ((البقرة))(١) وغيرِها.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ
بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّهِ فَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِى وَرَبِّكُمْ فَعْبُدُوهٌ
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَفِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِلْبَيِّنَتِ﴾ قال ابن عباس: يريد إحياءَ الموتى وإبراءَ
الأسقام، وخَلْقَ الطير، والمائدةَ وغيرَها، والإخبارَ بكثيرٍ من الغيوب. وقال قتادة:
البيِّنات هنا الإنجيل (٢). ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: النبوَّة؛ قاله السُّدِّيّ. ابن
عباس: عِلمُ ما يؤدِّي إلى الجميل ويَكفُّ عن القبيح. وقيل: الإنجيل؛ ذكره القشيريُّ
والماوردي(٣).
﴿وَلِأَبَّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةِ﴾ قال مجاهد: مِن تبديل التوراة (٤).
الزَّجاج(٥) : المعنى: لأبين لكم في الإنجيل بعضَ الذي تختلفون فيه من تبديل
التوراة. قال مجاهد: وبيَّن لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: بيَّن لهم بعضَ
الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على قَدْر ما سألوه. ويجوز أن يختلفوا في أشياءً
غيرِ ذلك لم يَسألوه عنها. وقيل: إنَّ بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياءً
مِن أمر دينهم وأشياءَ مِن أمر دنياهم، فبيَّن لهم أمرَ دينهم.
(١) ٣/ ١٣ .
(٢) النكت والعيون ٢٣٦/٥. وقول قتادة أخرجه الطبري ٦٣٥/٢٠.
(٣) في النكت والعيون ٢٣٦/٥، وقول ابن عباس نسبه لابن عيسى. وقول السدي أخرجه الطبري
٢٠ / ٦٦٣ ٠
(٤) أخرجه الطبري ٦٣٦/٢٠.
(٥) معاني القرآن له ٤ /٤١٨، وإعراب القرآن للنحاس ١١٨/٤.

٧٤
سورة الزخرف: الآيات ٦٣ - ٦٦
ومذهب أبي عبيدة(١) أنَّ البعض بمعنى الكلّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿يُصِبْكُم
بَعْضُ الَّذِى يَعِدُّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. وأنشد الأخفش قولَ لبيد:
أو يعتلقْ بعضَ النفوس حِمامُها
تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أرضها
والموت لا يعتلق بعضَ النفوس دون بعض (٢). ويقال للمنيّة: عَلُوق وعَلَّاقة. قال
المفضَّل الُكْري(٣):
وقد عَلِقت بثعلبةَ العَلُوقُ(٤)
وسائلةٍ بثعلبةَ بنِ سَيْرٍ
وقال مقاتل: هو كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾
[آل عمران: ٥٠]. يعني: ما أُحلَّ في الإنجيل مما كان محرَّماً في التوراة؛ كلحم الإبل
والشحمٍ مِن كل حَيّوان، وصيدِ السمك يومَ السبت.
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: اتقوا الشِّركَ ولا تعبُدوا إلَّ اللهَ وحده؛ وإذا كان هذا قولَ
عيسى، فكيف يجوز أن يكونَ إِلهَا أو ابنَ إله؟! ﴿وَأَطِعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من
التوحيد وغيره. ﴿إِنَّ اللََّ هُوَ رَبِّ وَرَبِّكُمْ فَأَعْبُدُوَةٌ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: عبادةُ الله
صراط مستقيم، وما سواه معوجٌ لا يؤدِّي سالكه إلى الحقّ.
قوله تعالى: ﴿فَأَخْتَلَفَ أَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ
أَلِيمٍ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَغْتَهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿فَأُخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال قتادة: يعني ما بينهم، وفيهم
قولان: أحدهما: أنهم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى، خالف بعضُهم بعضًا؛
(١) في مجاز القرآن ٢٠٥/٢ .
(٢) النكت والعيون ٢٣٧/٥. والبيت في شرح ديوان لبيد ص٣١٣، وسلف ١٤٧/٥.
(٣) في (ف) و(م): البكري، وفي (د): الكبرى. وكلاهما خطأ. وهو المفضل بن معشر بن أسحم بن عدي
ابن شيبان بن سُود بن عُذرة بن منبِّه بن نُكرة. فضّلته قصيدته التي يقال لها: المُنصِفة. طبقات فحول
الشعراء ٢٧٤/١ - ٢٧٥ . والبيت من هذه القصيدة.
