النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة غافر: الآيات ١٧ - ٢٢ قال محمد بن كعب: قوله سبحانه: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾ بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكاً ولا مملوكاً فيقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ أَّمٌ﴾ فلا يُجيبه أحد؛ لأن الخَلْقَ أمواتٌ فيجيب نفسَه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ لأنه بقي وحده وقهر خَلْقَه(١). وقيل: إنه ينادي منادٍ فيقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل الجنة: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فالله أعلم. ذكره الزمخشري(٢). قوله تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ تُّجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: يقال لهم إذا أَقُرُّوا بالملك يومئذ لله وحده: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خيرٍ أو شرِّ. ﴿لَا ◌ُظُلْمَ الْيَوْمُ﴾ أي: لا يُنقَص أحدٌ شيئاً مما عَمِلَه، ﴿إِنَ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: لا يحتاجُ إلى تفكّر وعَقْدِ يدٍ كما يفعله الحُسَّاب؛ لأنه العالم الذي لا يَعزُبُ عن عِلْمِه شيء، فلا يُؤخّرُ جزاءً أحدٍ للاشتغال بغيره؛ وكما يرزقهم في ساعة واحدة يُحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(٣). وفي الخبر: لا ينتصف النهار حتى يقيل أهلُ الجنة في الجنة وأهلُ النار في النار (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الَْنَاجِرِ كَظِمِينٌّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَيْرٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ ٨ يَعْلَمُ خَآَيِنَّةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ وَاللهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اَللَّهِ مِن وَاقِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ أي: يوم القيامة. سُمِّيت بذلك لأنها قريبة؛ إذْ (١) النكت والعيون ١٤٨/٥ . (٢) في الكشاف ٣/ ٤٢٠ . (٣) ٣٥٩/٣ وما بعدها. (٤) قاله ابن عباس وابن مسعود ﴾ كما سلف ٣٩٨/١٥. ٣٤٢ سورة غافر: الآيات ١٨ - ٢٢ كل ما هو آتٍ قريب. وأَزِفَ فلانٌ، أي: قرب يَأْزَفُ أزَفًا؛ قال النابغة: أَزِفِ التَّرخُلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا لَمَّا تَزَلْ بِرِحالِنا وَكَأَنْ قَدِ(١) أي: قَرُبَ. ونظيرُ هذه الآية: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أي: قَرُبت الساعة. وکان بعضھم یتمثل ويقول: أزِفِ الرَّحيلُ وليس لي مِن زَادٍ غير الذُّنُوبِ لِشِقْوَتِي ونَكادِي(٢) ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ كَظِمِينٌ﴾ على الحال، وهو محمول على المعنى. قال الزجاج(٣): المعنى: إذ قلوبُ الناس ((لَدَى الحناجِرِ)) في حال كَظْمهم. وأجاز الفراء(٤) أن يكون التقدير: ((وأَنْذِرْهُمْ)) کاظِمِينَ. وأجاز رفع ((گَاظِمِینَ» على أنه خبرٌ للقلوب(٥). وقال: المعنى: إذهم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع ﴿كَظِمِينٌ﴾ على الابتداء. وقد قيل: إن المراد بـ((يوم الآزِفَةِ)) يوم حضور المنية؛ قاله قطرب، وكذا ﴿إِذٍ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ﴾ عند حضور المَنِيَّة. والأوّل أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر من المَخافة، فهي لا تخرجُ ولا تعود في أمكنتها(٦)، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. وقيل: هذا إخبارٌ عن نهاية الجَزَع؛ كما قال: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. وأُضيف اليومُ على ﴿الْأَزِفَةِ﴾ على تقدير: يوم القيامةِ ﴿اُلْأَزِفَةِ﴾، أو يوم المجادلة ﴿اَلاَزِفَةِ﴾. وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، مثل: (١) ديوان النابغة الذبياني ص٣٨، وفيه: أَفِدَ، بدل: أزف، وهو برواية المصنف في إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/٤، وتفسير الرازي ٤٩/٢٧ . (٢) قائله ابن الجهم الحوفي المصري، كما في خريدة القصر للعماد الأصفهاني (شعراء مصر) ٢/ ٢٠٠. (٣) في معاني القرآن ٣٦٩/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩/٥ . (٤) في معاني القرآن ٦/٣ . (٥) يعني في اللغة لا في التلاوة. (٦) النكت والعيون ١٤٩/٥ . ٣٤٣ سورة غافر: الآيات ١٨ - ٢٢ مسجد الجامع، وصلاة الأولى(١). ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيرٍ﴾ أي: من قريب ينفع ﴿وَلَا شَفِيع يُطَاعُ﴾ فيشفع فيهم. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَّةَ الْأَعْيُنِ﴾ قال المُؤَرِّجُ: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: يعلم الأعينَ الخائنة. وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمرُّ المرأةُ فَيُسارقهم النظرَ إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة، فإذا نظر إليه أصحابُه غَضَّ بصرَه، فإذا رأى منهم غَفْلةً تدسَّسَ بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابُه غَضَّ بصره، وقد علم الله عزَّ وجلَّ منه أن بودِّه(٢) لو نظر إلى عورتها(٣). وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهَمْزة بعينه وإغماضه فيما لا يحبُّ الله تعالى(٤). وقال الضحاك: هو قول الإنسان: ما رأيتُ، وقد رأى، ورأيتُ، وما رأى. وقال السدي: إنها