النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة الشوری: الآيات ١ - ٤
عليٍّ ◌َّه يعرف الفِتَنَ بها(١).
وقال أرطاةُ بن المنذر: قال رجلٌ لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أَخْبِرني
عن تفسير قوله تعالى: ((حم. عسق))؟ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثاً، فأعرض عنه.
فقال حُذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها، قد عرفتُ لِم تركها؛ نزلت في رجل من أهل
بيته يقال له: عبد الإله، أو عبد الله؛ ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه
مدينتين يشق النهر بينهما شقًّا، فإذا أراد اللهُ زوالَ مُلكهم وانقطاعَ دولتهم، بعث على
إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداءَ مُظْلِمةً، فتحترق كلُّها كأنها لم تكن مكانَها؛ فتصبح
صاحبتُها متعجبةً كيف قُلبت، فما هو إلا بياضُ يومها حتى يجتمع فيها كلُّ جبار
عَنيد، ثم يخسفُ الله بها وبهم جميعاً؛ فذلك قوله: ((حم. عسق)) أي: عَزْمةٌ من
عَزَمات الله تعالى، وفتنةٌ وقضاء؛ ((حم)): حُمَّ. ((ع)): عدلاً منه، ((س)): سيكون،
(ق)): واقع في هاتين المدينتين(٢).
ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البَجَليُّ قال: سمعتُ رسول الله ﴾
يقول: ((تُبنى مدينةٌ بين دِجْلة ودُجيل وقُظْرَبُّل والصَّراة، يجتمع فيها جبابرةُ الأرض
تُجبى إليها الخزائنُ يخسفُ بها - وفي رواية: بأهلها - فَلَهِيَ أسرعُ ذهاباً في الأرض
من الوَيِّد الجيِّد في الأرض الرِّخوة))(٣).
وقرأ ابن عباس: ((حم. سق)) بغير عين. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن
مسعود؛ حكاه الطبري (٤).
(١) تفسير الطبري ٢٠/ ٤٦٥، والمحرر الوجيز ٢٥/٥ .
(٢) أخرجه الطبري ٤٦٤/٢٠، وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ١٨٩/٧، وقال: أثر غريب عجيب
منكر.
(٣) أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٣٥٠)، وهو حديث منكر جداً فيما ذكره الذهبي
في الميزان ٣/ ١٦٥، وقد أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٣٦٥/١ -٣٧٢، من طرق عديدة
وأعلَّها كلَّها، ثم نقل عن الإمام أحمد قوله: ليس لهذا الحديث أصل. ودُجيل: اسم نهر مخرجه من
أعلى بغداد، وقُطْرَبُل: كلمة أعجمية، اسم قرية بين بغداد وعُكبّرا. والصّراة. نهران ببغداد؛ الصراة
الكبرى والصراة الصغرى. معجم البلدان ٤٤٣/٢ و٣٩٩/٣ و٣٧١/٤ .
(٤) في تفسيره ٢٠/ ٤٦٥، وسلف قريباً.

٤٤٢
سورة الشورى: الآيات ١ - ٤
وروى نافع عن ابن عباس: ((الحاء)) حِلْمه(١)، و((الميم)) مَجْده، و((العين)) عِلْمه،
و((السين)) سَنَاه، و((القاف)) قُدرته؛ أقسم الله بها(٢).
وعن محمد بن كعب: أقسم الله بحِلمه(٣) ومَجْده وعُلُوِّه وسَنَاه وقُدرته ألا يُعذّب
من عاذ بلا إله إلا الله مُخلصاً من قلبه (٤). وقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير:
((الحاء)) من الرحمن، و((الميم)) من المجيد، و((العين)) من العليم، و((السين)) من
القُدُّوس، و((القاف)) من القاهر.
وقال مجاهد: فواتح السور. وقال عبد الله بن بُريدة: إنه اسمُ الجبل المحيط
بالدنیا.
وذكر القشيريّ، واللفظ للثعلبيّ: أن النبيَّ ﴾ لما نزلَتْ هذه الآيةُ عُرفت الكآبةُ
في وجهه؛ فقيل له: يا رسولَ الله، ما أحزنك؟ قال: ((أُخبِرتُ ببلايا تنزلُ بأُمتي مِن
◌َسْف وقَذْف ونارٍ تحشرهم، وريحِ تَقْذِفهم في البحر وآياتٍ متتابعات مُتَّصلات بنزول
عيسى وخروج الدَّجال))(٥). والله أعلم.
وقيل: هذا في شأن النبيِّ #؛ فـ ((الحاء)) حوضه المورود، و((الميم)) مُلكه
الممدود، و((العين)) عِزُّه الموجود، و((السين)) سناه المشهود، و((القاف)) قيامه في
المقام المحمود، وقُربه في الكرامة من المَلِك المعبود.
وقال ابن عباس: ليس من نبيّ صاحب كتاب إلا وقد أُوحي إليه: ((حم. عسق))؛
فلذلك قال: ((يُوحِي إِلَيْكَ وإِلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ))(٦).
المهدويّ: وقد جاء في الخبر أن ((حم. عسق)) معناه: أَوْحيتُ إلى الأنبياء
المتقدِّمين.
(١) في (د) و(ظ): حكمه.
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ١١٩/٤ عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) في (د) و(ظ): بحكمه.
(٤) تفسير أبي الليث ١٨٩/٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) تفسير أبي الليث ١٩٠/٣، والمحرر الوجيز ٢٥/٥.

