النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
سورة الزمر: الآيات ٣٦ - ٤١
بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨١]. وقال الجُرجاني: إنَّ الله كافٍ عبده المؤمن وعبدَه الكافر، هذا
بالثواب وهذا بالعقاب.
قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِلَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾، وذلك أنهم خوَّفوا النبيَّ # مَضَرَّةَ
الأوثان، فقالوا: أَتسبُّ آلهتنا؟ لئن لم تَكُفَّ عن ذِكْرها لَتَخْبِلنَّكَ أو تُصيبتَك بسوء(١).
وقال قتادة: مشى خالدُ بن الوليد إلى العُزَّى ليكسرَها بالفأس، فقال له سادِنها :
أُحَذِّرُكَها يا خالد، فإن لها شدّةً لا يقوم لها شيءٍ، فَعَمَدَ خالد إلى العُزَّى فهشم أنفها
حتى كسرها بالفأس(٢). وتخويفُهم لخالد تخويفٌ للنبيِّ ﴾؛ لأنه الذي وجَّه خالداً.
ويدخل في الآية تخويفُهم النبيّ ﴾ بِكَثْرة جَمْعهم وقُوَّتِهم؛ كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ
جَميعُ شُنَصِيرٌ﴾ [القمر: ٤
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ نَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ تقدَّم. ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ نَا لَهُ مِن ◌ُضِلُّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ
◌ِى أَنِقَاءٍ﴾ أي: ممن عاداه أو عادَى رُسُلَه.
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ
أَفََّيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرّةٍ أَوْ
أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَلُ الْمُتَوَّكِلُونَ
قُلْ يَدَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِّى عَلَمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) مَن يَأْتِهِ
عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمُ ﴾ إِنَّ أَلْنَا عَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ
بِالْحَقِّ فَمَنِ أَهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم
بِوَكِيلٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: ولئن سألتَهم يا محمد ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بيَّنَ أنهم مع عبادتهم الأوثان مُقِرُون بأنَّ الخالقَ هو الله، وإذا
(١) المحرر الوجيز ٥٣٢/٤ بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري ٢١٠/٢٠ .
٢٨٢
سورة الزمر: الآيات ٣٨ - ٤١
كان الله هو الخالقَ فكيف يُخوَّفونَك بآلهتهم التي هي مخلوقةٌ لله تعالى، وأنت رسولُ
اللهِ الذي خلقها وخلقَ السماواتِ والأرضَ؟ !.
﴿قُلْ أَفَرَوَيْتُمْ﴾ أي: قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا: ((أَفَرَأَيْتُمْ)) ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ
اللَّهُ بِضُرٍ﴾ بشدة وبلاء ﴿هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوٍ﴾ يعني هذه الأصنام ﴿أَوْ أَرَادَنِ
بِرَحْمَةٍ﴾ نعمة ورَخاء ﴿هَلْ هُنَّ مُنْسِكَتُ رَحْمَتِهِ،﴾ قال مقاتل: فسألهم النبيُّ ﴾.
فسكتوا (١). وقال غيره: قالوا: لا تَدْفَعُ شيئاً قدَّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت: ﴿قُلّ
حَسْىَ اَللَّهُ﴾ وترك الجواب لدلالة الكلام عليه؛ يعني فسيقولون: لا، فـ((قُلْ)) أنت:
(حَسْبِيَ اللهُ)) أي: عليه توكَّلتُ، أي: اعتمدتُ و﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَلُونَ﴾ يعتمد
المعتمدون(٢). وقد تقدّم الكلام في التوكل(٣).
وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ما عدا عاصماً: ((كَاشفَاتُ ضُرِّه)) بغير تنوين(٤).
وقرأ أبو عمرو وشيبة - وهي المعروفة من قراءة الحسن - وعاصم(٥): ((هَلْ هُنَّ
كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ)، ((مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ)) بالتنوين على الأصل(٦)، وهو اختيار أبي عُبيد
وأبي حاتم؛ لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود.
قال الشاعر:
الضاربون عُمَيْراً عن بيوتهم
بالليل يوم عُمَير ظالمٌ عادي(٧)
ولو كان ماضياً لم يَجُزْ فيه التنوين، وحذفُ التنوين على التخفيف(٨)، فإذا
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٨٠ .
(٢) الكلام السالف في تفسير الطبري ٢١١/٢٠-٢١٢ بنحوه.
(٣) ٢٩١/٥ و٣٨٥ .
(٤) السبعة ص٥٦٢، والتيسير ص ١٩٠، وقراءة عاصم المشهورة عنه بغير تنوين، وقرأ بها ابن عامر أيضاً.
(٥) هذه رواية الكسائي عن أبي بكر عن عاصم، كما في السبعة ص٥٦٢ ، وهو غير المشهورة عنه.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٣/٤.
(٧) قائله القطامي، وهو في ديوانه ص٨٨، وفي الحُلل للبطليوسي ص١١٩.
(٨) في (ف) و(م): التحقيق، والمثبت موافق لإعراب القرآن للنحاس ١٣/٤، والكلام منه.