الرَّمْز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة(٥). وقال الفراء (٦): ((خَائِنةَ الأعْيُنِ)) النظرة الثانية، ((ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) النظرة الأولى. وقال ابن عباس: ((ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) أي: هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: ((وما تُخْفي الصُّدورُ)) تُكِتُّه وتُضْمِرُه(٧). ولما جيء بعبد الله بن أبي سَرْح إلى رسول الله ﴾، بعد ما اطمأنَّ أهلُ مكة وطلب له الأمانَ عثمانُ ﴾، صَمَتَ رسولُ اللـه # طويلاً ثم قال: ((نعم)» فلما انصرف، قال رسولُ اللهِ ﴾ لمن حوله: ((ما صَمَتُّ إلا لِيقومَ إليه بعضُكم فيضربَ عُنُقَه)) فقال رجلٌ من (١) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٤٧/٢ . (٢) في (م): أنه يودّ. (٣) معاني القرآن للنحاس ٢١٤/٦. (٤) أخرجهما الطبري ٢٠/ ٣٠٤ . (٥) النكت والعيون ٥/ ١٥٠. (٦) معاني القرآن ٧/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩/٤ . (٧) النكت والعيون ٥/ ١٥٠ . ٣٤٤ سورة غافر: الآيات ١٩ - ٢٢ الأنصار: فهلًّا أومأتَ إليَّ يا رسولَ الله؛ فقال: ((إنَّ النبيَّ لا تكون له خائنةُ أعين))(١). ﴿وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ أي: يُجازي من غَضَّ بصرَه عن المحارم، ومَن نظر إليها، ومن عَزَمَ على مُواقعة الفواحش إذا قدر عليها(٢). ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ﴾ يعني الأوثان ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٌ﴾ لأنها لا تعلم شيئاً ولا تقدر عليه ولا تملك(٣). وقراءة العامة بالياء على الخبر على الظالمين، وهي اختيار أبي عُبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: (تَدْعُونَ)) بالتاءُ(٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ((هو) زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبرٌ، والجملة خبر «إن»(٥) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِبِرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ﴾ في موضع جزم عطف على ((يَسِيرُوا))، ويجوز أن يكونَ في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةٌ﴾ اسم كان، والخبر في ((كيف)). و﴿ وَاقٍ﴾ في موضع خَفْض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رَفْع على الموضع، فرفعُه وخَفْضُه واحد؛ لأن الياء تُحذف وتبقى الكسرة دالَّةً عليها(٦). وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع، فأغنى عن الإعادة. (١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٣)، والنسائي ٧/ ١٠٥-١٠٦ من حديث سعد بن أبي وقاص ﴾﴾، وعبد الله بن أبي سرح كان يكتب الوحي لرسول الله #، ثم ارتد ولحق بالمشركين، فأمر النبي # يوم فتح مكة بقتله ... وأسلم أيام الفتح، وولاء عثمان رضي الله عنهما مصر، وسلفت قصته ٤٥٩/٨ وما بعدها. (٢) تفسير الطبري ٢٠/ ٣٠٣ بنحوه. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٩٥ . (٤) السبعة ص٥٦٨ ، والتيسير ص١٩١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩/٤. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٠ . ٣٤٥ سورة غافر: الآيات ٢٣ - ٢٧ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَِنَا وَسُلْطَنِ مُّبِينٍ (٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ ﴿ فَلَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلُ مُوسَى وَلِيَدْعُ رَبَّهٌُ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ الْفَسَادَ ® وَقَالَ مُوسَى إِنِ عُدْتُ بِرَقِ وَرَبِّكُمْ مِّنْ كُلِّ مُتَكٍَِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَئِنَا﴾ وهي التسعُ الآياتُ المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَايَتٍ بَيِّنَةٍ﴾ وقد مضَى تعيينها(١). ﴿وَسُلْطَانٍ تُِّينٍ﴾ أي: بِحُجَّة واضحةٍ بينة، وهو يُذكَّر ويُؤنَّث(٢). وقيل: أراد بالسلطان التوراة. ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ﴾ خصَّهم بالذِكر لأن مدارَ التدبير في عداوة موسى كان عليهم (٣)؛ ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه اللهُ معهما؛ لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. ﴿فَقَالُواْ سَحِرُ كَذَّبٌ﴾ لما عَجَزوا عن معارضته حملوا المُعجزات على الشِّحر. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا﴾ وهي المُعجزة الظاهرة ﴿قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ قال قتادة: هذا قَتْلٌ غير القتل الأول؛ لأنَّ فرعون كان قد أَمسك عن قتل الولدان وقت(٤) ولادة موسى، فلما بعثَ اللهُ موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبةً لهم، فيمتنع الإنسان من الإيمان؛ ولئلا يَكثُرَ جمعُهم فيعتضدوا بالذُّكور من أولادهم، فشغلهم اللهُ عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، (١) ١٨١/١٨ وما بعدها. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٠ . (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٥٥٤، بنحوه. (٤) في (م): بعد. ٣٤٦ سورة غافر: الآيات ٢٥ - ٢٧ كالضفادع والقُمَّل والدَّم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ اٌلْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ أي: في خُسران وهَلاك، وإن الناسَ لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلاً(١) .. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوِ أَقْتُلْ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبٌَّ﴾ ((أَقْتُلْ)) جزم؛ لأنه جوابُ الأمر. ((وَلْيَدْعُ)) جزم؛ لأنه أمر، و((ذَرُونِي)) ليس بمجزوم وإن كان أمراً، ولكن لفظُه لفظُ المجزوم، وهو مَبنيّ. وقيل: هذا يدلُّ على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعوَ عليك فيجاب؛ فقال: ((وَلْيَدْعُ رَبَّه))(٢) أي: لا يهولنَّكم ما يذكر من ربِّه، فإنه لا حقيقةً له، وأنا ربُّكم الأعلى. ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي: عبادتَكم لي إلى عبادة ربِّه ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ إنْ لم يُبدل دينكم، فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي: يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السُّلَمي وابن عامر وأبي عمرو: ((وَأَنْ يُظْهَرَ في الأرْضِ الفَسَادَ))، وقراءة الكوفيين: ((أوْ أنْ يَظْهرَ)) بفتح الياء ((الفَسَادُ)) بالرفع(٣)، وكذلك هي في مصاحف الكوفيين: ((أو)) بألف، وإليه يذهب أبو عُبيد؛ قال: لأن فيه زيادة حرف، وفيه فصل؛ ولأن ((أو)) تكون بمعنى الواو. النحاس(٤): وهذا عند حُذَّاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن في ذلك بطلانَ المعاني، ولو جاز أن (١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٠ بنحوه، وقول قتادة ذكره أيضاً البغوي في تفسيره ٤/ ٩٥ وابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٢١٥ بنحوه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣١ . (٣) قرأ نافع أبو عمرو: ((وأن يُظْهِرَ)، وقرأ ابن كثير وابن عامر: ((وأَنْ يَظْهرَ))، وقرأ عاصم في رواية شعبة وحمزة والكسائي: ((أو أنْ يَظْهر))، وقرأ عاصم في رواية حفص: ((أَوْ أَنْ يُظْهِرَ)). ومن قرأ: ((يُظهِرَ) بضم الياء، قرأ: ((الفسادَا بالنصب، ومن قرأ: ((يَظْهر)) بفتح الياء، قرأ: ((الفسادُ)) بالضم. السبعة ص٥٦٩ ، والتيسير ص ١٩١ . (٤) إعراب القرآن ٣١/٤، وما قبله منه. ٣٤٧ سورة غافر: الآيتان ٢٧ - ٢٨ تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا؛ لأن معنى الواو ((إنّ أخَافُ)) الأمرين جميعاً، ومعنى ((أو)) لأحد الأمرين، أي: ((إنِّي أَخَافُ أن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ)) فإن أعوزَه ذلك أظهرَ في الأرض الفساد. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِّي عُدْتُ بِرَبِ وَرَيِّكُم﴾ لما هذَّده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبٍِّ﴾ أي: مُتعظّم عن الإيمان بالله، وصفتُه أنه ﴿لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ: أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِلْبَغِنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَابٌ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ((وَقَالَ رَجُلٌ مؤمِنٌ)) ذكر بعض المفسرين: أن اسم هذا الرجل حبيب(١). وقيل: شمعان، بالشين المعجمة. قال السُّهيلي(٢): وهو أصحُ ما قيل فيه. وفي ((تاريخ)) الطبري رحمه الله: اسمه خير (٣). وقيل: حزفيل؛ ذكره الثعلبي عن ابن عباس (٤) وأكثرٍ العلماء. الزمخشري(٥): واسمه سمعان أو حبيب. وقيل: خربيل أو حزبيل. واختُلف هل كان إسرائيلياً أو قِبْطيّاً، فقال الحسن وغيره: كان قبطياً. ويقال: إنه (١) ذكره الماوردي في النكت والعیون ١٥٢/٥ وعزاه لا بن إسحاق. (٢) في التعريف والإعلام ص١٣١ و١٥١. وعنه نقل المصنف قول الطبري التالي، وهو في تاريخه ١/ ٤٠٧ . (٣) في (ظ): جبر، والمثبت موافق للتعريف والإعلام، وفي تاريخ الطبري: حبرك، وفي تفسير الطبري ٣١١/٢٠ : خبرك. (٤) في كتب التفسير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اسم الرجل: حزبيل. (٥) الكشاف ٤٢٤/٣ . ٣٤٨ سورة غافر: الآية ٢٨ كان ابنَ عم فرعون؛ قاله السدي. قال: وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام؛ ولهذا قال: ((مِنْ آلٍ فِرِعونَ)) وهذا الرجُل هو المُرادُ بقوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى﴾ الآية [القصص: ٢٠]. وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: ﴿إِنّ اَلْمَلَأَ بَأْتَمِرُونَ بِكَ لِقْتُلُوكَ﴾(١). وفي هذا تسليةٌ للنبي #، أي: لا تَعْجب من مُشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون؛ فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا الرجلُ من بني إسرائيل يَكُم إيمانَه من آل فرعون؛ عن السُّدي أيضاً. ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير: وقال رجلٌ مؤمنٌ يَكْتُم إيمانَه من آل فرعون(٢) . فمن جعل الرجل قِبطيًّا فـ((من)) عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل؛ التقدير: وقال رجلٌ مؤمن منسوبٌ من آل فرعون؛ أي: من أهله وأقاربه. ومن جعله إسرائيليًّا فـ(امِن)) مُتعلِّقة بـ((يكتم)). في موضع المفعول الثاني لـ((يكتم)) القشيري: ومن جعله إسرائيليًّا ففيه بُعْدٌ؛ لأنه يقال: كَتَمه أمر كذا، ولا يقال: كَتَم منه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣) [النساء: ٤٢] وأيضاً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثلَ هذا القول. الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ﴾ أي: لِأَنْ يقول، ومن أجل ((أنْ يقولَ رَبِّيَ اللهُ) فـ((أنْ)) في موضع نصب بنزع