(٤) إصلاح المنطق ص٣٦٨، والصحاح (علق)، ورسالة الصاهل والشاحج ص ٤٨٠، واللسان (علق).

٧٥
سورة الزخرف: الآيات ٦٥ - ٦٧
قاله مجاهدٌ والسُّدِّيّ. الثاني: فِرَقُ النصارى من النُّسْطُورِية والمَلْكية واليعاقِبة،
اختلفوا في عيسى؛ فقالت النُّسطورية: هو ابن الله. وقالت اليعاقبة: هو الله. وقالت
المَلْكية: ثالثُ ثلاثةٍ أحدهم الله تعالى؛ قاله الكلبي ومقاتل(١)، وقد مضى هذا في
(٢)
سورة مريم (٢).
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا وأشركوا؛ كما في سورة مريم. ﴿مِنْ عَذَابٍ
يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: أليم عذابُه؛ ومثلُه: ليلٌ نائم؛ أي: يُنام فيه.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يريد: الأحزابُ لا ينتظرون(٣) ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ يريد القيامة ﴿أَنْ
تَأْنِيَهُم بَعْتَهُ﴾ أي: فَجْأةً ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾: يَفُطُنون. وقد مضى في غير موضع(٤).
وقيل: المعنى: لا ينتظر مشركو العربِ إلَّ الساعة. ويكون ((الأَخْزَابُ)) على هذا
الذين تحزَّبوا على النبيِّ ﴾ وكذَّبوه من المشركين. ويتَّصل هذا بقوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ
لَكَ إِلَّا جَدَلاً﴾ [الآية: ٥٨].
قوله تعالى: ﴿اُلْأَخِلَّاَءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوُّ إِلَّ اُلْمُتَّقِينَ
﴾
قوله تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيدِ﴾ يريد: يومَ القيامة. ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُؤُّ﴾ أي:
أعداء، يعادي بعضُهم بعضًا، ويلعن بعضُهم بعضًا. ﴿إِلَّ الْمُثَّفِينَ﴾ فإنهم أخِلَّاءُ في
الدنيا والآخرة؛ قال معناه ابنُ عباس ومجاهدٌ وغيرهما.
وحكى النقّاش أنَّ هذه الآيةَ نزلت في أميَّةَ بنِ خَلَف الجُمَحِيِّ وعُقْبةَ بن أبي
مُعَيْط، كانا خليلين؛ وكان عقبةُ يجالس النبيَّ ﴾، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بنُ أبي
مُعَيط؛ فقال له أميّة: وجهي مِن وجهك حرام إنْ لَقِيتَ محمدًا ولم تَتْفُل في وجهه.
(١) النكت والعيون ٢٣٧/٥. وقول السدي أخرجه الطبري ٦٣٨/٢٠.
(٢) ١٣ /٤٥١ - ٤٥٤ .
(٣) في النسخ الخطية عدا (ق): ينظرون.
(٤) ١ / ٩٩ ٢ .

٧٦
سورة الزخرف: الآيتان ٦٧ - ٦٨
ففعل عقبةُ ذلك؛ فنذر النبيُّ ﴾ قتلَه، فقتله يوم بدرٍ صَبْرًا، وقُتل أميةُ في المعركة؛
وفيهم نزلت هذه الآية(١).
وذكر الثعلبيُّ عن عليٍّ (٢) ﴾ في هذه الآية. قال: كان خليلان مؤمنان وخليلان
كافران، فمات أحدُ المؤمنين فقال: يا ربّ، إنّ فلانًا كان يأمرني بطاعتك وطاعةٍ
رسولك، وكان يأمرني بالخير وينهاني عن الشرّ، ويُخْبرني أني ملاقيك، يا ربِّ فلا
تُضِلَّه بعدي، واهدِه كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني. فإذا مات خليلُه المؤمن جمع
الله بينهما، فيقول الله تعالى: لِيُثْنِ كلُّ واحدٍ منكما على صاحبه، فيقول: يا ربّ، إنه
كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشرّ، ويخبرني أني
ملاقيك، فيقول الله تعالى: نِعْمَ الخليلُ ونعم الأخُ ونعم الصاحبُ كان. قال:
ويموت أحد الكافرين فيقول: يا رب، إنَّ فلانًا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة
رسولك، ويأمرني بالشرّ وينهاني عن الخير، ويُخبرني أني غيرُ ملاقيك، فأسألك يا
ربِّ أَلَّ تَهْدِهِ بعدي، وأنْ تُضِلَّه كما أضللتني، وأن تُهينَه كما أهنتني. فإذا مات خليلُه
الكافر قال الله تعالى لهما: لِيُثْنِ كلُّ واحد منكما على صاحبه، فيقول: ياربّ، إنه
كان يأمرني بمعصيتك ومعصيةِ رسولك، ويأمرني بالشرّ وينهاني عن الخير، ويخبرني
أني غير ملاقيك، فأسألك أنْ تضاعِفَ عليه العذاب؛ فيقول الله تعالى: بِئسَ
الصاحبُ والأخ والخليل كنتَ. فيلعنُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه(٣).
