النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة الزخرف: الآيتان ١٨ - ١٩ أَوَ مَن كان على هذه الحالةِ يَستحقُّ العبادة؟ وإن شئتَ قلتَ: خُفِض ردًّا إلى أوَّل الكلام، وهو قولُه: ((بِما ضَرَبَ))، أو على ((ما)) في قوله: ((مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ))(١). وكون(٢) البدل في هذين الموضعين ضعيف؛ لكونِ ألفِ الاستفهام حائلةً بين البدلِ والمبدَلِ منه. وَجَعَلُواْ الْمَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَدًا﴾ قرأَ الكوفيون: ((عِبَادُ» بالجمع(٣) واختاره أبو عبيد؛ لأنَّ الإسنادَ فيها أعلى، ولأنَّ الله تعالى إنَّما كذَّبهم في قولهم: إنَّهم بناتُ اللـهِ، فأَخبرهم أنَّهم عبيدٌ، وأنَّهم ليسوا ببناتِه. وعن ابن عباس أنَّه قرأ: ((عِبادُ الرَّحْمَنِ))، فقال سعيد بنُ جبير: إنَّ في مصحفي: ((عند(٤) الرحمن)) فقال: امحهُا واكتبها ((عِبَادُ الرَّحْمَنِ)). وتصديقُ هذه القراءةِ قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٥) [الأنبياء: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِنْ دُونِيّ أَوْلِيَةٌ﴾ [الكهف: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]. وقرأَ الباقون: ((عند الرحمن)) بنون ساكنةٍ. واختارَه أبو حاتم(٦). وتصديقُ هذه القراءةِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقوله: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾(٧) [الأنبياء: ١٩]. والمقصودُ إيضاحُ كذبِهِم وبيانُ جهلهِم في نسبةِ الأولادِ إلى الله سبحانَه، ثمَّ في تحكّمِهم بأنَّ الملائكةَ إناثٌ، وهم بناتُ اللهِ. وذِكرُ العبادِ مدحٌ لهم، أي: كيفَ عَبَدوا مَن هو في نهاية العبادة، ثم كيف حَكموا بأنَّهم إناثٌ من غير دليل. والجعلُ هنا بمعنى القولِ والحُكُم، تقول: جعلتُ زيداً أعلمَ (١) تفسير البغوي ١٣٦/٤. (٢) في (ظ): وكونه. (٣) وكذا قرأ أبو عمرو. السبعة ص ٥٨٥ ، والتيسير ص١٩٦ . (٤) في (د) و(م): عبد. وهو خطأ، والكلام بنحوه في إعراب للنحاس ١٠٣/٤. (٥) ينظر تفسير الرازي ٢٧/ ٢٠٣ . (٦) قرأ بها من السبعة نافع وابن كثير وابن عامر. ٢٢ سورة الزخرف: الآيتان ١٨ - ١٩ الناس، أي: حكمتُ له بذلك(١). ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ أي: أَحضَروا حالةَ خلقِهم حتى حكموا بأنَّهم إناث(٢). وقيل: إنَّ النبيَّ :﴿ سألَهم وقال: ((فما يُدريكم أنَّهم إناثٌ؟)) فقالوا: سَمِعنا بذلك من آبائنا؛ ونحن نشهدُ أنَّهم لم يَكْذبوا في أنَّهم إناث، فقال الله تعالى: ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ أي: يُسألونَ عنها في الآخرة(٣). وقرأَ نافعٌ: ((أَأُشْهِدُوا))(٤) بهمزةٍ استفهامِ داخلةٍ على همزةٍ مضمومةٍ مسهَّلة(٥)، ولا يَمدُّ؛ سوى ما رَوَى المسيَّبي عنه أنه يمدّ (٦). ورَوى المفضل عن عاصمٍ مثلَ ذلك وتحقُّقَ الهمزتين(٧). والباقون: ((أَشَهِدُوا)) بهمزة واحدةٍ للاستفهام(٨). ورُويَ عن الزُّهري: ((أُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ)) على (٩) الخبر(٩). ﴿سَتُكْنَبُ﴾ قراءةُ العامةِ بضمِّ التاء على الفعل المجهول، ((شَهَادَتُهُمْ)) رفعاً. وقرأَ السُّلمِيُّ وابنُ السَّمَيْفَعِ وهُبيرة عن حفص: ((سَنَكْتُبُ)) بنون، ((شَهَادَتَهُمْ)) نصباً بتسميةٍ الفاعل(١٠). وعن أبي رجاء: ((سَتُكْتَبُ شَهَادَاتُهُمْ)) بالجمع(١١). (١) تفسير الرازي ٢٠٣/٢٧ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٤٠٧/٤، والوسيط للواحدي ٤/ ٦٧، وزاد المسير ٣٠٧/٧. (٣) تفسير أبي الليث ٢٠٥/٣ . (٤) الوسيط للواحدي ٦٨/٤، وتفسير البغوي ١٣٦/٤. (٥) اختلف رسمها في النسخ، فوقع في (د) و(ز) و(م): أَوُشْهدوا، وفي (ظ) و(ف): أو اشهدوا، والمثبت من (ق). (٦) هي من رواية ورش عنه، وسهلها قالون مع إدخال ألف بخلف عنه. التيسير ص١٩٦ . (٧) المحرر الوجيز ٥٠/٥ . وذكر في السبعة ص ٥٨٥ رواية المفضل عن عاصم مثل نافع. (٨) السبعة ص ٥٨٥ ، والتيسير ص١٩٦ . (٩) المحرر الوجيز ٥٠/٥ . (١٠) رواية هبيرة عن حفص في جامع البيان ٢/ ٤٠٠ . (١١) نسبها في المحرر الوجيز ٥٠/٥، والقراءات الشاذة ص ١٣٥ للحسن. ٢٣ سورة الزخرف: الآيتان ٢٠ - ٢١ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ ﴾ إِلَّا يَخْرُصُونَ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ﴾ يعني: قال المشركون على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاءَ الرحمنُ على زعمِكم ما عَبدنا هذه الملائكة. وهذا منهم كلمةُ حقِّ أُرِيدَ بها باطلٌ. وكلُّ شيءٍ بإرادة الله، وإرادتُه تجب، وكذا علمُه، فلا يُمكِن الاحتجاجُ بهما (١)؛ وخلافُ المعلومِ والمرادِ مقدورٌ وإن لم يقع. ولو عَبَدوا الله بدلَ الأصنام، لَعلمنا أنَّ الله أراد منهم ما حصل منهم. وقد مضى هذا المعنى في ((الأنعام)) عند قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوَّ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ [الآية: ١٤٨]، وفي (يس)): ﴿أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ:﴾(٢) [الآية: ٤٧]. وقولُه: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ مردودٌ إلى قوله: ((وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً)) أي: ما لهم بقولهم: الملائكةُ بناتُ اللـه من علم؛ قاله قتادةُ ومقاتلٌ والكلبي(٣). وقال مجاهدٌ وابن جريج: يعني الأوثان(٤)، أي: ما لهم بعبادةِ الأوثانِ من علم. ((مِن)) صِلة. ﴿إِنّ هُمْ إِلَّا يَخْرُسُونَ﴾ أي: يَحْدِسون ويَكذبون، فلا عذرَ لهم في عبادة غيرِ اللـه عزَّ وجلَّ. وكان في ضمن كلامِهم أنَّ الله أَمَرنا بهذا، أو رضي ذلك منَّا، ولهذا لم يَنْهَنا ولم يُعاجِلنا بالعقوبة. قوله تعالى: ﴿أَمّ ◌َانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ هذا معادِلٌ لقوله: ((أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ)). والمعنى: أَحضَروا خلقَهم، أم آتيناهم كتاباً من قَبْله؟ أي: من قبلِ القرآنِ بما ادَّعَوه، فهم به متمسكون يعملون بما فيه! (١) في (م): بها. (٢) ٩ / ١٠٢، و١٧ /٤٥٦ - ٤٥٧ . (٣) تفسير البغوي ١٣٦/٤. (٤) أخرجه الطبري ٥٦٨/٢٠ عن مجاهد. ٢٤ سورة الزخرف: الآيتان ٢٢ -٢٣ قوله تعالى: ﴿بَلّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىّ أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَ ءَاثَِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَ ءَائِرِهِم مُّقْتَدُونَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿عَلَىَ أُمٍَّ﴾ أي: على طريقة ومذهب؛ قاله عمر بنُ عبد العزيز (١). وكان يقرأ هو ومجاهدٌ وقتادة: ((على إِمَّةٍ)) بكسر الألف (٢). والإِمَّةُ: الطريقة(٣). وقال الجوهري(٤): والإِمَّة، بالكسرِ: النعمة. والإِمّةُ أيضاً لغةٌ في الأُمَّة - وهي الطريقةُ والدين - عن أبي عبيد(٥). قال عَديُّ بنُ زيد في النعمة: ـةٍ وارتْهُمُ هناك القبورُ ثم بعدَ الفَلَاحِ والمُلْكِ والإمَّـ عن غير الجوهري(٦). وقال قتادةُ وعطية: ((على أُمَّةٍ»: على دِين(٧)، ومنه قولُ قيس بنِ الخطيم: كنّا على أُمَّةٍ آبائنا ويقتدي الآخِرُ بالأَوَّلِ(٨) قال الجوهري: والأُمَّةُ: الطريقةُ والدِّين، يقال: فلانٌ لا أُمَّة له، أي: لا دينَ له ولا نِحْلة. قال الشاعر: (١) النكت والعيون ٢٢١/٥. (٢) نسبها لعمر بن عبد العزيز ومجاهد الفراء في معاني القرآن ٣٠/٣، والنحاس في إعراب القرآن ١٠٤/٤، والطبري ٢٠/ ٥٧٠، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٥ وزاد نسبتها للجحدري. (٣) معاني القرآن للفراء ٣٠/٣، والنكت والعيون ٢٢١/٥، وتهذيب اللغة ٦٣٤/١٥. (٤) في الصحاح (أمم). (٥) في (م)، وتفسير أبي الليث ٢٠٥/٣ : أبو عبيدة. (٦) معاني القرآن للفراء ٣٠/٣، وتفسير الطبري ٥٧١/٢٠ . (٧) النكت والعيون ٢٢١/٥، وأخرجه الطبري ٢٠/ ٥٧٠، عن ابن عباس وقتادة والسدي. (٨) النكت والعيون ٢٢١/٥ . ٢٥ سورة الزخرف: الآيات ٢٢ - ٢٤ وهل يستوي ذو أُمَّةٍ وكَفُورُ(١) وقال مجاهد وقطرب: على دينٍ، على مِلَّة. وفي بعضٍ المصاحف: ((قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى مِلَّةٍ)). وهذه الأقوالُ متقاربة. وحُكِي عن الفرَّاء: على ملة: على قِبْلة. الأخفشُ: على استقامة، وأنشدَ قولَ النابغة: حَلَفْتُ فلم أترك لنفسكَ ريبةً وهل يأْثَمَنْ ذو أُمَّةَ(٢) وهو طائعُ(٣) الثانية: ﴿وَإِنَّا عَلَىَ ءَاثَزِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾ أي: نهتدي بهم. وفي الآية الأخرى: ((مُقْتَدُونُ))، أي: نقتدي بهم، والمعنى واحد. قال قتادة: مقتدون: مشَّبِعون(٤). وفي هذا دليلٌ على إبطال التقليد؛ لِذَمِّه إياهم على تقليدِ آبائهم، وتركِهم النظرَ فيما دعاهم إليه الرسولُ ﴾(٥). وقد مضى القولُ في هذا في (البقرة)) مستوفّى(٦). وحكى مقاتلٌ أنَّ هذه الآيةَ نزلت في الوليد بنِ المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبةً وشيبة ابني ربيعة من قريش(٧)، أي: وكما قال هؤلاء فقد قال مَن قبلَهم أيضاً. يُعَزِّي نبيَّهِ ﴾؛ ونظيرُه: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]. والمترفُ: المُنْعمُ، والمرادُ هنا الملوكُ والجبابرة. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِثْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُرْ قَالُواْ إِنَّا بِمَاً أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (9﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُ بِأَهْدَى﴾ أي: قُلْ يا محمدُ لقومك: أوَليسَ قد جئتُكم من عند الله بأهدى، يريد: بأرشدَ ﴿مَِّا وَجَدُّ عَلَيْهِ ءَابََّكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم (١) الصحاح (أمم). (٢) قال في اللسان (أمم): ويروى ذو إمة. (٣) النكت والعيون ٢٢١/٥، والبيت في ديوان النابغة ص ٨١، وسلف ٢٦٠/٥. (٤) أخرجه الطبري ٥٧٢/٢٠، وهو في النكت والعيون. (٥) أحكام القرآن للكيا ٣٦٩/٤ . (٦) ١٦/٣ فما بعد. (٧) النكت والعيون ٢٢١/٥ . ٢٦ سورة الزخرف: الآيات ٢٤ - ٢٧ ◌ِهِ، كَفِرُونَ﴾ يعني: بكلِّ ما أُرسِل به الرسل. فالخطابُ للنبيِّلَ﴾، ولفظُه لفظُ الجمع؛ لأنَّ تكذيبه تكذیبٌ لمن سواه. وقُرئ: (قُلْ)) وَ((قَالَ))، وَ((جِئْتُكُمْ)) وَ((جِثْنَاكُمْ)) يعني: أَتَّبعون آباءَكم ولو جئتكم بدين أَهدى من دين آبائكم؟ قالوا: إنا ثابتون على دينٍ آبائنا لا ننفكُ عنه وإن جئتنا بما هو أَهدى(١). وقد مضى في ((البقرة)) القولُ في التقليد وذَمِّه (٢)، فلا معنى لإعادته. قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قوله تعالى: ﴿فَأْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بالقحط والقتل والسَّبي ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ﴾: آخِرُ أَمرِ مَن كذَّب الرسل. وقراءة العامة: ((قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ)). وقرأ ابن عامر وحفص: ((قَالَ أَوَلَوْ))(٣)، على الخبر عن النذير أنه قال لهم هذه المقالة. وقرأ أبو جعفر: ((قُلْ أَوَلَوْ جِئْنَاكُمْ)) بنون وألف (٤)، على أنَّ المخاطبة من رسول اللـه 8﴿ عن جميع الرسل. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (٣) إِلَّا أَلَّذِى ٢٧ فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ أي: ذكِّرهم إذا قال ﴿إِنَّهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، إِنَّنِى بَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراء يُستعمل للواحد فما فوقه؛ فلا يُثَى ولا يجمع ولا يؤنَّث؛ لأنه مصدرٌ وُضع موضعَ النعت(٥)؛ لا يقال: البراءان والبراؤون؛ لأن المعنى: ذو (٦) البراء، (١) الكشاف ٣/ ٤٨٤، وسيرد ذكر القراءات. (٢) ١٦/٣ فما بعد. (٣) السبعة ص ٥٨٥، والتيسير ص١٩٦ . (٤) النشر ٣٦٩/٢. (٥) تفسير الطبري ٥٧٥/٢٠، وتفسير البغوي ١٣٧/٤، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٠/٣، والكشاف ٤٨٤/٣ . (٦) في (ف): ذوا، والكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤٠٩/٤، وزاد المسير ٣٠٩/٧، وينظر تفسير الرازي ٢٠٨/٢٧ . ٢٧ سورة الزخرف: الآيات ٢٦ - ٢٨ وذوو البراء. قال الجوهري(١): وتبرَّأتُ من كذا، وأنا منه بَرآء، وخَلاءٌ منه، لا يثَّى ولا يجمع؛ لأنه مصدر في الأصل؛ مثل: سَمِع سَماعاً. فإذا قلت: أنا بريءٌ منه وخَليّ، ثَنَّيتَ وجمعت وأنَّئت، وقلتَ في الجمع: نحن منه بُرَآء، مثل: فقيهٌ وفقهاء، وبِراء أيضاً، مثل: كريم وكِرام، وأَبْراء، مثل: شريف وأشراف، وأبرياء، مثل: نصيب وأَنصِبَاء، وبريئون. وامرأةٌ بريئة، وهما بريئتان، وهن بريئاتٌ وبَرايا، ورجلٌ بريء وبُراء، مثل: عجيب وعُجاب. والبَراء، بالفتح: أوَّلُ ليلةٍ من الشهر، سُمِّيت بذلك لتبرُّؤ القمرِ من الشمس. ﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ﴾ استثناءٌ متصل؛ لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم. قال قتادة: كانوا يقولون: اللهُ ربُّنا (٢)؛ مع عبادة الأوثان. ويجوز أن يكونَ منقطعاً(٣)؛ أي: لكن الذي فطرني فهو يهدين. قال ذلك ثقةً بالله، وتنبيهاً لقومه أنَّ الهداية مِن ربه. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةٌ فِى عَفِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٨ فيه ثلاثُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةً﴾ الضمير في ((جَعَلَهَا)) عائدٌ على قوله: ((إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي)). وضمير الفاعل في ((جَعَلَهَا)) لله عزَّ وجلَّ؛ أي: وجعل اللهُ هذه الكلمةَ والمقالةَ باقيةً في عَقِبه، وهم ولده وولدُ ولده؛ أي: إنهم توارثوا البراءةَ عن عبادة غيرِ الله، وأوصى بعضُهم بعضاً في ذلك. والعَقِبُ مَن يأتي بعده (٤). وقال السُّدِّيُّ: هم آل محمدٍ ﴾. وقال ابن عباس: قوله: ((فِي عَقِهِ) أي: في خَلَفه(٥). وفي (١) في الصحاح (برأ). (٢) أخرجه الطبري ٥٧٦/٢٠ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٠٥/٤، وينظر تفسير الرازي ٢٠٨/٢٧ . (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٠٦/٤، والكشاف ٤٨٤/٣. (٥) النكت والعيون ٢٢٢/٥، وأخرج القولين الطبري ٥٧٨/٢٠ . ٢٨ سورة الزخرف: الآية ٢٨ الكلام تقديمٌ وتأخير؛ المعنى: فإنه سيهدينٍ لعلهم يرجعون وجعلها كلمةً باقية في عقبه، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله(١). قال مجاهدٌ وقتادة: الكلمة: لا إله إلا الله؛ قال قتادة: لا يزال من عقبه مَن يعبد اللهَ إلى يوم القيامة(٢). وقال الضحَّاك: الكلمة: أنْ لا تعبدوا إلا الله. عكرمة: الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾(٣) [الحج: ٧٨]. القُرَظي: وجَعل وصيةَ إبراهيم التي وصَّى بها بنيه - وهو قولُه: ﴿يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الّذِينَ﴾ الآيةُ المذكورة في البقرة [الآية: ١٣٢] - كلمَةٌ باقية في ذُرِّيته وبنيه. وقال ابن زيد: الكلمة قوله: ((أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ)»، وقرأ: ﴿هُوَ سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِينَ مِن قَبْلُ﴾ (٤). وقيل: الكلمة: النبوَّة. قال ابن العربي(٥): ولم تزل النبوّةُ باقيةً في ذُرِّيَّة إبراهيم، والتوحيد هم أصلُه، وغيرُهم فيه تَبَعٌ لهم. الثانية: قال ابن