٢٨٣
سورة الزمر: الآيات ٣٨ - ٤١
حذفت التنوين لم يَبْقَ بين الاسمين حاجزٌ، فخفضت الثاني بالإضافة. وحذفُ التنوين
كثيرٌ في كلام العرب موجودٌ حسن؛ قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]
وقال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] قال سيبويه: ومثل ذلك ﴿غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ﴾
[المائدة: ١] وأنشد سيبويه(١):
هل أَنْتَ باعِثُ دِينارٍ لحاجتِنا أو عَبْدَ رَبِّ أَخَا عَوْنِ بنِ مِخْراقٍ(٢)
وقال النابغة :
احْكُمْ كَحُكْمٍ فتاةِ الحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ إِلى حَمَامِ شِراعٍ وارِدِ الثمدِ(٣)
معناه: واردِ الثَّمَدَ، فحذف التنوين؛ مثل ((كَاشِفَاتُ ضُرِّه))(٤).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَ مَكَانَتِكُمْ إِّ عَامِلٌ﴾ أي: على مكانتي، أي:
على جهتي التي تمكّنَتْ عندي(٥) ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقرأ أبو بكر: ((مَكَانَاتِكُمْ)) وقد مضى في ((الأنعام))(٦). ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ
يُخْزِيهِ﴾ أي: يُهينه ويُذِلَّه، أي: في الدنيا، وذلك بالجوع والسيف. ﴿وَمِلُّ عَلَيْهِ﴾
أي: في الآخرة ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن
ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيَّهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ تقدَّم الكلامُ في هذه الآيةِ مستوفىّ في
غير موضع (٧).
(١) في الكتاب ١/ ١٧١.
(٢) قال البغدادي في الخزانة ٢١٩/٨: والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها، وقال ابن
خلف: وقيل: هو لجابر بن رألان السِّنبسي، وسنبس: أبو حي من طيئ، ونسبه غير خدمة سيبويه إلى
جرير، وإلى تأبط شرًّا، وإلى أنه مصنوع. ا.هـ.
(٣) ديوان النابغة ص٣٤ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٣/٤-١٤.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٤/٤ .
(٦) ٩/ ٣٥، وقراءة أبي بكر في السبعة ص٢٦٩، والتيسير ص ١٠٧ .
(٧) ٠٦٠/١١
٢٨٤
سورة الزمر: الآية ٤٢
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً
فَيُمْسِكُ أَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَنَّىَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي: يَقْبِضها عند فَناء
آجالها ﴿وَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً﴾ اختلف فيه. فقيل: يَقْبِضها عن التصرف مع بقاء
أرواحها في أجسادها. ﴿فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىّ﴾ وهي
النائمة، فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها؛ قاله ابن عيسى (١). وقال الفراء (٢):
المعنى: ويَقْبِض التي لم تَمُتْ في منامها عند انقضاء أَجَلها. قال: وقد يكون تَوَفِيها
نَوْمَها؛ فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمتْ وفاتُها نومُها.
وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواحَ الأحياء والأموات تلتقي في
المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعُها الرُّجوعَ إلى الأجساد أَمْسك الله
أرواحَ الأموات عنده، وأرسل أرواحَ الأحياء إلى أحسادها.
وقال سعيد بن جُبير: إن الله يقبض أرواحَ الأموات إذا ماتوا وأرواحَ الأحياء إذا
ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ﴿فَيُمْسِكُ اَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ
الْأُخْرَىّ﴾ فَيُعيدها(٣).
قال علي : فما رأته نَفْسُ النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي
الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها الشياطين،
وتُخيِّل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة (٤). وقال ابن زيد: النوم وفاةٌ والموتُ
(١) النكت والعيون ١٢٨/٥ .
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٢٠ .
(٣) في (م): أي: يعيدها.
(٤) النكت والعيون ١٢٨/٥ - ١٢٩، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري ٢١٥/٢٠ .
٢٨٥
سورة الزمر: الآية ٤٢
وفاة (١). وعن النبي# قال: ((كما تنامون فكذلك تموتون، وكما توقظون فكذلك
تُبعثون))(٢). وقال عمر: النوم أخو الموت. ورُوي مرفوعاً من حديث جابر بن عبد الله
قيل: يا رسولَ الله، أَينام أهلُ الجنة؟ قال: ((لا، النومُ أخو الموت، والجنةُ لا موتَ
فيها)) خرجه الدار قطني(٣). وقال ابن عباس: في ابن آدم نفسٌ وروح بينهما مثلُ شعاع
الشمس، فالنفسُ التي بها العقل والتمييز، والروحُ التي بها النَّفَسُ والتحريك، فإذا
نام العبدُ قبضَ اللهُ نَفْسَه ولم يقبضْ رُوحَه(٤). وهذا قولُ ابن الأنباري والزجاج(٥).
قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بُعْدٌ، إذ المفهوم من الآية أنّ النَّفْسَ المقبوضة
في الحالين شيء واحد؛ ولهذا قال: ﴿فَيُمْسِكُ الَِّى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىّ
إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّىَّ﴾ فإِذاً يَقبِضُ اللهُ الروحَ في حالين، في حالة النوم وحالة الموت، فما
قبضَه في حال النوم فمعناه أنه يَغْمُرُه بما يَخْبِسُه عن التصرف، فكأنه شيء مقبوض،
وما قبضه في حال الموت فهو يُمسكه ولا يُرسله إلى يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ﴾ أي: يُزيل الحابسَ عنه فيعود كما كان. فَتَوفِي الأنفس
في حال النوم بإزالة الحِسّ وخَلْق الغَفْلة والآفة في مَحَلّ الإدراك. وتوفِّيها في حالة
الموت بخلق الموت وإزالةِ الحِسّ بالكُلِية.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ بألا يَخلُقَ فيها الإدراكَ، كيف وقد خلقَ فيها
الموت؟ ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىِ﴾ بأنْ يُعيدَ إليها الإحساسَ.
الثانية: وقد اختلف الناسُ من هذه الآية في النفس والروح؛ هل هما شيءٌ
واحد أو شيئان على ما ذكرنا. والأظهر أنهما شيءٌ واحد، وهو الذي تدلُّ عليه
(١) أخرجه الطبري ٢١٦/٢٠.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) لم نقف عليه عند الدار قطني، وسلف ٥/ ١٥٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ٥٣٤ بنحوه.
(٥) في معاني القرآن ٣٥٦/٤ .
