النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة الشورى: الآيتان ٣٢ -٣٣
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَمِ نَـ
(٣٣)
فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِ الْجَوَرِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعَِْ﴾ أي: ومن علاماته الدالّة على
قُدرته السفنُ الجارية في البحر كأنها من ◌ِظَمها أعلامٌ. والأعلام: الجبال، وواحد
الجواري جارية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَا الْمَآءُ حَمَلْتَّكُمْ فِي الْجَرِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].
سُمِّيت جارية لأنها تجري في الماء. والجارية: هي المرأة الشابَّة؛ سُمِّيت بذلك لأنها
يجري فيها ماء الشباب. وقال مجاهد: الأعلام القصور، واحدها علم؛ ذكره
الثعلبي(١). وذكر الماوَرْدي(٢) عنه أنها الجبال. وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند
العرب فهو علم (٣). قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:
وإنّ صخراً لتَأَتَمُّ الهُداة به كأنه علَمٌ في رأسهِ نار(٤)
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ﴾ كذا قراءة العامة، وقراءة أهل المدينة: ((الرِّيَاح)) بالجمع(٥).
﴿فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ﴾ أي: فتبقى السفنُ سواكنَ على ظهر البحر لا تجري. رَكَد
الماء ركودًا سكن. وكذلك الريح والسفينة، والشمس إذا قام قائم الظّهيرة. وكلّ ثابتٍ
في مكان فهو راكد. وركد الميزان استوى. ورَكد القوم هَدَؤوا. والمراكد: المواضع
التي يَرْكُد فيها الإنسان وغيره(٦).
وقرأ قتادة: ((فَيَظْلِلْنَ)) بكسر اللام الأولى (٧) على أن يكون لغة، مثلُ ضَلِلت
أَضِل(٨). وفتح اللام هي اللغة المشهورة.
(١) وذكره البغوي في تفسيره ١٢٨/٤ .
(٢) في النكت والعيون ٥/ ٢٠٥ .
(٣) تفسير البغوي ١٢٨/٤ .
(٤) ديوان الخنساء ص ٤٩ .
(٥) السبعة ص١٧٣، والتيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢.
(٦) الصحاح (ركد).
(٧) المحرر الوجيز ٣٨/٥.
(٨) في النسخ: ظللت أظل، والمثبت من الكشاف ٣/ ٤٧١، وينظر ما قاله أبو حيان في البحر ٧/ ٥٢٠.

٤٨٢
سورة الشورى: الآيات ٣٢ - ٣٥
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ أي: دلالات وعلامات ﴿لَّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي:
صبَّار على البَلْوَى شكور على النعماء. قال قُظْرُب: نِعْمَ العبد الصبّار الشَّكور، الذي
إذا أُعطِي شكر وإذا ابتُلي صبر. قال عَوْن بن عبد الله: فكم من مُنْعَم عليه غير شاكر،
وكم من مبتّى غير صابر(١).
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ
قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوِفْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن گُثِرٍ
ءَايَئِنَا مَا لَمُم مِّن ◌َّحِيْصٍ
٣٥
قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: وإن يشأ يجعل الرياحَ عواصفَ فَيُوبق
السفن؛ أي: يُغرقهن بذنوب أهلها. وقيل: يُوبق أهل السفن(٢). ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾
من أهلها فلا يُغرقهم معها؛ حكاه الماوردي(٣). وقيل: ((وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) أي:
ويتجاوز عن كثير من الذنوب فَيُنجيهم اللهُ من الهلاك.
قال القُشَيرِيّ: والقراءة الفاشية: ((وَيَعْفُ)) بالجزم، وفيها إشكال؛ لأن المعنى:
إن يشأ يُسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكدَ ويُهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف
(يَعْفُ)) على هذا لأنه يصير المعنى: إنْ يشأ يعفُ، وليس المعنى ذلك بل المعنى
الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو إذًا عطف على المجزوم من حيث اللفظ
لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم: ((ويعفو)) بالرفع، وهي جيدة في المعنى (٤).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَيْنَا مَا لَهُمْ مِن تَجِيصٍ﴾ يعني الكفار؛ أي: إذا توسَّطوا
البحر وغَشِيتهم الرياح من كل مكان، أو بقيت السفن رواكدَ علموا أنه لا مَلْجأ لهم
سوى الله، ولا دافع لهم إنْ أراد اللهُ إهلاكهم، فَيُخلصون له العبادة. وقد مضى هذا
(١) النكت والعيون ٢٠٥/٥ .
(٢) زاد المسير ٢٨٩/٧ .
(٣) في النكت والعيون ٢٠٥/٥ .
(٤) ذكر قول القشيري أبو حيان في البحر ٧/ ٥٢٠ - ٥٢١، ثم قال: ما قاله ليس بجيد، إذ لم يَفْهم
مدلول التركيب، والمعنى: أنه تعالى إن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم.