٤٤٣
سورة الشورى: الآيات ١ - ٥
وقرأ ابن مُحَيْصِن وابن كثير ومجاهد: ((يُوحَى)) بفتح الحاء على ما لم يُسَمَّ
فاعلُهُ(١)؛ ورُوي عن ابن عمر. فيكون الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام
الفاعل، ويجوز أن يكون اسم ما لم يُسَمَّ فاعلُه مضمراً؛ أي: يُوحَى إليك القرآن
الذي تضمَّنته هذه السورة، ويكون اسمُ الله مرفوعاً بإضمار فعل، التقدير: يُوحيه اللهُ
إليك(٢)؛ كقراءة ابن عامر وأبي بكر: ﴿يُسَبَّحُ له فيها بالغُدُوِّ والآصَالِ رِجالٌ﴾(٣)
[النور: ٣٦] أي: يُسبِّحه رجال. وأنشد سيبويه:
لِيُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومة (٤)
وأشعتُ ممن طوَّحته الطوائح
فقال: لِيُبْكَ يزيدُ، ثم بيَّن من ينبغي أن يَبْكِيَه، فالمعنى: يَبكيه ضارعٌ (٥).
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف؛ كأنه قال: اللهُ يُوحيه. أو على تقدير
إضمار مبتدأ، أي: المُوحي الله. أو يكون مبتدأ والخبر ((العزيزُ الحكيمُ)). وقرأ
الباقون: ((يُوحِي إِلَيْكَ)) بكسر الحاء، ورفع الاسم على أنه الفاعل(٦).
﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ تقدّم في غير موضع(٧).
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنٌّ وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِىِ الْأَرْضُِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ﴾ قراءة العامة بالتاء. وقرأ نافع وابن وَّاب والكسائيّ
(١) قراءة ابن كثير في السبعة ص ٥٨٠، والتيسير ص ١٩٤. وقراءة مجاهد في المحرر الوجيز ٢٦/٥.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧١ بنحوه.
(٣) السبعة ص ٤٥٦، والتيسير ص ١٦٢، وسلفت ٢٨٦/١٥.
(٤) في (د) و(م): بخصومه، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لكتاب سيبويه ٢٨٨/١، وقد نسبه للحارث
ابن نهيك. قال البغدادي في الخزانة ٣١٣/١: الصواب أنه لنهشل بن حرِّيّ.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٩٣/٦ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٧١/٤ بنحوه. وينظر السبعة ص ٥٨٠، والتيسير ص١٩٤.
(٧) ٢/ ٣١١ و٢٧١/٤.

٤٤٤
سورة الشورى: الآية ٥
بالياء. ﴿يَفَطَّرْنَ﴾ قرأ نافع وغيره بالياء والتاء والتشديد في الطاء، وهي قراءة العامة.
وقرأ أبو عمرو وأبو بكر والمفضّل وأبو عُبيد: ((يَنْفَطِرْنَ)) من الانفطار(١)؛ كقوله
تعالى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَّرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وقد مضى في سورة ((مريم)) بيانُ هذا(٢).
وقال ابن عباس: ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَّرْنَ)) أي: تكاد كلُّ واحدة منها تنفطر فوقَ
التي تليها؛ من قول المشركين: ﴿أَغَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأْ﴾(٣) [البقرة: ١١٦]. وقال الضحاك
والسدي: (يَتَفَظَّرْنَ)) أي: يتشقَّقْنَ من عَظَمةِ الله وجلاله فوقَهنَّ(٤). وقيل: ((فوقهنَّ)):
فوق الأَرَضين من خشية الله لو كُنَّ مما يعقل.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يُنزِّهونه عما لا يجوز في
وَصْفه، وما لا يليق بجلاله. وقيل: يتعجَّبون من جُرأة المشركين؛ فيذكر التسبيح في
موضع التعجّب.
وعن عليّ ﴾: أن تسبيحَهم تعجّب مما يرون من تعرُّضهم لِسخط الله. وقال ابن
عباس: تسبيحهم خضوع لما يرون من عظمة الله تعالى. ومعنى ((بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)): بأمر
ربهم؛ قاله السُّدِّي. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ الْأَرْضِّ﴾ قال الضحاك: لمن في الأرض من
المؤمنين؛ وقاله السدي. بيانه في سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الآية: ٧].
وعلى هذا تكون الملائكةُ هنا حَمَلَةَ العرش. وقيل: جميع ملائكة السماء؛ وهو
الظاهر من قول الكلبيّ(٥).
وقال وهب بن مُنَّبِّه: هو منسوخ بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٦). وقال
المهدويّ: والصحيح أنه ليس بمنسوخ؛ لأنه خبر، وهو خاصٌّ للمؤمنين.
(١) السبعة ص ٤١٣ و٥٨٠، والتسير ص ١٥٠ و١٩٤.
(٢) ٥٢١/١٣ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٢٠ دون نسبة.
(٤) النكت والعيون ١٩٢/٥.
(٥) النكت والعيون ١٩٢/٥ - ١٩٣.
(٦) تفسير أبي الليث ١٩١/٣.