قلت: والآية عامةٌ في كل مؤمن ومُتَّقٍ وكافرٍ ومُضِلّ.
قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
٦٨
قال مقاتل - ورواه المعتمر بنُ سليمان عن أبيه -: ينادي منادٍ في العَرَصات: ((يا
(١) النكت والعيون ٢٣٨/٥. وقوله: ((ففعل عقبة ذلك)) منكر، ونقلنا ٤٠٢/١٥ عن عبد الرزاق والطبري
أن الله لم يمكّن عقبة مما أراد فعله.
(٢) قوله: عن علي، ليس في (م).
(٣) أخرجه البغوي في تفسيره ٤/ ١٤٥ من طريق الثعلبي. وأخرجه أيضاً الطبري ٢٠/ ٦٤٠.

٧٧
سورة الزخرف: الآيات ٦٨ - ٧٠
عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم))، فيرفع أهلُ العَرَصات(١) رؤوسهم، فيقول المنادي:
((الَّذِين آمنوا بِآيَاتِنا وكانوا مُسْلِمِين)) فينكِّس أهلُ الأديان رؤوسَهم غيرَ المسلمين(٢).
وذكر المحاسبيُّ في «الرِّعاية)): وقد روي في هذا الحديثِ أنَّ المنادي ينادي يوم
القيامة: ((يا عِبادي لا خَوْفٌ عليكمُ اليومَ ولا أَنتم تَحزنون)) فيرفع الخلائقُ رؤوسهم،
فيقولون: نحن عباد الله. ثم ينادي الثانية: ((الَّذِين آمنوا پِآیاتِنا وكانوا مسْلِمِین)» فینگِّس
الكفار رؤوسهم، ويبقى الموحّدون رافعي رؤوسِهم. ثم ينادي الثالثة: ((الذين آمنوا
وكانوا يتقون)) فينكس أهل الكبائر رؤوسهم ويبقى أهل التقوى رافعي رؤوسِهم، قد
أزال عنهم الخوفَ والحزن كما وعدهم؛ لأنه أكرم الأكرمين، لا يَخذُل ولِيَّه ولا
يُسْلِمِه عند الهَلَكة. وقرئ: ((يَا عِبَادٍ))(٣)
(١٩) أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بَِايَتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ ◌ّ
قال الزجَّاجِ(٤): ((الَّذِينَ)) نصب على النعت لـ ((عبادي))؛ لأن ((عِبَادِي)) منادَى
مضاف. وقيل: ((الَّذِينَ آمَنُوا)) [خبر لمبتدإ محذوف، أو](٥) ابتداءٌ وخبره محذوف؛
تقديره: هم الذين آمنوا، أو: الذين آمنوا يقال لهم: ((ادْخُلُوا الْجَنَّةَ)).
وقرأ أبو بكر وزِرُّ بن حُبيش: (يَا عِبَادِيَ)) بفتح الياء وإثباتها في الحالين؛ وكذلك
أثبتها نافعٌ وابن عامر وأبو عمرو ورُوَيْس(٦) ساكنةً في الحالين. وحذفها الباقون في
الحالين(٧)؛ لأنها وقعت مثبتةَ في مصاحف أهلِ الشام والمدينة لا غير (٨).
(١) في النسخ عدا (ظ): العرصة.
(٢) قول مقاتل في الوسيط للواحدي ٤ /٨٠ - ٨١، ورواية المعتمر أخرجها الطبري ٢٠/ ٦٤١ بنحوها.
(٣) سترد قريباً.