٤٨٣
سورة الشورى: الآيتان ٣٤ - ٣٥
المعنى في غير موضع (١)، ومضى القولُ في ركوب البحر في ((البقرة)) وغيرها بما يُغني
عن إعادته.(٢)
وقرأ نافع وابن عامر: ((وَيَعْلَمُ)) بالرفع، الباقون بالنصب(٣). فالرفع على
الاستئناف بعد الشرط والجزاء؛ كقوله في سورة التوبة: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ثم
قال: ﴿وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ [التوبة: ١٤ -١٥] رفعًا. ونظيره في الكلام: إن تأتني
آتِكَ وينطلقُ عبد الله. أو على أنه خبرُ ابتداء محذوف. والنصب على الصرف؛ كقوله
تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّْبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] صرف من
حال الجزم إلى النصب استخفافاً كراهيةً لتوالي الجزم(٤)؛ كقول النابغة:
ربيعُ الناس والشهرُ الحرامُ
فإن يَهْلِك أبو قابوسَ يَهْلِكْ
أَجَبِّ الظَّهْرِ ليس له سَنام(٦)
ونُمْسِكَ(٥) بعده بذِناب عَيْشٍ
وهذا معنى قول الفرّاء(٧)، قال: ولو جزم ((ويعلم)) جاز. وقال الزجاج(٨): نصب
على إضمار ((أن)) لأن قبلها جزمًا؛ تقول: ما تصنع أصنعْ مثلَه وأُكرمَك. وإنْ شئتَ
قلت: وأُكرمْك، بالجزم.
وفي بعض المصاحف: ((وليعلمَ)). وهذا يدلُّ على أن النصب بمعنى: وليعلم، أو
لأن یعلم.
(١) ٤٧٥/١٠ و١٦/ ١٩٣.
(٢) ٢/ ٤٩٥ .
(٣) السبعة ص ٥٨١ ، والتيسير ص ١٩٥.
(٤) الحجة للفارسي ٦/ ١٣٠ بنحوه.
(٥) في النسخ: ويمسك، والمثبت من المصادر.
(٦) ديوان النابغة ص ١١٠. وأبو قابوس: هو النعمان بن المنذر، وسلف البيتان ١٢٩/١٠. وينظر ضبط
قوله: أجبّ الظهر في خزانة الأدب الشاهد (٧٥٦).
(٧) في معاني القرآن ٢٤/٣ - ٢٥.
(٨) في معاني القرآن ٣٩٩/٤ .

٤٨٤
سورة الشورى: الآيات ٣٥ - ٣٧
وقال أبو عليّ والمبرّد: النصب بإضمار ((أن)) على أن يجعل الأوّل في تقدير
المصدر؛ أي: ويكون منه عَفْوٌ وأن يعلم فلما حَمَله على الاسم أضمرَ أن، كما
تقول: إنْ تَأْتِني وتُعطيَني أُكرمك، فتنصب تُعطيني، أي: إن يكن منك إتيانٌ وأنْ
تُعطيني(١).
ومعنى ﴿مِن غَحِيصٍ﴾ أي: من فِرار ومَهْرب؛ قاله قُطْرُب. السدي: مِن مَلْجأ.
وهو مأخوذٌ من قولهم: حاص به البعیر حیصةً إذا رمى به. ومنه قولهم: فلان یحیص
عن الحق، أي: يميلُ عنه(٢).
قوله تعالى: ﴿فَآ أُوْقِتُم مِّنْ شَىْءٍ فَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَّكَُّونَ
قوله تعالى: ﴿فَا أُوِتُم مِّنِ شَيْهِ﴾ يريد من الغِنى والسَّعة في الدنيا . ﴿فَمَتِےُ﴾ أي:
فإنما هو متاعٌ في أيام قليلة تنقضي وتذهب؛ فلا ينبغي أن يتفاخرَ به. والخِطاب
للمشركين. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَبْقَىْ﴾ يريد من الثواب على الطاعة ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
صدَّقوا ووخَّدوا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ﴾ نزلت في أبي بكر الصدِّيق حين أنفق جميعَ
ماله في طاعة الله فلامَه الناسُ(٣). وجاء في الحديث أنه: أنفق ثمانين ألفاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبِرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ الذين في موضع جرّ معطوفٌ على قوله:
﴿غَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٤) أي: وهو للذين يجتنبون ﴿كُبَِّرَ اَلْإِنْ﴾ وقد مضى القولُ
(١) الحجة للفارسي ٦/ ١٣٠ بنحوه.
(٢) النكت والعيون ٢٠٥/٥ .
(٣) الكشاف ٣/ ٤٧٢، وحديث إنفاق أبي بكر ماله كلّه وإنفاق عمره نصف ماله أخرجه أبو داود
(١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥) من حديث عمر ﴾.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٨٦/٤.

٤٨٥
سورة الشورى: الآية ٣٧
في الكبائر في ((النساء))(١).
وقرأ حمزة والكسائي: ((كَبِيرَ الإِثْم)) (٢) والواحد قد يُراد به الجمع عند الإضافة؛
كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وكما جاء في
الحديث: ((مَنَعتِ العراقُ دِرْهمها وَقَفِيزَها))(٣). الباقون بالجمع هنا وفي ((النجم))
[الآية: ٣٢].
﴿وَالْفَوَحِشَ﴾ قال السُّدِّي: يعني الزنى (٤). وقاله ابن عباس، وقال: كبير الإثم
الشِّرك(٥).
وقال قوم: كبائرُ الإثم ما تقع على الصغائر مغفورة عند اجتنابها. والفواحش
داخلة في الكبائر، ولكنها تكون أفحشَ وأشنعَ، كالقتل بالنسبة إلى الجرح، والزنى
بالنسبة إلى المراودة. وقيل: الفواحشُ والكبائرُ بمعنَى واحد، فكرَّر لِتعدُّد اللَّفظ؛
أي: يجتنبون المعاصي لأنها كبائرُ وفواحشُ.
وقال مقاتل: الفواحشُ مُوجِباتُ الحدود(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: يتجاوزون ويحلُمون عمن
ظَلَمهم. قيل: نزلت في عمر حين شُتِم بمكة. وقيل: في أبي بكر حين لامَه الناس على
إنفاق ماله كله وحين شُتم فَحلُم. وعن علي ﴾ قال: اجتمع لأبي بكر مال مرة،
فتصدّق به كلّه في سبيل الخير؛ فلامه المسلمون وخطّأه الكافرون فنزلت: ﴿فَا أُوْتِيْتُمْ
مِّنْ شَىْءٍ فَعُ الْخَوَةِ الدُنياً وَمَا ◌ِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَُّونَ﴾ إلى قوله
(١) ٦/ ٢٦١ وما بعدها.
(٢) السبعة ص ٥٨١ ، والتيسير ص ١٩٥ .
(٣) أخرجه أحمد (٧٥٦٥)، ومسلم (٢٨٩٦) من حديث أبي هريرة ﴾. والقفيز: اثنا عشر صاعاً. حاشية
السندي على مسند أحمد.
(٤) أخرجه الطبري ٥٢٢/٢٠ .
(٥) الكشاف ٣/ ٤٧٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٩/٥.