العربي(٦): إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولةً بالأحقاب؛ بدعوتَيه المجابتَين، إحداهما في قوله: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فقد قال: نعم إلّ من ظلم منهم فلا عهد. ثانيهما قوله: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقيل: بل(٧) الأولى قولُه: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، فكلُّ أُمة تعظّمه، بنوه وغيرهم؛ ممن يجتمع معه في سامٍ أو نوح. الثالثة: قال ابن العربي(٨): جرى ذِكْرُ العَقِب هاهنا موصولاً في المعنى (١) الوسيط للواحدي ٦٩/٤ . (٢) أخرج قولهما الطبري ٥٧٦/٢٠ - ٥٧٧ . (٣) النكت والعيون ٢٢٢/٥ . (٤) ذكر القولين البغوي ٤/ ١٣٧ . وأخرج الطبري ٢٠/ ٥٧٧ قول ابن زيد. (٥) في أحكام القرآن ١٦٦٦/٤ . (٦) المصدر السابق. (٧) في أحكام القرآن: وقيل بدل. (٨) في أحكام القرآن ١٦٦٦/٤- ١٦٧٠، وما بين حاصرتين منه. ٢٩ سورة الزخرف: الآية ٢٨ [بالحِقب]، وذلك مما يدخل في الأحكام وتُرتَّبُ عليه عقودُ العُمْرَى والتحبيس(١). قال النبيُّ ﴿: «أيُّما رَجلٍ أُعمِر عُمْرَى له ولعقِبه، فإنها لِلذي أُعطِيَها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث))(٢). وهي تَرِد على أحدَ عشَرَ لفظاً : اللفظ الأول: الولد. وهو عند الإطلاق عبارةٌ عمن وُجد من الرجل وامرأتِه في الإناث والذُّكور. وعن ولد الذكور دون الإناث لغةً وشرعاً؛ ولذلك وقع الميراثُ على الولد المعيّن وأولاد الذكور من المعيّن دون ولد الإناث؛ لأنه من قوم آخرين، ولذلك لم يدخلوا في الحُبس بهذا اللفظ؛ قاله مالكٌ في المجموعة وغيرِها. قلت: هذا مذهبُ مالكٍ وجميع أصحابه المتقدِّمين، ومِن حجَّتهم على ذلك الإجماعُ على أنَّ ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله تعالى: ﴿يُصِيكُ اللّهُ فِيّ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. وقد ذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنَّ ولد البنات من الأولاد والأعقاب يدخلون في الأحباس بقول(٣) المُخْبِس: حبستُ على ولدي، أو على عَقِبي. وهذا اختيارُ أبي عمر بنِ عبد البَرّ وغيرهِ(٤)؛ واحتجُوا بقول اللهِ جلَّ وعزّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. قالوا: فلما حَرَّم اللهُ البنات فَحَرُمت بذلك بنتُ البنت بإجماع، عُلم أنها بنتٌ، ووجب أن تدخل في حُبْس أبيها إذا حَبَسَ على ولده أو عقبه. وقد مضى هذا المعنى في ((الأنعام)) مستوفّى(٥). (١) العمرى: من قولهم: أعمرته الدار عُمرى: أي جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلي. والتحبيس: الوقف. النهاية (عمر) (حبس). (٢) صحيح مسلم (١٦٢٥) من حديث جابر، وسلف ١١/ ١٥١. (٣) في (م): يقول. (٤) الذي قاله ابن عبد البَرّ في الكافي ١٠١٨/٢: إذا حبس الرجل على ولده وولد ولده، أو على عقبه وعقب عقبه؛ فلا حقَّ لولد البنات في حُبسه ذلك؛ إلا أن يُسميّهم ويدخلَهم فيه، وإنما ذلك لولده وولد ولده الذكور ما تناسلوا. (٥) ٤٤٧/٨ - ٤٤٨ . ٣٠ سورة الزخرف: الآية ٢٨ اللفظ الثاني: البنون. فإن قال: هذا حُبْسٌ على ابني؛ فلا يتعدَّى الولدَ المعيَّنَ ولا يتعدَّد. ولو قال: ولدي، لَتعدَّى وتعدّد في كلِّ مَن ولد. وإن قال: على بَنِيّ ، دخل فيه الذكورُ والإناث. قال مالك: مَن تصدَّق على بنيه وبني بنيه، فإنَّ بناتِهِ وبناتٍ بناته يدخلن في ذلك. وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته؛ فإنَّ بناتٍ بنته يدخلن في ذلك مع بنات صُلْبه. والذي عليه جماعةُ أصحابه أنَّ ولد البنات لا يدخلون في البنين. فإن قيل: فقد قال النبيُّ﴿ في الحسن ابنِ ابنته: ((إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، ولعلَّ اللهَ أنْ يُصلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))(١). قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه؛ أَلَا ترى أنه يجوز نفيُه عنه، فيقول الرجل في ولد بنته: ليس بابني؛ ولو كان حقيقةً ما جاز نفيُه عنه؛ لأن الحقائق لا تُنفى عن مُنتسباتها(٢). ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه؛ ولذلك قيل في عبد الله بن عباس: إنه هاشميٌّ وليس بهلالي، وإن كانت أُمُّه هلالية. قلت: هذا الاستدلال غيرُ صحيح، بل هو ولدٌ على الحقيقة في اللغة؛ لوجود معنى الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت مِن قول اللهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيَّمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ الضَكلِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٥]، فجعل عيسى من ذُرِّيَّته، وهو ابنُ بنته على ما تقدَّم بيانُه هناك(٣). فإن قيل: فقد قال الشاعر: بنوهنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ (٤) بنونا بنو أبنائنا، وبناتُنا (١) صحيح البخاري (٢٧٠٤)، وسلف ١١٦/٥ . (٢) في (ف): مشبهاتها، وفي أحكام القرآن: مسمياتها. (٣) ٨/ ٤٤٦ - ٤٤٧ . (٤) كتاب الحيوان للجاحظ ٣٤٦/١، والإنصاف لابن الأنباري ٦٦/١، ومغني اللبيب ص٥٨٩ ، والخزانة ١/ ٤٤٤ دون نسبة. قال البغدادي: هذا البيت لا يعرف