(٤) في معاني القرآن ٤١٩/٤ .
(٥) ما بين حاصرتين زيادة لضرورة السياق.
(٦) بخلاف عنه كما في النشر ٢/ ٣٧٠ .
(٧) السبعة ص٥٨٨ ، والتيسير ص ١٩٧ .
(٨) المقنع لأبي عمرو الداني ص ٣٤، والنشر ٣٧٠/٢ .

٧٨
سورة الزخرف: الآيات ٦٩ - ٧١
﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: أُدخلُوا الجنة، أو: يا عبادي الذين آمنوا ادخلُوا
الجنة. ﴿أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُ﴾ المسلمات في الدنيا. وقيل: قرناؤكم من المؤمنين. وقيل:
زوجاتُكم (١) من الحور العين. ﴿تُخْبَرُونَ﴾: تكرمون؛ قاله ابن عباس؛ والكرامة في
المنزلة. الحسن: تفرحون، والفرح في القلب. قتادة: تُنعمون؛ النعيم في البدن.
مجاهد: تُسرُّون؛ السرور في العين. ابن أبي نَجِيح: تعجبون؛ والعجب هاهنا دَرْكُ ما
يُستطرَف. يحيى بن أبي كثير: هو التلذذ بالسَّماعُ(٢). وقد مضى هذا في ((الروم))(٣).
قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيِهِ الْأَنْفُسُ
وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
فيه أربعُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ أي: لهم في الجنة
أطعمةٌ وأشربة يطاف بها عليهم في صِحافٍ مِن ذهب وأكواب. ولم يَذكر الأطعمةَ
والأشربة؛ لأنه يُعلم أنه لا معنى للإطافة بالصِّحاف والأكوابِ عليهم مِن غيرِ أنْ
يكونَ فيها شيءٍ(٤). وذَكَرَ الذهبَ في الصحاف واستغنى به عن الإعادة في الأكواب؛
كقوله تعالى: ﴿وَالذَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَبِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وفي الصحيحين(٥) عن حُذيفة أنه سمع النبيَّ # يقول: ((لا تَلبَسوا الحريرَ ولا
الدِّيباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافها؛ فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة)). وقد مضى في سورة الحجِّ(٦) أنَّ مَن أكل فيهما في الدنيا أو
(١) في النسخ الخطية: زوجاتهم، والمثبت من (م).
(٢) النكت والعيون ٢٣٨/٥. وقول قتادة أخرجه الطبري ٦٤٢/٢٠، وعبد الرزاق ٢٠٢/٢، وقول يحيى
أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٠١ .
(٣) ١٦ /٤٠٥ .
(٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٢٠/ ٦٤٥ .
(٥) صحيح البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧). وهو عند أحمد (٢٣٣١٤).
(٦) ١٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨ .

٧٩
سورة الزخرف : الآية ٧١
لبس الحرير في الدنيا، ولم يتب، حُرم ذلك في الآخرة تحريماً مؤبَّداً. والله أعلم.
وقال المفسرون: يطوف على أدناهم في الجنة منزلةً سبعون ألفَ غلامٍ بسبعين
ألفَ صَحْفةٍ من ذهب، يُغْدَى عليه بها في كل واحدةٍ منها لونٌ ليس في صاحبتها،
يأكل مِن آخرها كما يأكل من أوَّلها، ويجد طعمَ آخِرِها كما يجد طعم أوَّلها، لا يُشبه
بعضُه بعضاً، ويُراح عليه بمثلها. ويطوف على أرفعهم درجةً كلَّ يومٍ سبعُ مئةِ ألفٍ
غلام، مع كل غلام صحفةٌ من ذهب، فيها لونٌ من الطعام ليس في صاحبتها، يأكل
من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعمَ آخرها كما يجد طعم أولها، لا يُشبه بعضُه
بعضاً (١).
﴿وَأَكْوَابٍ﴾ أي: ويطاف عليهم بأكواب؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلِم ◌ِكَانَةٍ مِّن
فِضَّةِ وَأَكْوَابٍ﴾ [الإنسان: ١٥].
وذَكَرَ ابنُ المبارك (٢) قال: أخبرنا مَعْمَر، عن رجل، عن أبي قِلَابة قال: يؤتون
بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك، أُتوا بالشراب الطهور، فَتَضْمُرُ لذلك
بطونُهم، ويَفيض عرقاً من جلودهم أطيب من ريح المسك؛ ثم قرأ ﴿شَرَابًا لَهُورًا﴾
[الإنسان: ٢١].