٤٨٦
سورة الشورى: الآيتان ٣٧ - ٣٨
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾(١). وقال ابن عباس: شَتَم رجل من المشركين أبا بكر فلم
يردّ عليه شيئًا؛ فنزلت الآية(٢). وهذا من محاسن الأخلاق، يُشفقون على ظالمهم
ويَصْفَحون لمن جَهِل عليهم؛ يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه؛ لقوله تعالى في
آل عمران: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وهو أن
يتناولك الرجلُ فتكظِم غيظَك عنه. وأنشد بعضهم :
ووهبتُ ذاك له على عِلْمي
إني عفوتُ لظالمي ظلمي
حتى بَكيتُ له من الظُّلم (٣)
ما زال يَظْلِمُني وأَرحمُه
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَيْهِمْ وَقَامُوا الصَّلَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ
يُتْفِقُونَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ قال عبد الرحمن بن
زيد: هم الأنصار بالمدينة؛ استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر
نقيباً منهم قبل الهجرة. ﴿ وَأَقَامُواْ الصََّلَوَةَ﴾ أي: أدَّوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها (٤).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: يتشاورون في الأمور. والشُّورَى
مصدر شاورته، مثل البُشرى والذِّكرى ونحوه.
فكانت الأنصارُ قبل قدوم النبيّ ﴾ إليهم إذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه، ثم عملوا
عليه؛ فَمِدَحَهُم الله تعالى به؛ قاله النقَّاش. وقال الحسن: أي: إنهم لانقيادهم إلى
الرأي في أمورهم مثَّفقون لا يختلفون؛ فَمُدِحوا باتِّفاق كلمتهم. قال الحسن: ما
تشاور قوم قطُ إلا هُدُوا لأَرشدِ أمورهم. وقال الضحاك: هو تشاورُهم حين سمعوا
(١) الكشاف ٣/ ٤٧٢، وسلف الخبر في تفسير الآية السابقة.
(٢) أخرجه أحمد (٩٦٢٤)، وأبو داود (٤٨٩٦) مطولاً دون ذكر الآية.
(٣) ذكرهما ابن عبد البر في بهجة المجالس ٣٦٦/١ ونسبهما لمحمود الوراق.
(٤) النكت والعيون ٢٠٦/٥ .

٤٨٧
سورة الشورى: الآية ٣٨
بظهور رسول الله ﴾، وورد النُّقباء إليهم حتى اجتمع رأيُهم في دار أبي أيوب على
الإيمان به والنُّصرة له. وقيل: تشاورُهم فيما يعرض لهم؛ فلا يستأثر بعضُهم بخبر(١)
دون بعض.
وقال ابن العربي(٢): الشُّورَى أُلفةٌ للجماعة ومِسْبارٌ للعقول وسببٌ إلى الصواب،
وما تشاور قومٌ قظّ إلا هُدُوا. وقد قال الحكيم:
برأي لبيبٍ أو مشورةٍ حازم
إذا بلغ الرأيُ المشورة فاستعِنْ
فإنَّ الخَوَافي نافعٌ للقوادم(٣)
ولا تجعل الشُّورى عليك غَضَاضة
فمدح اللهُ المشاورةَ في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يتمثّلون ذلك. وقد كان
النبيُّ# يُشاور أصحابَه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب؛ وذلك في الآثار(٤)
كثيرٌ. ولم يكن يُشاورهم في الأحكام؛ لأنها مُنزلةٌ من عند الله على جميع الأقسام من
الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به
علينا فكانوا يَتشَاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة. وأوّل ما تشاور
فيه الصحابة الخلافةُ؛ فإنَّ النبيَّ ﴾ لم يَنُصَّ عليها حتى كان فيها بين أبي بكر
والأنصار ما سبق بيانه(٥).
وقال عمر : نرضى لِدُنيانا مَنْ رَضِيَهُ رسولُ الله ﴾ لديننا(٦). وتشاوروا في أهل
الرِّدَّة فاستقرَّ رأيُ أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجَدّ وميراثه، وفي حدّ الخمر
(١) في النكت والعيون ٢٠٦/٥ (والأقوال السالفة كلها منه): بخير.
(٢) في أحكام القرآن ١٦٥٦/٤. والكلام منه إلى آخر المسألة.
(٣) البيتان لبشار بن برد، وهما في ديوانه ٢/ ٥٠٣، وعجز البيت الأول فيه: برأي نصيح أو نصيحة حازم.
وعجز البيت الثاني: مكان الخوافي قوة للقوادم. والخوافي: ريشاتٌ إذا ضمَّ الطائرُ جناحيه خَفِيَتْ،
والقوادم: أربع أو عشر ريشات في مُقدَّم الجناح. القاموس المحيط (خفي) و(قدم).
(٤) في النسخ: الآراء، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي.
(٥) ٣٩٥/١ وما بعدها.
(٦) سلف ٤٠٦/١ - ٤٠٧ و١٦٧/٩ من قول علي ﴾.

