النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة الزخرف: الآية ٣٣ وليس لربِّ العلو أن يبنيَ على عُلْوه شيئاً لم يكن قبل ذلك، إلا الشيءَ الخفيفَ الذي لا يَضُرُّ بصاحب السفل. ولو انكسرت خشبةٌ من سقف العلو، لَأَدخلَ مكانَها خشبةً ما لم تكن أثقلَ منها ويُخافُ ضررُها على صاحب السفل. قال أشهب: وباب الدار على صاحب السفل. قال: ولو انهدم السُّفلُ أُجبر صاحبُه على بنائه، وليس على صاحب العُلْوِ أن يبنيَ السُّفل؛ فإن أبى صاحبُ السُّغل من البناء، قيل له: بِعْ ممن يبني . وروى ابن القاسم عن مالكٍ في السُّفل لرجل والعلوِ لآخر، فاعتلَّ السُّفل، فإنَّ صلاحه على ربِّ السُّفل، وعليه تعليقُ العُلْوِ حتى يُصلِحَ سُفْلَه؛ لأن عليه: إمّا أن يَحمِلَه على بنيان، أو على تعليق، وكذلك لو كان على العُلو عُلْوٌ، فتعليق العُلوِ الثاني على صاحب الأوسط. وقد قيل: إنَّ تعليق العُلو الثاني على ربِّ العُلو حتى يبنيَ الأسفل(١). وحديث النعمان بن بشير عن النبيِّ﴾ قال: ((مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ اسْتَهَمُوا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء، مرُّوا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خَرْقاً ولم نؤذٍ مَن فوقنا. فإنْ يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً. وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونَجَوا جميعاً))(٢) أصلٌ في هذا الباب. وهو حُجَّةٌ لمالكٍ وأشهب. وفيه دليلٌ على أنَّ صاحب السفل ليس له أن يُحدِثَ على صاحب العُلْوِ ما يَضُّ به، وأنه إن أحدث عليه ضرراً؛ لَزِمه إصلاحُه دون صاحبِ العُلو، وأنَّ لصاحب العُلو منعَه من الضرر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً)) ولا يجوز الأخذُ إلَّا على يد الظالم أو مَن هو ممنوعٌ من إحداث ما لا يجوز له في السُّنة. وفيه دليلٌ على استحقاق العقوبةِ بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد (١) ينظر النوادر والزيادات ٢٢٧/١١، وعقد الجواهر الثمينة ٦٤٣/٢. (٢) سلف ٩ / ٤٨٧ . ٤٢ سورة الزخرف: الآيات ٣٣ - ٣٥ مضى في ((الأنفال))(١). وفيه دليلٌ على جواز القُرعةِ واستعمالِها، وقد مضى في ((آل عمران))(٢). فتأمَّل كُلَّا في موضعه تجدْه مبيّناً، والحمد لله. وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُونِهِمْ أَبْوَبَا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَكُونَ ٣٥ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبً﴾ أي: ولَجعلنا لبيوتهم. وقيل: ((لِبُيُوتِهمْ)) بدلُ اشتمالٍ مِن قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾(٣). ((أبواباً)) أي: مِن فضة. ﴿وَسُرُرًا﴾ كذلك؛ وهو جمع السَّرير (٤) . وقيل: جمع الأَسِرَّة، والأسِرَّة جمعُ السرير، فيكون جمعَ الجمع(٥). ﴿عَلَيْهَا يَتَكُِّونَ﴾ الإِتِّكاء والتَّوكُّؤْ: التحامل على الشيء(٦)؛ ومنه: ﴿ أَتَوَكَُّأْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨]. ورجل تُكَأَة، مثال هُمَزَةَ: كثير الاتِّكاء. والتُّكَأة أيضاً: ما يُتَّكأ عليه. وانَّكأ على الشيء فهو متَّكِئ؛ والموضع متَّكَأ. وطعنه حتى أتكأه، على أَفْعَلَه، أي: ألقاه على هيئة المُتَّكِئ. وتوكَّأت على العصا. وأصل التاء في جميع ذلك واو(٧)، ففُعل به ما فُعل بـ: اثَّزن واتَّعد. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ الزُّخرف هنا الذهب؛ عن ابن عباس وغيرِه(٨). نظيرُه: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ (١) ٩ / ٤٨٧ . (٢) ٥/ ١٣٢. (٣) مضى في المسألة الثانية من الآية السابقة. (٤) الوسيط للواحدي ٤ / ٧١ . (٥) ينظر تهذيب اللغة ١٢/ ٢٨٧ . (٦) الوسيط للواحدي ٤/ ٧١ . (٧) الصحاح (وكأ). (٨) أخرجه عنه وعن غيره الطبري ٢٠/ ٥٩٢-٥٩٣ . ٤٣ سورة الزخرف: الآيتان ٣٤ - ٣٥ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣](١) وقد تقدَّم(٢). وقال ابن زيد: هو ما يتخذه الناسُ في منازلهم من الأمتعة والأثاث(٣). وقال الحسن: النقوش(٤)؛ وأصله الزينة. يقال: زخرفت الدار، أي: زيَّنتها. وتزخرف فلان، أي: تزيّن(٥). وانتصب (زُخْرُفا)) على معنى: وجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً. وقيل: بنزع الخافض؛ والمعنى: لَجعلنا(٦) لهم سُقُفاً وأبواباً وسُرُراً من فضة ومِن ذهب؛ فلما حَذف ((مِن))، قال: ((وزخرفاً)) فنصب. ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيََّ﴾ قرأ عاصمٌ وحمزة وهشام عن ابن عامر: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ بالتشديد. الباقون بالتخفيف(٧)؛ وقد ذُكر هذا. وروي عن أبي رجاءٍ كسرُ اللام من ((لما))؛ فـ ((ما)) عنده بمنزلة الذي، والعائدُ عليها محذوف، والتقدير: وإنْ كلُّ ذلك لِلذي هو متاعُ الحياةِ الدنيا(٨)، وحذفُ الضمير هاهنا كحذفه في قراءة مَن قرأ: ﴿مَثَلاَ مَّا بعوضةٌ فَمَا فَوْقَهَأَ﴾(٩) [البقرة: ٢٦] و﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِىَّ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. أبو الفتح: ينبغي أنْ يكونَ («كُلُّ) على هذه القراءةِ منصوبةً؛ لأنَّ ((إنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، وهي إذا خُفِّفت وبطَلَ عملُها، لَزِمتها اللامُ في آخر الكلام؛ للفرق بينها وبين ((إن)) النافية التي بمعنى ((ما))؛ نحو: إنْ زيدٌ لقائم، ولا لامَ هنا سوى الجارَّة(١٠). (١) تفسير البغوي ٤ / ١٣٨. (٢) ١٧٦/١٣ . (٣) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥٩٣ . (٤) النكت والعيون ٢٢٥/٥ . (٥) ينظر تهذيب اللغة ٧ / ٦٧٢ . (٦) في (د) و(م): فجعلنا. وينظر معاني القرآن للفراء ٣٢/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٩/٤. (٧) وهو الوجه الثاني لهشام. السبعة ص ٥٨٦ ، والتيسير ص١٩٦. (٨) المحتسب ٢٥٥/٢، والمحرر الوجيز ٥٤/٥ . (٩) أي: ما هو بعوضة. المحتسب ٢٥٥/٢، وهي قراءة شاذة، وينظر ٣٦٥/١. (١٠) المحتسب ٢٥٥/٢ . وقال ابن جني بعد ذلك: ولو جاءت معها لوجب أن تقول: وإنْ كلُّ ذلك لَلِما = ٤٤ سورة الزخرف: الآيتان ٣٤ - ٣٥ ﴿وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يريد: الجنةُ لمن اتَّقی وخاف. وقال كعب: إني لأجد في بعض كتبٍ الله المنزلة: لولا أنْ يَحْزَن عبدي المؤمن، لكلَّلتُ رأسَ عبدي الكافرِ بالإكليل، ولا يتصدَّعُ ولا يَنبِض منه عِرْقٌ بوجع(١). وفي صحيح الترمذيِّ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه﴾: «الدنيا سجنُ المؤمن وجَنة الكافر))(٢). وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﴾: ((لو كانت الدنيا تَعْدِل عند الله جَناحَ بعوضة، ما سقى كافراً منها شَرْبةَ ماء)). وفي الباب عن أبي هريرة، وقال: حديثٌ صحيح(٣) غريب (٤). وأنشدوا : إذاً لم يكن فيها معاشٌ لظالمٍ فلو كانت الدنيا جزاءً لمحسنٍ وقد شَبِعت فيها بطونُ البهائمِ لقد جاع فيها الأنبياءُ كرامةً وقال آخَر (٥): فإنَّك فيها بين ناهٍ وآمِرٍ تَسَمَّعْ(٦) من الأيام إن كنت حازماً فما فاته منها فليس بضائرٍ إذا أبقت الدنيا على المرء دينَه ولا وزنَ زِفٌّ(٧) من جَناحٍ لطائرٍ فلا تَزِنُ الدنيا جناحَ بعوضةٍ = متاعُ الحياة الدنيا. وقال السمين الحلبي في الدرّ المصون ٥٨٦/٩ : كان الوجه أن تدخل اللام الفارقة لعدم إعمالها، إلا أنها لما دلَّ الدليل على الإثبات جاز حذفها. (١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧ عن معمر، عن أبان. (٢) سنن الترمذي (٢٣٢٤)، وهو عند أحمد (٨٢٨٩)، ومسلم (٢٩٥٦). (٣) في (د) و(م): حسن. (٤) سنن الترمذي (٢٣٢٠). وسلف ٣٦٢/٨. (٥) هو أبو العتاهية، وقد سلفت الأبيات ٨/ ٣٦٣ باختلاف يسير. (٦) في (م): تمتع. (٧) في (د) و(ز) و(م): رق، وفي (ظ): زق، والمثبت من الموضع السالف للأبيات. والزف: صغار ريش النعام، أو کل طائر. القاموس (زفف). ٤٥ سورة الزخرف: الآيات ٣٤ - ٣٨ ولا رَضِيَ الدنيا عقاباً لكافرٍ فلم يرضَ بالدنيا ثواباً لمحسنٍ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِيْنٌ (٣٦) حَقَّ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ (َ﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وقرأ ابن عباسٍ وعكرمة: ((ومَن يَعْشَ)) بفتح الشين(١)، ومعناه: يعمَى؛ يقال منه: عَشِيَ يَعْشَى عَشاً: إذا عَمِيَ، ورجلٌ أعشى وامرأةٌ عشواء: إذا كان لا يُبصر؛ ومنه قولُ الأعشى: رأتْ رجلاً غائبَ الوافِدَيْ نٍ مختلِفَ الخَلْقِ أعْشَى ضريرا(٢) وقولُه : أَأَنْ رأتْ رجلاً أعشى أضَرَّ به رَيْبُ المَنُونِ ودَهْرٌ مُفْنِدٌ خَبِلُ(٣) الباقون بالضم؛ مِن: عشا يعشُو: إذا لَحِقَه ما يلحق الأعشى (٤). وقال الخليل: العَشْو هو النظر ببصرٍ ضعيف؛ وأنشد: تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدٍ (٥) متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْء نارِهِ وقال آخر: لَنِعمَ الفتى تعشو إلى ضوء ناره إذا الريحُ هبَّتِ والمكانُ جديبٌ(٦) (١) قراءة ابن عباس في تفسير البغوي ١٣٩/٤. (٢) ديوان الأعشى ص ١٤٥ . والوافد: المرتفع من الخد عند المضغ. ومن شاب غاب وافداه. القاموس (وفد). (٣) سلف ٥ / ١٧٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٠/٤. (٥) البيت للحطيئة، وسلف ٤٩١/٤. وكلام الخليل في تفسير البغوي ١٣٩/٤، وينظر كتاب العين ٢/ ١٨٧ . (٦) قائله الحطيئة، وهو في ديوانه ص ٢٤٨ . قال شارحه: الشطر الثاني يعني في الشتاء والجدب. ٤٦ سورة الزخرف: الآيات ٣٦ - ٣٨ الجوهريّ: والعَشَا - مقصور - مصدرُ الأعشى، وهو الذي لا يُبصر بالليل ويبصر بالنهار. والمرأة عشواء، وامرأتان عشواوان. وأعشاه اللهُ فعَشِيَ - بالكسر - يَعْشَى عَشًا، وهما يَعْشَيان، ولم يقولوا: يَعْشَوان؛ لأن الواو لمَّا صارت في الواحد ياءً الكسرة ما قبلها، تُركت في التثنية على حالها. وتعاشَى: إذا أَرى مِن نفسه أنه أعشى. والنسبة إلى أَغْشَى أعْشَوِيّ. وإلى العَشِيَّةَ عَشَوِيّ. والعشواء: الناقة التي لا تُبصر أمامها؛ فهي تَخْبِط بيديها كلَّ شيء. ورَكِبَ فلانٌ العشواء: إذا خَبَط أمرَه على غير بصيرة. وفلانٌ خابطٌ خَبْطَ عشواء(١). وهذه الآية تتصل بقوله أوَّلَ السورة: ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الآية: ٥] أي: نواصل لكم الذِّكر؛ فمن يَعْشُ عن ذلك الذكرِ بالإعراض عنه إلى أقاويل المضِلِّين وأباطيلِهِم ((نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا)) أي: نسبِّبْ له شيطاناً جزاءً له على كفره ((فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) قيل: في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية؛ وهو معنى قولِ ابنِ عباس(٢). وقيل: في الآخرة إذا قام مِن قبره؛ قاله سعيد الجُرَيْرِي. وفي الخبر: أنَّ الكافر إذا خرج من قبره، يُشْفَعُ بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار. وأنَّ المؤمن يُشْفع بملَكَ حتى يقضيَ اللهُ بين خلقه؛ ذكره المهدويّ(٣). وقال القُشيري: والصحيح: فهو له قرينٌ في الدنيا والآخرة. وقال أبو الهيثم والأزهري: عَشْوتُ إلى كذا، أي: قصدته. وعشوت عن كذا، أي: أَعرضت عنه، فتفرِّق بين ((إلى)) و((عن))؛ مثل: ملْتُ إليه، ومِلْتُ عنه (٤). وكذا (١) الصحاح (عشو). (٢) النكت والعيون ٢٢٦/٥. (٣) وأخرجه الطبري ٥٩٩/٢٠ عن سعيد الجُريري بنحوه، ونسبه الماوردي في النكت والعيون ٢٢٦/٥ لسعيد بن جبير. (٤) تهذيب اللغة ٥٥/٣ -٥٦ . ٤٧ سورة الزخرف: الآيات ٣٦ - ٣٨ قال قتادة: يَعْشُ: يُعْرِض؛ وهو قول الفراء(١). النحاس(٢): وهو غيرُ معروفٍ في اللغة. وقال القُرَظي: يولِّي ظهره؛ والمعنى واحد. وقال أبو عبيدة والأخفش: تُظْلِم عينُه [عنه](٣). وأنكر القُتَبيُّ (٤) عشوت بمعنى أعرضت؛ قال: وإنما الصواب: تعاشيت. والقول قول أبي الهيثم والأزهري. وكذلك قال جميع أهل المعرفة. وقرأ السُّلَمِيُّ، وابن أبي إسحاق، ويعقوبُ، وعِضْمة عن عاصم وعن الأعمش: ((يقيِّض)) بالياء؛ لِذِكر ((الرَّحْمَن)) أوَّلاً؛ أي: يقيِّض له الرحمنُ شيطاناً(٥). الباقون بالنون. وعن ابن عباس: ((يُقَيَّض له شيطانٌ فهو له قرين))(٦) أي: ملازمٌ ومصاحب. قيل : (فَهُوَ)) كنايةٌ عن الشيطان؛ على ما تقدَّم. وقيل: عن الإعراض(٧) عن القرآن؛ أي: هو قرینٌ للشيطان. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: وإنَّ الشياطين لَيصدُّونهم عن سبيل الهدى؛ وذُكر بلفظ الجمع؛ لأن ((مَن)) في قوله: (وَمَنْ يَعْشُ)) في معنى الجمع(٨). (١) معاني القرآن له ٣٢/٣، وقول قتادة أخرجه الطبري ٥٩٦/٢٠. قال الفراء: ومن قرأها: يَعْشَ عن: یرید: يَعْمَ عنه. (٢) في معاني القرآن ٦/ ٣٥٧ . (٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة، وما بين حاصرتين منه، ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٥/٧، وذكره البغوي ١٣٩/٤ عن أبي عبيدة والأخفش بلفظ: يظلم بصرف بصره عنه. (٤) في تفسير غريب القرآن ص٣٩٨. ووقع في (د) و(ز) و(م): العتبي. (٥) قراءة السلمي والأعمش في القراءات الشاذة ص١٣٥، وقراءة يعقوب في النشر ٣٦٩/٢ ، ورواية عصمة - وهي عن أبي بكر عن عاصم - في جامع البيان ٢/ ٤٠١، والنشر ٣٦٩/٢، والقراءات الشاذة ص ١٣٥ . (٦) المحرر الوجيز ٥٥/٥. (٧) في النسخ الخطية: التعرض. (٨) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٢/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١١٠/٤. ٤٨ سورة الزخرف: الآيات ٣٦ - ٣٨ ﴿﴿وَحْسَبُونَ﴾ أي: ويحسب الكفار ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وقيل: ويَحسبُ الكفار أنَّ الشياطين مهتدون فيطيعونهم. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ على التوحيد قرأ أبو عمرٍو وحمزة والكسائيُّ وحفص؛ يعني: الكافر يوم القيامة. الباقون: ((جاءانا)) على التثنية(١)، يعني: الكافر وقرينه وقد جُعلا في سلسلة واحدة (٢)؛ فيقول الكافر: ((يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ)) أي: مشرق الشتاء ومشرقُ الصيف(٣)، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ونحوُه قولُ مقاتل (٤). وقراءة التوحيد وإن كان ظاهرُها الإفراد، فالمعنى لهما جميعاً؛ لأنه قد عرَّف ذلك بما بعده؛ كما قال: وعَيْنٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ شُقَّت مآقيهما من أُخَرْ(٥) قال مقاتل: يتمنَّى الكافرُ أنَّ بينهما بُعْدَ مشْرِق أطولِ يوم في السنة إلى مَشْرِق أقصرٍ يومٍ في السنة، ولذلك قال: ((بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ))(٦). وقال الفراء (٧): أراد المشرق والمغرب، فغَلَّب اسمَ أحدهما، كما يقال: القمران: للشمس والقمر، والعُمَران: لأبي بكر وعمر، والبصرتان: للكوفة والبصرة، والعصران: للغَدَاة والعصر. وقال الشاعر: لنا قمراها والنجوم الطوالعُ(٨) أخذنا بآفاق السماءِ علیکُمُ (١) السبعة ص ٥٨٦، والتيسير ص١٩٦. (٢) الوسيط للواحدي ٧٣/٤، وتفسير البغوي ١٣٩/٤. (٣) معاني القرآن للفراء ٣٣/٣، وتفسير الطبري ٥٩٨/٢٠. (٤) سيأتي قوله. (٥) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٦٦، وسلف ٢٦/١٦ . (٦) ذكر قوله بنحوه ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٦/٧ . (٧) في معاني