٢٨٦
سورة الزمر: الآية ٤٢
الآثار الصحاح على ما نذكره في هذا الباب، من ذلك حديث أُمّ سلمة قالت: دخل
رسولُ اللـه ﴿ على أبي سلمة وقد شقَّ بصرُه فأغمضه، ثم قال: ((إنَّ الرُّوحَ إذا قُبِض
تَبِعه البصرُ)) وحديث أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه﴾: ((ألم تروا الإِنسانَ إذا مات
شَخَصَ بَصرُه)) قال: ((فذلك حين يَتْبعِ بَصَرُهُ نَفْسَه)) خرجهما مسلم(١).
وعنه عن النبي ﴾ قال: «تحضرُ الملائكةُ فإذا كان الرجلُ صالحاً قالوا: اخرجي
أيتها النَّفْسُ الطَّيِّية كانت في الجسد الطَّيِّب، اخرجي حميدةً، وأَبشري برَوْحِ ورَيْحان
وربِّ راضٍ غيرٍ غَضْبان، فلا يزالُ يقال لها ذلك حتى تخرجَ، ثم يُعرج بها إلى
السماء)» وذكر الحديث، وإسناده صحيح، خرجه ابن ماجه(٢)؛ وقد ذكرناه في
((التذكرة))(٣).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: ((إذا خَرجَتْ روحُ المؤمن تلقَّاها مَلَكان
يَصْعَدان بها)). وذكر الحديث(٤).
وقال بلال في حديث الوادي: أخذ بنَفْسي يا رسول الله الذي أَخَذَ بنفسك(٥).
وقال رسولُ الله 8# مقابلاً له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي: ((يا أيها
الناس، إن الله قبضَ أرواحَنا، ولو شاء ردّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا))(٦).
الثالثة: والصحيح فيه أنه جسمٌ لطيفٌ مُشابِكٌ للأجسام المحسوسة، يُجذَب
ويُخْرج وفي أكفانه يُلَف ويُدرَج، وبه إلى السماء يُعرَج، لا يموت ولا يفنى، وهو مما
له أوّل وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيبة وخبيثة؛ كما في حديث
(١) برقم (٩٢٠) و(٩٢١)، والحديث الأول أخرجه أحمد (٢٦٥٤٣).
(٢) الحديث (٤٢٦٢)، وهو في مسند أحمد (٨٧٦٩).
(٣) ص ٥٠ .
(٤) صحيح مسلم (٢٨٧٢).
(٥) أخرجه مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٦) أخرجه مالك ١٤/١ بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٢٦١١)، والبخاري (٥٩٥) من حديث أبي
قتادة ﴾﴾.
٢٨٧
سورة الزمر: الآية ٤٢
أبي هريرة. وهذه صفةُ الأجسام لا صفة الأعراض؛ وقد ذكرنا الأخبارَ بهذا كلِّه في
كتاب ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة))(١). وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ
اْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يعني النَّفْس إلى خروجها من الجسد؛ وهذه صفةُ الجسم. والله
أعلم.
الرابعة: خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسولَ الله ﴾ قال: ((إذا
أوى أحدُكم إلى فِراشه فَلْيأخُذْ داخِلةَ إزاره فلينفُضْ بها فِراشَه وَلْيُسَمِّ اللهَ، فإنه لا
يعلم ما خَلَفَهُ بعده(٢) على فراشه، فإذا أرادَ أن يضطجعَ فَلْيضطجِعْ على شِقُه الأيمن،
وليقل: سبحانك ربي، بك(٣) وضعت جنبي وبك أَرفعه، إن أمسكتَ نَفْسي فاغفِرْ
لها)). وقال البخاري وابن ماجه والترمذي: «فارحمها) بدل («فاغفر لها»، «وإنْ أَرسلتها
فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) زاد الترمذي ((وإذا استيقظ فليقل: الحمد لله
الذي عافاني في جسدي وردًّ عليَّ روحي، وأَذِنَ لي بذِكْره)»(٤).
وخرج البخاري عن حُذَيْفة قال: كان رسولُ الله # إذا أخذ مَضْجعه من الليل
وضعَ يدَه تحت خدِّه؛ ثم يقول: ((اللهم باسمك أموتُ وأحيا)) وإذا استيقظ قال
((الحمدُ لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النُّشور))(٥).
قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ هذه قراءة العامة على أنه مسمَّى
الفاعل ((المؤْتَ)) نصباً؛ أي: قضى الله عليها، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عُبيد؛
لقوله في أول الآية: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنفُسَ﴾ فهو يقضي عليها.
(١) ص٥٧ وما بعدها.
(٢) في النسخ: بعد، والمثبت من صحيح مسلم.
(٣) قوله: بك، ليس في (د) و(ز) و(م)، وفي (ف): لك وأثبتناه من المصادر.
(٤) صحيح البخاري (٦٣٢٠)، وصحيح مسلم (٢٧١٤)، وسنن ابن ماجه (٣٨٧٤) وسنن الترمذي
(٣٤٠١). وهو في مسند أحمد (٧٨١١)، وقوله: بداخلة إزاره: أي: بالطرف الذي يلي الجسد. قاله
السندي في حاشية مسند أحمد.
(٥) صحيح البخاري (٦٣١٤)، وهو في مسند أحمد (٢٣٢٨٦).
٢٨٨
سورة الزمر: الآيات ٤٢ - ٤٥
وقرأ الأعمش ويحيى بن وثَّاب وحمزة والكسائي: ((قُضِيَ عليها الموتُ)) على ما
لم يُسَمَّ فاعله(١). النحاس(٢): والمعنى واحدٌ غير أن القراءةَ الأُولى أبينُ وأشبهُ بنسق
الكلام؛ لأنهم قد أجمعوا على ((وَيُرْسِلُ)) ولم يقرؤوا: ((ويُرسَل)).