٤٨٨
سورة الشورى: الآية ٣٨
وعدده. وتشاوروا بعد رسول اللـه ﴿ في الحروب؛ حتى شاور عمرُ الهُرْمُزان حين وَفَدَ
عليه مسلماً في المغازي، فقال له الهُرْمُزان: مَثَلُها وَمَثَلُ من فيها من الناس من عدوِّ
المسلمين مَثَلُ طائرٍ له رأس(١) وله جناحان ورجلان، فإن كُسِرَ أحدُ الجناحين نَهَضَتِ
الرِّجلان بجناح والرأس، وإنْ كُسِرَ الجناحُ الآخر نَهَضتِ الرِّجلان والرأس وإن شُدِخ
الرأسُ ذهب الرِّجلان والجناحان. والرأسُ كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر
فارس؛ فَمُرِ المسلمين فَلْينفِروا إلى كِسْرى. وذكر الحديث(٢).
وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قطُ! إذا حَزَبَنَي أمرٌ شاورتُ قومي ففعلت الذي
يَرَوْن؛ فإن أصبتُ فهم المُصيبون، وإن أخطأتُ فهم المُخطئون(٣).
الثالثة: قد مضى في ((آل عمران)) ما تضمَّنته الشُّورى من الأحكام عند قوله
تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِىِ آلْأَمَِّ﴾ [الآية: ١٥٩]. والمَشُورة بركة. والمَشْوَرة: الشُّورَى،
وكذلك المَشُورة بضم الشين؛ تقول منه: شاوَرْته في الأمر واستشرته بمعنَّى (٤).
وروى الترمذي(٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((إذا كان أمراؤكم
خيارَكم وأغنياؤكم سُمَحاءَكم وأَمْرُكم شُورَى بينكم فظَهْرُ الأرض خيرٌ لكم من بطنها ،
وإذا كان أمراؤكم شِرارَكم وأغنياؤكم بُخَلاءَكم وأمورُكم إلى نسائكم فبطنُ الأرض
خيرٌ لكم من ظَهْرها)). قال حديث غريب(٦). ﴿وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ أي: ومما
أعطيناهم يتصدَّقون. وقد تقدّم في ((البقرة))(٧).
(١) في النسخ: ريش، وهو تصحيف، والمثبت من المصادر.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٥٩).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٥٦/٤ - ١٦٥٧ .
(٤) الصحاح (شور).
(٥) في سننه (٢٢٦٦).
(٦) وقال أيضاً: لا نعرفه إلا من حديث صالح المُرِّي، وصالح المُرُِّّ في حديثه غرائب ينفرد بها لا يتابع
عليها، وهو رجل صالح.
(٧) ٢٧٣/١ وما بعدها .
:

٤٨٩
سورة الشورى: الآيات ٣٩ - ٤٣
وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاً
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ
وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ خُلِّمِهِ.
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَّيِمِينَ
فَأُوْلَيْكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ ﴿ إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ
بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ () وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ
آأُرِ (@)
فيه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ﴾ أي: أصابهم بَغيُ المشركين. قال
ابن عباس: وذلك أن المشركين بَغَوْا على رسول الله ﴾ وعلى أصحابه وآذَوْهم
وأخرجوهم من مكة، فأَذِنَ اللهُ لهم بالخروج، ومَكَّنَ لهم في الأرض، ونَصَرهم على
من بَغَى عليهم(١)؛ وذلك قوله في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ
اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌّ. الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ الآيات [٣٩-٤١] كلها. وقيل: هو عامٌّ في بَغْي
كل باغ من كافر وغيره(٢)، أي: إذا نالهم ظُلم لم يستسلموا لِظُلمه. وهذه إشارةٌ إلى
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود.
قال ابن العربي (٣): ذَكّر اللهُ الانتصار في البغي في مَعْرِض المَدْح، وذكر العفو
عن الجُرم في موضع آخرَ في مَعْرِض المدح؛ فاحتمل أن يكون أحدُهما رافعاً
للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى حالتين:
إحداهما: أن يكون الباغي مُعلناً بالفجور، وَقِحًا في الجمهور، مُؤذِيًا للصغير
والكبير؛ فيكون الانتقام منه أفضلَ. وفي مثله قال إبراهيم النَّخَعِيّ: كانوا يكرهون أن
يُذِلُّوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفُسَّاق .
الثانية: أن تكون الفَلْتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزَّلَّة ويسأل المغفرة؛ فالعفو
(١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٢٩١ بنحوه عن عطاء.
(٢) زاد المسير ٢٩٢/٤.
(٣) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٥٧

٤٩٠
سورة الشورى: الآيات ٣٩ - ٤٣
هاهنا أفضلُ، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقوله:
﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]. وقوله: ﴿وَلَيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا
تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].
قلت: هذا حسن، وهكذا ذكر الكِيا الطبري في ((أحكامه))(١) قال: قوله تعالى:
﴿وَّذِينَ إِذَّا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ﴾ يدل ظاهرُه على أن الانتصار في هذا الموضع
أفضل؛ ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة؛ وهو
محمولٌ على ما ذكر إبراهيم النَّخَعِيّ أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يُذِلُّوا أنفسهم
فتجترئ عليهم الفُسَّاق؛ فهذا فيمن تعدّى وأصرَّ على ذلك. والموضع المأمور فيه
بالعفو إذا كان الجاني نادماً مُقْلِعاً. وقد قال عَقِيب هذه الآية: ﴿وَلَمَنِ أَنتَصَرَ بَعْدَ فُلْمِهِ،
فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾. ويقتضي ذلك إباحةَ الانتصار لا الأمر به؛ وقد عقَّبه بقوله:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وهو محمولٌ على الغفران عن غير
المُصِرّ، فأما المُصِرّ على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلَها.
وقيل: أي: إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يُزيلوه عنهم ويدفعوه؛ قاله ابن
بحر(٢). وهو راجعٌ إلى العموم على ما ذكرنا.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قال العلماء: جعل الله المؤمنين
صِنفين: صنف يعفُون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
وصنف ينتصرون من ظالمهم(٣). ثم بين حدّ الانتصار بقوله: ﴿وَحَزَّوْاْ سَبِئَةٍ سِئَةٌ
مِثْلُهاً﴾ فينتصر ممن ظَلَمه من غير أن يعتدي. قال مقاتل وهشام بن حُجَير: هذا في
المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سبٍّ أو شَتْم. وقاله الشافعي وأبو
حنيفة وسفيان(٤). قال سفيان: وكان ابن شُبْرُمَة يقول: ليس بمكة مثل هشام(٥) .
(١) ٤ /٣٦٦ - ٣٦٧ .
.(٢) النكت والعيون ٢٠٦/٥ .
(٣) زاد المسير ٧/ ٢٩١ بنحوه.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٢٠٧ .
(٥) ذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤/ ٢٦٧ .