٤٤٥
سورة الشورى: الآية ٥
وقال أبو الحسن الماوَرْدِيّ(١) عن الكلبيّ: إن الملائكة لما رأت المَلّكين اللَّذَين
اخْتُبروا وبُعِثا إلى الأرض لِيحكما بينهم، فافتتنا بالزُّهَرَة وهربا إلى إدريس - وهو جَدّ
أبي نوح عليهما السلام - وسألاه أن يدعُوَ لهما؛ سبَّحت الملائكةُ بحمد ربهم
واستغفرت لبني آدم(٢).
قال أبو الحسن بن الحصَّار: وقد ظنَّ بعضُ مَن جهل أن هذه الآية نزلت بسبب
هاروت وماروت، وأنها منسوخةٌ بالآية التي في المؤمن، وما علموا أن حَمَلَةَ العرش
مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة، ولله ملائكة أُخر يستغفرون لمن في
الأرض.
الماورديّ(٣): وفي استغفارهم لهم قولان: أحدهما: من الذنوب والخطايا؛
وهو ظاهرُ قول مقاتل. الثاني: أنه طلب الرزق لهم والسَّعة عليهم؛ قاله الكلبيّ.
قلت: وهو أظهرُ، لأن الأرضَ تعمُّ الكافرَ وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه
الكافر. وقد رُوي في هذا الباب خبرٌ رواه عاصمٌ الأحولُ عن أبي عثمان عن سَلْمان
قال: إنَّ العبدَ إذا كان يذكر اللهَ في السَّرَّاء فنزلت به الضَّرَّاء قالت الملائكة: صوتٌ
معروفٌ من آدميٍّ ضعيف، كان يذكر الله تعالى في السَّرَّاء فنزلت به الضَّرَّاء؛
فيستغفرون له. فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضرَّاء قالت الملائكة: صوتٌ
منكرٌ من آدميٍّ لا يذكر الله في السَّراء، فنزلت به الضَّرَّاء، فلا يستغفرون اللهَ له(٤).
وهذا يدلُّ على أن الآية في الذاكر لله تعالى في السرَّاء والضرّاء، فهي خاصَّة
ببعض مَن في الأرض من المؤمنين. والله أعلم.
ويَحتمِل أن يقصِدوا بالاستغفار طلبَ الحِلْم والغُفران في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
(١) في النكت والعيون ١٩٣/٥ .
(٢) هذه قصة باطلة، وسلفت ٢٨٤/٢، وينظر الكلام عليها ثمة.
(٣) النكت والعيون ١٩٣/٥.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١١٤٠).

٤٤٦
سورة الشورى: الآيات ٥ - ٧
يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولًا﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]،
وقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. والمراد الحِلْم عنهم
وألا يُعاجلهم بالانتقام؛ فيكون عامًّا؛ قاله الزمخشريّ(١).
وقال مُطَرِّف: وجدنا أنصحَ عبادِ الله لعباد الله الملائكةَ، ووجدنا أغشَّ عباد الله
لعباد الله الشياطين. وقد تقدَّم(٢).
﴿أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال بعضُ العلماء: هَيَّب وعَظّم جلَّ وعزَّ في
الابتداء، وألطفَ وبشَرَ في الانتهاء.
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيََّ اَللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم
بِوَكِيلٍ ®
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ﴾ يعني أصناماً يعبدونها. ﴿اللَّهُ
حَفِيظُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يحفظ أعمالَهم لِيُجازيَهم بها. ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ وهذه
منسوخةٌ بآية السيف(٣). وفي الخبر: ((أَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تَبِظَ))(٤) أي: صوَّتَتْ
من ثِقَل سُكّانها لِكَثْرَتهم، فهم مع كَثْرتهم لا يفتُرُون عن عبادة الله؛ وهؤلاء الكفار
يُشركون به.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَنُنْذِرَ
يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَبَبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: وكما أوحينا إليك وإلى مَن
قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآناً عربيًّا بيَّناه بلغة العرب. وقيل: أي: أنزلنا
(١) الكشاف ٣/ ٤٦٠ .
(٢) ٣٣٢/١٨.
(٣) زاد المسير ٢٧٣/٧، وقال: لا يصح.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٥١٦)، وسلف ٤٢٨/٥ .

٤٤٧
سورة الشورى: الآيات ٧ - ٩
عليك قرآناً عربيًّا بلسان قومك؛ كما أرسلنا كلَّ رسول بلسان قومه. والمعنى واحد.
﴿لَيْنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني مكة. وقيل لمكة: أُمُّ القُرَى؛ لأن الأرضَ دُحيت من
تحتها (١). ﴿وَمَنْ حَوْلَمَا﴾ من سائر الخلق. ﴿وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: بيوم الجمع، وهو
يومُ القيامة . ﴿لَا رَيْبُ فِهِ﴾ لا شكَّ فيه.
﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌّ فِ السَّعِيرِ﴾ ابتداء وخبر. وأجاز الكسائي النصب(٢) على
تقدير: لِتنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَیِهِ،
وَالَّلِمُونَ مَا لَهُ مِّنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ قال الضحاك: أهلَ دین واحد؛
أهل ضلالة أو أهل هُدّى. ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ﴾ قال أنس بن مالك: في
الإسلام(٤). ﴿ وَالَّلِمُونَ﴾ رفع على الابتداء، والخبر ﴿مَا لَهُ مِّنْ وَإٍِ﴾، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾
عطف على اللفظ. ويجوز: ولا نَصِيرٌ، بالرفع على الموضع(٥) و((مِنْ)) زائدة.
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَ، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
قوله تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ﴾ أي: بل انَّخذوا. ﴿مِن دُونِ، أَوِْيً﴾ يعني أصناماً.
﴿فَلَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ﴾ أي: وَلِيُّك يا محمد ووليُّ من اتَّبعك(٦)، ولا وَلِيَّ سواه. ﴿وَهُوَ يُحِّى
(١) سلف هذا الكلام ١/ ١٧٣ .
(٢) قرأ بها زيد بن علي كما في البحر المحيط ٧/ ٥٠٩ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧٢.
(٤) النكت والعيون ١٩٤/٥ .
(٥) يعني في اللغة لا في التلاوة.
(٦) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٢١ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