وفي الآية تنبيه على عظيم قُدرته وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء، ويُحيِي
ويُمیت، لا يقدر على ذلك سواه.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ يعني في قبض الله نَفْسَ الميت والنائم، وإرساله نَفْسَ
النائم وحَبْسه نَفْسَ الميت ﴿لِقَوْمٍ يَفَكَّرُونَ﴾.
وقال الأصمعي: سمعتُ معتمراً يقول: روحُ الإنسانِ مثلُ كُبَّة الغزل، فترسل
الروح، فتمضي ثم تمضي، ثم تُطوى فتجيء فتدخل، فمعنى الآية أنه يُرسَل من
الروح شيء في حال النوم ومعظمُها في البدن متصلٌ بما يخرج منها اتصالاً خفيّاً،
فإذا استيقظ المرءُ جذب معظمَ روحه ما انبسط منها فعاد. وقيل غير هذا؛ وفي
التنزيل: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: لا يعلم حقيقته
إلا الله. وقد تقدّم في ((سبحان)).
قوله تعالى: ﴿أَمِ أَقَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءُ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ
شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴿ قُل لِلّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (@)
بِلْآَخِرَةُّ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَةً﴾ أي: بل اتَّخذوا، يعني: الأصنام،
وفي الكلام ما يتضمَّن لم؛ أي: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لم يتفگّروا،
ولكنهم اتَّخذوا آلهتهم شُفعاء.
(١) قراءة حمزة والكسائي في السبعة ص ٥٦٢، والتيسير ص ١٩٠.
(٢) في إعراب القرآن ١٤/٤، وما قبله منه.
٢٨٩
سورة الزمر: الآيات ٤٣ - ٤٥
﴿قُلْ أَوَّلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ أي: قُلْ لهم يا محمد: أَتتخذونهم شُفعاءَ
وإن كانوا لا يَملِكون شيئاً من الشفاعة ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ لأنها جمادات(١). وهذا
استفهامُ إنكار.
﴿قُل لِلّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾ نصٌّ في أن الشفاعةَ لله وحدَه كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى
يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ [البقرة: ٢٥٤] فلا شافعَ إلا من شفاعته ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمِنْ
آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
((جَميعاً)) نصب على الحال. فإن قيل: ((جَميعاً)) إنما يكون للاثنين فصاعداً
والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة مصدر والمصدر يؤدَّى عن الاثنين والجميع(٢)
﴿لَُّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ نصب على المصدر عند الخليل وسيبويه،
وعلى الحال عند يونس. ﴿أَشْمَأَزَّتْ﴾ قال المبرد: انقبضت(٣). وهو قول ابن عباس
ومجاهد(٤). وقال قتادة: نفرتْ واستكبرتْ وكَفرتْ وتعصَّتْ(٥). وقال المُؤَرِّج:
أنكرت. وأصلُ الاشمئزاز النُّفور والازورار. قال عمرو بن كُلْثوم:
وَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنّةً زَبُونا (٦)
إذا عَضَّ الثِّقَافُ بِها اشْمَأَزَّتْ
وقال أبو زيد: اشمأَزَّ الرجلُ: ذُعِرَ من الفَزَع، وهو المذعور(٧). وكان المشركون
إذا قيل لهم: لا إِله إِلا الله نفروا وكفروا(٨)، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يعني
(١) تفسير البغوي ٤/ ٨١ بنحوه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٤/٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٢١٦/٢٠ بنحوه.
(٦) معلقة عمرو بن كلثوم (بشرح ابن كيسان) ص ٨٥ . قال الشارح: الثِّقاف: الخشبة التي تُقوَّم بها
الرماح، والعَشَوْزنة: الناقة السيئة الخلق التي تزبن من يحتلبها، أي: تدفعه بيدها ورجلها.
(٧) الصحاح (شمز).
(٨) تهذيب اللغة ٣٠٦/١١.
٢٩٠
سورة الزمر: الآيات ٤٥ - ٤٨
الأوثان حين ألقى الشيطان في أمنية النبي # عند قراءته سورة ((والنجم)): تلك
الغَرانيقُ العُلَى وإن شفاعتَهم تُرْتَجَى. قاله جماعةُ المفسرين(١). ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
أي: يظهر في وجوههم البِشر والسُّرور.
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ
تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ () وَلَوَ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى
اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمَثْلَهُ مَعَهُمْ لَأَفْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوْءِ الْعَذَابِ يَوْمَ اَلْقِيَئِمَةِ وَبَدَا لَم مِّنَ اَللَّهِ
مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ.
يَسْتَهْزِءُونَ
٤٨
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ نصب لأنه نداء مضاف، وكذا
﴿عَلِمَ اْغَيْبٍ﴾ ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتاً(٢).
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِ مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وفي ((صحيح)) مسلم: عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشةَ رضي الله عنها: بأي شيء كان
النبيُّ # يستفتح صلاتَه إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاتَه:
((اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيلَ ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَئِدَةِ
أَنْتَ تَحْكُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك،
إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))(٣).
ولمَّا بلغ الربيع بن خُثيم (٤) قَتْلَ الحسين بن علي ﴾ قرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ
(١) المحرر الوجيز ٥٣٤/٤، وتفسير البغوي ٨١/٤ بنحوه، وقصة الغرانيق باطلة موضوعة، وسلفت
١٤/ ٤٢٧، ينظر الكلام عليها ثمة.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٥ .
(٣) صحيح مسلم (٧٧٠)، وأخرجه أحمد (٢٥٢٢٥).
(٤) في (د) و(ظ) و(ف) و(م): خيثم، والمثبت من (ز) وكتب الرجال.
٢٩١
سورة الزمر: الآيات ٤٦ - ٤٨
السَمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾(١).
وقال سعيد بن جُبير: إني لأَعرفُ آيَةً ما قرأَها أحدٌ قظُ فسألَ اللهَ شيئاً إلاَّ أعطاه
إِيَّاه؛ قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ
◌ِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: كذَّبوا وأَشركوا ﴿مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَأَفْتَدَوْاْ بِهِ، مِن سُوَّهِ اَلْعَذَابِ﴾ أي: من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد مضى هذا
في سورة ((آل عمران)) و ((الرعد)»(٣).