٤٩١
سورة الشورى: الآيات ٤٠ - ٤٣
وتأوّل الشافعي في هذه الآية أنَّ للإنسان أن يأخُذَ من مال مَن خانَه مثلَ ما خانه
من غير عِلْمه؛ واستشهد في ذلك بقول النبي # لهند زوج أبي سفيان: ((خُذي من مالهٍ
ما يَكفيكِ وولدَكِ))(١) فأجاز لها أخذَ ذلك بغير إِذْنه. وقد مضى الكلام في هذا مستوفى
في ((البقرة))(٢).
وقال ابن أبي نَجيح: إنه محمولٌ على المُقابلة في الجراح. وإذا قال: أخزاه اللهُ،
أو لعنه الله أن يقول مثلَه. ولا يُقابل القذفَ بقذف، ولا الكذب بكذب(٣).
وقال السُّدِّي: إنما مدح اللهُ من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على
مقدار ما فعل به؛ يعني كما كانت العرب تفعله (٤).
وسُمِّي الجزاء سيئةً لأنه في مُقابلتها؛ فالأوّل ساء هذا في مال أو بدن، وهذا
الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضاً؛ وقد مضى هذا كلُّه في ((البقرة)) مستوفى(٥).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ قال ابن عباس: من ترك القصاص
وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو ﴿فَأَّجَرُُّ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إن اللهَ يأجُره على ذلك. قال
مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة. وقد مضى في ((آل عمران)) في هذا ما فيه
کفایة(٦)، والحمد لله.
وذكر أبو نعيم الحافظ(٧) عن علي بن الحسين ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة نادى
مُنادٍ: أيكم أهل الفضل، فيقوم ناسٌ من الناس، فيقال: انطلقوا إلى الجنة، فتلقَّاهم
(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) ٢٤٩/٣، وسلف ثمة حديث هند زوجة أبي سفيان رضي الله عنهما.
(٣) النكت والعيون ٢٠٧/٥ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٥٧ .
(٥) ٢٤٨/٣ - ٢٤٩.
(٦) ٣١٩/٥ وما بعدها.
(٧) في حلية الأولياء ١٣٩/٣.

٤٩٢
سورة الشورى: الآيات ٤٠ - ٤٣
الملائكةُ، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟! قالوا :
نعم، قالوا: من أنتم؟ قالوا: أهلُ الفَضْل؛ قالوا: وما كان فَضْلكم؟ قالوا: كنا إذا
جُهل علينا حَلُمنا وإذا ◌ُظُلِمنا صَبَرْنَا وإذا سِيء إلينا عَفَوْنا؛ قالوا: ادخلوا الجنة، فنعم
أجرُ العاملين. وذكر الحديث.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ◌ُلَّكِمِينَ﴾ أي: مَن بدأ بالظلم؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل: لا يحب
مَن يتعدَّى في الاقتصاص ويُجاوز الحد؛ قاله ابن عيسى(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ تُلْمِهِ﴾ أي: المسلم إذا انتصر من الكافر
فلا سبيل إلى لَوْمِه، بل يُحمّدُ على ذلك مع الكافر. ولا لومَ إِن انتصر الظالم من
المسلم؛ فالانتصار من الكافر حتم، ومن المسلم مباح، والعفو مندوب.
الخامسة: في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُلِمِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ دليلٌ
على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه. وهذا ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قصاصاً في بدن يستحقُّه آدميٌّ، فلا حرج عليه إن استوفاه من
غير عُدوان وثبت حقُّه عند الحُّام، لكن يزجره الإمام في تفرُّده(٢) بالقصاص لما فيه
من الجُرأة على سفك الدم. وإن كان حقُّه غيرَ ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه
وبين الله حرج، وهو في الظاهر مُطالَبٌ وبفعله مُؤْاخَذٌ ومُعاقَب.
القسم الثاني: أن يكون حدًّا لله تعالى لا حقَّ لآدمي فيه، كحدّ الزنى وقطع
السرقة؛ فإن لم يَثْبُتْ ذلك عند حاكم أُخِذَ به وعُوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نُظر،
فإن كان قطعاً في سرقة سقط به الحدّ لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه
في ذلك حقٌّ إلا التعزير أدباً(٣)، وإن كان جَلْداً لم يسقط به الحَدُّ لِتعدّيه مع بقاء
محلّه، فكان مأخوذاً بحكمه.
(١) النكت والعيون ٢٠٧/٥ - ٢٠٨.
(٢) في (د): تقويه، وفي (ف) و(م): تفوته، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للنكت والعيون ٢٠٨/٥
والكلام منه إلى آخر المسألة.
(٣) في النسخ: لأن التعزير أدب، والمثبت من النكت والعيون.

٤٩٣
سورة الشورى: الآيات ٤١ - ٤٣
القسم الثالث: أن يكون حقًّا في مال؛ فيجوز لصاحبه أن يُغالب على حقُّه حتى
يصل إليه إن كان هو ممن هو عالمٌ به(١)، وإن كان غيرَ عالم نُظر، فإنْ أمكنه الوصول
إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرارُ بأخذه. وإن كان لا يصل إليه بالمُطالبة لِجُحود
من هو عليه من عدم بيّنةٍ تشهد له ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان: أحدهما:
جوازه؛ وهو قول مالك والشافعي. الثاني: المنع؛ وهو قول أبي حنيفة.
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ أي: بعدوانهم عليهم؛
في قول أكثر العلماء. وقال ابن جُريح: أي: يظلمونهم بالشِّرك المُخالف لدينهم.
﴿وَيَغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: في النفوس والأموال؛ في قول الأكثرين. وقال
مقاتل: بَغْيُهم عَمَلُهم بالمعاصي. وقال أبو مالك: هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون
بمكة غير الإسلام ديناً(٢). وعلى هذا الحدّ قال ابن زيد: إنَّ هذا كلَّه منسوخٌ بالجهاد،
وإنَّ هذا للمشركين خاصة. وقول قتادة: إنه عامٌّ؛ وكذا يدل ظاهر الكلام(٣). وقد بينًا،
والحمد لله.
السابعة: قال ابن العربي(٤): هذه الآيةُ في مقابلة الآية المتقدّمة في ((براءة)) وهي
قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [الآية: ٩٢]؛ فكما نفى اللهُ السبيل عمن أحسن
فكذلك أثبتها(٥) على من ظلم؛ واستوفى بيان القسمين.
الثامنة: واختلف علماؤنا في السلطان يضع على أهل بلد مالًا معلوماً يأخذهم به
ويؤدّونه على قدر أموالهم؛ هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل، وهو إذا
تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم. فقيل: لا؛ وهو قول سحنون من
علمائنا. وقيل: نعم، له ذلك إنْ قدر على الخلاص؛ وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن
(١) في النكت والعيون: إن كان من هو عليه عالماً به، وكلاهما بمعنى.
(٢) النكت والعيون ٢٠٨/٥ - ٢٠٩ .
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٢٣/٢.
(٤) في أحكام القرآن ١٦٥٨/٤ .
(٥) في النسخ: نفاها، والمثبت من أحكام القرآن.