قائله مع شهرته في كتب النحاة وغيرهم. ورأيت في شرح الكرماني في شواهد شرح الكافية للخبيصي أنه قال: هذا البيت قائله أبو فراس همام الفرزدق بن غالب. والله أعلم بحقيقة الحال. ٣١ سورة الزخرف: الآية ٢٨ قيل لهم: هذا لا دليلَ فيه؛ لأن معنى قولِه إنما هو أَنَّ(١) ولد بنيه الذُّكرانِ هم الذين لهم حكمُ بنيه في الموارثة والنسب، وأَنَّ ولد بناته ليس لهم حكمُ بناته في ذلك؛ إذ ينتسبون إلى غيره، فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية، ولم يَنْفِ عن ولد البناتِ اسمَ الولد؛ لأنه ابن؛ وقد يقول الرجل في ولده: ليس هو بابني؛ إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقًّا، ولا يريد بذلك نفيَ اسم الولدِ عنه، وإنما يريد أن ينفيَ عنه حكمه. ومَن استدلَّ بهذا البيتِ على أنَّ ولد البنت لا يُسمَّى ولداً، فقد أفسد معناه وأبطل فائدته، وتأوَّل على قائله ما لا يصح؛ إذ لا يمكن أن يُسمَّى ولدُ الابن في اللسان العربيّ ابناً، ولا يُسمَّى ولدُ الابنة ابناً؛ من أجل أنَّ معنى الولادة التي اشتُقَّ منها اسمُ الولد فيه أَبْينُ وأقوى؛ لأن ولد الابنةِ هو ولدُها بحقيقة الولادة، وولد الابن إنما هو ولدُه بماله مما(٢) كان سبباً للولادة. ولم يُخرِجْ مالكٌ رحمه الله أولادَ البنات مِن حُبْس مَن حَبَس (٣) على ولده من أجل أنَّ اسم الولد غيرُ واقعٍ عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياساً على الموارثة. وقد مضى هذا في (الأنعام))، والحمدُ لله (٤). اللفظ الثالث: الذُّرِّيَّة. وهي مأخوذةٌ مِن: ذرأَ اللهُ الخلقَ؛ فيدخل فيه(٥) ولدُ البنات، لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَزَكَرِيَا وَيَحَْ وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٥]. وإنما كان من ذريته مِن قِبَل أُمه. وقد مضى في ((البقرة)) اشتقاقُ الذرية (٦) وفي ((الأنعام)) الكلامُ على ((وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ)) الآية [٨٤](٧)؛ فلا معنى للإعادة. (١) لفظة: أن ليست في (د) و(م). (٢) في (د) و(ف): فما. (٣) قوله: من حبس، من (ظ). (٤) ٨/ ٤٤٧ -٤٤٨ . (٥) في أحكام القرآن ١٦٦٧/٤ زيادة: عند علمائنا. (٦) ٣٦٨/٢. (٧) ٤٤٦/٨ - ٤٤٧ . ٣٢ سورة الزخرف: الآية ٢٨ اللفظ الرابع: العَقِب. وهو في اللغة عبارةٌ عن شيء بعد شيءٍ كان مِن جنسه أو من غير جنسه؛ يقال: أَعقب اللهُ بخير؛ أي: جاء بعد الشِّدَّة بالرَّخاء. وأعقب الشيبُ السَّواد. وعَقَب يَعْقُب عُقُوباً وعَقْباً: إذا جاء شيئاً بعد شيء؛ ولهذا قيل لولد الرجل: عَقِبه(١). والمِعْقاب من النساء: التي تلد ذكراً بعد أنثى، هكذا أبداً. وعقب الرجل: ولده وولدُ ولدِه الباقون بعده. والعاقبة: الولد؛ قال يعقوب: في القرآن: ((وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)). وقيل: بل الورثة كلُّهم عَقِب، والعاقبة: الولد؛ وكذلك(٢) فسَّره مجاهدٌ هنا. وقال ابن زيد: هاهنا هم الذَّرِّيَّة. وقال ابن شهاب: هم الولد وولدُ الولد. وقيل غيره على ما تقدَّم عن السُّدُّيّ(٣). وفي الصحاح: والعَقِب، بكسر القاف: مُؤخَّر القدم، وهي مؤنثة. وعقب الرجل أيضاً: ولدُه وولدُ ولدِه. وفيه لغتان: عَقِب وعَقْب، بالتسكين، وهي أيضاً مؤنثة، عن الأخفش. وعَقَبَ فلانٌ مكانَ أبيه عاقبةً، أي: خلفه؛ وهو اسمٌ جاء بمعنى المصدر، كقوله تعالى: ﴿لَسَ لِوَفْعَنِهَا كَاذِبَةٌ﴾(٤) [الواقعة: ٢]. ولا فرق عند أحدٍ من العلماء بين لفظ العَقِب والولد في المعنى. واختلف في الذُّرِّيَّة والنسل، فقيل: إنهما بمنزلة الولد والعَقِب؛ لا يدخل ولدُ البنات فيهما على مذهب مالك. وقيل: إنهم يدخلون فيهما. وقد مضى الكلامُ في الذرية هنا وفي ((الأنعام)). اللفظ الخامس: نَسْلي. وهو عند علمائنا كقوله: ولدي وولدُ ولدي(٥)؛ فإنه (١) تهذيب اللغة ١/ ٢٧١ . (٢) في (د) و(م): ولذلك، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٣) في المسألة الأولى. وقول ابن زيد وابن شهاب أخرجهما الطبري ٢٠/ ٥٧٨ . : (٤) الصحاح (عقب). (٥) في أحكام القرآن: ولد ولدي، بدل: ولدي وولد ولدي. ٣٣ سورة الزخرف: الآية ٢٨ يدخل فيه ولدُ البنات. ويجب أن يدخلوا؛ لأنَّ نَسَل بمعنى خرج، وولد البنات قد خرجوا منه بوجهٍ، ولم يقترن به ما يَخُصُّه كما اقترن بقوله: عَقِبي ما تناسلوا. وقال بعض علمائنا : إنَّ النسل بمنزلة الولد والعقبِ، لا يدخل فيه ولدُ البنات؛ إلّا أنْ يقول المُحبِس: نسلي ونسلُ نسلي، كما إذا قال: عقبي وعَقِبُ عقبي، وأما إذا قال: ولدي أو عقبي مُفْرَداً، فلا يدخل فيه البنات. اللفظ السادس: الآل. وهم الأهل؛ وهو اللفظ السابع. قال ابن القاسم: هما سواء، وهم العَصَبةُ والإخوة والأخوات(١) والبنات والعمات؛ ولا يدخل فيه الخالات. وأصل الأهل: الاجتماعُ، يقال: مكانٌ آهِل: إذا كان فيه جماعة، وذلك بالعصبة ومَن دخل في العقد(٢)، والعَصَبة مشتقّةٌ منه، وهي أخصُّ به. وفي حديث الإفك: يا رسول الله، أَهْلُكَ! ولا نعلم إلَّا خيراً؛ يعني عائشة(٣). ولكن لا تدخل فيه الزوجةُ بإجماع وإن كانت أصلَ التأهُّل؛ لأنَّ ثبوتها ليس