٤٤٨
سورة الشورى: الآيات ٩ - ١١
اَلْمَوْنَى﴾ يُريد عند البعث. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَخَْلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبٍِّ عَلَيْهِ
﴾
١٠
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَخْتَلَفْتُ فِيهِ مِن شَىْءٍ﴾ حكايةُ قول رسول الله ﴾ للمؤمنين؛ أي:
وما خالفكم فيه الكفارُ من أهل الكتاب والمشركين من أمر الدين، فقولوا لهم:
حُكمه إلى الله لا إليكم (١). وقد حكم أن الدِّين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع
إنما تُتَلَقَّی من بیان الله.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّ﴾ أي: الموصوف بهذه الصِّفات هو ربي وحده؛ وفيه إضمار:
أي: قل لهم يا محمد: ذلكم اللهُ يُحيي الموتى ويحكم بين المختلفين هو ربّي.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلٌْ﴾ اعتمدتُ. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أَرْجِعُ.
قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ
اُلْأَنْعَمِ أَزْوَجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ بالرفع على النعت لاسم الله، أو على
تقدير هو فاطر. ويجوز النصب على النداء، والجرّ على البدل من الهاء في ((عليه))(٢).
والفاطر: المُبدع والخالق. وقد تقدَّم.
﴿جَعَلَ لَّكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ قيل: معناه: إناثًا. وإنما قال: ((مِنْ أَنْفُسِكُمْ)) لأنه
خَلَقَ حوَّاء من ضِلَع آدم(٣). وقال مجاهد: نَسْلًا بعد نَسْل (٤). ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾
يعني الثمانية التي ذكرها في ((الأنعام))(٥) ذكور الإبل والبقر والضأن والمَعْز وإناثها.
(١) الكشاف ٣/ ٤٦١- ٤٦٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧٣.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٢١.
(٤) تفسير مجاهد ٥٧٣/٢، وأخرجه الطبري ٢٠/ ٤٧٥ لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾ التالي.
(٥) ١٧٦/٩ .

٤٤٩
سورة الشورى: الآية ١١
﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾ أي: يخلقكم ويُنشئكم ((فِيهِ)) أي: في الرحم. وقيل: في البطن.
وقال الفرّاء(١) وابن كيسان: ((فيه)) بمعنى به. وكذلك قال الزجاج(٢): معنى ((يَذْرَؤُكُمْ
فِيهِ)) يُكثركم به؛ أي: يُكثركم بجعلكم (٣) أزواجًا، أي: حلائلَ؛ لأنهن سبب النسل.
وقيل: إن الهاء في ((فِيهِ)) للجعل، ودلّ عليه ((جَعَلَ))؛ فكأنه قال: يخلقكم ويكثركم في
الجعل. ابن قُتيبة (٤): ((يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)) أي: في الزوج؛ أي: يخلقكم في بطون الإناث.
وقال: ويكون ((فِيهِ)) في الرحم، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدَّم لها ذِكْر.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قيل: إن الكاف زائدةٌ للتوكيد؛ أي:
ليس مثله شيء(٥). قال:
وصالياتٍ كَكُمَا يُؤْثَفَيْن(٦)
فأدخل على الكاف کافاً تأكيداً للتشبيه. وقيل: المثل زائدة للتوكيد؛ وهو قول
ثعلب (٧): ليس كهو شيء؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدٍ
اهْتَدَوْا﴾ (٨) [البقرة: ١٣٧]. وفي حرف ابن مسعود ((فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ به فقد اهْتَدَوْا))(٩)
قال أَوْسُ بن حجر :
. (١٠)
وقَتْلَى كمثل جذوع النخيـل يَغْشاهم مَطَرٌ مُنهمِرْ.
(١) في معاني القرآن ٢٢/٣ .
(٢) في معاني القرآن ٣٩٥/٤ .
(٣) في (م): يجعلكم. وعبارة الزجاج: أي: يُكثركم بجعله منكم ومن الأنعام أزواجاً.
(٤) غريب القرآن ص ٣٩١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧٤ .
(٦) نسبه سيبويه في كتابه ٣٢/١، والبغدادي في خزانته ٢/ ٣١٣ لخطام المجاشعي. والصَّاليات: الأثافيّ،
وهي الأحجار التي يُنصب عليها القدر. قاله البغدادي.
(٧) النكت والعيون ١٩٥/٥ .
(٨) قال السمين الحلبي في الدر المصون ٥٤٥/٩: وهذا ليس بجيد؛ لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة،
وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء، ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر.
(٩) المحتسب ١١٣/١ .
(١٠) ديوان أوس بن حجر ص ٣٠، وفيه: تغشَّاهم، بدل: يغشاهم. ومُسبل، بدل: مطر، وكلاهما بمعنى
واحد.

٤٥٠
سورة الشورى: الآيتان ١١ - ١٢
أي: كجذوع. والذي يُعتقد في هذا الباب أن الله جلّ اسمه في عَظَمته وكبريائه
ومَلَكوته وحُسنى أسمائه وعَلِيّ صفاته لا يُشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يُشبَّه به، وإنما
جاء مما أطلقه الشرعُ على الخالق والمخلوق، فلا تشابُهَ بينهما في المعنى الحقيقي؛
إذ صفاتُ القديم جلّ وعزّ بخلاف صفاتِ المخلوق؛ إذ صفاتهم لا تنفكُ عن
الأغراض والأعراض، وهو تعالى منزَّهُ عن ذلك؛ بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما
بيَّناه في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحُسنى))، وكفى في هذا قولُه الحقّ:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾.
وقد قال بعضُ العلماء المحقّقين: التوحيد إثباتُ ذاتٍ غيرِ مُشبهة للذوات ولا
معطّلة من الصِّفات. وزاد الواسطيّ رحمه الله تعالى بياناً فقال: ليس كذاته ذات، ولا
كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللَّفظ؛ وجلَّت
الذات القديمة أن يكون لها صفةٌ حديثة؛ كما استحال أن يكون للذات المُحدثة صفةٌ
قديمة. وهذا كلُّه مذهبُ أهل الحقّ والسنة والجماعة ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ اَلْرِزْقَ لِمَن كَيْشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ تقدَّم في ((الزُّمَر)) بيانه (١). النحاس(٢):
والذي يملك المفاتیح یملك الخزائن؛ یقال للمفتاح: إقلید، وجمعه علی غیر قياس؛
کمحاسن والواحد حُسن.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقدَّم أيضًا في غير موضع(٣).
(١) ٣٠٤/١٨.
(٢) معاني القرآن ٢٩٨/٦ .
(٣) ٦٤/١٢ و٣٨٦/١٦.