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول اللـه * يقول: ((إنَّ
أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يَتْفُلون ولا يبولون ولا يتغوّطون [ولا
يمتخِطون]. قالوا: فما بالُ الطعام؟ قال: جُشَاءٌ وَرَشْح كرشح المِسك، يُلْهَمون
التَّسبيحَ والتحميد - والتكبيرَ في رواية - كما يلهمون النَّفَس))(٣).
الثانية: روى الأئمة من حديث أمِّ سلمة عن النبي8ِّ# قال: ((الذي يشرب في آنية
الذهب والفضة إنما يُجَرجِرُ في بطنه نارَ جهنم)»(٤). وقال: ((لا تشربوا في آنية الذهب
(١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠١، والطبري ٦٤٣/٢٠ -٦٤٤، وابن أبي حاتم ٣٢٨٦/١٠ بنحوه.
(٢) في الزهد (٢٧٤ زوائد نعيم).
(٣) صحيح مسلم (٢٨٣٥)، وهو عند أحمد (١٤٤٠١). وما بين حاصرتين منهما.
(٤) مسند أحمد (٢٦٥٦٨)، وصحيح البخاري (٥٦٣٤)، وصحيح مسلم (٢٠٦٥).

٨٠
سورة الزخرف: الآية ٧١
والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافها)) (١) وهذا يقتضي التحريم، ولا خلاف في ذلك.
واختلف الناس في استعمالها في غير ذلك. قال ابن العربي(٢): والصحيح أنه لا
يجوز للرجال استعمالها في شيء؛ لقول النبيِّ# في الذهب والحرير: ((هذان حرامٌ
لذكور أُمتي حِلٌّ لإناثها))(٣). والنهيُ عن الأكل والشرب فيها يدلُّ على تحريم
استعمالها؛ لأنه نوعٌ من المتاع، فلم يَجز؛ أصله الأكل والشرب، ولأن العِلَّة في
ذلك استعجالُ أَمرٍ (٤) الآخرة، وذلك يستوي فيه الأكلُ والشرب وسائرُ أجزاءٍ
الانتفاع؛ ولأنه 48 قال: ((هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة))(٥)، فلم يجعل لنا فيها
حظًا في الدنيا.
الثالثة: إذا كان الإناءُ مُضَيَّباً بهما أو فيه حَلْقَةٌ منهما، فقال مالك: لا يُعجبني أنْ
يُشربَ فيه، وكذلك المرأةُ تكون فيها الحلقةُ من الفضة، لا يعجبني أن ينظرَ فيها
وجهَه. وقد كان عند أنس إناءٌ مضبَّبٌ بفضة، وقال: لقد سَقيتُ فيه النبيَّ ﴾. قال ابن
سيرين: كانت فيه حلقةُ حديد، فأراد أنسٌ أنْ يجعلَ فيه حلقةَ فِضة؛ فقال أبو طلحة:
لا أُغيِّر شيئاً مما صنعه رسولُ اللهِ ﴾؛ فتركه(٦).
الرابعة: إذا لم يَجز استعمالُها لم يجز اقتناؤها؛ لأنَّ ما لا يجوز استعمالُه لا
(١) سلف في المسألة السابقة، وهو من حديث حذيفة ﴾.
(٢) في أحكام القرآن ١٦٧٦/٤ .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٥٩٥) من حديث علي ﴾. وأخرجه أحمد (٧٥٠)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي
١٦٠/٨-١٦١ دون قوله: حل لإناثها.
وله شواهد. منها حديث أبي موسى # عند أحمد (١٩٥١٥)، والترمذي (١٧٢٠)، والنسائي ١٩٠/٨.
(٤) في أحكام القرآن: أجر.
(٥) سلف في المسألة الأولى.
(٦) هو عند البخاري (٥٦٣٨) عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي # عند أنس بن مالك، وكان قد
انصدع، فسلسله بفضة ... الخ وفيه قول أبي طلحة لأنس: لا تغيرنَّ شيئاً ... الخ. وأبو طلحة: هو
الأنصاري زوج أم سليم والدة أنس. وقد ساق المصنف لفظ الحديث من أحكام القرآن لابن العربي.