القرآن ٣٣/٣ . (٨) سلف عند تفسير الآية (٥٢) من سورة فصلت. ٤٩ سورة الزخرف: الآيات ٣٦ - ٣٩ وأنشد أبو عبيدة لجرِير: ما كان يرضى رسولُ الله فعلَهُمُ والعُمَران(١) أبو بكر ولا عُمرُ وأنشد سيبويه : قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي يريد عبدَ الله ومصعباً ابنيَ الزبير، وإنما أبو خبيب عبدُ الله(٢). ﴿فَبِتْسَ الْقَرِينُ﴾ أي: فبئس الصاحبُ أنت؛ لأنه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخُدرِيّ: إذا بُعث الكافرُ، زُوِّج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقُه حتى يصيِّرَه إلى النار(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َلَلَمْتُمْ﴾ ((إذْ)) بَدَلٌ من اليوم؛ أي: يقول الله للكافرين(٤): لن ينفعَكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا الكلامُ؛ وهو قولُ الكافر: ((يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ) أي: لا تنفع الندامة اليوم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ بالكسر ﴿فِ الْعَذَابِ مُشْتِكُنَ﴾ وهي قراءة ابنِ عامر باختلاف عنه. الباقون بالفتح(٥). وهي في موضع رفع، تقديره: ولن ينفعكم اليوم اشتراكُكم في العذاب(٦)؛ لأنَّ لكل واحدٍ نصيبَه الأَّوفرَ منهِ. أَعْلمَ اللهُ تعالى أنه مَنعَ أهلَ النار التأسِّيَ كما يتأسَّى أهلُ المصائب في الدنيا، وذلك أنَّ التأسِّيَ يستروِحه أهلُ الدنيا، فيقول أحدهم: لي (١) في (د) و(ز) و(ظ): والطيبان، وسلف بهذا اللفظ عند تفسير الآية (٣٤) من سورة فصلت. (٢) معاني القرآن للنحاس ٣٦١/٦. وسلف الرجز عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الصافات. (٣) تفسير البغوي ١٣٩/٤. (٤) في النسخ عدا (ظ): للكافر. (٥) السبعة ص٥٨٦ . وقراءة ابن عامر المذكورة هي من رواية التغلبي عنه، كما ذكر أبو عمرو الداني في جامع البيان ٢/ ٤٠١ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤ /١١١ . ٥٠ سورة الزخرف: الآيات ٣٩ - ٤٢ في البلاء والمصيبة أسوة؛ فيُسكن ذلك مِن حزنه؛ كما قالت الخنساء: على إخوانهم لقتلت نفسي فلولا كثرةُ الباكين حولي أُعزِّي النفسَ عنه بالتأسِّي(١) وما يبكون مثلَ أخي ولكن فإذا كان في الآخرة، لم ينفعهم التأسِّي شيئاً؛ لِشغلهم بالعذاب. وقال مقاتل: لن ينفعَكم الاعتذارُ والندم اليوم؛ لأن قُرَناءكم وأنتم في العذابِ مشترٍكون كما اشتركتم في الكفر(٢). قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الضَُّّ أَوْ تَهْدِى أَلْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ مُپیپٍ ٤٠ قوله تعالى: ﴿أَفَنْتَ تُشَمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى أَلْعُمْىَ﴾ يا محمد ﴿وَمَنْ كَانَ فِ ضَلَلِ تُبِينٍ﴾ أي: ليس لك ذلك؛ فلا يضيقُ صدرُك إن كفروا؛ ففيه تسليةٌ للنبيّ﴾. وفيه ردٌّ على القَدَرية وغيرِهم، وأنَّ الهدى والرُّشدَ والخِذلان في القلب خَلْقُ الله تعالى، يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ ) أَوْ نُرِيَّكَ اَلَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُفْتَدِرُونَ قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يريد: نخرجنَّك من مكةَ من أذى قريش(٣). ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ تُنَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْتَهُمْ﴾ وهو الانتقامُ منهم في حياتك. ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِم ◌ُقْتَدِرُونَ﴾ قال ابن عباس: قد أراه اللهُ ذلك يومَ بدر(٤)؛ وهو قولُ أكثرِ المفسرين(٥). (١) ديوانها ص ٨٤-٨٥ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٤٠. (٣) النكت والعيون ٢٢٧/٥ . (٤) زاد المسير ٣١٧/٧. (٥) تفسير البغوي ١٤٠/٤. ٥١ سورة الزخرف: الآيات ٤١ - ٤٤ وقال الحسن وقتادة: هي في أهل الإسلام؛ يريد ما كان بعد النبيِّ ﴿ مِن الفتن. و(نَذْهَبَنَّ بِكَ)) على هذا: نتوقَّينَّك. وقد كان بعد النبيِّ :﴿ نِقمةٌ شديدٌ، فأكرم الله نبيَّه ﴿ وذهب به، فلم يُرِهِ في أُمته إلَّ الذي (١) تَقَرُّ به عينُه، وأبقى النِّقمةَ بعده، وليس مِن نبيِّ إلَّ وقد أُرِي النقمةَ في أمته(٢). ورُويَ أن النبيَّ :﴿ أُرِي ما لَقِيَت أُمَّتُه مِن بعده، فما زال منقبضاً، ما انبسط ضاحكاً حتى لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ(٣). وعن ابن مسعود: أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((إذا أراد اللهُ بأُمَّة خيراً، قَبض نبيَّها قبلها، فجعله لها فَرَطاً وسَلَفاً. وإذا أراد بأمة عذاباً، عذَّبها ونبيُّها حيٌّ؛ لتَقَرَّ عينُه لمَّا كذَّبوه وعصَوا أمرَه))(٤). وَإِنَّهُ ٤٣٠ قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِلَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشَْلُونَ قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكَ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكٌ﴾ يريد: القرآن، وإنْ كذَّب به مَن كذَّب؛ فَ ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يوصلك إلى الله ورضاه وثوابه. ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ يعني: القرآنُ شرفٌ لك ولقومك من قريش(٥)؛ إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم، نظيرُه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي: شَرَفُكم. فالقرآن نزل بلسان قريشٍ وإياهم خاطَب؛ فاحتاج أهلُ اللغات كلِّها إلى لسانهم، كلُّ مَن آمن بذلك، فصاروا عِيالاً عليهم؛ لأن أهل كلِّ لغةٍ احتاجوا إلى أنْ يأخذوه من لغتهم، حتى يقفوا على المعنى الذي عني به، من الأمر والنهىٍ وجميعٍ ما (١) في النسخ عدا (ظ): التي. (٢) أخرجه الطبري ٢٠/ ٦٠٠ عن الحسن وقتادة بنحوه. (٣) هو بعض أثر قتادة السالف. (٤) لم نقف عليه من حديث ابن مسعود﴾. وأخرجه ابن حبان (٦٦٤٧) من حديث أبي موسى ﴾. وأورده مسلم (٢٢٨٨) وقال فيه: حُدِّثت عن أبي أسامة. (٥) النكت والعيون ٢٢٧/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه عنه الطبري ٦٠٣/٢٠، والطبراني في الكبير (١٣٠٣٠). ٥٢ سورة الزخرف: الآيتان ٤٣ - ٤٤ فيه من الأنباء، فشَرُفُوا بذلك على سائر أهل اللغات؛ ولذلك سُمِّي عربيًّا. وقيل: بيانٌ لك ولأُمتك فيما بكم إليه حاجة. وقيل: تذكرةٌ تذكُرُون به أمرَ الدِّينِ وتعملون به(١). وقيل: ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)) يعني الخلافة؛ فإنها في قريش لا تكون في غيرهم؛ قال النبيُّ ﴿: ((الناس تَبَعْ لقريش في هذا الشأن، مُسْلمُهم تَبَعٌ لمسلمهم، وكافرُهم تبع لكافرهم» (٢). وقال مالك: هو قول الرجل: حدَّثني أبي عن أبيه، حكاه ابن أبي سلمة عن أبيه، عن مالك بن أنس، فيما ذكر الماورديُّ(٣) والثعلبيُّ وغيرهما. قال ابن العربي(٤): ولم أجد في الإسلام هذه الرتبة (٥) لأحد إلا بيَغْداد، فإنَّ بني التميميِّ بها يقولون: حدَّثني أبي قال: حدَّثني أبي، إلى رسول اللـه ﴾؛ وبذلك شَرُفت أَقدارُهم، وعَّم الناسُ شأنهم، وتهمَّمت الخلافة بهم. ورأيتُ بمدينة السلامِ ابنَي أبي محمدٍ رِزقِ الله بنِ عبد الوهّاب أبي الفرج بنِ عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن أسود بن سفيان بن يزيد بن أُكَيْنة بنِ عبد الله التميميٍّ، وکانا يقولان: سمعنا أبانا رزقَ الله يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول(٦): سمعت عليَّ بن أبي طالب ﴾ يقول - وقد سئل عن الحثَّان المَنَّان - فقال: الحنَّان الذي يُقبل على مَن أعرض عنه، (١) النكت والعيون ٥/ ٢٢٧ عن ابن عيسى. (٢) أخرجه أحمد (٧٣٠٦)، والبخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) النكت والعيون ٢٢٧/٥ . (٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٧١ . (٥) في أحكام القرآن: المرتبة. (٦) عبارة: سمعت أبي؛ وردت في (ز) و(ق) سبع مرات، وفي (ظ) ثماني مرات، وفي أحكام القرآن ثلاث مرات. وقد أخرجه الخطيب في تاريخه ٣٢/١١ عن عبد الوهاب بن عبد العزيز، بهذا الإسناد. ٥٣ سورة الزخرف: الآيتان ٤٣ - ٤٤ والمنَّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال(١). والقائل سمعتُ عليًّا: أُكَيْنة بنُ عبد الله جَدُّهم الأعلى. والأقوى أن يكون المرادُ بقوله: ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)) يعني القرآن؛ فعليه انبنى الكلام، وإليه يرجع المصير، والله أعلم. قال الماورديّ: ((وَلِقَوْمِكَ)) فيه(٢) قولان: أحدهما: مَن اتَّبعك مِن أمتك؛ قاله قتادة، وذكره الثعلبيُّ(٣) عن الحسن. الثاني: لقومك من قريش؛ فيقال: ممن هذا؟ فيقال: من العرب، فيقال: من أيِّ العرب؟ فيقال: من قريش؛ قاله مجاهد (٤). قلت: والصحيح أنه شرفٌ لمن عَمِلَ به، كان من قريش أو من غيرهم. رويَ عن ابن عباس قال: أَقبَل نبيُّ اللـه ﴾ من سَرِيَّة أو غَزَاة، فدعا فاطمةً فقال: ((يا فاطمة، اشتري نفسَك من الله، فإني لا أُغْني عنكِ من الله شيئاً». وقال مثلَ ذلك لنِسْوَته، وقال مثلَ ذلك لِعترته، ثم قال نبيُّ اللـه ﴾: ((ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي، إنَّ أولى الناس بأمتي المتقون، ولا قريشٌ بأولى الناس بأمتي، إنَّ أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الأنصارُ بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الموالي بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون. إنما أنتم من رجل وامرأة، وأنتم كجِمَام(٥) الصاع، ليس لأحد على أحد فضلٌ إلَّا بالتقوى))(٦). وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ◌َ﴾: ((لَينتهينَّ أقوامٌ يفتخرون بفحم من فحم جهنم أو يكونوا (٧) شرًّا عند الله من الجِعلان التي تدفع النَّتْن بأنفها، كلُّكم بنو آدم (١) أورده الذهبي في الميزان ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦ في ترجمة عبد العزيز بن الحارث وقال: آذى نفسه ووضع حديثاً أو حديثين في مسند الإمام أحمد. وقال: وأكثر أجداده لا ذكر لهم لا في تاريخ ولا في أسماء رجال. (٢) في النسخ: فيهم، والمثبت من النكت والعيون ٢٢٧/٥ للماوردي. (٣) وابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٥٧ . (٤) أخرجه عنه الطبري ٦٠٣/٢٠ . (٥) الجمام: الكيل إلى رأس المكيال. القاموس (جمم). (٦) لم نقف عليه. وقد سلف بمعناه ١٦/ ٨٣ من حديث أبي هريرة ﴾. (٧) في (م): يكونون، وفي مصادر التخريج: ليكونن. ٥٤ سورة الزخرف: الآيات ٤٣ - ٤٥ وآدم من تراب، إن الله أذهب عنكم عُبِّيَّةً(١) الجاهلية وفخرها بالآباء. مؤمن تقيٍّ وفاجر شقي))(٢). خرَّجهما الطبري(٣). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في ((الحجرات)) إن شاء اللهُ تعالى (٤). ﴿وَسَوْفَ تُشْتَلُونَ﴾ أي: عن الشكر عليه؛ قاله مقاتلٌ والفرَّاء(٥). وقال ابن جُريج: أي: تُسألون أنت ومن معك على ما آتاك(٦). وقيل: تسألون عما عملتم فيه (٧)؛ والمعنى متقارب. قوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾﴾ قال ابن عباس وابنُ زيد: لمَّا أُسريّ برسول اللـه ﴾ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو مسجدُ بيتِ المقدس - بعث الله له آدَمَ ومَن وُلد من المرسلين، وجبريلُ مع النبيِّ #؛ فأذَّن جبريل 8# ثم أقام الصلاة، ثم قال: يا محمد، تقدَّم فصلِّ بهم؛ فلما فرغ رسولُ اللـه :﴿، قال له جبريل :﴿: ((سَلْ يا محمدُ مَن أرسلنا مِن قبلك مِن رسلنا: أَجعلنا مِن دون الرحمنِ آلهةً يُعبدون)). فقال رسول الله ﴾: ((لا أسأل؛ قد اكتفيت))(٨). قال ابن عباس: وكانوا سبعين نبيًّا، منهم إبراهيمُ وموسى وعيسى عليهم السلام؛ فلم يسألهم لأنه كان أعلمَ بالله منهم(٩). (١) العبيَّة: الكِبْر. النهاية (عبب). (٢) أخرجه أحمد (٨٧٣٦)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥) وقال: حديث حسن غريب. (٣) لم نقف عليهما عنده. (٤) عند تفسير الآية (١٣) منها. (٥) في معاني القرآن ٣٤/٣، وقول مقاتل في النكت والعيون ٢٢٧/٥ . (٦) النكت والعيون ٢٢٧/٥ . (٧) تفسير الرازي ٢١٥/٢٧ . (٨) ذكره عنهما الواحدي في الوسيط ٤/ ٧٥، والبغوي في تفسيره ١٤١/٤، وأخرجه الطبري ٦٠٥/٢٠ عن ابن زيد. (٩) النكت والعيون ٢٢٨/٥ . ٥٥ سورة الزخرف : الآية ٤٥ في غير رواية ابنِ عباس: فصلُّوا خلف رسول اللـه ◌ِ* سبعةَ صفوف، المرسلون ثلاثةُ صفوف، والنبيون أربعة؛ وكان يلي ظهرَ رسول الله ﴿ إِبراهيمُ خليل الله، وعلى يمينه إسماعيل، وعلى يساره إسحاق، ثم موسى، ثم سائر المرسلين، فأَمَّهم ركعتين؛ فلمَّا انفتل قام فقال: ((إنَّ ربي أوحى إليَّ أنْ أسألَكم: هل أُرسل أحدٌ منكم يدعو إلى عبادة غير الله تعالى؟)) فقالوا: يا محمد، إنا نشهد أنَّا أُرسلنا أجمعين بدعوة واحدة: أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ ما يعبدون من دونه باطل، وأنك خاتم النبيين وسيد المرسلين، قد استبان ذلك لنا بإمامتك إيَّانا، وأنْ لا نبيَّ بعدك إلى يوم القيامة، إلا عيسى ابنَ مريم فإنه مأمورٌ أن يتَبعَ أَثرك)). وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)) قال: لقيَ الرُّسلَ ليلةَ أُسري به(١). وقال الوليد بن مسلم في قوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآَ﴾ قال: سألتُ عن ذلك خُلَيد بنَ دَعْلَج (٢)، فحدَّثني عن قتادة قال: سألهم ليلةَ أُسري به، لقي الأنبياءَ، ولقي آدم ومالك خازنَ النار. قلت: هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. و((مِنْ)) التي قبل ((رُسُلِنَا)) على هذا القولِ غيرُ زائدة . وقال المبرِّد وجماعةٌ من العلماء: إنَّ المعنى: واسأل أممَ مَن قد أرسلنا من قبلك مِن رسلنا. وروي أنَّ في قراءة ابنٍ مسعود: ((وَاسْألْ الذين(٣) أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلنا))(٤). وهذه قراءةٌ مفسِّرة؛ فـ ((مِن)) على هذا زائدة، وهو قول مجاهدٍ والسُّدِّيِّ (١) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٩/٦، ونسبه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. (٢) أبو حَلْبَس، ويقال: أبو عبيد، وأبو عمرو، وأبو عمر، السَّدوسي. محدث بصري ضعيف، نزل الموصل ثم سكن بيت المقدس. مات بحران سنة ١٦٦ هـ. السير ١٩٥/٧ . (٣) في النسخ عدا (ف): الذي، وهو خطأ. (٤) أخرج القراءة الطبري ٦٠٤/٢٠، وذكرها البغوي في تفسيره ١٤١/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٥٧. ٥٦ سورة الزخرف: الآية ٤٥ والضحاك وقتادة وعطاء والحسن، وابنِ عباس أيضاً. أي: واسأل مؤمني أهلٍ الكتابين: التوراة والإنجيل(١). وقيل: المعنى: سلنا يا محمد عن الأنبياء الذين أرسلنا قبلك(٢)؛ فحذفت ((عن))، والوقف على ((رُسُلِنَا)) على هذا تامّ، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار. وقيل: المعنى: واسأل تُبَّاعَ مَن أرسلنا مِن قبلك مِن رسلنا، فحذف المضاف. والخطابُ للنبيِّ ◌َ﴾، والمرادُ أمَّتُه(٣). ﴿أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةُّ يُعْبَدُونَ﴾ أَخبر عن الآلهة كما أخبر عمن يعقل فقال: ((يُعْبَدُونَ)) ولم يقل: تُعبد، ولا يُعبدن، لأنَّ الآلهة جرت عندهم مَجرى مَن يعقل، فأجرى الخبرَ عنهم مُجرى الخبرِ عمن يعقل (٤). وسبب هذا الأمرِ بالسؤال أنَّ اليهود والمشركين قالوا للنبيّ ﴾: إنَّ ما جئت به مخالفٌ لمن كان قبلك؛ فأمره الله بسؤاله الأنبياءَ على جهة التوقيف والتقرير؛ لا لأنه كان في شكِّ منه (٥). واختلف أهل التأويل في سؤال النبيِّ # لهم على قولين: أحدهما: أنه سألهم، فقالت الرسل: بُعثنا بالتوحيد؛ قاله الواقدي. الثاني: أنه لم يسألهم؛ ليقينه بالله عزَّ وجلَّ؛ حتى حكى ابنُ زيد أنَّ ميكائيل قال لجبريل: «هل سألك محمدٌ عن ذلك؟ فقال جبريل: هو أشدُّ إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسألَ عن ذلك))(٦). وقد تقدَّم هذا المعنى في الروايتين حسبما ذكرناه. (١) أخرجه الطبري ٦٠٤/٢٠ - ٦٠٥ عن مجاهد والسدي والضحاك وقتادة. وينظر النكت والعيون ٢٢٨/٥، وتفسير البغوي ١٤١/٤، والمحرر الوجيز ٥٧/٥ . (٢) ذكر هذا المعنى ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٥٧ . (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤ / ٤١٤ . (٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٤، وتفسير الطبري ٦٠٧/٢٠، والمحرر الوجيز ٥٧/٥. (٥) النكت والعيون ٢٢٨/٥ . (٦) المصدر السابق. ٥٧ سورة الزخرف : الآيات ٤٦ - ٥٢ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِنِهِ، فَقَالَ إِنِّ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٨ فَمَّا جَآءَ هُمْ بِثَانيَئِنَآ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٨ وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿﴿ فَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ ﴾ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ، قَالَ يَقَوْمِ أَلَيَّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اَلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴿﴿ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِینُ قوله تعالى: ﴿وَلَغَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَِنَا﴾ لمَّا أَعلم النبيََّ﴾ أنه منتقمٌ له مِن عدوّه، وأقامَ الحجَّةَ باستشهاد الأنبياء واتفاقِ الكلِّ على التوحيد، أكَّد ذلك بقصة موسى وفرعون، وما كان مِن فرعون من التكذيب، وما نزل به وبقومه من الإغراق والتكذيب، أي: أرسلنا موسى بالمعجزات، وهي التسع الآيات، فَكُذِّب؛ فجُعلت العاقبةُ الجميلة له، فكذلك أنت. ومعنى: ﴿يَضْحَكُونَ﴾ استهزاء وسخرية؛ يوهمون أتباعهم أنَّ تلك الآياتِ سحرٌ وتخييل، وأنهم قادرون عليها. وقوله: ﴿وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ أي: كانت آيات موسى من كبار الآيات، وكانت كلُّ واحدةٍ أعظمَ مما قبلها. وقيل: ((إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)) لأن الأُولى تقتضي علماً، والثانيةَ تقتضي علماً، فتُضَمُّ الثانيةُ إلى الأولى فيزداد الوضوح، ومعنى الأُخوَّة: المشاكلة والمناسبة؛ كما يقال: هذه صاحبة هذه، أي: هما قريبتان في المعنى. ﴿وَأَخَذْتَهُمْ بِلْعَذَابِ﴾ أي: على تكذيبهم بتلك الآيات، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْفَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]؛ والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع. وكانت هذه الآيات الأخيرة عذاباً لهم وآياتٍ لموسى. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ من كفرهم. ﴿وَقَالُواْ يَتَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ لمَّا عاينوا العذاب قالوا: يا أيها الساحر؛ نَادَوه بما كانوا ٥٨ سورة الزخرف: الآيات ٤٦ - ٥٢ ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم(١). وقيل: كانوا يسمُّون العلماءَ سَحَرة، فنادَوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس: ((يا أيُّها السَّاحِر)): يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيماً (٢) يُوقِّرونه؛ ولم يكن السحر صفةً ذمّ. وقيل: يا أيها الذي غَلَبنا بسحره(٣)؛ يقال: ساحرتُه فسحرته، أي: غلبته بالسحر؛ كقول العرب: خاصمته فخصمته، أي: غلبته بالخصومة، وفاضلته ففضلته، ونحوِها. ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحرَ على الحقيقة على معنى الاستفهام، فلم يَلُمْهم على ذلك رجاءً أن يؤمنوا. وقرأ ابن عامر وأبو حَيْوَة ويحيى بنُ وَثَّاب: ((أيُّهُ الساحر)) بغير ألفٍ، والهاءُ مضمومة (٤)، وعِلَّتها أنَّ الهاء خُلطت بما قبلها، وأُلزمت ضمَّ الياء الذي أوجبه النداءُ المفرَد. وأنشد الفرَّاء: يا أيُّهُ القلبُ اللَّجُوجُ النَّفْسِ أَفقْ عن البِيض الحِسَانِ اللُّغْسِ(٥) فضمَّ الهاءَ حملاً على ضم الياء؛ وقد مضى في ((النور)) معنى هذا (٦). ووقف أبو عمرو وابنُ أبي إسحاق ويحيى والكسائي: ((أيها)) بالألف على الأصل. الباقون بغير ألف (٧)؛ لأنها كذلك وقعت في المصحف. ﴿َدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكٌ﴾ أي: بما أَخبرنا عن عهده إليك إنْ آمنا كشف عنا؛ فسله يكشفْ عنا (٨) ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: فيما يستقبل. ﴿فَلَمَّا كَثَفْنَا عَنْهُمُ (١) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤١٤/٤، والمحرر