٤٥١
سورة الشورى: الآيتان ١٣ - ١٤
قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا
وَضَّيْنَا بِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُذِبُ (٣) وَمَا
نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيِّكَ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شٍَّ مِّنْهُ
مُرِيبٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ أي: الذي له مقاليدُ السماوات
والأرض شرعَ لكم من الدين ما شرعَ لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ثم بيَّن
ذلك بقوله تعالى : ﴿أَنْ أَقِيُواْ اَلِينَ﴾ وهو توحيدُ الله وطاعته، والإيمان برسله وكُتبه
وبيوم الجزاء، وبسائرٍ ما يكون الرجل بإقامته مسلماً. ولم يُرِد الشرائعَ التي هي
مصالح الأُمم على حَسَب(١) أحوالها، فإنها مختلفةٌ متفاوتةٌ؛ قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ
جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨] وقد تقدم القولُ فيه.
ومعنى ((شَرَعَ)) أي: نهج وأَوضح وبيَّن المسالك. وقد شَرَعَ لهم يَشْرَعِ شَرْعًا،
أي: سنَّ. والشارع: الطريق الأعظم. وقد شَرَع المنزِلُ إذا كان على طريق نافذ.
وَشَرَعْتُ الإِبلَ إذا أمكنتها من الشريعة. وشرعتُ الأديمَ إذا سلختَه. وقال يعقوب(٢):
إذا شَقَّقْتَ ما بين الرِّجلين، قال: وسمعته من أم الحُمَارِس البَكْرِيّة. وشرعتُ في هذا
الأمر شُروعاً، أي: خضت.
﴿أَنَّ أَقِيمُواْ الدِّينَ﴾ ((أَنْ)) في محل رفع، على تقدير: والذي وصَّى به نوحًا أن أقيموا
الدِّين، ويُوقف على هذا الوجه على ((عيسى)). وقيل: هو نصب، أي: شرعَ لكم إقامةً
الدين. وقيل: هو جرّ بدلاً من الهاء في ((به))؛ كأنه قال: به أقيموا الدين. ولا يوقف
(١) في (م): حسن.
(٢) في إصلاح المنطق ص ٤٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (شرع)، وما قبله منه.

٤٥٢
سورة الشورى: الآيتان ١٣ - ١٤
على ((عيسى)) على هذين الوجهين. ويجوز أن تكون ((أن)) مفسَّرة؛ مثل: أن امشوا،
فلا يكون لها محلٌ من الإعراب(١).
الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربيّ(٢): ثبت في الحديث الصحيح أن
النبيَّ # قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور: ((ولكن ائتوا نوحًا فإنه أوّلُ رسول
بعثه اللهُ إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا فيقولون له: أنت أوّلُ رسول بعثه اللهُ إلى
أهل الأرض)) (٣) وهذا صحيحٌ لا إشكالَ فيه، كما أن آدمَ أوّلُ نبيِّ(٤) بغير إشكال؛ إلا
أن (٥) آدم لم يكن معه إلا بَنوه(٦)، ولم تُفرَض له الفرائض ولا شُرعت له المحارم،
وإنما كان تنبيهاً على بعض الأمور واقتصاراً على ضرورات المعاش، وأخذّا بوظائف
الحياة والبقاء؛ واستقرَّ المَدَى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأُمَّهات والبنات
والأخوات، ووظّف عليه الواجبات وأوضحَ له الآدابَ في الديانات، ولم يزل ذلك
يتأكَّد بالرُّسل ويتناصر بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم واحداً بعد واحد وشريعةً
إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير المِلل مِلَّتِنا، على لسان أكرم الرُّسل نبينا محمد ﴿؛
فكان المعنى: أوصيناك يا محمد ونوحًا ديناً واحداً؛ يعني في الأصول التي لا
تختلف فيه الشريعة، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرّب إلى
الله بصالح الأعمال، والزَّلَف إليه بما يردُّ القلب والجارحة إليه، والصدق والوفاء
بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذيَّة(٧) للخلق
(١) المحرر الوجيز ٢٩/٥ بنحوه، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٧٤/٤.
(٢) في أحكام القرآن ١٦٥٤/٤ - ١٦٥٥.
(٣) أخرجه أحمد (٩٦٢٣)، والبخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) مطولاً من حديث أبي هريرة ﴾، وفي
الباب عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم تنظر في مسند أحمد. وقد سلف قطعة من الحديث
٤٠٦/٣ .
(٤) في (د) و(ز) و(ي): أول رسول نبي، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لأحكام القرآن لابن العربي.
(٥) في (م) وأحكام القرآن: لأن، والمثبت من النسخ الخطية.
(٦) في (م): نبوّة.
(٧) في النسخ الخطية: الاذاية، والمثبت من (م).