٤٩٤
سورة الشورى: الآيات ٤٢ - ٤٣
نصر الداودي ثم المالكي. قال: ويدلُّ عليه قول مالك في الساعي يأخذ من غنم أحد
الخُلطاء شاةً وليس في جميعها نصاب: إنها مظلمة على من أُخذت له لا يرجع على
أصحابه بشيء. قال: ولست آخذ بما روي عن سحنون؛ لأن الظّلم لا أُسوةَ فيه، ولا
يلزم أحدٌ أن يُولِج نفسَه في ظُلم مخافةَ أن يُضاعَفَ الظُّلمُ على غيره، والله سبحانه
يقول: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾.
التاسعة: واختلف العلماء في التحليل؛ فكان ابن المُسَيَّب لا يُحلل أحدًا من
عِرض ولا مال. وكان سليمان بن يَسار ومحمد بن سِيرين يُحلِّلان من العِرض والمال.
ورأى مالك التحليل من المال دون العرض. روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك
وسئل عن قول سعيد بن المسيب: لا أُحلِّل أحدًا، فقال: ذلك يختلف؛ فقلت له: يا
أبا عبد الله، الرجلُ يُسلف الرجلَ فَيَهْلِكُ ولا وفاء له؟ قال: أرى أن يُحلله وهو
أفضل عندي؛ فإِن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَبَّهُ؟﴾
[الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فقال: لا أرى ذلك، هو عندي مُخالفٌ
للأوّل؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنََّ السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ ويقول تعالى: ﴿مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩٢] فلا أرى أن يجعله من ظُلمه في حِلّ .
قال ابن العربي(١): فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يُحلِّله بحالٍ؛ قاله
سعيد ابن المسيّب. الثاني: يُحلّله؛ قاله محمد بن سيرين. الثالث: إن كان مالاً حلَّله
وإن كان ◌ُلماً لم يُحلِّله؛ وهو قول مالك.
وجه الأوّل ألّا يُحلِّل ما حرّم الله؛ فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني أنه
حقُّه فله أن يُسقطَه كما يُسقط دمَه وعِرْضه. ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن
الرجل إذا غلب على أداء حقك فمن الرفق به أن تُحلِّله(٢)، وإن كان ظالماً فمن الحق
ألا تتركَه لئلا تغترَّ الَّلَمةُ ويسترسلوا (٣) في أفعالهم القبيحة .
(١) في أحكام القرآن ١٦٥٨/٤ ، وما قبله منه.
(٢) في (د): يحلله، وفي (م): يتحلله، والمثبت من (ظ).
(٣) في النسخ الخطية: يستشرون، والمثبت من أحكام القرآن.

٤٩٥
سورة الشورى: الآيات ٤٢ - ٤٣
وفي ((صحيح)) مسلم حديثُ أبي اليَسَر الطويل وفيه أنه قال لِغريمه: أُخرج إليّ،
فقد علمتُ أين أنت؛ فخرج؛ فقال: ما حملك على أن اختبأتَ مني؟ قال: أنا والله
أُحَدِّثُكَ ثم لا أَكذِبُك، خَشيتُ - والله - أن أُحدِّثَك فأَكَذِبَك، وأن أَعِدَك فأُخْلِفك،
وكنتَ صاحبَ رسول اللـه ﴿، وكنتُ والله مُعْسِرًا. قال: قلت: آللهِ؟ قال اللهِ(١)؛
قال: فأتى بصحيفة فمحاها فقال: إن وجدتَ قضاءً فاقضٍ، وإلا فأنت في حِلّ. وذكر
الحديث(٢) .
قال ابن العربي(٣): وهذا في الحي الذي يُرجى له الأداء لسلامة الذِّمَّة ورجاء
التَّحَلُّل(٤)، فكيف بالميت الذي لا مُحاللة له ولا ذِمّة معه.
العاشرة: قال بعض العلماء: إن مَن ◌ُظُلم وأُخِذ له مالٌ فإنما له ثوابٌ ما احتُبِس
عنه إلى موته، ثم يرجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى آخرهم؛ لأن المال يصير
بعده للوارث. قال أبو جعفر الداودي المالكي: هذا صحيحٌ في النظر؛ وعلى هذا
القول إن مات الظالمُ قبل مَن ظَلَمه ولم يترك شيئاً، أو ترك ما لم يعلم وارتُه فيه بظلم
لم تنتقل تِباعةُ المظلوم إلى ورثة الظالم؛ لأنه لم يبقَ للظالم ما يستوجبه ورثة
المظلوم.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي: صبر على الأذى و((غفر))
أي: ترك الانتصار لوجه الله تعالى؛ وهذا فيمن ظَلَمه مسلم. ويُحكى أن رجلاً سبَّ
رجلاً في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم
قام فتلا هذه الآية؛ فقال الحسن: عَقَلها والله، وفهمها إذ ضيَّعها الجاهلون(٥).
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم ١٣٥/١٨: الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مدّ،
والهاء فيهما مكسورة، هذا هو المشهور. قال القاضي: رويناه بكسرها وفتحها معاً، قال: وأكثر أهل
العربية لا يُجیزون غیر کسرها.
(٢) صحيح مسلم (٣٠٠٦).
(٣) في أحكام القرآن ١٦٥٩/٤.
(٤) في النسخ: التمحل، وجاء في هامش (ي): يقال: تمحل، أي: احتال، فهو مُتّمخِّل. قاله الجوهري
[الصحاح (محل)]. والمثبت من أحكام القرآن.
(٥) الكشاف ٤٧٣/٣، وما بعده منه.