﴿وَبَدَا لَهُم ◌ِّنَ اُللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا مَخْتَسِبُونَ﴾ من أجلِ ما رُوي فيه ما رواه منصور عن
مجاهد قال: عَمِلوا أعمالاً توهّموا أنها حسناتٌ فإذا هي سيئات. وقاله السدي.
وقيل: عملوا أعمالاً توهّموا أنهم يتوبون منها قبلَ الموت، فأَدركهم الموتُ قبل أن
يتوبوا، وقد كانوا ظنُّوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا توهّموا أنه يُغفر لهم من
غير توبة فـ ﴿بَدَا لَهُم ◌ِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ من دخول النار(٤).
وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويلٌ لأهل الرِّياء، ويلٌ لأهل الرِّياء، هذه
آيتُهم وقصَّتُهم. وقال عكرمة بن عمار(٥): جَزِعَ محمدُ بن المنكدر عند موته جزعاً
شديداً، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آيةً من كتاب الله ﴿وَبَدَا لَم ◌ِنَ اللَّهِ مَا
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ١١١ .
(٢) النكت والعيون ١٣٠/٥.
(٣) ١٩٨/٥ وما بعدها و٥٣/١٢.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٥/٤ دون قوله: وقاله السدي، وذكره عن السدي البغوي في تفسيره ٨٢/٤ .
(٥) أبو عمار العجلي، البصري، الحافظ، من حملة الحجة وأوعية الصدق، مات سنة (١٥٩هـ).
السير ١٣٤/٧ . وقوله هذا في المحرر الوجيز ٥٣٥/٤، وقول سفيان الذي قبله فيه وفي الكشاف
٤٠١/٣ .
٢٩٢
سورة الزمر: الآيات ٤٨ - ٥٢
لَمّ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ فأنا أخشى أن يَبدوَ لي ما لم أكن أَحتسب.
﴿وَبَدَا لَمْ﴾ أي: ظهر لهم ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أي: عقابُ ما كسبوا من الكُفر
والمعاصي. ﴿وَحَافَ بِهِم﴾ أي: أحاط بهم ونزل ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّى اَلْإِنسَنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلَّمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤ قَدْ قَالَمَا أَلَّذِينَ مِنْ
فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ
قَّلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ @
ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ أَوَّلَمْ يَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرِّ دَعَانَا﴾ قيل: إنها نزلت في أبي(١) حُذَيفة بن
المغيرة.
﴿ُمَّ إِذَا خَلَْهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوِيتُّهُ عَلَى عِلَّمَّ﴾ قال قتادة: ((على عِلْم))(٢)
عندي بوجوه المكاسب، وعنه أيضاً ((على عِلْم)) على خير عندي. وقيل: ((على عِلْم))
أي: على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: ((على عِلْم)) أي: بعلم علَّمني اللهُ
إيَّه(٣). وقيل: المعنى أنه قال: قد علمتُ أني إذا أُوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله
منزلةً؛ فقال الله: ﴿بَلَّ هِىَ فِتْنَةٌ﴾ أي: بل النِّعم التي أُوتِيتَها فتنةٌ تُختبر بها (٤).
قال الفراء(٥): أنَّثَ ((هي)) لِتأنيث الفتنة، ولو كان: بل هو فتنة لجاز. النحاس:
التقدير: بل أُعطِيتَهُ فتنةً.
(١) لفظة: أبي، ليست في (م). والكلام من النكت والعيون ٥/ ١٣٠.
(٢) قوله قال: قتادة: ((على علم)) من (م).
(٣) الأقوال السالفة في المحرر الوجيز ٥٣٦/٤، والنكت والعيون ١٣٠/٥ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٦/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٤٢٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٥/٤ .
٢٩٣
سورة الزمر: الآيات ٤٩ - ٥٩
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن إعطاءهم المالَ اختبار.
قوله تعالى: ﴿قَدّ قَالَهَا﴾ أَنَّثَ على تأنيث الكلمةِ(١) ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ يعني
الكفار قبلَهم، كقارون وغيره حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىٌّ﴾ [القصص: ٧٨].
﴿فََّ أَغْنَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (ما)) للجحد، أي: لم تُغن عنهم أموالُهم ولا أولادُهم
من عذاب الله شيئاً (٢). وقيل: أي: فما الذي أَغنى أموالهم؟ فـ((ما)) استفهام.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَبِئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أي: جزاء سيئات أعمالهم. وقد يُسمَّى جزاء السيئة
سيئةً. ﴿وَلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: أشركوا ﴿مِنْ هَؤُلاءِ﴾ الأُمة ﴿ سَبُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾
أي: بالجوع والسيف. ﴿وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: فائتين الله ولا سابقيه. وقد تقدّم(٣).
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصَّ المؤمن بالذِّكر؛ لأنه هو الذي يتدبَّر الآياتِ وينتفع بها. ويعلم أن
سَعَةَ الرِّزق قد يكون مكراً واستدراجاً، وتقتيره رِفعةً وإعظاماً.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
وَأَنِيُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ
(٥٣)
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُصَرُونَ
مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَهُ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٦٥) أَنْ تَقُولَ
نَفْسُ بَحَسْرَكَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ ﴿٨ أَوْ تَقُولَ
لَوْ أَشََّ اللَّهَ هَدَينِ لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ (٧@ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَؤْ
بَلَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا
أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
٥٩٠
وَأَسْتَكْبَرَّتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ وإنْ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٥.
(٢) تفسير البغوي ٨٢/٤ بنحوه.
(٣) ٣٥/٩ و٨/١١.