٤٥٣
سورة الشورى: الآيتان ١٣ - ١٤
كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفا دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم
المروءات؛ فهذا كلُّه مشروعٌ دِينًا واحدًا ومِلَّةً متَّحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء
وإن اختلفت أعدادُهم؛ وذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ أي:
اجعلوه قائمًا؛ يريد دائماً مستمراً محفوظًا مستقرًّا من غير خلاف فيه ولا اضطراب؛
فمن الخَلْقِ مَن وفّى بذلك ومنهم من نكث؛ ﴿فَمَن ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُكُ عَلَى نَفْسِهِ﴾
[الفتح: ١٠]. واختلفت الشرائعُ وراءَ هذا في معانٍ حَسبَما أراده اللهُ مما اقتضت
المصلحةُ وأوجبت الحِكمةَ وَضْعَه في الأزمنة على الأُمم. والله أعلم.
قال مجاهد: لم يبعث اللهُ نبيًّا قطُ إلا وصَّاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار
لله بالطاعة، فذلك دِينُه الذي شَرع لهم(١)؛ وقاله الوالِبيّ عن ابن عباس، وهو قول
الكلبيّ.
وقال قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات
والأخوات والبنات(٢). وما ذكره القاضي يجمع هذه الأقوالَ ويزيد عليها. وخصَّ
نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى بالذِّكر لأنهم أربابُ الشرائع.
قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: عَظُم عليهم ﴿مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من
التوحيد ورفض الأوثان. قال قتادة: كَبُرَ على المشركين فاشتدَّ عليهم شهادة أن لا إله
إلا الله، وضاق بها إبليسُ وجنوده، فأبى الله عزّ وجلّ إلا أن ينصرها ويُعليها
ويُظهرها على من ناوأها(٣). ثم قال: ﴿اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يختار.
والاجتباء الاختيار؛ أي: يختار للتوحيد من يشاء . ﴿ويهدِى إِلَيهِ مَن ینیثُ﴾ أي:
یستخلص لدینه مَن رَجَع إلیه.
﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ﴾ قال ابن عباس: يعني قريشًا ﴿إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْمِلْمُ﴾
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٢٢.
(٢) النكت والعيون ١٩٦/٥ - ١٩٧.
(٣) المحرر الوجيز ٢٩/٥ بنحوه.

٤٥٤
سورة الشورى: الآية ١٤
محمدٌ﴾(١)؛ وكانوا يتمنَّون أن يُبعَثَ إليهم نبيّ؛ دليله قوله تعالى في سورة فاطر:
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ لَيِنِ جَآَمَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [الآية: ٤٢] يريد نبيًّا. وقال في سورة
البقرة: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بٍِّ.﴾ [الآية: ٨٩] على ما تقدَّم بيانُه هناك.
وقيل: أُمَم الأنبياء المُتقدِّمين؛ فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المَدى،
فآمن قومٌ وكفر قومٌ. وقال ابن عباس أيضًا: يعني أهل الكتاب؛ دليلُه في سورة
المُنفَكِّينَ: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ فَهُمُ الَّنَةُ﴾(٢) [الآية: ٤].
فالمشركون قالوا: لِمَ خُصّ بالنبوّة؟! واليهود حسدوه لمَّا بُعث؛ وكذا النصارى.
﴿بَغْيَأْ بَيْنَهُمٌ﴾ أي: بغيًا من بعضهم على بعض طلبًا للرِّياسة، فليس تفرُّقُهم
لقصور في البيان والحُجَج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيِّكَ﴾ في تأخير العقاب عن هؤلاء. ﴿إِلَى أَجَلٍ
◌ُسَنَّى﴾ قيل: القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. وقيل: إلى
الأجل الذي قضى فيه بعذابهم . ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين مَن آمن وبين مَن كَفَرَ بنزول
العذاب.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِقُواْ الْكِنَبَ﴾ يريد اليهود والنصارى. ﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي: من بعد
المختلفين في الحق ﴿لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ من الذي أوصى به الأنبياء. والكتابُ هنا
التوراة والإنجيل. وقيل: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِنَبَ﴾ قريش.
((مِنْ بَعْدِهِمْ)) من بعد اليهود النصارى. ((لَفِي شَكٍّ)) من القرآن أو من محمد. وقال
مجاهد: معنى ((مِنْ بَعْدِهِمْ)) من قَبْلهم؛ يعني: من قَبْلِ مُشركي مكة، وهم اليهود
والنصارى(٣).
(١) تفسير أبي الليث ١٩٣/٣ دون ذكر ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ١٢٢.
(٣) المصدر السابق، ونسب قول مجاهد لقتادة.

٤٥٥
سورة الشورى: الآية ١٥
قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتِّ وَلَا نَِّعْ أَهْوَ هُمْ وَقُّلْ ءَامَنتُ
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمّ لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ اَللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّأْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ﴾ لما جاز أن يكون الشُّ لليهود والنصارى،
أو لقريش قيل له: ﴿فَلِّذَلِكَ فَادْعٌ﴾ أي: فتبينت شكّهم فادعُ إلى الله؛ أي: إلى ذلك
الدين الذي شرعه اللهُ للأنبياء ووصَّاهم به. فاللام بمعنى إلى؛ كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ
رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها. و((ذلك)) بمعنى هذا. وقد تقدَّم أولَ ((البقرة))(١).
والمعنى: فإلى هذا(٢) القرآن فادعُ. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: كبر
على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع(٣). وقيل: إن اللام على بابها؛ والمعنى:
فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم(٤). قال ابن عباس: أي: إلى القرآن
فادعُ الخَلْقَ.
﴿وَأَسْتَقِمْ﴾ خطابٌ له عليه الصلاة والسلام. قال قتادة: أي: استَقِمْ على أمر
الله. وقال سفيان: أي: استَقِمْ على القرآن. وقال الضحاك: استَقِمْ على تبليغ
الرسالة(٥)
.
﴿وَلَا تَتَّبِعَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: لا تنظر إلى خلاف مَن خالفك. ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنَزَلَ
اللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: أنْ أَعدِلَ؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ
أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِين﴾ [غافر: ٦٦]. وقيل: هي لام کي، أي: أُعدِلَ(٦)؛ قال ابن عباس
وأبو العالية: لأُسوِّيَ بينكم في الدِّين، فأُؤمن بكلِّ كتاب وبكلِّ رسول. وقال غيرُهما :
(١) ١/ ٢٤٢ .
(٢) في النسخ: فلهذا، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧٥ - ٧٦ والكلام فيه بنحوه.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٠٢/٦ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٦ .
(٥) النكت والعيون ١٩٩/٥ .
(٦) زاد المسير ٢٧٩/٧ .