٤٩٦
سورة الشورى: الآية ٤٣
وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع تركُ
العفو مندوباً إليه كما تقدّم؛ وذلك إِذا احتيج إلى كفّ زيادة البغي وقطع مادّة الأذى،
وعن النبي # ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشةَ رضي الله عنهما بحضرته
فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونَكِ فانتصري)) خرجه مسلم في «صحيحه»
بمعناه(١).
وقيل: ((صَبَرَ)) عن المعاصي وستر على المساوئ. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي
من عزائم الله التي أمر بها. وقيل من عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي
والفراء(٢) أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﴾ مع ثلاث آيات قبلها، وقد
شَتَمه بعضُ الأنصار فردّ عليه ثم أمسك. وهي المَدَنِيَّات من هذه السورة.
وقيل: هذه الآيات في المشركين، وكان هذا في ابتداء الإسلام قبل الأمر بالقتال
ثم نسختها آيةُ القتال؛ وهو قول ابن زيد، وقد تقدم(٣).
وفي تفسير ابن عباس: ((وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ)) يريد حمزة بن عبد المطلب
وعُبيدة (٤) وعليًّا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم. ﴿فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ يريد
حمزة بن عبد المطلب وعُبيدة وعليًّا رضوان الله عليهم أجمعين. ﴿إِنَّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل والأسود،
وكل من قاتل من المشركين يوم بدر. ﴿وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ﴾ يريد بالظلم والكفر. ﴿أُوْلَكَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌ﴾ يريد وجيع. ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ﴾ يريد أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن
(١) صحيح مسلم (٢٤٤٢)، وأخرجه أحمد (٢٤٥٧٥)، والبخاري (٢٥٨١) بنحوه أيضاً، وأخرجه بلفظ
المصنف أحمد (٢٤٦٢٠).
(٢) في معاني القرآن ٢٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٢٠٩/٥ وما قبله
وما بعده منه.
(٣) تقدم آخر المسألة السادسة.
(٤) هو عُبيدة بن الحارث بن المطلب، القرشي، أسلم قديماً، وشهد بدراً، وبارز فيها مع حمزة وعلي
رضوان الله عليهم عُتبةً وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وأصل قصتهم في صحيح البخاري (٣٩٦٥)،
وينظر الإصابة ٣٦٩/٦.

٤٩٧
سورة الشوری: الآيات ٤٣ - ٤٥
الجراح ومُصعب بن عُمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين . ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ حيث قَبِلوا الفِداء وصبروا على الأذى.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّنْ بَعْدِهٍ، وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوَأْ
٤٤
اُلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَوِّ مِّن سَبِيلٍ
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ﴾ أي: يَخْذُله ﴿فَمَا لَهُ مِن وَإِيٍّ مِّنْ بَعْدِهُ﴾ هذا فيمن
أعرض عن النبيِّ # فيما دعاه إليه من الإيمان بالله والمودّة في القُربى، ولم يُصدِّقه
في البعث وأن متاعَ الدنيا قليل. أي: من أضلَّه اللهُ عن هذه الأشياء فلا يهدیه هادٍ.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَِّينَ﴾ أي الكافرين. ﴿لَمَّا رَأَوًا اٌلْعَذَابِ﴾ يعني جهنم.
وقيل: رَأَوُا العذابَ عند الموت. ﴿ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرٍَّ مِّن سَبِيلٍ﴾ يطلبون أن يُرَدُّوا
إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله، فلا يُجابون إلى ذلك(١).
قوله تعالى: ﴿وَتَّرَئُهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيَّهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيُّ
وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ أَلَّ
إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيَّهَا﴾ أي: على النار لأنها عذابهم؛ فكنى عن
العذاب المذكور بحرف التأنيث؛ لأن ذلك العذابَ هو النار، وإن شئت جهنم، ولو
راعى اللفظ لقال: عليه.
ثم قيل: هم المشركون جميعاً يُعرّضون على جهنم عند انطلاقهم إليها؛ قاله
الأكثرون. وقيل: آل فرعون خصوصًا، تُحبس أرواحُهم في أجواف طير سود تغدو
على جهنم وتروح؛ فهو عَرْضُهم عليها؛ قاله ابن مسعود. وقيل: إنهم عامة
المشركين، تعرض عليه ذنوبهم في قبورهم، ويُعرضون على العذاب في قبورهم؛
(١) تفسير الطبري ٥٢٩/٢٠ بنحوه.