٢٩٤
سورة الزمر: الآيات ٥٣ - ٥٩
شئتَ حذفتَ الياء؛ لأن النداء موضع حذف. النحاس(١): ومن أجلّ ما رُوي فيه ما
رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة،
اتَّعَدْتُ أنا وهشام بن العاصي بن وائل السَّهْمي وعَيَّاش بن أبي ربيعة بن عُثْبة (٢)،
فقلنا: الموعد أَضاةً(٣) بني غفار، وقلنا: من تأخّر منا فقد حُبِس فَلْيمضٍ صاحبُه،
فأصبحتُ أنا وعيَّش بن عُتبة، وحُبس عنا هشام، وإذا به قد فُتن فافتتن، فكنا نقول
بالمدينة: هؤلاء قد عَرَفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله {8#، ثم افتتنوا لبلاءٍ لحقهم لا
نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضاً يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله عزّ وجلّ في
كتابه: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَّبِنَ﴾.
قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتُها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمَتْ عليَّ خرجت
بها إلى ذي ◌ُطُوّى، فقلت: اللهم فَهِمْنيها، فَعَرَفْتُ أنها نزلت فينا، فرجَعْتُ فجلست
على بعيري، فلحقتُ برسول الله ﴾(٤).
وعن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: كان قومٌ من المشركين قَتلوا فأكثروا،
وزنوا فأكثروا، فقالوا للنبيّ ﴾، أو بعثوا إليه: إنَّ ما تدعو إليه لحسن، لو تُخبرنا (٥)
أن لنا توبةً؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾(٦)
(١) إعراب القرآن ١٦/٤، وما قبله منه.
(٢) كذا في النسخ: عيَّش بن أبي ربيعة بن عتبة، وفي إعراب القرآن للنحاس: عيَّاش بن عتبة، والذي في
المصادر: عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله القرشي المخزومي. الإصابة ٧/ ١٨٤، والقصة
فيها في ترجمة هشام بن العاص ٢٤٦/١٠ وصحّح الحافظ ابن حجر إسنادها.
(٣) الأضاة: الغدير. اللسان (أضي).
(٤) السيرة النبوية ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الواحدي في أسباب النزول
ص ٣٩٠-٣٩١.
(٥) في (د) و(ز) و(م): أو تخبرنا، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٦/٤ .
٢٩٥
سورة الزمر: الآيات ٥٣ - ٥٩
ذكره البخاري بمعناه(١). وقد مضى في آخر ((الفرقان))(٢).
وعن ابن عباس أيضاً نزلت في أهل مكة قالوا: يزعم محمدٌ أن مَن عَبَدَ الأوثانَ
وقتلَ النَّفس التي حرَّم الله لم يُغفر له، وكيف نُهاجر ونُسْلم وقد عَبَدنا مع الله إلهاً
آخرَ، وقتلنا النَّفْس التي حرَّم الله؟! فأنزل الله هذه الآية(٣).
وقيل: إنها نزلتْ في قوم من المسلمين أَسرفوا على أنفسهم في العبادة، وخافوا
ألّا يتقبلَ منهم لذنوب سبقتْ لهم في الجاهلية.
وقال ابن عباس أيضاً وعطاء: نزلت في وحشيّ قاتل حمزةً؛ لأنه ظنَّ أن الله
لا يقبل إسلامَه. وروى ابن جُريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتَى وَحْشيٍّ إلى
النبيّ *؛ فقال: يا محمد، أتيتُك مُستجيراً فَأَجِرْني حتى أسمعَ كلامَ الله. فقال
رسولُ الله ﴾: «قد كنتُ أُحِبُّ أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مُستجيراً فأنت
في جواري حتى تسمعَ كلامَ الله)) قال: فإني أشركتُ بالله وقتلتُ النفس التي حرم
الله وزنيتُ، هل يقبلُ الله مني توبة؟ فصمتَ رسول اللـه # حتى نزلت: ﴿وَلَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَِّ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَْ﴾
[الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية، فتلاها عليه؛ فقال: أرى شرطاً فلعلي لا أعمل صالحاً،
أنا في جوارك حتى أسمعَ كلام الله. فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ إِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] فدعا به فتلاها عليه؛ قال: فلعلي ممن لا يشاء، أنا في
جوارك حتى أسمع كلامَ الله. فنزلت: ﴿يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَّعُوا مِن
رَّحْمَةِ اللهِ﴾ فقال: نعم، الآن لا أرى شرطاً. فأَسلم(٤).
(١) الحديث (٤٨١٠)، والسائل هو وحشي بن حرب قاتل حمزة رضي الله عنهما فيما ذكره الحافظ ابن
حجر في الفتح ٨/ ٥٥٠ .
(٢) ١٥ / ٤٧٩ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٢٤/٢٠، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٨٩ .
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٧١٤٠)، والواحدي في أسباب النزول ص٣٤٩ - ٣٥٠.
٢٩٦
سورة الزمر: الآيات ٥٣ - ٥٩
وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شَهْر بن حَوْشَب عن أسماء أنها سمعت
النبيَّ # يقرأ: ((قُلْ يا عبادِيَ الذين أَسْرَفُوا على أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحمةِ اللهِ إِنَّ
اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جمِيعاً ولا يُبالي، إِنَّه هو الغَفُورُ الرَحِيمُ))(١). وفي مصحف ابن
مسعود: ((إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعاً لِمَنْ يشاءُ))(٢).
قال أبو جعفر النحاس(٣): وهاتان القراءتان على التفسير، أي: يغفر الله لمن
يشاء. وقد عرَّف الله عز وجل من شاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرةً ولم
تكن له كبيرة، ودلّ على أنه يريد التائب ما بعده ((وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ)) فالتائب مغفور له
ذنوبُه جميعاً، يدل على ذلك ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] فهذا لا إشكالَ فيه.
