النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة غافر: الآيات ٣٨ - ٤٤ يُرشد لا على أنه مشتقٌّ منه، ولكن كما يقال: لَأُال من اللؤلؤ. فهو بمعناه، وليس جارياً عليه، ويجوز أن يكون رشَاد من رَشَدَ يَرشُدُ، أي: صاحب رشاد؛ كما قال: كلِينِي لِهَمِّ يا أمَيْمَةَ ناصِبٍ(١) الزمخشري(٢): وقُرئ: ((الرَّشَّادِ)) فَعَّال من رَشِد(٣) - بالكسر - كعَلَّام، أو من رَشَد بالفتح، كعبَّاد. وقيل: من أرشد كجبّار من أجبر، وليس بذاك؛ لأن فعَّالاً من أفعل لم يجئ إلا في عدّة أحرف: نحو درَّاك وسأُرٍ وقصَّار وجَبَّار. ولا يصحُّ القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد، كمَّواج وبتّات (٤) غير منظور فيه إلی فعل. ووقع في المصحف ((اتَّبِعُونٍ)) بغير ياء، وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحَذَفَها أبو عمرو ونافع(٥) في الوقف، وأَثبتوها في الوصل، إلا وَرْشًا حذفها في الحالتين، وكذلك الباقون(٦)؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء، ومَن أثبتها فعلى الأصل. قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَحٌ﴾ أي: يُتَمَتَّع بها قليلاً، ثم تنقطع وتَزول. ﴿وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الاستقرار والخُلود. ومُراده بالدار الآخرة الجنة والنار، لأنهما لا يَفنيان. بيَّن ذلك بقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: الشِّرك ﴿فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ وهو العذاب(٧). ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾ قال ابن عباس: (١) قائله النابغة الذبياني وهو في ديوانه ص٩، وعجزه: وليلٍ أُقاسيهِ بطيء الكواكبِ. (٢) الكشاف ٣/ ٤٢٥ . (٣) في النسخ الخطية: أرشد، والمثبت من (م)، وهو الموافق للكشاف. (٤) العوَّاج: بائع العاج. والبتَّات: بائع البتّ، وهو الطيلسان من خزّ ونحوه. القاموس المحيط (عوج) و(بتت). (٥) يعني في رواية قالون. (٦) السبعة ص٥٧٣، والتيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٦٦/٢. (٧) تفسير الطبري ٣٢٩/٢٠ -٣٣٠ بنحوه. ٣٦٢ سورة غافر: الآيات ٤٠ - ٤٤ يعني لا إله إلا الله (١). ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ مُصَدِّق بقلبه لله وللأنبياء. ﴿فَأُولئِكَ يُذْخَلُونَ الجنَّةَ﴾ بضمِّ الياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وهي قراءةُ ابن كثير وابن مُحَيْصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم(٢)، يدلُّ عليه ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الباقون: ((يَدْخُلُونَ)) بفتح الياء. قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ﴾ أي: إلى طريق الإيمان المُوصل إلى الجنان ﴿وَتَدْعُونَفِىَ إِلَى النَّارِ﴾ بيَّن أن ما قال فرعون من قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِلَ الرَّشَادِ﴾ سبيل الغيّ عاقبته النار، وكانوا دَعَوْه إلى اتّباعه؛ ولهذا قال: ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ﴾ وهو فرعون ﴿وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ﴾. ﴿لَا جَرَمَ﴾ تقدَّم الكلامُ فيه(٣)، ومعناه: حقًّا ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَبِىّ إِلَيْهِ﴾ ((ما)) بمعنى الذي(٤) ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ قال الزجاج(٥): ليس له استجابةُ دعوة تنفع؛ وقال غيره: ليس له دعوةٌ تُوجب له الألوهية ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآَخِرَةِ﴾. وقال الكلبي: ليس له شفاعةٌ في الدنيا ولا في الآخرة(٦). وكان فرعون أولًا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تُعبَدُ ما كانت شابّة، فإذا هَرمت أَمر بِذَبْحها، ثم دعا بأُخرى لِتُعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال: أنا ربُّكم الأعلى. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين. (١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٢٢٤ دون نسبة. (٢) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. السبعة ص٥٧١، والتيسير ص ٩٧، والنشر ٢٥٢/٢ . (٣) ٩٤/١١ . (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٥٦١ . (٥) في معاني القرآن ٣٧٦/٤ . ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٤/٤، وما بعده منه. (٦) النكت والعيون ١٥٨/٥ . ٣٦٣ سورة غافر: الآيات ٤٣ - ٤٦ وقال مجاهد والشعبي: هم السفهاءُ السفَّاكون للدِّماء بغير حقٌّها (١). وقال عكرمة: الجبّارون والمُتكبِّرون. وقيل: هم الذين تعدّوا حُدودَ الله. وهذا جامعٌ لما ذُكر. و ((أنَّ)) في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن ((لَا جَرَمَ)) ردٌّ لكلام يجوز أن يكون موضعُ ((أنَّ) رفعاً على تقدير: وجب أن ما تدعونني إليه، كأنه قال: وجب بُطلانُ ما تدعونني إليه، والمَردُّ إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار(٢). قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمٌ﴾ تهديد ووعيد، و((ما)) يجوز أن تكون بمعنى الذي، أي: الذي أقولُه لكم. ويجوز أن تكون مصدريةً، أي: فستذكرون قولي لكم إذا حلَّ بكم العذاب. ﴿وَأَفَرِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أتوَّل عليه وأُسَلِّم أمري إليه. وقيل: هذا يدلُّ على أنهم أرادوا قَتْلَه. وقال مقاتل: هربَ هذا المؤمنُ إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى (٣). والأظهرُ أنه مؤمن آل فرعون، وهو قول ابن عباس. قوله تعالى: ﴿فَوَقَدُهُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّهُ أَلْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٤٥ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) قوله تعالى: ﴿فَوَقَدْهُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ أي: من إلحاق أنواع العذاب به، فطلبوه فما وجدوه؛ لأنه فَوَّضَ أمرَه إلى الله. قال قتادة: كان قبطيًّا فنجَّاه الله مع بني إسرائيل(٤). فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. وقيل: إنها لموسى على ما تقدَّم من الخِلاف. (١) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ١٥٨/٥ دون ذكر ابن سيرين، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٣٤/٢٠. (٢) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٥٦١/٤، وينظر ما سلف ١١/ ٩٤. (٣) الكلام بنحوه في النكت والعيون ١٥٩/٥ دون ذكر مقاتل. (٤) تفسير البغوي ٩٩/٤ . ٣٦٤ سورة غافر: الآيتان ٤٥ - ٤٦ ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوّءُ الْعَذَابِ﴾ قال الكسائي: يقال: حاق يَحِيقُ حَيْقاً وحُيُوقاً؛ إذا نزل ولزم (١). ثم بيَّن العذاب فقال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ وفيه ستةُ أوجه: يكون رفعاً على البدل من ((سُوءُ)). ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء. وقال الفراء(٢): يكون مرفوعاً بالعائد على معنى: النار عليها يُعرّضون، فهذه أربعةُ أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب؛ لأن بعدها عائداً وقبلَها ما يتَّصل به، وأجاز الأخفشُ(٣) الخفضَ على البدل من («العَذَابِ)). والجمهور على أن هذا العَرْضَ في البرزخ. واحتجَّ بعضُ أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّْ﴾ ما دامت الدنيا(٤). كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدلُّ على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وفي الحديث عن ابن مسعود: إن أرواحَ آل فرعون ومَن كان مِثْلَهم من الكفار تُعرَض على النار بالغَداة والعَشِيّ، فيقال: هذه دارُكم(٥). وعنه أيضاً: إنّ أرواحهم في أجواف طير سُود تغدو على جهنم وتروح كلَّ يوم مرتين، فذلك عَرضُها(٦). وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعتُ ميمون بن مَيْسرة(٧) يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمدُ لله، وعُرِضَ آلُ فرعون على النار. فإذا أُمسى (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤/٤ (٢) في معاني القرآن ٩/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٤/٤-٣٥ وما قبله منه. (٣) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٧ . (٤) تفسير الرازي ٢٧/ ٧٣ بنحوه. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥/٤، وينظر التعليق التالي. (٦) هذا الأثر والذي قبله واحد، أخرجه ابن أبي حاتم فيما ذكره ابن كثير في تفسيره ١٤٨/٧. (٧) غيَّرها محققوا (م) إلى مهران، وهو خطأ. ٣٦٥ سورة غافر: الآية ٤٦ نادى: أمسينا والحمد لله، وعُرِض آل فرعون على النار؛ فلا يسمع أبا هريرة أحدٌ إلا تعوَّذ بالله من النار(١). وفي حديث صخر بن جُوَيْرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إن الكافر إذا مات عُرِضَ على النار بالغَداة والعَشِيّ، ثم تلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وإن المؤمنَ إذا مات عُرِضَ روحه على الجنة بالغَدَاة والعَشِيّ))(٢). وخرَّج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسولَ الله :﴿ قال: ((إنَّ أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقْعده بالغَداة والعشيّ، إنْ كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهلِ النار فمن أهلِ النار فيقال: هذا مَفْعِدُك حتى يبعثكَ الله إليه يومَ القيامة))(٣). قال الفراء(٤): في الغَداة والعشِيّ بمقادير ذلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال: ((غُدُوًّا وَعَشِيًّا)) قال: من أيام الدنيا(٥). وقال حماد بن محمد الفزاريّ: قال رجلٌ للأوزاعي، رأينا طيوراً تخرجُ من البحر تأخذُ ناحية الغرب، بيضاً صِغاراً، فَوْجاً فَوْجاً لا يعلم عددَها إلا الله، فإذا كان العشاء رَجَعتْ مثلَها سوداً. قال: تلك الطيورُ في حواصلها أرواحُ آل فرعون، يُعرضون على النار غُدوًّا وعَشِيًّا، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رِياشُها وصارت سوداً، فينبتُ عليها من الليل رياشها بيضاً وتتناثر السود، ثم تغدو فَتُعرض على النار غُدوًّا وعشيًّا، ثم ترجع إلى وَكْرها، فذلك دَأْبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامة قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وهو الهاوية. قال (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٠٠). (٢) ذكره بهذا الإسناد وهذا اللفظ النحاس في إعراب القرآن ٣٥/٤، وعنه نقله المصنف، ولم نقف عليه بهذا السياق عند غيره، وينظر الحديث التالي. (٣) صحيح البخاري (١٣٧٩)، وصحيح مسلم (٢٨٦٦)، وأخرجه أحمد (٥٩٢٦). (٤) في معاني القرآن ٩/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٥/٤. 1 (٥) معاني القرآن للنحاس ٢٢٩/٦، وهو في تفسير مجاهد ٥٦٦/٢، وأخرجه الطبري ٣٣٩/٢٠ ولفظه: يعني : ما كانت الدنيا. ! ٣٦٦ سورة غافر: الآية ٤٦ الأوزاعي: فبلغنا أنهم ألفا ألفٍ وستُّ مئة ألف(١). و(غُدُوًّا)) مصدر جُعل ظرفاً على السعة. وَ(عَشِيًّا)) عطف عليه وتم الكلام. ثم تبتدئ ﴿وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ﴾ على أن تنصبَ يوماً بقوله: ((أَدْخِلوا)) ويجوز أن يكون منصوباً بـ((يُعْرَضُونَ)) على معنى ((يُعْرَضُونَ)) على النار في الدنيا ((ويومَ تَقُومُ الساعةُ)) فلا يُوقف عليه(٢). وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي: ((أَدْخِلُوا)) بقطع الألف وكسر الخاء من أَدخل(٣)، وهي اختيار أبي عُبيد؛ أي: يأمر الله الملائكةَ أن يُدخلوهم، ودليلُه ((النَّارِ يُعْرَضُونَ عليها)). الباقون: ((ادخُلُوا)) بوصل الألف وضمّ الخاء من دخل، أي: يقال لهم: ((ادْخُلُوا)) يا ((آل فرعونَ أَشَدَّ العذابِ)) وهو اختيار أبي حاتم. قال: في القراءة الأولى: ((آل)) مفعولٌ أول و((أَشَدَّ)» مفعولٌ ثانٍ بحذف الجر، وفي القراءة الثانية منصوب؛ لأنه نداء مضاف (٤). وآل فرعون: مَنْ كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشدّ العذاب كان هو أقربَ إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي #: ((إنَّ العبدَ يُولَدُ مؤمناً، ويحيا مؤمناً، ويموت مؤمناً؛ منهم يحيى بن زكريا عليهما السلام، وُلِدَ مؤمناً، وحيي مؤمناً، ومات مؤمناً، وإنَّ العبدَ يُولَدُ كافراً، ويحيا كافراً، ويموت كافراً؛ منهم فرعون، وُلِدَ كافراً، وحبي كافراً، ومات كافراً» ذكره النحاس(٥). وجعل الفرَّاء في الآية تقديماً وتأخيراً مجازه: ﴿أَدْخِلُواْ ءَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ فجعل العرضَ في الآخرة، وهو خِلافُ : (١) أخرجه الطبري ٣٣٨/٢٠ . وفيه: إنهم ست مئة ألف مقاتل. (٢) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٥/٤، وينظر الدر المصون ٤٨٥/٩ . (٣) وقرأ بها عاصم في رواية حفص، السبعة ص ٥٧٢، والتيسير ص ١٩٢، والنشر ٣٦٥/٢. (٤) الحجة للفارسي ١١٣/٦ بنحوه. (٥) في إعراب القرآن ٣٥/٤، وما قبله منه. والحديث أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس ﴾ كما في الدر المنثور ٢٢٧/٦ وليس فيه ذكر يحيى عليه السلام ولا فرعون. 1 ٣٦٧ سورة غافر: الآيات ٤٧ - ٥٠ ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدَّم. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلَّجُونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ اَلُّعَفَتَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمِ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴾ قَالَ الَّذِينَ وَقَالَ الَّذِينَ فِ (٤٨) اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ قَالُواْ أَوَلَمْ ٤٩ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ( تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَغِنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَلَوُاْ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَلٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلُونَ فِي النَّارِ﴾ أي: يختصمون فيها ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَوَّا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوَا﴾ عن الانقياد لِلأَنْبِيَاءِ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تبعًا﴾ فیما دعوتمونا إليه من الشِّرك في الدنيا ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ﴾ أي: مُتَحَمِّلون ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: جزءاً من العذاب. والتََّعُ يكون واحداً، ويكون جمعاً في قول البصريين، واحدُه تابع. وقال أهلُ الكوفة: هو جمعٌ لا واحدَ له كالمصدر، فلذلك لم يُجمع، ولو جُمع لقيل: أتباع(١). ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبُوْ إِنَّا كُلِّ فِيهَا﴾ أي: في جهنم. قال الأخفش(٢): ((كُلِّ)) مرفوعٌ بالابتداء. وأجاز الكسائي والفراء (٣) (إنَّا كُلَّ فيها)) بالنصب على النعت والتأكيد للمضمر في ((إنَّا))، وكذلك قرأ ابن السَّمَيْفَع وعيسى بن عمر (٤). والكوفيون يُسمُّون التأكيد نعتًا. ومنع ذلك سيبويه؛ قال: لأن ((كُلَّا)) لا تُنعت ولا يُنعت بها. ولا يجوز البدلُ فيه؛ لأن المُخبر عن نفسه لا يُبدل منه غيره، وقال معناه المبرد، قال: لا (١) تفسير البغوي ٤/ ١٠٠، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٤. (٢) في معاني القرآن ٦٧٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٦/٤، وما بعده منه. (٣) في معاني القرآن ١٠/٣. (٤) ذكرها أبو حيان في البحر ٧ / ٤٦٩ . ٣٦٨ سورة غافر: الآيات ٤٨ - ٥٠ يجوز أن يُبدل من المُضمر هنا؛ لأنه مُخاطَب، ولا يُبدل من المُخاطَب ولا من المخاطِب؛ لأنهما لا يُشكلان فيُبدَل منهما ؛ هذا نصُّ كلامه. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: لا يُؤاخِذُ أحداً بذنب غيره؛ فكلٌّ منّا كافر(١). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ﴾ من الأُمم الكافرة. ومن العرب من يقول: اللذون على أنه جمعٌ مُسلَّم مُعرب، ومن قال: ((الذين)) في الرفع بَنَاه كما كان في الواحد مَبْنيًّا. وقال الأخفش: ضُمَّت النون إلى الذي فأشبه خمسةَ عشرَ، فَبُنيَ على الفتح. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ خزنة جمع خازن، ويقال: خُزَّان وخُزَّن. ﴿ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ((يُخَفِّفْ)) جواب مجزوم، وإن كان بالفاء كان منصوباً، إلا أن الأكثرَ في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء، وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللُّغات كما قال: قِفًا نَبْكِ مِن ذِكْری حَبِيبٍ ومَنْزِلٍ (٢) قال محمد بن كعب القُرَظي: بلغني - أو ذُكِرَ لي - أن أهل النار استغاثوا بالخَزَنةِ؛ فقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ فسألوا يوماً واحداً يُخفّف عنهم فيه العذابُ فَرُدَّت عليهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبَهِنَتِّ قَالُواْ بَلَى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُوَّا الْكَافِرِينَ إِلَّ فِىِ ضَلٍ﴾ الخبر بطوله(٣). وفي الحديث عن أبي الدرداء - خرجه الترمذي وغيره - قال: يُلقى على أهل النار الجوع حتى يَعْدِلَ ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه فَيُغاثون بالضَّريع لا يُسمن ولا يُغني من جوع، فيأكلونه لا يُغني عنهم شيئاً، فيستغيثون فَيُغاثون بطعام ذي غُصَّة، (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٤ بنحوه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٤-٣٧، والبيت لا مرئ القيس، وهو من معلقته، وسلف ٣٦٤/١٠. (٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣٠/٣. ٣٦٩ سورة غافر: الآيات ٥٠ - ٥٤ فَيغَصُّون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يُجيزون الغَصَص بالماء، فيستغيثون بالشَّراب فَيُرفَعُ لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: ﴿َدّعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ فَيُجيبونهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبَغِنَتِّ قَالُواْ بَلَّى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَكُا الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾(١) أي: خسار وتبار. قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ » يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى اَلْهُدَى وَأَوْرَتْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ ﴿٥ هُدِّى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ٥٤ قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾، ويجوز حذفُ الضَّمة لِثقلِها، فيقال: ((رُسْلَنَا)) والمراد موسى عليه السلام. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى الْحَيَزِ الدُّنْيَا﴾ في موضع نصب عطف على الرُّسل(٢)، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل: هو عامٌّ في الرُّسل والمؤمنين. ونَصْرهم بإعلاء الحُجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: بالانتقام من أعدائهم. قال السدي: ما قَتَل قومٌ قطُ نبيًّا أو قوماً من دُعاة الحقِّ من المؤمنين إلا بعثَ اللهُ عزَّ وجلَّ من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قُتِلوا(٣). قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ يعني: يومَ القيامة. قال زيد بن أسلم: ((الأشْهادُ)) أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد(٤). وقال مجاهد والسدي: (الأشْهادُ)) الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأُمم بالتكذيب. وقال قتادة: (١) نقله المصنف بهذا اللفظ من إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٤، وأخرجه الترمذي (٢٥٨٦) بنحوه وقال: إنما نعرف هذا الحديث ..... عن أبي الدرداء قوله، وليس بمرفوع. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٧. (٣) النكت والعيون ١٦٠/٥ . (٤) في النسخ الخطية: الأشهاد، والمثبت من (م). ٣٧٠ سورة غافر: الآيات ٥١ - ٥٤ الملائكةُ والأنبياء(١). ثم قيل: ((الأَشْهَادُ)) جمع شهيد مثل شريف وأشراف(٢). وقال الزجاج(٣): ((الأَشْهَادُ)) جمع شاهد، مثل صاحب وأصحاب. النحاس(٤): ليس باب فاعل أن يُجمع على أفعال، ولا يُقاس عليه، ولكن ما جاء منه مسموعاً أُدِّيّ كما سُمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفراء: ((وَيَوْمَ تَقُومُ الأَشْهَادُ)) بالتاء على تأنيث الجماعة(٥) . وفي الحديث عن أبي الدرداء - وبعض المُحدِّثين يقول عن النبي 8# - قال: ((من ردَّ عن عِرْض أخيه المسلم كان حقًّا على الله عزَّ وجلَّ أن يَرُدَّ عنه نار جهنم، ثم تلا: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾))(٦). وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن حمى مؤمناً مِن منافق يغتابُه بعثَ اللهُ عزّ وجلّ يومَ القيامة مَلَكاً يحميه من النار. ومَن ذَكَر مسلماً بشيءٍ يَشِينه به وَقَفَهُ اللهُ عزّ وجلّ على جسرٍ من جهنم حتى يخرجَ مما قال))(٧). ﴾ بدل من (يوم)) الأول (٨). ﴿لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ﴾ قرأ نافع والكوفيون: ((يَنْفَعُ)) بالياء. الباقون بالتاء(٩). ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ﴾ ((اللَّعنةُ)) (١) النكت والعيون ١٦٠/٥-١٦١، وقولا مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري ٣٤٦/٢٠. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٦٤ . (٣) في معاني القرآن ٣٧٦/٤ . (٤) في إعراب القرآن ٣٨/٤ . وقول الزجاج الذي قبله عنه. (٥) معاني القرآن للأخفش ٦٧٩/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٠/٣، و((تقوم)) بالتاء؛ قرأ بها ابن هرمز وإسماعيل، كما في البحر المحيط ٧/ ٤٧٠ . (٦) أخرجه أحمد (٢٧٥٣٦) مرفوعاً، وأشار إلى الموقوف أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨ . (٧) أخرجه أحمد (١٥٦٤٩)، وأبو داود (٤٨٨٣) من حديث معاذ بن أنس الجهني ﴾، وفي إسناده إسماعيل بن يحيى المعافري، قال الذهبي في الميزان ٢٥٤/١ : فيه جهالة، وذكر هذا الحديث من غرائبه. وهذا الحديث والذي قبله نقلهما المصنف من إعراب القرآن للنحاس ٣٨/٤ . (٨) المحرر الوجيز ٤ / ٥٦٤ . (٩) السبعة ص ٥٧٣، والتيسير ص١٩٢. ٣٧١ سورة غافر: الآيات ٥٣ - ٥٩ البُعد من رحمة الله، و((سُوءُ الدَّارِ)) جهنم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ هذا دخل في نُصرة الرُّسل في الدنيا والآخرة، أي: آتيناه التوراة والنبوة. وسُمِّيت التوراة هدّى بما فيها من الهُدى والنور؛ وفي التنزيل: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا الثَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿وَأَوْرَقْنَا بَنِيّ إِسْرَوِيلَ الْكِتَبَ﴾ يعني: التوراة جعلناها لهم ميراثاً. ﴿هُدَّى﴾ بدل من ((الكتاب))، ويجوز بمعنى هو هُدّى؛ يعني ذلك الكتاب. ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبٍ﴾ أي: موعظة لأصحاب العقول. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ وَسَبِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىٌّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَهُمُّ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِغِيةٍ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ﴿ لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ السَّمِيعُ الْنَصِيرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٧@ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْصَيْرُ وَالَّذِينَ ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَلَا الْمُسِىِّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ ﴿﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَأَنِيَةٌ لَّا ٥٩٦ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي: فاصبِرْ يا محمد على أذى المشركين. كما صبر مَن قبلك ﴿إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ﴾ بنصرك وإظهارك، كما نصرتُ موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي: نُسِخَ هذا بآية السيف(١). ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَتْبِكَ﴾ قيل: لذنب أُمَّتك، حُذف المُضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه. وقيل: لذنب نَفْسِكَ على من يُجَوِّز الصغائر على الأنبياء(٢). ومَن قال: لا تجوز قال: هذا تعبُّد للنبي عليه الصلاة والسلام بالدعاء؛ كما قال تعالى: ﴿وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] والفائدة زيادةُ الدرجات، وأن يصيرَ الدعاءُ سنةً لمن (١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٥٦٤، والبغوي في تفسيره ١٠١/٤. (٢) تفسير الرزاي ٢٧ / ٧٧-٧٨ بنحوه. ٣٧٢ سورة غافر: الآيات ٥٥ - ٥٩ بعده(١). وقيل: فاستغفر الله من ذنب صَدَرَ منك قبلَ النبوة. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ يعني صلاة الفجر وصلاةً العصر؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل: هي صلاةٌ كانت بمكة قبل أن تُفرضَ الصلواتُ الخمس؛ ركعتان غُذْوة وركعتان عشيّة. عن الحسن أيضاً، ذكره الماوردي(٢). فيكون هذا مما نُسخ والله أعلم. وقوله: ﴿يَحَمّدٍ رَبِّكَ﴾ بالشُّكر له والثناء عليه. وقيل: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ أي: استدم التسبيحَ في الصلاة وخارجاً منها لِتشتغلَ بذلك عن استعجال النصر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِّلُونَ﴾ يُخاصِمون ﴿فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: حُجَّة ﴿أَتَهُمَّ إِن فِ صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبِرٌ مَّاهُم ◌َِلِفِيةٍ﴾ قال الزجاج (٣): المعنى: ما في صدورهم إلا كِبْرٌ ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدَّره على الحذف. وقال غيره: المعنى: ما هم ببالغي الكِبْر، على غير حذف؛ لأن هؤلاء قومٌ رأَوْا أنهم إن اتَّبعوا النبيَّ ﴿ قلَّ ارتفاعهم، ونقصتْ أحوالُهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تَبَعاً، فَأَعْلم اللهُ عزَّ وجلَّ أنهم لا يَبلُغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب(٤). والمراد المشركون. وقيل: اليهود(٥)؛ فالآيةُ مدنيةٌ على هذا كما تقدَّم أولَ السورة. والمعنى: إن تَعَظّموا عن اتّباع محمد ﴾، وقالوا: إن الدجّال سيخرج عن قريب فيردّ المُلك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آيةٌ من آيات الله، فنزلت الآية فيهم. قاله أبو العالية وغيره(٦). وقد تقدَّم في ((آل عمران)) أنه يخرج ويطأُ البلادَ كلَّها إلا مكةً (١) تفسير البغوي ٤/ ١٠١. (٢) في النكت والعيون ١٦١/٥، وفيه قول قتادة السالف، وقول الحسن الأول ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٥٦٥ . (٣) في معاني القرآن ٣٧٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٩/٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٩/٤. (٥) النكت والعيون ٥/ ١٦١ . (٦) النكت والعيون ١٦١/٥، وتفسير البغوي ١٠١/٤ بنحوه. ٣٧٣ سورة غافر: الآيات ٥٦ - ٥٩ والمدينة(١). وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب ((التذكرة))(٢) وهو يهودي، واسمه صاف، ويُكْنَى أبا يوسف(٣). وقيل: كل مَن كَفَرَ بالنبيِّ ﴾. وهذا حسن؛ لأنه يَعُمُّ. وقال مجاهد: معناه: في صدورهم عظمةٌ ما هم ببالغيها، والمعنى واحد (٤). وقيل: المراد بالكِبْر الأمرُ الكبير. أي: يطلبون النبوة أو أمراً كبيراً يَصِلُون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك. أو يتمنَّون موتَك قبل أن يتمَّ دِينُك، ولا يبلغونه. قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ قيل: من فتنة الدجال على قول من قال: إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شرِّ الكفار. وقيل: من مثل ما ابتُلوا به من الكفر والكِبْر. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ((هو)) يكون فاصلاً، ويكون مبتدأ، وما بعده خبرُه، والجملة خبرُ إنَّ على ما تقدَّم. قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ مبتدأ وخبره. قال أبو العالية: أي: أعظم من خَلْق الدجال حين عَّمَتْه اليهود. وقال يحيى بن سلام: هو احتجاجٌ على مُنكري البعث؛ أي: هما أكبرُ من إعادة خَلْق الناس، فَلِمَ اعتقدوا عجزي عنها(٥)؟ !. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: المؤمن والكافر والضالُّ والمهتدي. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: ولا يستوي العاملُ للصالحات (١) ١٣٦/٥ وما بعدها. (٢) ص٦٥٨ وما بعدها. (٣) صاف هو اسم ابن صياد. قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ٤٦/١٨: قال العلماء: وقصته مُشكلة، وأمره مُشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجّال من الدجاجلة. اهـ. وحديث ابن صياد أخرجه أحمد (٦٣٦٣)، والبخاري (١٣٥٥)، ومسلم (٢٩٣١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٤) تفسير مجاهد ٥٦٦/٢، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ١٦١. (٥) النكت والعيون ٥/ ١٦٢ . ٣٧٤ سورة غافر: الآيات ٥٨ - ٦٥ ﴿وَلَا أَلْمُسِىٌ﴾ الذي يعمل السيئات. ﴿قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ﴾ قراءةُ العامة بياء على الخبر، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم؛ لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآَئِيَةٌ﴾ هذه لامُ التأكيد دخلت في خبر إنَّ، وسبيلُها أن تكون في أوّل الكلام؛ لأنها توكيدُ الجملة إلا أنها تُزَحلَق عن موضعها؛ كذا قال سيبويه. تقول: إنَّ عَمراً لخارجٌ؛ وإنما أُخّرتْ عن موضعها لئلا يُجمع بينها وبين إنَّ؛ لأنهما يُؤدّيان عن معنى واحد، وكذا لا يُجمع بين إنَّ وأنَّ عند البصريين. وأجاز هشام: إنَّ أنَّ زيداً منطلقٌ حقّ؛ فإن حذفت حقًّا لم يَجُزْ عند أحدٍ من النحويين عَلِمتُه؛ قاله النحاس(٢). ﴿لَا رَيّبَ فِيهَا﴾ لا شكَّ ولا مِرْية. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يُصدِّقون بها، وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ ج عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ ◌َأَنَّى تُؤْفَكُونَ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ كَذَلِكَ يُؤْقَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ( لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّتِبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمٌّ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (٢٤) هُوَ الْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ٦٥) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية؛ روى النُّعمان بن بَشِير (١) السبعة ص٥٧٢ ، والتيسير ص ١٩٢ . (٢) في إعراب القرآن ٣٩/٤-٤٠ . ٠ ٣٧٥ سورة غافر: الآيات ٦٠ - ٦٥ قال: سمعتُ النبيَّ # يقول: ((الدُّعاءُ هو العبادة)) ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِينَ﴾ قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١). فدلَّ هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثرُ المفسرين؛ وأن المعنى: وَحِّدوني واعبُدوني أتقبَّلْ عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذِّكر والدعاء والسؤال. قال أنس: قال النبيُّ ﴾: ((ليسألْ أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسألَه شِسْعَ نَعْله إذا انقطع))(٢). ويقال: الدُّعاء: هو تَرْكُ الذُّنوب(٣). وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أُعْطِيَتْ هذه الأمةَ ثلاثاً لم تُعْطَهن أُمةٌ قبلَهم إلا نبيّ: كان إذا أُرسل نبيِّ قيل له: أنت شاهدٌ على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وكان يقال للنبيّ: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨] وكان يقال للنبيّ: ادعُني أَستجِبْ لك، وقال لهذه الأمة: ﴿أَدْعُونِيَ أَسْتَجِبَ لَكُمْ﴾(٤). قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعاً؛ رواه ليثٌ، عن شَهْر ابن حَوْشَب، عن عُبادة بن الصامت، قال: سمعتُ رسولَ الله لا يقول: ((أُعْطِيَتْ أمتي ثلاثاً لم تُعطّ إلا للأنبياء : كان اللهُ تعالى إذا بعثَ النبيَّ قال: ادعُني أستجِبْ لك، وقال لهذه الأمة: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾. وكان اللهُ إذا بعثَ النبيَّ قال: ما جعلَ ج عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨] وكان اللهُ إذا بعثَ النبيَّ جعله شهيداً على قومه، وجعل هذه الأمةَ شهداءَ (١) سنن الترمذي (٣٣٧٢)، وأخرجه أحمد (١٨٣٥٢)، وسلف ١٧٨/٣. (٢) أخرجه الترمذي كما في تحفة الأشراف ١٠٧/١، وابن حبان (٨٦٦). وفي إسناده قَطَن بن نُسَير، قال الذهبي في الميزان ٣٩١/٣: كان أبو حاتم يحمل عليه، وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث ... رواه القواريري عن جعفر فأرسله، فقيل للقواريري: إن شيخنا يوصله. فقال القواريري: باطل. يعني وَصْلَه. اهـ (٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٣٣ عن الثوري. (٤) النكت والعيون ١٦٢/٥ - ١٦٣. ٣٧٦ سورة غافر: الآيات ٦٠ - ٦٥ على الناس)) ذكره الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول))(١). وكان خالد الربعي يقول: عَجِبتُ(٢) لهذه الأمة! قيل لها: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾ أَمرهم بالدُّعاء ووَعَدَهم الاستجابة، وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٥] فهاهنا شرطٌ، وقوله: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] فليس فيه شرطُ العمل؛ ومثل قوله: ﴿فَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ﴾ [غافر: ١٤] فهاهنا شرط، وقوله تعالى: ﴿أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ليس فيه شرط، وكانت الأمة تَفزَعُ إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياءُ لهم ذلك(٣). وقد قيل: إن هذا من باب المُطلق والمُقيد على ما تقدَّم في ((البقرة)) بيانه (٤). أي: ((أسْتَجِبْ لكم)) إنْ شئت؛ كقوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾. وقد تكون الاستجابةُ في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدَّم في (البقرة)) بيانُه فتأمَّلْه هناك(٥). وقرأ ابن كثير وابن مُحيصن ورُوَيس عن يعقوب، وعَباس(٦) عن أبي عمرو، وأبو بكر والمُفضَّل عن عاصم: ((سيُدخَلون)) بضمِّ الياء وفتح الخاء على ما لم يُسَمَّ فاعله(٧). الباقون: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ بفتح الياء وضمِّ الخاء. ومعنى ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين (١) ص٣٩١، وليث بن أبي سُليم وشهر بن حوشب ضعيفان كما في تقريب التهذيب، وسلف الحديث ٤٣٦/٢ . (٢) في (م): عجيب. (٣) نوادر الأصول ص٣٩١، وسلف ١٧٨/٣-١٧٩. (٤) ١٧٩/٣. (٥) ٣/ ١٨٠، وينظر متن الحديث وتخريجه ثمة. (٦) في (م): عيّاش، وهو خطأ، وعباس: هو ابن الفضل بن عمرو الواقفي الأنصاري، قاضي الموصل، من أكابر أصحاب أبي عمرو في القراءة. غاية النهاية ٣٥٣/٢ . (٧) وقرأ بها أبو جعفر من العشرة كما في النشر ٢/ ٢٥٢، وينظر السبعة ص٥٧٢، والتيسير ص ١٩٢ . ٣٧٧ سورة غافر: الآيات ٦٠ - ٦٥ أَزِلَّاء، وقد تقدَّم(١). قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ (جَعَلَ)) هنا بمعنى خَلَقَ؛ والعربُ تُفرِّق بين جَعَلَ إذا كانت بمعنى خَلَقَ، وبين جعل إذا لم تكن بمعنى خَلَقَ؛ فإذا كانت بمعنى خَلَقَ فلا تُعدِّيها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدَّتها إلى مفعولين؛ نحو قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْتَهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣](٢) وقد مضى هذا المعنى في غير موضع(٣). ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مُضيئاً، لِتُبصروا فيه حوائجَكم، وتتصرَّفوا في طلب معائشكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَه وإنعامه علیهم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ بَيَّن الدلالةَ على وحدانيته وقُدرته . ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبيَّنت لكم دلائِلُه كذلك؛ أي: كما صُرِفتم عن الحقّ مع قيام الدليل عليه فـ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ يُصْرَفُ عن الحقّ ﴿ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ زاد في تأكيد التعريف والدليل؛ أي: جعل لكم الأرضَ مستقرًّا لكم في حياتكم وبعد الموت. ﴿ وَالسَّمَآءَ ◌ِنَآءُ﴾ تقدَّم (٤). ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: خَلَقَكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رَزين والأشهبُ العُقَيلي: ((صِوَرَكُمْ)) بكسر الصاد(٥). قال الجوهري(٦): والصِّوَر - بكسر الصاد - لغة في الصُّوَر، جمع صورة، ويُنشد (١) ١٢ / ٣٣٤ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٠ . (٣) ٣١٧/٨. (٤) ١ / ٣٤٤ -٣٤٥ . (٥) القراءات الشاذة ص١٣٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٠ . (٦) في الصحاح (صور). ٣٧٨ سورة غافر: الآيات ٦٤ - ٦٨ هذا البيت على هذه اللغة يصفُ الجواري: أَشبَهْنَ مِن بَقَرِ الخَلْصَاءِ أعيُنَها وهُنَّ أحْسَنُ مِن صِيرانِها صِورا(١) [والصِّيران جمع صِوار، وهو القطيع من البقر، والصِّوار أيضاً وِعاءُ المِسْك](٢) وقد جمعهما الشاعر بقوله: إذا لَاحَ الصِّوارُ ذكَرْتُ لَيْلَى وَأَذْكُرُها إذا نَفَحِ الصِّوَارُ(٣) والصِّيارُ لغة فيه. ﴿وَرَزَقَكُ مِّنَ الَّتِبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ تقدَّم. ﴿هُوَ الْحَىُّ﴾ أي: الباقي الذي لا يموت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَُ﴾ أي: الطاعة والعبادة. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال الفراء: هو خبرٌ، وفيه إضمارُ أمر، أي: ادعوه واحمَدُوه. وقد مضى هذا كلُّه مستوفى في ((البقرة)) وغيرها (٤). وقال ابن عباس: من قال: لا إله إلَّا اللـه، فليقل: الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين(٥). قوله تعالى: ﴿قُلّ إِ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَ نِىَ الْبَيِّنَتُ مِن رَقٍِ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلَا ثُمَّ لِسَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنْكُمْ مَن يُنَّوَّى مِن قَبْلٌ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلًا مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧) هُوَ الَّذِى يُحِ، وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَىِ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِِّ نُّهِيتُ﴾ أي: قل يا محمد: نهاني الله الذي هو الحيُّ القيوم، ولا إلهَ غيره ﴿أَنّ أَعْبُدَ﴾ غيره. ﴿لَمَّا جَآءَنَِ الْبَيْنَتُ مِن رَّبِّ﴾ أي: دلائلُ توحيده ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ أَذِلَّ وأخضعَ ﴿لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ وكانوا دَعَوْه إلى دين آبائه، (١) قائله أبو ثروان كما في إصلاح المنطق ص ١٥٠ . والخَلْصاء: ماء بالبادية. اللسان (خلص). (٢) ما بين حاصرتين من الصحاح. (٣) قائله بشار بن برد، وهو في ديوانه ٢/ ٣٣١. (٤) ١/ ٢٠٢ في سورة الفاتحة. (٥) تفسير البغوي ١٠٤/٤، وفيه قول الفراء، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٢٠/ ٣٥٧. ٣٧٩ سورة غافر: الآيات ٦٦ - ٦٨ فَأُمِرَ أن يقولَ هذا. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ أي: أطفالاً. وقد تقدَّم هذا(١). ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ﴾ وهي حالة اجتماع القوّة وتمام العقل. وقد مضى في ((الأنعام)) بيانه(٢). ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُونَا﴾ بضم الشين قراءةُ نافع وابن مُحيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل؛ لأنه جمع فَعْل، نحو: قَلْب وقُلُوب، ورأس ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء(٣)، وكلاهما جمع كَثْرة، وفي العدد القليل أشياخ، والأصل أشْيُخ؛ مثل فَلْس وأَفْلُس، إلا أن الحركة في الياء ثقيلة (٤). وقرئ: ((شَيْخًا)) على التوحيد(٥)؛ كقوله: ((طِفْلًا)) والمعنى: كلُّ واحد منكم. واقتصر على الواحد لأن الغرضَ بيانُ الجنس. وفي ((الصحاح)) (٦): جمع الشّيخ شُيوخ وأشياخ وشِيَخة وشِيخان ومَشْيَخة ومَشَايِخ ومَشْيُوخاء، والمرأة شَيخة. قال عَبيد: كأنّها شَيْخَةٌ رَقُوبُ(٧) وقد شاخ الرجلُ يَشِيخ شَيَخًا - بالتحريك على أَضْله - وشَيْخوخةً، وأصلُ الياء متحركة فسكنت؛ لأنه ليس في الكلام فَعَلول. وشَيَّخ تَشْبِيخًا، أي: شاخ. [وشَيَّخْته] دعوته شيخًا للتبجيل. وتصغير الشيخ شُيَيْخ وشِيَيْخ أيضاً - بكسر الشين - ولا تقل: شُوَيخ(٨). (١) ١٤/ ٣٢١ وما بعدها. (٢) ٩/ ١١١ وما بعدها. (٣) قرأ حمزة والكسائي وابن كثير، وأبو بكر وابن ذكوان بكسر الشين، والباقون بضمها. السبعة ص١٧٨ ، والتيسير ص١٩٢، والنشر ٢٢٦/٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤١/٤ . (٥) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٣٦/٣ . (٦) الصحاح (شيخ). (٧) ديوان عَبيد بن الأبرص ص٢٩ ، وصدره: باتّتْ على إِرَم عذوباً. (٨) الصحاح (شیخ) وما بین حاصرتین منه. ٣٨٠ سورة غافر: الآيات ٦٧ - ٧٨ النحاس(١): وإن اضطرَّ شاعرٌ جاز أن يقول: أشْيُخ، مثل: عَيْن وأَعْيُن، إلا أنه حَسُنَ في عين؛ لأنها مؤنثة. والشيخُ مَن جاوز أربعين سنة. ﴿وَمِنكُم مَّن يُنَوَّ مِن قَبْلٌ﴾ قال مجاهد: أي: مِن قبل أن يكون شيخاً، أو مِن قبل هذه الأحوال إذا خرج سَقْطَاً. ﴿ وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلًا مُسَنَّى﴾ قال مجاهد: الموتُ للكل. واللام لامُ العاقبة. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ذلك فتعلموا أن لا إله غيره. قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُِّي، وَيُمِيثٌ﴾ زاد في التنبيه، أي: هو الذي يقدرُ على الإحياء والإماتة. ﴿فَإِذَا قَضَوَ أَمْرًا﴾ أي: أراد فِعْلَه قال: ﴿لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ونصب ((فيكون)) ابن عامر على جواب الأمر(٢). وقد مضَى في ((البقرة)) القول فيه(٣). الَّذِينَ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيَ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ () كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ إِذِ الْأَغْلَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُّْجَرُونَ ﴿٨ ثُمَّ قِبِلَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ تَّدْعُواْ لَمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ فَّـ ذَلِكُمُ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ الْكَفِرِينَ () أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٥) فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ ﴿٨ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٍّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن نَعِلُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيْنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ◌َ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْمَّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِى ءَايَتِ اَللَّهِ أَ يُصْرَفُونَ﴾ قال ابن زيد: هم المشركون بدليل قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ بَالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَّاً﴾. وقال (١) إعراب القرآن ٤/ ٤١ . (٢) السبعة ص١٦٨، والتيسير ص٧٦ . : (٣) ٣٣٩/١.