٤٩٨
سورة الشورى: الآية ٤٥
وهذا معنى قول أبي الحجاج (١).
﴿خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِ﴾ ذهب بعض القُرَّاء إلى الوقف على ((خَاشِعِينَ)). وقوله: ((مِنَ
الذُّلِ)) ومُتعلِّقٌ بـ ((يَنْظُرُونَ)). وقيل: متعلق بـ ((خَاشِعِينَ))(٢). والخشوع الانكسار
والتواضع.
ومعنى ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ أي: لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعًا تامًّا؛
لأنهم ناكسو الرؤوس. والعرب تصف الذليل بغَضِّ الطرف، كما يستعملون في ضدّه
حديد النظر إذا لم يُتَّهم برِيبة فيكون عليه منها غَضاضة. وقال مجاهد: ((مِنْ طَرْفٍ
خَفِيٍّ)) أي: ذليل، قال: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يُحشرون عُمياً(٣)، وعين القلب
طرفٌ خِفِيّ (٤). وقال قتادة والسدّي والقُرَظِيّ وسعيد بن جبير: يسارقون النظر من شدّة
الخوف(٥). وقيل: المعنى ينظرون من عين ضعيفة النظر. وقال يونس: ((مِن)) بمعنى
الباء؛ أي: ينظرون بطرف خفي، أي: ضعيف من الذُّل والخوف، ونحوه عن
الأخفش(٦). وقال ابن عباس: بطرف ذابل ذليل(٧). وقيل: أي: يفزعون أن ينظروا
إليها بجميع أبصارهم لِمَا يرون من أصناف العذاب.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي:
يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حلَّ بالكفار: إن الخُسران في الحقيقة ما صار
إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المُخلّد، وخسروا أهليهم لأن
(١) النكت والعيون ٢٠٩/٥ .
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤١، والكشاف ٤٧٤/٣ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٢٣/٦ .
(٤) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١/٥: في هذا التأويل تكلّف، وقال الزمخشري في الكشاف
٤٧٤/٣: فيه تعسُّف.
(٥) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥٣٣ عن قتادة والسدي.
(٦) ذكر الأخفش في معاني القرآن ٢/ ٦٨٧ قول يونس.
(٧) أخرجه الطبري ٢٠/ ٥٣٢ .

٤٩٩
سورة الشورى: الآيتان ٤٥ - ٤٦
الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينه وبينهم.
وقيل: خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهلٌ في الجنة من الحور العين(١).
وفي ((سنن)) ابن ماجه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((ما منكم من
أحدٍ إلا له مَنْزلان: منزلٌ في الجنة ومنزلٌ في النار، فإذا ماتَ فدخلَ النارَ وَرِثَ أهلُ
الجنة منزلَه فذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُنَ))). وقد تقدم (٢).
وفي «مسند)) الدّارِمِيّ: عن أبي أمامة قال: قال رسول اللـه﴾: ((ما مِنْ أحدٍ
يُدخله الله الجنةَ إلا زوَّجه اثنين وسبعين زوجةً من الحور العين وسبعین من ميراثه من
أهل النار، وما منهنَّ واحدةٌ إلا ولها قُبُلٌ شهِيّ وله ذَكَر لا يَنْثني)). قال هشام بن
خالد: ((مِن ميراثه من أهل النار)) يعني رجالاً أُدخلوا النار فورث أهلُ الجنة نساءهم
كما ورثت امرأة فرعون(٣).
﴿أَلََّ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائم لا ينقطع. ثم يجوز أن يكون هذا
من قول المؤمنين، ويجوز أن يكون ابتداء من الله تعالى (٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا
(٤٦)
لَهُ مِن سَبِيلٍ
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاً:﴾ أي: أعواناً ونُصراء ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ أي: من عذابه ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ نَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أي: طريق يَصِلُ به إلى الحقّ
(١) المحرر الوجيز ٥/ ٤١ بنحوه.
(٢) سنن ابن ماجه (٤٣٤١)، وصحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٤٢، وسلف ١٦/١٥ .
(٣) لم نقف عليه في مسند الدارمي، وأخرجه ابن ماجه (٤٣٣٧)، وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك.
وهَّاه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء. ميزان الاعتدال ٦٤٥/١ . وهشام بن خالد هو شيخ ابن ماجه
الذي روى عنه هذا الحديث.
(٤) المحرر الوجيز ٤٢/٥ .

٥٠٠
سورة الشورى: الآيتان ٤٧ - ٤٨
في الدنيا والجنة في الآخرة؛ لأنه قد سدَّت عليه طريق النجاة.
قوله تعالى: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِرَبِكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ
٤٧
مِّنِ مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن ذَّكِيرٍ
قوله تعالى: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِرَيْكُمْ﴾ أي: أجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الإيمان به
والطاعة. استجاب وأجاب بمعنّى؛ وقد تقدّم. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِى يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ الِهِ﴾
يريد يومَ القيامة؛ أي: لا يردُّه أحدٌ بعد ما حكم اللهُ به وجعله أجلاً ووقتاً . ﴿مَا لَكُمْ
مِّن مَّلْجَلٍ﴾ أي: من ملجأ يُنجيكم من العذاب.
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ أي: من ناصر ينصركم؛ قاله مجاهد. وقيل: النكير
بمعنى المُنكر؛ کالألیم بمعنى المُؤلِم؛ أي: لا تجدون يومئذ مُنكِراً لما ینزل بكم من
العذاب؛ حكاه ابن أبي حاتم؛ وقاله الكلبي(١). الزجاج(٢): معناه: أنهم لا يقدرون
أن يُنکروا الذنوبَ التي يُوقَفون عليها. وقيل: ((مِنْ نَکِیرِ» أي: إنکار ما ینزل بكم من
العذاب، والنكير والإنكار تغييرُ المنكر.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَزْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَغُ وَإِنَّا
إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَ
الْإِنسَانَ كَفُورٌ
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي: عن الإيمان ﴿فَمَّا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي:
حافظاً لأعمالهم حتى تُحاسبَهم عليها. وقيل: مُؤَّلاً بهم لا تُفارقهم دون أن يؤمنوا؛
أي: ليس لك إكراهُهم على الإيمان. ﴿إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ وقيل: نسخ هذا بآية
القتال(٣). ﴿وَإِنَّ إِذَا أَذَقْنَا أَلْإِنسَانَ﴾ الكافر ﴿مِنَّا رَحْمَةٌ﴾ رخاءً وصحة. ﴿فَرِحَ بِهَا﴾
(١) النكت والعيون ٢١٠/٥.
(٢) في معاني القرآن ٤٠٢/٤ .
(٣) زاد المسير ٢٩٥/٧ .