وقال عليّ بن أبي طالب: ما في القرآن آيةٌ أوسعَ من هذه الآية ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَشْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾(٤) وقد مضى هذا في ((سبحان))(٥).
وقال عبد الله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن، فردَّ عليهم ابن عباس وقال:
أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾(٦) وقد مضى
في ((الرعد)) [الآية: ٦].
وقُرئ: ((لا تَقْنُطُوا)) بكسر النون وفتحها(٧). وقد مضى في ((الحجر)) بيانه (٨).
قوله تعالى: ﴿وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: ارجعوا إليه بالطاعة. لمَّا بيَّن أن من تاب
(١) أخرجه الدوري في قراءات النبي # (٦٠)، والترمذي (٣٢٣٧) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه
إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب. وأسماء: هي بنت يزيد أم سلمة الأنصارية رضي الله عنها.
(٢) ذكره ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣٢ .
(٣) في إعراب القرآن ١٦/٤ .
(٤) النكت والعيون ١٣١/٥.
(٥) ٣٢٢/١٠ - ٣٢٣.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٦/٤.
(٧) قرأ بكسر النون أبو عمرو والكسائي، والباقون بفتحها. السبعة ص٣٦٧، والتيسير ص١٣٦.
(٨) ٢٢٣/١٢ - ٢٢٤ .
٢٩٧
سورة الزمر: الآيات ٥٤ - ٥٩
من الشّرك يغفر له أَمر بالتوبة والرجوع إليه، والإنابةُ الرجوع إلى الله بالإخلاص.
﴿وَأَسْلِمُوْ لَهُ﴾ أي: اخضعوا له وأَطيعوا ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَّكُمُ الْعَذَابُ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ
لَ تُصَرُونَ﴾ أي: لا تُمنعون من عذابه. ورُوي من حديث جابر أن رسولَ الله ﴾
قال: ((مِن السعادة أن يُطيل اللهُ عُمُرَ المرء في طاعة الله(١) ويرزقه الإنابةَ، وإنَّ من
الشَّقاوة أن يعملَ المرءُ ويُعجب بعمله))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن زَّبِّكِكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْنَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ((أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ)) هو القرآن، وكلُّه حسنٌ، والمعنى ما قال
الحسن: التزموا طاعتَه، واجتنبوا معصيتَه. وقال السدّي: الأحسنُ ما أمر الله به في
كتابه(٣).
وقال ابن زيد: يعني المُحكمات، وكِلُوا عِلْمَ المُتشابه إلى عالمه. وقيل: أنزل
الله كُتباً: التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن، وأَمر باتّباعه، فهو الأحسن،
وهو المُعجِز. وقيل: هذا أحسنُ، لأنه ناسخٌ قاض على جميع الكتب، وجميع الكتب
منسوخة. وقيل: يعني العفو؛ لأن الله تعالى خيَّر نبيّه عليه الصلاة والسلام بين العفو
والقصاص. وقيل: ما علَّم الله النبيَّ عليه الصلاة والسلام وليس بقرآن فهو حسن،
وما أَوحى إليه من القرآن فهو الأحسن. وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأُمم
الماضية.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَفَ﴾ ((أَنْ)) في موضع نصب، أي: كراهةَ ((أَنْ
تقولَ)) وعند الكوفيين: لئلا تقول(٤)، وعند البصريين حَذَرَ ((أَنْ تقولَ)). وقيل: أي:
(١) في (م): الطاعة.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٨٩)، وفي إسناده كثير بن زيد الأسلمي. ضعَّفه أكثرهم. كما في
الميزان ٤٠٤/٣ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٨٥ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٧.
٢٩٨
سورة الزمر: الآيات ٥٤ - ٥٩
من قبل ((أَنْ تقولَ نَفْسٌ)) لأنه قال قبل هذا: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾(١).
الزمخشري(٢): فإنْ قلتَ: لم نُكِّرتْ؟ قلت: لأن المُرادَ بها بعضُ الأنفس، وهي
نفسُ الكافر. ويجوز أن يُريد نفساً متميزة من الأنفس، إمّا بلجاج في الكفر شديد، أو
بعقاب عظيم. ويجوز أن يُراد التكثير كما قال الأعشى:
ورُبَّ بَقيع لو هَتَفْتُ بِجَوِّهِ أتاني كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَأْسَ مُغْضَبا (٣)
وهو يريد أفواجاً من الكرام ينصرونه، لا كريماً واحداً، ونظيره: رُبَّ بلدٍ
قطعتُ، وربَّ بطلٍ قارعتُ، ولا يقصد إلا التكثير (٤).
(يا حَسْرَتا)) والأصل ((يا حَسْرَتي)) فأُبدل من الياء ألف؛ لأنها أخفُّ وأمكن في
الاستغاثة بمد الصوت(٥)، وربما ألحقوا بها الهاء؛ أنشد الفراء:
يا مَرْحَباهِ بحمار ناجِيَهْ إذا أَتَى قَرَّبْتُه لِلسَّانِيَهْ(٦)
وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف؛ لتدلَّ على الإضافة. وكذلك قرأها أبو جعفر:
(يا حَسْرتايَ))(٧). والحَسْرة الندامة.
﴿عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبٍ اَللَّهِ﴾ قال الحسن: في طاعة الله (٨). وقال الضحاك: أي:
في ذكر الله عزّ وجلّ. قال: يعني القرآن والعمل به(٩). وقال أبو عُبيدة: ((في جَنْب
(١) زاد المسير ١٩٢/٧ بنحوه.
(٢) الكشاف ٤٠٤/٣ .
(٣) ديوان الأعشى ص ١٦٥ .
(٤) الكشاف ٣/ ٤٠٤ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٧/٤ بنحوه.
(٦) معاني القرآن للفراء ٤٢٢/٢، وفيه: ناهيه، بدل ناجيه. والرجز في الخزانة ٣٨٧/٢. وفيها: السانية:
الدلو العظيمة وأداتها.