الخافض . ﴿وَقَّدٌ جَآءَكُمْ يِلْبَيْنَتِ﴾ يعني الآيات التسع ﴿مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبٌُ﴾ ولم يكن ذلك لشكِّ منه في رسالته وصِذْقه، ولكن تَلظُفًا في الاستكفاف (١) هذه الأقوال في النكت والعيون ٥/ ١٥٢، وتفسير البغوي ٩٦/٤، وزاد المسير ٢١٧/٧. (٢) المحرر الوجيز ٥٥٦/٤، وتفسير البغوي ٩٦/٤ بنحوه. (٣) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٢٧/ ٥٧ . ٣٤٩ سورة غافر: الآية ٢٨ واستنزالاً عن الأذى(١). ولو كان و((إِنْ يكن)) بالنون جاز(٢)، ولكن حُذفت النون لِكَثْرةِ الاستعمال على قول سيبويه؛ ولأنها نونُ الإعراب على قول أبي العباس (٣). ﴿وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ أي: إن لم يُصبكم إلا بعضُ الذي يعدكم، به هَلَكْتُم. ومذهبُ أبي عبيدةٌ(٤) أن معنى ﴿بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ كل الذي يَعِدُكم وأنشد قولَ لبيد : تَرَّاكُ أَمِكِنَةٍ إذا لم أرْضَها أو يَرْتَبِظُ بعضَ النفوسِ حِمامُها (٥) فبعض بمعنى كلّ(٦)؛ لأن البعضَ إذا أصابهم أصابهم الكلّ لا محالةً؛ لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي(٧): أن البعض قد يستعمل في موضع الكلّ تلطّفاً في الخطاب وتوسُّعاً في الكلام؛ كما قال الشاعر: قد يُذْرِك المتأَنِّي بعضَ حَاجِتِهِ وقد يكون مع المُستعجِلِ الزَّلَلُ(٨) وقيل أيضاً: قال ذلك لأنه حذَّرهم أنواعاً من العذاب كل نوع منها مُهلِكٌ؛ فكأنه حذَّرهم أن يُصيبهم بعضُ تلك الأنواع. وقيل: وعدَهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا؛ فالمعنى: يُصبكم أحدُ العذابين. وقيل: أي: يُصِبْكم هذا العذابُ الذي يقوله في الدنيا وهو بعضُ الوعد(٩)، ثم يترادف العذابُ في الآخرة أيضاً. (١) في النكت والعيون ١٥٣/٥ . (٢) يعني في اللغة لا في التلاوة. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١/٤. (٤) مجاز القرآن ٢٠٥/٢ . (٥) شرح ديوان لبيد ص ٣١٣، وفيه: يعتلق، بدل: يرتبط. (٦) قال النحاس في معاني القرآن ٢١٦/٦: وهذا قول مرغوب عنه، لأن فيه بطلان المعاني. وقال الرازي في تفسيره ٥٨/٢٧: والجمهور على أن هذا القول خطأ، قالوا: وأراد لبيد ببعض النفوس نفسه. (٧) النكت والعيون ٥/ ١٥٣ . (٨) قائله القطامي، وهو في ديوانه ص٢٥ . (٩) في (م): الوعيد. ٣٥٠ سورة غافر: الآية ٢٨ وقيل: وعدَهم العذابَ إن كفروا والثوابَ إنْ آمنوا، فإذا كفروا يُصيبهم بعضُ ما وُعِدوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ على نفسه ﴿كَذَّابٌ﴾ على ربِّه، إشارة إلى موسى، ويكون هذا من قول المؤمن. وقيل: ((مُسْرِفٌ)) في عناده، ((كَذَّابٌ)) في ادّعائه إشارة إلى فرعون، ويكون هذا من قول الله تعالى(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَكْثُ إِيمَنَهُ﴾ قال القاضي أبو بكر بن العربي(٢): ظنَّ بعضُهم أن المُكلَّف إذا كتم إيمانَه ولم يتلفّظ به بلسانه أنه لا يكون مؤمناً باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجلَ إذا نوى بقلبه طلاقَ زوجته أنه يلزمه، كما يكون مؤمناً بقلبه وكافراً بقلبه. فجعل مدارَ الإيمان على القلب وأنه كذلك، لكن ليس على الإطلاق، وقد بيَّناه في أصول الفقه؛ بما لُبابه أن المُكلّف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفّظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمانَ بقلبه فلا يكون مؤمناً بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التَّقِيَّةُ والخوف من أن يتلفَّظَ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى، إنما تمنعه التَّقِيَّةُ من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الإيمان أن يسمعَه الغیرُ في صحته من التكليف، وإنما يُشترط سماعُ الغير له ليكفَّ عن نفسه وماله. الرابعة: روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: قلتُ لعبد الله بن عمرو بن العاص: أَخْبِرْني بأشدِ ما صنعه المشركون برسول الله ﴾؛ قال: بينا رسولُ الله ﴾ بِفِنَاء الكعبة، إذ أقبل عقبةُ بن أبي مُعَيط، فأخذ بِمَنْكِبٍ رسول اللـه 8#، ولوى ثوبَه في عُنقه فخنقه به خَنْقًا شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بِمَنْكِبهِ ودفع عن رسول الله ﴾، وقال: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَّكُمْ بِلْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ لفظ البخاري(٣). خرجه الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول)) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ﴾ قال: اجتمعَتْ قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث، فأرادوا قَتْلَ (١) النكت والعيون ١٥٣/٥ . (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٤٧ . (٣) الحديث (٤٨١٥)، ولم نقف عليه في صحيح مسلم، وأخرجه أحمد (٦٩٠٨). ٣٥١ سورة غافر: الآية ٢٨ رسول الله ﴾، فأقبل هذا يجؤه وهذا يُتَلتله(١)، فاستغاث النبيُّ﴾ يومئذ فلم يُغِثه أحدٌ إلا أبو بكر، وله ضغيرتان، فأقبل يَجَأُ ذا ويُتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم ((أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أن يقولَ رَبِّيَ الله)) والله، إنه لرسول الله؛ فَقُطِعَتْ إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ. فقال عليٍّ: والله، لَيوم أبي بكر خيرٌ من مؤمن آل فرعون؛ إنَّ ذلك رجلٌ كَتَّمَ إِيمانَه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أَظهر إيمانَه وبذلَ مالَه ودمَه لله عزّ وجلّ(٢). قلت: قول عليّ ﴾: إن ذلك رجلٌ كَتَم إيمانه يُريد في أول أمره بخلاف الصدّيق، فإنه أَظهر إيمانَه ولم يَكْتُمْه؛ وإلا فالقرآن مُصَرِّح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لمَّا أرادوا قَتْلَ موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه(٣). وفي ((نوادر الأصول)» أيضاً عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها: ما أشدُّ شيءٍ رأيتِ المشركين بلغوا من رسول الله﴾؟ فقالت: كان المشركون قعوداً في المسجد، ويتذاكرون رسولَ الله # ما يقول في آلهتهم، فبيناهم كذلك إذ دخل رسولُ الله ﴾، فقاموا إليه بأجمعهم، وكانوا إذا سألوه عن شيء صدَقهم، فقالوا: ألستَ تقول كذا في آلهتنا، قال: ((بلى)) فَتَشبَّئوا فيه بأجمعهم فأتى الصَّريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرِكْ صاحبَك. فخرج من عندنا وإن له غدائرَ، فدخل المسجد وهو يقول: ويلكم ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَكُمْ بِالْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ فلهوا عن رسول الله ﴾ وأَقبلوا على أبي بكر، فَرَجَعَ إلينا أبو بكر فجعل لا يمسُّ شيئاً من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام، إكرام إكرام(٤). - (١) قوله: يجؤه، أي: يضربه، والتَّلْتلة: التحريك، والإقلاق، والزعزعة. القاموس المحيط (وجأ) و(تلل). (٢) نوادر الأصول ص٢٤٤، وأخرجه البزار في البحر الزخار (٧٦١) بنحوه مطولاً وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن علي إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. (٣) في الآيات التالية. (٤) نوادر الأصول ص٢٤٥، وأخرجه الحميدي في مسنده (٣٢٤). ٣٥٢ سورة غافر: الآيات ٢٩ - ٣٣ قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَّوْمَ ظَهِرِينَ فِ اَلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَبِى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَيِلَ الرَّشَادِ مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ ٣ وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمٍ إِّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ نُوُجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴿ وَيَقَوْمِ إِّ أَخَافُ ( يَوْمَ تُوُلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ الَّهِ مِنْ عَاصٍِ وَمَن يُضْدِلِ اَللَّهُ عَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ (١٣ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَّوْمَ﴾ هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله (يا قَوْم) دليل على أنه قبطيّ، ولذلك أضافهم إلى نفسه فقال: ((يَا قَوْم)) ليكونوا أقربَ إلى قَبول وَعْظه («لكم المُلْكُ)) فاشكروا الله على ذلك. ﴿ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين، وهو نصب على الحال(١)، أي: في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرضُ مصر في قول السدي وغيره؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] أي: في أرض مصر. ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾ أي: من عذاب الله؛ تحذيراً لهم من نِقَمِهِ إن كان موسى صادقاً، فذكَّر وحذَّر، فعلم فرعون ظهور حُجَّته فقال: ﴿مَا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَّآ أَرَى﴾. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما أُشير عليكم إلا ما أرى لنفسي ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ في تكذيب موسى والإيمان بي(٢). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ﴾ زادهم في الوعظ ﴿إِنَّ أَغَفُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ﴾ يعني أيام العذاب التي عُذِّب فيها المتحزّبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد. قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ إِّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ﴾ زاد في الوعظ والتخويف وأفصحَ عن إيمانه، إما مستسلماً مُوَطِّنَا نفسَه على القتل، أو واثقاً بأنهم لا يَقصِدونه (١) إعراب القرآن للنحاس ٣١/٤. (٢) النكت والعيون ٥/ ١٥٤. ٣٥٣ سورة غافر: الآيتان ٣٢ - ٣٣ بسوء، وقد وَقَاهُ الله شرَّهم بقوله الحقّ ﴿فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾. وقراءة العامة ﴿النَّنَادِ﴾ بتخفيف الدال وهو يوم القيامة؛ قال أمية بن أبي الصَّلت: فهم سُكَّانُها حتى الثَّنَادِ (١) وبَثَّ الخَلْقِ فيها إذْ دَحاها سُمِّي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضاً؛ فينادي أصحابُ الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، ويُنادي أصحابُ الجنة أصحابَ النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ ويُنادي أصحابُ النار أصحابَ الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] ويُنادي المنادي أيضاً بالشِّقوة والسعادة: ألا إنَّ فلان بن فلان قد شقي شقاوةً لا يسعدُ بعدَها أبداً، ألا إن فلان بن فلان قد سَعِدَ سعادةً لا يشقى بعدَها أبداً. وهذا عند وزن الأعمال. وتُنادي الملائكةُ أصحابَ الجنة: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] ويُنادَى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة، خلودٌ لا موت، ویا أهلَ النار، خلودٌ لا موت. ويُنادَى كلُّ قوم بإمامهم، إلى غير ذلك من النداء(٢). وقرأ الحسن وابن السَّميفع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: ((التَّنَاد)) بإثبات الياء في الوصل والوقف على الأصل(٣). وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة: ((يوم التَّنَادِّ)) بتشديد الدال (٤). قال بعضُ أهل العربية: هذا لحنٌ؛ لأنه من نَدَّ يَنِدُّ، إذا مَرَّ على وجهه هارباً؛ كما قال الشاعر: وبَرْكٍ هُجُودٍ قد أثارتْ مَخَافتي نَواديَها أَسْعى بِعَضْبٍ مُجَرَّدٍ(٥) قال: فلا معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس(٦): وهذا غلطً، والقراءة (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٥٤/٥ . (٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ١٥٤/٥-١٥٥، والمحرر الوجيز ٥٥٨/٤، وتفسير الرازي ٢٧/ ٦١ . (٣) قراءة ابن كثير في التيسير ص١٩٢، وقراءة يعقوب من العشرة في النشر ٣٦٦/٢ . (٤) القراءات الشاذة ص١٣٢، والمحتسب ٢٤٣/٢ . (٥) قائله طرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٣٧، وفيه: بواديها أمشي، بدل: نواديها أسعى. وقوله: بَرْك: أي: جماعة الإبل الباركة، وهجود: جمع هاجد، وهو النائم. والعَضْب: السيف القاطع. اللسان (برك) و(هجد) و(عضب). (٦) في معاني القرآن ٦/ ٢٢٠، وما قبله منه. ٣٥٤ سورة غافر: الآيتان ٣٢ - ٣٣ بها حسنةٌ على معنى يوم التنافر. قال الضحاك: ذلك إذا سَمِعوا زفيرَ جهنم نَدُّوا هرباً، فلا يأتون قِظراً من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه(١)؛ فذلك قوله: ((يَوْمَ الثَّنَادِ))، وقوله: ﴿يَمَعْثَرَ الْجِنِّ وَالْإِسِ إِنْ أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارٍ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الرحمن: ٣٣]، وقوله: ﴿وَأَلْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآَبِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] ذكره ابن المبارك بمعناه؛ قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدّثنا عبد الجبار بن عُبيد الله بن سلمان في قوله: ﴿إِنَّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ * يَوْمَ تُوُلُونَ مُدیرینَ﴾ ثم تستجيبُ لهم أعينُهم بالدَّمع فیبکون حتی ینْفَدَ الدَّمع، ثم تستجيبُ لهم أعينُهم بالدَّم فيبكون حتى يَنْفَدَ الدم، ثم تستجيب لهم أعينُهم بالقَيْح. قال: يُرسَل عليهم من الله أمرٌ، فَيُوَلُّون مُذْبرين، ثم تستجيبُ لهم أعينهم بالقيح، فييكون حتى يَنْفَدَ القيح، فتغورُ أعينُهم كالخَرْق في الطين. وقيل: إن هذا يكون عند نَفْخِ إسرافيلَ عليه السلام في الصُّور نَفْخةَ الفَزَعَ(٢). ذكره علي بن مَعْبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفيه: ((فتكون الأرضُ كالسفينة في البحر تَضْرِبها الأمواجُ، فيميدُ الناسُ على ظَهْرها وتَذْهَلُ المراضعُ، وتضعُ الحواملُ ما في بطونها، وتشيبُ الولدانُ، وتتطاير الشياطين هاربةً، فتلقاها الملائكةُ تضربُ وجوهَها، ويُوَلِّي الناس مُدبرين يُنادي بعضُهم بعضاً، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ النَّنَادِ * يَوْمَ تُولُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ الَّهِ مِنْ عَاصِرٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَّا لُ مِنْ هَارٍ﴾ الحديثَ بكماله(٣). وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة)) (٤) وتكلَّمنا عليه هناك. (١) زاد المسير ٢٢٠/٧. (٢) الزهد لابن المبارك (زوائد نعيم) (٣٥٦). (٣) تفسير الطبري ٣١٧/٢٠ . وهو حديث طويل أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٨٢-٢٨٧ بطوله، ثم قال: هذا حديث مشهور، وهو غريب جداً، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة. (٤) ص ١٧٣ و١٩٣ . ٣٥٥ سورة غافر: الآيات ٣٢ - ٣٥ وروى عليّ(١) بن نصر عن أبي عمرو إسكانَ الدال من ((التَّنَاد)» في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن عبد الوارث(٢) زيادةَ الياء في الوصل خاصة، وهو مذهبُ ورش. والمشهور عن أبي عمرو حَذْفُها في الحالين. وكذلك قرأ سائرُ السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه، وسوى ابن كثير على ما تقدَّم(٣). وقيل: سُمِّ يومُ القيامة يومَ التَّناد؛ لأن الكافرَ ينادي فيه بالويل والثُّور والحَسْرة. قاله ابن جريج(٤). وقيل: فيه إضمارٌ، أي: إني أخافُ عليكم عذابَ يوم التناد؛ فالله أعلم. ﴿يَوْمَ تُولُونَ مُدْبِرِينَ﴾ على البدل من ((يوم التَّنَاد))(٥). ﴿َوَمَّنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: مَن خَلَق اللهُ في قلبه الضَّلالَ فلا هاديَ له. وفي قائله قولان: أحدُهما: موسى. الثاني: مؤمن آل فرعون(٦)، وهو الأظهرُ. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمْ فِ شٍَّّ مِّمَا جََّكُم بِهُ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولَا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابُ (﴿ الَّذِينَ يُجَّدِلُونَ فِيَّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمّ كَبُرَ مَقْتًّا عِندَ الَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَکېرٍ جَبَارٍ ﴾﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِلْبَيِّنَتِ﴾ قيل: إنَّ هذا من قول موسى. وقيل: هو من تَمام وعظ مؤمن آل فرعون؛ ذَكَّرهم قديمَ عُتُوِّهم على الأنبياء؛ (١) في (م): عن علي. (٢) كذا في النسخ: عن عبد الوارث، ولعله يريد: عبد الوارث عن أبي عمرو. (٣) التيسير ص١٩٢. (٤) النكت والعيون ١٥٤/٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢/٤ . (٦) النكت والعيون ١٥٥/٥ . ٣٥٦ سورة غافر: الآيتان ٣٤ - ٣٥ وأراد: يوسفُ بن يعقوب جاءهم بالبينات: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَّفَرِفُونَ خَيْرَ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اُلْقَهَّارُ﴾(١) [يوسف: ٣٩]. قال ابن جُريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالی رسولاً إلى القِبط بعد موت الملك من قَبْلِ موسى بالبينات؛ وهي الرؤيا (٢). وقال ابن عباس: هو يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيّاً عشرين سنة(٣). وحكى النقاش عن الضحاك: إن الله تعالى بعثَ إليهم رسولاً من الجن يقال له: يوسف (٤). وقال وهب بن منبِّه: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف عُمِّر. وغيره يقول: هو آخر. النحاس(٥): وليس في الآية ما يدلُّ على أنه هو؛ لأنه إذا أتى بالبينات نبيٌّ لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعاً بها، وعليهم أن يُصدِّقوه بها. ﴿َا زِلْتُمْ فِ شَكٍّ مِّمَا جَآءَكُمْ بِ﴾ أي: أسلافُكم كانوا في شكِّ، ﴿حَّقَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً﴾ أي: مَن يدَّعي الرسالةِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ أي: مثل ذلك الضَّلال ﴿يُضِلُ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ مُشرِكٌ ﴿مُرْتَابٌ﴾ شاٌّ في وحدانية الله تعالى. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيَّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: في حُجَجِهِ الظاهرة ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: بغير حُجَّة وبرهان، و((الذين)) في موضع نَصْب على البدل من (مَنْ))، وقال الزجاج(٦): أي: كذلك يُضِلُّ الله الذين يُجادلون في آيات الله فـ((الذين)) نصب. (١) تفسير البغوي ٤/ ٩٧ . (٢) النكت والعيون ١٥٥/٥ . (٣) الكشاف ٤٢٦/٣ دون نسبة. (٤) النكت والعيون ١٥٥/٥. قال ابن الجوزي في زاد المسير ٢٢١/٧ هو يوسف بن يعقوب، ويقال: إنه ليس به، وليس بشيء. (٥) إعراب القرآن ٣٣/٤ . (٦) في معاني القرآن ٣٧٤/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٣/٤ ، وما قبله منه. ٣٥٧ سورة غافر: الآية ٣٥ قال: ويجوز أن يكون رَفْعًا على معنى: هم الذين، أو على الابتداء، والخبر ﴿كَبُرَ مَقْتَا﴾. ثم قيل: هذا من كلام مؤمن آل فرعون. وقيل: ابتداء خطاب من الله تعالى. ((مَقْتًا)) على البيان، أي: ((كَبُرَ)) جِدالهم ((مَقْتًا))؛ كقوله: ﴿كَبِرَتْ كَلِمَةٌ﴾(١) [الكهف: ٥] ومَقْتُ الله تعالى ذَمُّه لهم ولَعْنُه إيَّاهم وإحلالُ العذاب بهم. كَذَلِكَ﴾ أي: كما طبعَ الله على قلوب هؤلاء المُجادلين، فكذلك ﴿يَطْبَعُ اَللَّهُ﴾ أي: يَخْتِمُ ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكٍَّ جَبَّارٍ﴾ حتى لا يعقل الرَّشاد، ولا يقبلَ الحقَّ. وقراءة العامة: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ﴾ بإضافة قلب إلى المتكبر، واختاره أبو حاتم وأبو عُبید. وفي الكلام حذف، والمعنى: ((كذلكَ يَطْبَعُ اللهُ على كُلِّ قَلْبٍ)) على كل ((مُتكبِّرٍ جَبَّارٍ)) فحذف ((كُلّ)) الثانية لِتقدُّم ما يدلُّ عليها. وإذا لم يُقدَّر حذفُ ((كلّ)) لم يستقم المعنى؛ لأنه يصير معناه: أنه يطبعُ على جميع قلبه، وليس المعنى عليه. وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلباً قلباً. ومما يدلُّ على حذف ((كُلّ)) قول أبي دُؤَاد: أكُلَّ امرِئ تَخسَبِين امرأً ونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نارا(٢) يريد: وكلّ نارٍ. وفي قراءة ابن مسعود: ((على قَلْبٍ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ))(٣) فهذه قراءةٌ على التفسير والإضافة. وقرأ أبو عمرو وابن مُحيصن وابن ذكوان عن أهل الشام: ((قلبٍ)) مُنَوَّن(٤) على أن ((متكبرٍ)) نعت للقلب، فكَنَى بالقلب عن الجُملة؛ لأن القلب هو الذي يتكبَّر، وسائرُ الأعضاء تَبَعِّ له؛ ولهذا قال النبيُّ #: ((إنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحَتْ (١) إعراب القرآن ٣٣/٤، بنحوه. (٢) البيت في الكتاب ٦٦/١، والحجة للفارسي ٦/ ١١٠-١١١ والكلام الذي قبله فيه بنحوه. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٢. (٤) السبعة ص ٥٧٠، والتيسير ص١٩١. وينظر الحجة للفارسي ١٠٩/٦ - ١١٠. ٣٥٨ سورة غافر: الآيات ٣٥ - ٣٧ صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسدَت فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب))(١) ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: على كل ذي قلب مُتكبِّر؛ تجعلُ الصفةَ لصاحب القلب. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّيّ ◌َبْلُغُ الْأَسْبَبَ ® أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلَّا فِ تَبَابٍ ٣٧ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنٍ لِ صَرّحًا﴾ لما قال مؤمنُ آل فرعون ما قال، وخاف فرعونُ أن يتمكّن كلامُ هذا المؤمن في قلوب القوم، أَوْ هَمَ أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإنْ بانَ له صوابُه لم يُخفِه عنهم، وإن لم يَصِحَّ ثَبَّتَهُمْ على دينهم؛ فأمر وزيره هامان ببناء الصَّرح. وقد مضى في ((القصص)) ذكره(٢). ﴿لَّعَلِّىَّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ. أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾ ((أسْبَابَ السَّمَواتِ)) بدل من الأوَّل. وأسبابُ السماء أبوابُها في قول قتادة والزهري والسُّدِّي والأخفش؛ وأنشد: ولو رامَ أسْباب السَّماءِ بِسُلَّم (٣) ومَنْ هاب أسبابَ المنایا یَثَلْنَهُ . وقال أبو صالح: أسباب السماوات طُرقها(٤). وقيل: الأمور التي تستمسك بها السماوات. وكرَّر ((أسباب)) تفخيماً؛ لأن الشيء إذا أُبهم ثم أُوضح كان تفخيماً لشأنه(٥). والله أعلم. ﴿فَطَّلِعَ إِلَ إَِهِ مُوسَى﴾ فَأَنظُرَ إليه نظرَ مُشْرِفٍ عليه. تَوهَّم أنه جسمٌ تحويه الأماكن. وكان فرعون يدَّعي الألوهية، ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مُشرِف. (١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﴾، وسلف ٢٨٧/١ . (٢) ٢٨٨/١٣. (٣) قائله زهير، وهو في شرح ديوانه ص ٣٠، والبيت من معلقته، ينظر شرح المعلقات السبع للزوزني ص٨٧ . (٤) النكت والعيون ١٥٦/٥ . والبيت وما قبله منه. (٥) الكشاف ٤٢٨/٣ . ٣٥٩ سورة غافر: الآية ٣٧ وقراءة العامة: ((فَأَطَلِعُ)) بالرفع نسقاً على قوله: ((أَبْلُعُ))، وقرأ الأعرج والسُّلَمي وعيسى وحفص: ((فَأَطَّلِعَ)) بالنصب(١)؛ قال أبو عُبيد(٢): على جواب (لعل)) بالفاء. النحاس: ومعنى النصب خلافُ معنى الرفع؛ لأن معنى النصب: متى بلغتُ الأسباب اطّلعتُ. ومعنى الرفع لعلّي أبلغُ الأسبابَ، ثم لَعلّي أَطَّلِعُ بعد ذلك؛ إلا أن ثم أشدُّ تراخياً من الفاء. ﴿وَإِ لَأَظُّهُ كَذِبًا﴾ أي: وإني لأظن موسى كاذباً في ادِّعائه إلهاً دوني، وإنما أفعلُ ما أَفعلُ لإزاحةِ العِلَّة. وهذا يوجب شكَّ فرعون في أمر الله. وقيل: إن الظن بمعنى اليقين، أي: وأنا أتيقَّن أنه كاذب، وإنما أقولُ ما أقولُه لإزالة الشُّبهة عمن لا يَتِيقْن(٣) ما أَتِيقَّنه. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُبِنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَّهُ عَمَلِيٍ﴾ أي: كما قال هذه المقالة وارتابَ زَيَّن له الشيطانُ، أو زَيَّن الله سوءً عمله، أي: الشرك والتكذيب. ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ قراءة الكوفيين ((وصُدَّ)) على ما لم يُسمَّ فاعلُه(٤)، وهو اختيار أبي عُبيد وأبي حاتم. ويجوز على هذه القراءة ((وَصِدَّ) بكسر الصاد، نُقلت كسرة الدال(٥) على الصاد؛ وهي قراءة يحيى بن وثَّاب(٦) وعلقمة. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة ((وَصَدٌّ عَنِ السَّبِيلِ)» بالرفع والتنوين (٧). الباقون ((وَصَدَّ)) بفتح الصاد والدال. أي: صدَّ فرعونُ الناسَ عن السبيل. (١) السبعة ص ٥٧٠ ، والتيسر ص ١٩٢ . (٢) في (م): أبو عبيدة، والمثبت موافق لإعراب القرآن للنحاس ٣٣/٤، والكلام منه. (٣) في (م): أتيقن. (٤) السبعة ص٥٧١ ، والتيسير ص ١٣٣ . (٥) يعني الدال الأُولى من («صُدَّ». والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٤، وينظر الدر المصون ٩/ ٤٨٣. (٦) ذكرها أبو حيان في البحر ٧/ ٤٦٦ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٤-٣٤ . وينظر المحرر الوجيز ٤ / ٥٦٠ . ٣٦٠ سورة غافر: الآيات ٣٧ - ٤٤ ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ أي: في خُسران وضلال، ومنه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾(١) [المسد: ١] وقوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] وفي موضع ﴿غَيّرَ تَّخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] فهدّ الله صرحه، وغرَّقه هو وقومه على ما تقدّم(٢). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ GA يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿٣ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْفَ وَهُوَ مُؤْمِرُ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُّونَ فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ وَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوِ وَتَدْعُونَفِىَ إِلَى النَّارِ ﴾ تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْفَفَِّ (٨) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَفِىّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَننَّ الْمُسْرِفِينَ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهَ إِنَّ ٤٣ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ٤٤ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ﴾ هذا من تمام ما قاله مؤمنُ آل فرعون؛ أي: اقتدوا بي في الدين، ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَارِ﴾ أي: طريقَ الهُدى، وهو الجنة. وقيل: من قول موسى(٣). وقرأ معاذ بن جبل: ((الرَّشَّادِ)) بتشديد الشين(٤)، وهو لحنٌ عند أكثر أهل العربية؛ لأنه إنما يقال: أرشد يُرشد، ولا يكون فَعَّال من أفعل، إنما يكون من الثلاثي، فإن أردتَ التكثيرَ من الرُّباعي قلت: مِفْعال. قال النحاس(٥): يجوز أن يكون رَشَّاد بمعنى (١) المحرر الوجيز ٤ / ٥٦٠ . (٢) ٢٨٨/١٣ وما بعدها. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٥٦٠، وزاد المسير ٢٢٤/٧ بنحوه. (٤) القراءات الشاذة ص١٣٢، والمحتسب ٢٤١/٢ . (٥) في معاني القرآن ٢١٨/٢-٢١٩ وما قبله منه.