الوجيز ٥٨/٥ . (٢) ذكر قوله ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢٠/٧، وينظر تفسير الطبري ٦٠٩/٢٠، والنكت والعيون ٢٢٩/٥، والوسيط للواحدي ٧٦/٤، وتفسير البغوي ١٤١/٤. (٣) تفسير البغوي ٤/ ١٤١ . (٤) قراءة ابن عامر في السبعة ص ٥٨٦، والتيسير ص١٦١ - ١٦٢ . (٥) سلف ٢٢٨/١٥ . (٦) ٢٢٨/١٥ . وسلف الشعر والكلام عليه ثمة. (٧) السبعة ص ٥٨٧ ، والتيسير ص٦١ و ١٦٢ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ١٤١. ٥٩ سورة الزخرف: الآيات ٤٦ - ٥٢ اَلْعَذَابَ﴾ أي: فدعا فكشفنا. ﴿إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ أي: يَنقضُون العهدَ الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا. وقيل: قولهم: ((إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ)) إخبارٌ منهم عن أنفسهم بالإيمان؛ فلما كشف عنهم العذابَ ارتدُّوا. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ،﴾ قيل: لمَّا رأى تلك الآيات، خاف مَيلَ القوم إليه، فجمع قومه فقال. فنادى بمعنى: قال؛ قاله أبو مالك(١). فيجوز أن يكون عنده عظماءُ القِبط، فرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثم يُنشر عنه في جموع القبط ؛ وكأنه نودي به بينهم. وقيل: إنه أمر مَن ينادي في قومه؛ قاله ابن جريج(٢). ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَلَّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ﴾ أي: لا ينازعني فيه أحد. قيل: إنه مَلَكَ منها أربعين فرسخاً في مثلها؛ حكاه النقَّاش. وقيل: أراد بالمُلك هنا الإسكندرية(٣). ﴿وَهَذِهِ اَلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْنِىّ﴾ يعني: أنهار النيل، ومعظمُها أربعة: نهر الملِك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر ◌ِنِّيس(٤). قال قتادة: كانت جِنَاناً وأنهاراً تجري من تحت قصوره. وقيل: من تحت سريره(٥). وقيل: ((مِنْ تَحْتِي)) أي: تصرُّفي نافذٌ فيها من غير صانع(٦). وقيل: كان إذا أمسك ◌ِنَانه، أمسك النيلُ عن الجَرْي. قال القشيريّ: ويجوز ظهورُ خوارقِ العادة على مدَّعي الرُّبُوبية؛ إذ لا حاجة في تمييز الإله من غير الإله إلى فعلٍ خارق للعادة. وقيل: معنى ((وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)» أي: القوَّاد والرؤساء والجبابرة يسيرون تحت لوائي؛ قاله الضحاك. وقيل: أراد بالأنهار الأموال، وعبَّر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها. وقوله: ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)» (١) النكت والعيون ٢٢٩/٥ . (٢) المصدر السابق، وينظر الكشاف ٣/ ٤٩٢، والمحرر الوجيز ٥٩/٥. (٣) النكت والعيون ٢٢٩/٥، والقول الثاني حكاه عن مجاهد. (٤) الكشاف ٣/ ٤٩٢ . (٥) النكت والعيون ٥/ ٢٣٠، وقول قتادة أخرجه الطبري ٢٠/ ٦١٠ . (٦) ذكره بمعناه الواحدي في الوسيط ٧٦/٤، والبغوي في تفسيره ١٤٢/٤ ونسباه للحسن. ٦٠ سورة الزخرف: الآيات ٤٦ - ٥٢ أي: أُفرِّقها على مَن يتبعني؛ لأن الترغيب والقدرة في الأموال دون الأنهار(١). ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ عظمتي وقوَّتي وضَعْفَ موسى. وقيل: قدرتي على نفقتكم(٢) وعجزَ موسى. والواو في ((وَهَذِهِ)) يجوز أن تكونَ عاطفةً للأنهار على ((مُلْكُ مِصْرَ)) و (تَجْرِي)) نصب على الحال منها. ويجوز أن تكون واوَ الحال، واسمُ الإشارة مبتدأ، و((الْأَنْهَارُ)) صفة لاسم الإشارة، و(تَجْرِي)) خبر للمبتدأ(٣). وفَتَحَ الياءَ مِن (تَحْتِيَ)) أهلُ المدينة والبَزِّيُّ وأبو عمرو، وأسكن الباقون(٤). وعن الرشيد أنه لمَّا قرأها قال: لأُوَلِّيَّنَّها أخسَّ(٥) عبيدي، فولَّاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بنِ طاهر أنه وَلِيَها فخرج إليها، فلمَّا شارفها ووقع عليها بصره، قال: أهذه القريةُ التي افتخر بها فرعونُ حتى قال: ((أَلَيْسَ لي مُلْك مِصْرَ))؟! واللهِ لَهي عندي أَقلُّ مِن أنْ أَدخلَها! فثنى عِنانه(٦). ثم صرَّح بحاله فقال: ((أَمْ أَنَا خَيْرٌ)) قال أبو عبيدة والسُّدِّي: ((أَمْ)) بمعنى (بل))(٧). وليست بحرف عطف؛ على قول أكثرٍ المفسرين(٨). والمعنى: قال فرعون لقومه: بل أنا خيرٌ ((مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ)) أي: لا عِزَّله؛ فهو يمتهن نفسَه في حاجاته لحقارته وضعفه ﴿وَلَا يَكَادُ يُينٌ﴾ يعني ما كان في لسانه من العُقدة؛ على ما تقدَّم في ((طه))(٩). (١) النكت والعيون ٢٣٠/٥، وكلام الضحاك منه. (٢) في النكت والعيون: نفعكم. (٣) الكشاف ٤٩٢/٣، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١١٣/٤. (٤) السبعة ص ٥٩٠، والتيسير ص١٩٧، والنشر ٣٧٠/٢ . (٥) في (م): أحسن، وهو خطأ. (٦) الكشاف ٣/ ٤٩٢ . : (٧) النكت والعيون ٢٣٠/٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٠٤/٢ ، وأخرج الطبري ٦٦١/٢٠ - ٦٦٢ قول السدي. (٨) تفسير البغوي ٤/ ١٤٢ . (٩) ٥١/١٤ . ونقلنا ثمة عن ابن كثير قوله: إن اتهام فرعون لموسى بأنه لا يكاد يبين، إنما هو افتراء من =