(٧) النشر ٣٦٢/٢ .
(٨) ذكره البغوي في تفسيره ٨٥/٤ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٧ .
٢٩٩
سورة الزمر: الآيات ٥٦ - ٥٩
الله)) أي: في ثواب الله(١). وقال الفراء: الجَنْب القُرب والجوار؛ يقال: فلان يعيشُ
في جَنْبٍ فلان، أي: في جِواره؛ ومنه ﴿وَالضَاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] أي: على
ما فرَّْتُ في طلب جِواره وقُربه، وهو الجنة(٢). وقال الزجاج(٣): أي: على ما
فرَّطتُ في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه.
والعرب تُسمِّي السببَ والطريق إلى الشيء جَنْباً؛ تقول: تجرعتُ في جَنْبك
غصصاً؛ أي: لأجلك وسبيك ولأجل مَرْضاتك. وقيل: ((في جَنْبِ اللهِ)) أي: في
الجانب الذي يؤدِّي إلى رضا الله عزّ وجلّ وثوابه، والعرب تُسمِّي الجانبَ جَنْباً(٤)،
قال الشاعر:
قُسِمَ مَجْهُوداً لِذاكَ القَلْبُ النَّاسُ جَنْبٌ والأميرُ جَنْبُ(٥)
يعني: الناس من جانب والأمير من جانب. وقال ابن عرفةً: أي: تركتُ من أمر
الله؛ یقال: ما فعلت ذلك في جَنْب حاجتي؛ قال كُثِّر:
له كَبِدٌ حرَّى عليكِ تَقَطَّعُ(٦)
ألا تَتَّقِينَ الله في جَنْبِ عاشِقٍ
وكذا قال مجاهد؛ أي: ضيعت من أمر الله(٧). ويُروى عن النبي ﴿ أنه قال: ((ما
جلسَ رجلٌ مَجْلِساً، ولا مَشَى ممشى، ولا اضطجع مُضطجعاً لم يذكُرِ اللهَ عزَّ وجلَّ
فيه إلا كان عليه تِرَةً يومَ القيامة)) أي: حسرةً؛ خرجه أبو داود بمعناه(٨). وقال إبراهيم
التيمي: من الحَسَرات يومَ القيامة أن يرى الرجلُ مالَه الذي آتاه اللهُ في الدنيا يومَ
(١) في مجاز القرآن، ٢/ ١٩٠ لأبي عبيدة: ((في جنب الله)) وفي ذات الله واحد.
(٢) ذكره عن الفراء ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ١٩٢ .
(٣) في معاني القرآن ٣٥٩/٤.
(٤) تفسير البغوي ٤ / ٨٥ .
(٥) لم نقف على قائل هذا الرجز، وأورد البيت الثاني الأخفش في معاني القرآن ٤٤٦/١ .
(٦) ديوان كُثَيِّر ص ١٧٧ ، وفيه: حبّ، بدل: جنب، وتصدّع، بدل: تقطّع.
(٧) المحرر الوجيز ٥٣٨/٤ بنحوه.
(٨) سنن أبي داود (٤٨٥٦) من حديث أبي هريرة ﴾، وأخرجه أحمد (٩٥٨٣) بنحوه، واللفظ الذي أورده
المصنف في إعراب القرآن للنحاس ١٧/٤ .
٣٠٠
سورة الزمر: الآيات ٥٦ - ٥٩
القيامة في ميزان غيره قد وَرِثه وعَمِلَ فيه بالحق، كان له أجرُه وعلى الآخر وِزْرُه،
ومن الحَسَراتِ أن يرى الرجلُ عبده الذي خوَّله الله إياه في الدنيا أقربَ منزلةً من الله
عزّ وجلّ، أو يرى رجلاً يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يومَ القيامة وعَمِيَ هو(١).
﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ﴾ أي: وما كنت إلا من المُستهزئين بالقرآن وبالرسول في
الدنيا بأولياء الله، قال قتادة: لم يَكْفِهِ أن ضيَّع طاعةَ الله حتى سَخِرَ من أهلها(٢).
ومحلّ ((إن كنت)) النصب على الحال؛ كأنه قال: فرَّظتُ وأنا ساخر؛ أي: فرَّطت
في حال سُخريتي(٣). وقيل: وما كنت إلا في سُخرية ولعب وباطل؛ أي: ما كان
سعيي إلا في عبادة غيرِ الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه النَّفس ﴿لَوْ أَنَ اَللَّهَ هَدَنِ﴾ أي: أَرشدني إلى
دينه ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ أي: الشِّركَ والمعاصي. وهذا القولُ: لو أن الله هداني
لاهتديت، قولُ صِدْق. وهو قريبٌ من احتجاج المشركين فيما أخبر الربُّ جلّ وعزّ
عنهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فهي كلمةُ
حقٌّ أُريد بها باطل؛ كما قال عليٍّ ﴾ لمَّا قال قائلٌ من الخوارج: لا حكم إلا لله (٤).
﴿أَوْ تَقُولَ﴾ يعني هذه النَّفْس ﴿حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةُ﴾ أي: رَجْعة.
﴿فَكُونَ﴾ نصب على جواب التمني، وإن شئت كان معطوفاً على ((كَرَّةً)) لأن معناه:
أنْ أكرَّ؛ كما قال الشاعر:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِليٍّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ(٥)
وأنشد الفراء:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٧.
(٢) أخرجه الطبري ٢٣٤/٢٠ .
(٣) الكشاف ٣/ ٤٠٤ .
(٤) أخرجه مسلم (١٠٦٦): (١٥٧).
(٥) قائلته ميسون بنت بحدل الكلية، وسلف الشطر الأول ٨/ ٥٠ ، ينظر تخريجه ثمة، والكلام من إعراب
القرآن للنحاس ١٨/٤.