٤٥٦
سورة الشورى: الآيتان ١٥ - ١٦
لِأَعدِلَ في جميع الأحوال. وقيل: هذا العدل هو العدل في الأحكام. وقيل: في
التبليغ(١).
﴿اللّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال ابن عباس
ومجاهد: الخِطاب لليهود؛ أي: لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نُسخت بقوله:
﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٩] قال مجاهد:
ومعنى ﴿لَا حُجََّ بَيْنَنَا وَيَنْنَكُمْ﴾ لا خصومةً بيننا وبينكم. وقيل: ليس بمنسوخ، لأن
البراهينَ قد ظهرت، والحُجَجَ قد قامت، فلم يبقَ إلا العِناد، وبعد العناد لا حُجَّةً ولا
جدال.
قال النحاس(٢): ويجوز أن يكون معنى ﴿لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ على ذلك القول:
لم يؤمر أن يحتجَّ عليكم ويُقاتلكم(٣)؛ ثم نسخ هذا. كما أن قائلاً لو قال من قبل أن
تُحوَّلَ القبلة: لا تُصَلِّ إلى الكعبة، ثم حوّل الناس بعد؛ لجاز أن يقال: نسخ ذلك.
﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنًا﴾ يريد يومَ القيامة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: فهو يحكم بيننا إذا
صِرْنا إليه، ويُجازي كُلًّا بما كان عليه.
وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نَزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا
رسولَ الله أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن يُعطيَه الوليدُ نصفَ
ماله ويُزْوِّجَه شيبةٌ بابنته (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ مُجَُّهُمْ دَاحِضَةٌ
عِندَ رَبِهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اَللَّهِ﴾ رَجَع إلى المشركين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ
(١) النكت والعيون ١٩٩/٥.
(٢) في الناسخ والمنسوخ ٦١٤/٢، وما قبله منه.
(٣) عبارة (ظ): لن نؤمن أن نحتجَّ عليكم ونقاتلكم.
(٤) النكت والعيون ١٩٩/٥.

٤٥٧
سورة الشورى: الآيتان ١٦ - ١٧
لَهُ﴾ قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. قال: وهؤلاء قد توهّموا أن الجاهلية
تعود (١). وقال قتادة: الذين يُحاجُون في الله اليهودُ والنصارى، ومُحَاجَّتهم قولُهم:
نبيِّنا قبل نبيِّكم، وكتابُنا قبل كتابكم؛ وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلةَ بأنهم أهلُ كتاب
وأنهم أولادُ الأنبياء(٢). وكان المشركون يقولون: ﴿أَىُّ الْفَرِقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّ﴾
[مريم: ٧٣] فقال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُر ◌ُّنُهُمْ
دَاحِضَةُ عِندَ رَبِهِمْ﴾ أي: لا تَباتَ لها، كالشيء الذي يَزِلُّ عن موضعه.
والهاء في (لَهُ)) يجوز أن يكون لله عز وجل؛ أي: من بعد ما وحَّدوا الله وشَهدُوا
له بالوحدانية. ويجوز أن يكون للنبيٍّ #؛ أي: من بعد ما استُجيب لمحمد (٣) = # في
دعوته على(٤) أهل بدر ونَضْر الله المؤمنين.
يقال: دَحَضت حُجَّته دُحوضًا بطلت. وأَدحضها اللـهُ. والإدحاض: الإزلاق.
ومكان دَخْضٌ وَدَحَضٌ أيضًا - بالتحريك - أي: زَلِق. ودَحَضت رجلُه تَدْحَض ◌َحْضًا
زَلِقت. ودَحَضت الشمس عن كبد السماء زالت(٥).
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ يريد في الدنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ يريد في الآخرة عذاب
دائم.
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ
قَرِيبٌ
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ﴾ يعني القرآنَ وسائرَ الكتب المُنزلة.
(١) زاد المسير ٢٧٩/٧.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٢٠٠، وتفسير البغوي ١٢٣/٤.
(٣) في (م): محمد.
(٤) في النسخ: من، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٤ - ٧٧ ، والكلام فيه بنحوه.
(٥) الصحاح (دحض).

٤٥٨
سورة الشورى: الآية ١٧
﴿بَلْحَقِّ﴾ أي: بالصدق. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أي: العَدْل؛ قاله ابن عباس وأكثر المفسرين.
والعدل يُسمَّى ميزانًا؛ لأن الميزانَ آلةُ الإنصاف والعدل(١). وقيل: الميزان ما بُيِّن في
الكُتب مما يجب على الإنسان أن يعملَ به.
وقال قتادة: الميزان العَدْل فيما أمر به ونهى عنه. وهذه الأقوالُ متقاربةُ المعنى.
وقيل: هو الجزاءُ على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إنه الميزانُ
نفسُه الذي يُوزَن به؛ أنزله من السماء وعلَّم العبادَ الوزنَ به؛ لئلا يكون بينهم تَظالمٌ
وتباخُس (٢)؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
قال مجاهد: هو الذي يُوزَن به. ومعنى إنزال(٣) الميزان هو إلهامُه للخلق أن
يعملوه ويعملوا [به](٤). وقيل: الميزان محمد#، يقضي بينكم بكتاب الله(٥).
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَى السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فلم يُخبره بها. يحضُّه على العمل بالكتاب والعَدْل
والسَّويَّة، والعمل بالشرائع قبل أن يُفاجئ اليوم الذي يكون فيه المُحاسبة ووزن
الأعمال، فَيُوفَّى لمن أوفى ويُطفَّف لمن طقَّف.
فـ (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)) أي: منك وأنت لا تدري. وقال: ((قَرِيبٌ)) ولم يقل:
قريبة؛ لأن تأنيثَها غيرُ حقيقي؛ لأنها كالوقت؛ قاله الزجاج(٦). والمعنى: لعلَّ
البعثَ، أو لعلَّ مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي: ((قَرِيبٌ)) نعت يُنعت به المُذكَّر
والمُؤنَّث والجمع بمعنَى ولفظٍ واحد؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
(١) تفسير البغوي ١٢٣/٤، وزاد المسير ٢٨٠/٧.
(٢) النكت والعيون ٢٠٠/٥ .
(٣) في (د) و(م): أنزل، والمثبت من (ظ).
(٤) زاد المسير ٧/ ٢٨٠، وما بين حاصرتين منه.
(٥) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٤٦/٢٥ عن علقمة.
(٦) في معاني القرآن ٣٩٧/٤، وينظر الكلام في إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧٧ .

٤٥٩
سورة الشورى: الآيات ١٧ - ١٩
اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] قال الشاعر:
وكنا قريباً والديار بعيدةٌ فلما وصلنا نُصْب أعينهم غِبنا (١)
قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِى ضَلَلٍ بَعِيدٍ
قوله تعالى: ﴿يَسْتَعِْلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ يعني على طريق الاستهزاء،
ظنًّا منهم أنها غيرُ آتية، أو إيهاماً للضَّعَفة أنها لا تكون. ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾
أي: خائفون وَجِلون لاستقصارهم أنفسَهم مع الجهد في الطاعة؛ كما قال: ﴿وَِّينَ
يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَّةُ أَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَىُّ﴾ أي: التي لا شكَّ فيها. ﴿أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ﴾
أي: يشكُون ويُخاصمون في قيام الساعة . ﴿لَفِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ أي: عن الحق وطريق
الاعتبار؛ إذ لو تذكَّروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن بلغوا ما
بلغوا قادرٌ على أن يبعثهم.
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَاءٍ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ
قوله تعالى: ﴿آللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: حَفِيٍّ بهم. وقال عكرمة: بارٌ
بهم. وقال السُّديّ: رفيقٌ بهم. وقال مقاتل: لطيفٌ بالبَرِّ والفاجر؛ حيث لم يقتلهم
جوعاً بمعاصيهم (٢). وقال القُرَِيّ: لطيفٌ بهم في العرض والمُحاسبة. قال:
يُسائلهم فيه الجليل ويَلْطُفُ(٣)
غدًا عند مَوْلَى الخَلْق للخلق موقفٌ
وقال جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين: يَلطُفُ بهم في الرزق من وجهين:
أحدهما: أنه جعل رزقَك من الطَّيِّبات. والثاني: أنه لم يَدْفَعْه إليك مرةً واحدة
(١) ذكره القزويني في تاريخ قزوين ٢٦٧/٣ ونسبه لأبي طاهر عبد العزيز الاسترابادي.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ١٢٣.
(٣) لم نقف عليه.

٤٦٠
سورة الشورى: الآية ١٩
فتبذِّرَه(١).
وقال الحسين بن الفضل: لطيفٌ بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره.
وقال الجنيد: لطيف بأوليائه حتى عَرَفوه، ولو لَطَفَ بأعدائه لمَا جَحَدوه(٢). وقال
محمد بن عليّ الكتّانيّ(٣): اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق وتوگَّل
عليه، ورَجَع إليه، فحينئذ يقبلُه ويُقبِلُ عليه. وجاء في حديث النبيّ ﴾: ((إنَّ الله تعالى
يطَّلعُ على القبور الدوارس فيقول جلّ وعز: إِمَّحتْ آثارُهم، واضمحلَّتْ صُوَرُهم،
وبقي عليهم العذابُ، وأنا اللطيفُ وأنا أرحم الراحمين، خفِّفوا عنهم العذابَ،
فَيُخفَّف عنهم العذاب))(٤). قال أبو عليّ الثقفِيّ ـ
أخو فِظْنة والثوبُ فيه نحيفُ
أَمرُّ بأفناءِ القبور كأنني
وربِّي بمن يلجأ إليه لطيفُ(٥)
ومَنْ شَقَّ فاه اللهُ قدَّر رِزْقَه
وقيل: اللطيفُ الذي ينشر من عباده المناقبَ ويستر عليهم المثالب؛ وعلى هذا
قال النبيُّ #: (يا مَنْ أظهرَ الجميلَ وسَتَرَ القبيح))(٦). وقيل: هو الذي يقبل القليلَ
ويبذل الجَزيل. وقيل: هو الذي يجبر الكسير ويُسِّر العسير. وقيل: هو الذي لا يُخاف
إلا عَدْلُه ولا يُرجَى إلا فَضْلُهُ(٧). وقيل: هو الذي يبذُل لعبده النعمة فوق الهمَّة،
ويُكلِّفه الطاعة فوق الطاقة؛ قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخُصُوهَاْ﴾
[إبراهيم: ٣٤]، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَيَاِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٢٣.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢/٥.
(٣) لعله أبو بكر محمد بن علي بن جعفر البغدادي، شيخ الصوفية. توفي سنة (٣٢٢هـ). السير ٥٣٣/١٤.
(٤) لم نقف علیه.
(٥) لم نقف عليهما، وأبو علي الثقفي: هو محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن، النيسابوري،
الشافعي، من ولد الحجاج، المحدث، شيخ خراسان. توفي سنة (٣٢٨هـ). السير ٢٨٠/١٥ .
(٦) قطعة من حديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٤٥/١ .
(٧) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢/٥ .