بيقين، إذ قد يتبدَّل ربطُها وينحلُّ بالطلاق. وقد قال مالك: آلُ محمدٍ كلُّ تقي(٤)؛ وليس من هذا الباب. وإنما أراد أنَّ الإيمان أخصُّ من القرابة، فاشتملت عليه الدَّعوةُ وقُصد بالرحمة. وقد قال أبو إسحاق التونسي: يدخل في الأهل كلُّ مَن كان من جهة الأبوين. فوقَى الاشتقاقَ حقّه، وغَفَلَ عن العُرف ومطلقِ الاستعمال. وهذه المعاني إنما تُبنى (١) قوله: والأخوات ليس في (د) و(ظ) و(م). (٢) كذا في النسخ الخطية وأحكام القرآن ١٦٦٨/٤، والكلام منه، وبعدها في (م): من النساء. وقد ذكر أبو الوليد الباجي في المنتقى ١٢٤/٦ كلام ابن القاسم ثم قال: ومعنى ذلك عندي العصبة، أو من كان في تُعْددهنَّ من النساء. والقُعْدُد: الأقرب إلى الأب الأكبر. المصباح المنير (قعد). (٣) القائل أسامة بن زيد # كما في البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠). وقد سلف ٣٩٩/١ . (٤) ذكره عنه ابن العربي في أحكام القرآن ١٦٦٨/٤. وقد أخرجه مرفوعاً العقيلي في الضعفاء ٢٨٧/٤ ، وابن عدي في الكامل ٢٥١٣/٧ ، والبيهقي ٢/ ١٥٢ من طريق نافع السلمي، عن أنس . قال البيهقي: وهذا لا يحل الاحتجاج بمثله. وأخرجه الطبراني في الصغير (٣١٨)، والأوسط (٣٣٥٦) من طريق نوح ابن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس. قال الحافظ في الفتح ١١/ ١٦١ : سنده واهٍ جداً. ٣٤ سورة الزخرف: الآية ٢٨ على الحقيقة، أو على العرف المستعملِ عند الإطلاق، فهذان لفظان. اللفظ الثامن: قرابة. فيه أربعة أقوال : الأوّل: قال مالكٌ في كتاب محمدٍ وابنٍ(١) عَبْدوس: إنهم الأقربُ فالأقربُ بالاجتهاد؛ ولا يدخل فيه ولدُ البنات ولا ولدُ الخالات. الثاني: يدخل فيه أقاربُه من قِبَل أبيه وأُمِّه؛ قاله علي بنُ زياد. الثالث: قال أشهب: يدخل فيه كلُّ رَحِم من الرجال والنساء. الرابع: قال ابن كِنَانة: يدخل فيه الأعمامُ والعمَّات والأخوال والخالات(٢) وبنات الأخت. وقد قال ابن عباس في تفسير قولهِ تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْتَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَّدَّةَ فِى الْقُرْبٌ﴾ [الشورى: ٢٣] قال: إلَّا أنْ تَصِلوا قرابةً ما بيني وبينكم؛ وقال: لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان بينه وبين النبيِّ﴿ قرابة(٣). فهذا يَضبطه، والله أعلم. اللفظ التاسع: العشيرة. ويضبِطه الحديثُ الصحيح: إن الله تعالى لما أنزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دعا النبيُّ :﴿ بطونَ قريشٍ وسمَّاهم، كما تقدَّم ذِكْرُه (٤)، وهم العشيرة الأقربون، وسِوَاهم عشيرةٌ في الإطلاق. واللفظ يُحمل على الأخصِّ الأقربِ بالاجتهاد، كما تقدَّم مِن قول علمائنا. اللفظ العاشر: القوم. يُحمل(٥) ذلك على الرجال خاصَّةً من العَصَبة دون النساء. والقوم يشمل الرجالَ والنساء؛ وإن كان الشاعر قد قال: (١) لفظة: و، ليست في (م). (٢) في بعض النسخ الخطية من أحكام القرآن (كما في حواشيه) زيادة: وبنات الأخ. (٣) أخرجه أحمد (٢٠٢٤)، والبخاري (٣٤٩٧). (٤) ١٦ / ٨٣ . (٥) قبلها في المطبوع من أحكام القرآن: قال القرويون. ٣٥ سورة الزخرف: الآيات ٢٨ - ٣٢ أقومٌ آل حِصْنٍ أم نساءُ(١) وما أدري وسوف إخال أدري ولكنه أراد أنَّ الرجل إذا دعا قومه للنُّصرة، عنى الرجال، وإذا دعاهم للحُرْمة، دخل فيهم الرجالُ والنساء؛ فتَعُمُّه الصفة وتخصِّصه القرينة. اللفظ الحادي عشر: المَوَالي. قال مالك: يدخل فيه موالي أبيه وابنِه مع مواليه. وقال ابن وهب: يدخل فيه أولادُ مواليه. قال ابن العربي(٢): والذي يتحصَّل منه أنه يدخل فيه مَن يرثه بالولاء؛ قال: وهذه فصولُ الكلام وأصولُه المرتبطةُ بظاهر القرآن والسنة المبيِّنة له؛ والتفريعُ والتتميم في كتب(٣) المسائل، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿بَلّ مَثَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ (*) وَلَمَّا ◌َآَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَىَ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمِ ﴿ أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكْ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى اُلْحَيَوِ الدُّنْيَأْ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ قوله تعالى: ﴿بَّ مَتَّعْثُ﴾ وَقُرئ: ((بَلْ مَتَّعْنَا))(٤). ﴿هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ﴾ أي: في الدنيا بالإمهال. ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: محمدٌ ﴾ بالتوحيد والإسلام الذي هو أصلُ دين إبراهيم؛ وهو الكلمة التي بقَّاها اللهُ في عقِبه. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي: يبيِّن لهم ما بهم إليه حاجة. ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني القرآن. ﴿قَالُوا هَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ﴾ جاحدون(٥). (١) سلف ٢ /١٠٩. (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٧٠، وما قبله منه. (٣) المثبت من (ف) وأحكام القرآن، وفي باقي النسخ: كتاب. (٤) هي قراءة الأعمش كما في المحرر الوجيز ٥٢/٥ ، وهي قراءة شاذة. (٥) تفسير أبي الليث ٢٠٦/٣ . ٣٦ سورة الزخرف: الآيات ٢٩ -٣٢ ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ﴾ أي: هلََّّ نزل ﴿هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ﴾ وقرئ: ((على رَجْل)) بسكون الجيم. ﴿مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي: من إحدى القريتين؛ كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أي: من أحدهما(١). أو على أحدٍ رجلين من القريتين. القريتان: مكة والطائف. والرجلان: الوليدُ بنُ المغيرة بنِ عبد الله بن عمر ابن مخزوم عمُّ أبي جهل. والذي من الطائف أبو مسعود عروة بنُ مسعود الثقفي؛ قاله قتادة. وقيل: عمير بنُ عبد ياليل الثقفي من الطائف، وعتبة بن ربيعة من مكة؛ وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس: أنَّ عظيم الطائف حبيب بنُ عمرٍو الثقفي. وقال السُّدِّيّ: كنانة بنُ عبد بنِ عمرو. وروي أنَّ الوليد بنَ المغيرة - وكان يُسمى ريحانةً قريش - كان يقول: لو كان ما يقول محمدٌ حقًّا، لنزل عليَّ أو على أبي مسعود؛ فقال الله تعالى: ﴿أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكْ﴾(٢) يعني النبوَّةَ فيضعونها حيث شاؤوا!(٣) ﴿فَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَّةِ الدُّنيا﴾ أي: أَفْقَرنا قوماً وأغنينا قوماً؛ فإذا لم يكن أمرُ الدنيا إليهم؛ فكيف نفوِّض أمرَ النبوَّة إليهم؟ قال قتادة: تَلْقاه ضعيفَ القوَّة قليلَ الحيلة عَييَّ اللسان وهو مبسوطٌ له، وتلقاه شديدَ الحيلة بسيطَ اللسان وهو مُقَتَّرٌ عليه (٤). وقرأ ابن عباس ومجاهدٌ وابن مُخَيْصِن في رواية عنه: ((مَعَايِشَهُمْ))(٥). وقيل: أي: نحن أعطينا عظيمَ القريتين ما أعطينا لا لكرامتهما عليَّ، وأنا قادرٌ على نزع النِّعمةِ عنهما، فأيُّ فضلٍ وقَدْرٍ لهما؟! ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فاضَلْنا بينهم، فمن فاضلٍ ومفضول (١) الكشاف ٣/ ٤٨٥. وقراءة (رَجْل)) بسكون الجيم شاذة. (٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٠/ ٥٨٠-٥٨٤، وينظر الوسيط للواحدي ٤ /٧٠ . (٣) النكت والعيون ٢٢٣/٥ . (٤) النكت والعيون ٢٢٣/٥، وأخرجه الطبري ٥٨٤/٢٠-٥٨٥ . (٥) ذكر القراءة عن ابن عباس ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٥. ٣٧ سورة الزخرف: الآيات ٢٩ -٣٣ ورئيس ومرؤوس؛ قاله مقاتل. وقيل: بالحرية والرِّقّ؛ فبعضهم مالِكٌ وبعضهم مملوك. وقيل: بالغِنى والفقر؛ فبعضُهم غنيٌّ وبعضهم فقير. وقيل: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(١). ﴿﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ قال السُّدِّيُّ وابن زيد: خَوَلاً وخُدَّاماً، يسخّر الأغنياءُ الفقراءَ، فيكون بعضُهم سبباً لمعاشٍ بعض. وقال قتادة والضحاك: يعني ليملكَ بعضُهم بعضاً (٢). وقيل: هو من السُّخرِيَّة التي بمعنى الاستهزاء؛ أي: لِيستهزئَ الغنيُّ بالفقير (٣). قال الأخفش: سَخِرت به وسَخِرت منه، وضَحِكت منه وضَحِكت به، وهزِئت منه وبه؛ كلٌّ يقال، والاسم: السُّخرِيَّة، بالضم؛ والسُّخْرِيُّ والسِّخْرِيّ، بالضمِّ والكسر(٤). وكلُّ الناس ضمُّوا ((سُخْرِيًّا)) إلا ابنَ مُحَيْصِن ومجاهداً، فإنهما قرأ: ((سِخْرِيًّا))(٥). ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: أفضل ممَّا يجمعون من الدنيا. ثم قيل: الرحمة: النبوّة، وقيل: الجنة. وقيل: تمامُ الفرائض خيرٌ من كثرة النوافل. وقيل: ما يَتفضَّل به عليهم خيرٌ مما يجازيهم عليه من أعمالهم(٦). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَاحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ فيه خمسُ مسائل : الأولى: قال العلماء: ذَكَرَ حقارةَ الدنيا وقلَّةَ خطرها، وأنها عنده من الهوان (١) النكت والعيون ٢٢٣/٥ . (٢) أخرج أقوالهم الطبري ٢٠/ ٥٨٥-٥٨٦ بنحوها. (٣) ينظر تفسير أبي الليث ٣/ ٢٠٧ . (٤) الصحاح (سخر)، وكلام الأخفش فيه. (٥) ذكر قراءة ابن محيصن ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣٥ . (٦) النكت والعيون ٢٢٤/٥ . ٣٨ سورة الزخرف: الآية ٣٣ بحيث كان يَجعل بيوتَ الكَفَرةِ ودَرَجَها ذهباً وفِضَّةً لولا غلبةُ حبِّ الدنيا على القلوب؛ فَيَحمِلُ ذلك على الكفر(١). قال الحسن: المعنى: لولا أنْ يكفُرَ الناسُ جميعاً بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرةَ، لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه؛ لِهوان الدنيا عند الله عزَّ وجلَّ. وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، ابنُ عباس والسُّدِّيُّ وغيرهم. وقال ابن زيد: ((وَلَوْلًا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) في طلب الدنيا واختيارِها على الآخرة ((لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِيُيُوتِهِمْ سِقُفًاً مِنْ فِضَّةٍ))(٢). وقال الكسائي: المعنى: لولا أن يكونَ في الكفار غنيٌّ وفقير وفي المسلمين مِثلُ ذلك، لأعطينا الكفارَ من الدنيا هذا لهوانها. الثانية: قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو: ((سَقْفًا)) بفتح السين وإسكان القاف على الواحد، ومعناه الجمع، اعتباراً بقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. وقرأ الباقون بضمِّ السينِ والقافِ على الجمع(٣)؛ مثل: رَهْن ورُهُن. قال أبو عبيد(٤): ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف؛ مثل: كَثِيب وكُثُب، ورَغيف ورُغُف؛ قاله الفراء. وقيل: هو جمع سُقُوف، فيصير جَمْعَ الجمع(٥)؛ سَقْف وسُقُوف، نحو: فَلْس وقُلُوس. ثم جعلوا فُعولاً كأنه اسمُ واحد، فجمعوه على فُعُل. وروي عن مجاهد: (سَقْفاً)) بإسكان القاف(٦). وقيل: اللام في ((لِبُيُوتِهِمْ)) بمعنى على، أي: على بيوتهم. وقيل: بدل؛ كما (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٧٠. (٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٠/ ٥٨٧ - ٥٨٨ . (٣) السبعة ص ٥٨٥، والتيسير ص١٩٦. وينظر تفسير الطبري ٥٨٩/٢٠. (٤) في تفسير البغوي ١٣٨/٤ والكلام منه: أبو عبيدة. (٥) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٣٢/٣. (٦) المحرر الوجيز ٥٤/٥ . ٣٩ سورة الزخرف: الآية ٣٣ تقول: فعلت هذا لزيدٍ لكرامته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَّيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] كذلك قال هنا: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ يعني الدَّرَج؛ قاله ابن عباس، وهو قولُ الجمهور. واحدها مِعراج (٢)، والمِعراج: السُّلَّم؛ ومنه ليلة المعراج. والجمع: معارج ومعاريج؛ مثل: مفاتح ومفاتيح (٣)؛ لغتان. (وَمَعَارِيجَ)) قرأ أبو رجاء العُطَارِدِيُّ وطلحة بنُ مُصَرِّف (٤)؛ وهي المراقي والسلاليم. قال الأخفش: إن شئتَ جعلت الواحد مِعْرَج ومَعْرَج؛ مثل: مِرقاة ومَرقاة(٥). ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: على المعارج يرتقون ويصعدون؛ يقال: ظهرت على البيت، أي: علوتُ سطحَه. وهذا لأنَّ مَن علا شيئاً وارتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت على الشيء، أي: عَلِمْته. وظهرت على العدوّ، أي: غلبته. وأنشد نابغةُ بني جَعْدةَ رسولَ الله لَ﴿ قولَه : عَلَوْنا السماءَ عِزَّةً ومهَابةً وإِنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرا(٦) أي: مصعداً؛ فغضب رسولُ اللـه :﴿ وقال: ((إلى أين؟)) قال: إلى الجنة؟، قال: ((أجل إن شاء الله))(٧). (١) الكلام بنحوه في معاني القرآن للفراء ٣١/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٠٧. (٢) النكت والعيون ٥/ ٢٢٤، وأخرج قول ابن عباس وغيره الطبري ٥٩٠/٢٠-٥٩١ . (٣) الصحاح (عرج). (٤) قراءة طلحة في القراءات الشاذة ص ٨٥ . والمحرر الوجيز ٥٤/٥ . (٥) الصحاح (عرج). (٦) ورد البيت في الديوان ص٥١ و ٦٨ في قصيدتين، في الأولى براوية: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا، وفي الثانية: بلغنا السما مجداً وجوداً وسودداً. (٧) أخرجه البزار (٢١٠٤ كشف الأستار). قال الهيثمي في المجمع ١٢٦/٨: فيه يعلى بن الأشدق، وهو ضعيف. اهـ. ورواية البيت فيه: علونا العباد عفة وتكرماً. ٤٠ سورة الزخرف: الآية ٣٣ : قال الحسن: واللهِ لقد مالت الدنيا بأكثرِ أهلِها وما فَعَلَ ذلك! فكيف لو فعل؟!(١) الرابعة: استدلَّ بعض العلماء بهذه الآيةِ على أنَّ السقف لا حَقَّ فيه لربِّ العُلْو؛ : لأن الله تعالى جعل السقوفَ للبيوت كما جعل الأبوابَ لها. وهذا مذهبُ مالكٍ رحمه الله. قال ابن العربي(٢): وذلك لأنَّ البيت عبارةٌ عن قاعة وجدار وسقف وباب، فمَن له البيتُ، فله أركانه. ولا خلاف أنَّ العُلْوَ له إلى السماء. واختلفوا في السُّفل؛ فمنهم مَن قال: هو له، ومنهم مَن قال: ليس له في باطن الأرض شيء. وفي مذهبنا القولان. وقد بيَّن حديثُ الإسرائيليِّ الصحيحِ - فيما تقدَّم - أنَّ رجلاً باع من رجل داراً، فبناها فوجد فيها جَرَّةً مِن ذهب، فجاء بها إلى البائع فقال: إنما اشتريتُ الدارَ دون الجرَّة، وقال البائع: إنما بِعتُ الدار بما فيها، وكلاهما(٣) تدافعها. فقُضي بينهم(٤) أنْ يزوِّجَ أحدُهما ولدَه مِن بنت الآخرَ ويكون المال لهما(٥). والصحيح أنَّ العُلْو والسُّفل له، إلَّا أنْ يَخرُجَ عنهما بالبيع، فإذا باع أحدُهما أحدَ الموضعين فله منه ما ينتفع به، وباقيه للمبتاع منه. الخامسة: مِن أحكام العُلْو والسُّغل: إذا كان العُلْوُ والسُّفلُ بين رجلين، فيعتلُّ السُّفلُ أو يريد صاحبُه هَدْمَه؛ فذكر سُخْنون عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحبُ السُّفل أن يَهدِم، أو أراد صاحبُ العلو أن يبني عُلْوَه، فليس لصاحب السفل أن يهدم إلَّا مِن ضرورة، ويكون هدمُه له أرفقَ لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، (١) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥٨٧ . (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٧٠. وينظر المحرر الوجيز ٥٤/٥ . (٣) في النسخ: وكلهم، والمثبت من أحكام القرآن. (٤) في النسخ زيادة: النبي ﴾. (٥) أخرجه بنحوه أحمد (٨١٩١)، والبخاري (٣٤٧٢)، ومسلم (١٧٢١) من حديث أبي هريرة ﴾.