النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الزمر: الآيتان ١٧ - ١٨ طالوت وجالوت وهاروت، ماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الظُّغيان(١)، و((أن)) في موضع نصب بدلاً من الطاغوت، تقديره: والذين اجتنبوا عبادةَ الطاغوت. ﴿وَبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: رَجَعوا إلى عبادته وطاعته. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ في الحياة الدنيا بالجنة في العُقبى. رُوي أنها نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير *؛ سألوا أبا بكر ﴾ فأخبرهم بإيمانه فآمنوا. وقيل: نزلت في زيد بن عمرو ابن نُفيل وأبي ذرّ وغيرهما ممن وحّد الله تعالى قبل مبعث النبي ﴾(٢). وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال ابن عباس: هو الرجلُ يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكفُّ عن القبيح فلا يتحدَّث به(٣). وقيل: يستمعون القرآنَ وغيره فيتَبعون القرآن(٤). وقيل: يستمعون القرآن وأقوالَ الرسول فيتَّبعون أحسنه، أي: محكمه فيعملون به. وقيل: يستمعون عَزْماً وترخيصاً فيأخذون بالعزم دون الترخيص. وقيل: يستمعون العقوبةَ الواجبةَ لهم والعفوَ فيأخذون بالعفو(٥). وقيل: إنَّ أحسنَ القول على من جعل الآية فيمن وحَّد الله قبلَ الإسلام ((لا إِله إِلا الله)). وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نُفيل وأبي ذرّ الغفاري وسلمان الفارسي، اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها في جاهليتهم، واتَّبعوا أحسنَ ما صار من القول إليهم(٦). (١) هذه الأقوال في النكت والعيون ٥/ ١٢٠، وزاد المسير ٧/ ١٧٠، وقول مجاهد وابن زيد أخرجه الطبري ٢٠/ ١٨٣. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٧٥، وزاد المسير ٧/ ١٧٠. (٣) النكت والعيون ١٢١/٥ بنحوه. (٤) معاني القرآن للنحاس ٦/ ١٦٣. (٥) المصدر السابق. (٦) النكت والعيون ١٢١/٥، وأخرجه الطبري ٢٠/ ١٨٥ . : ٢٦٢ سورة الزمر: الآيتان ١٩ - ٢٠ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنهُمُ اللَّهُ﴾ لما يَرضاه. ﴿وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي: الذين انتفعوا بعقولهم. قوله تعالى: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِ النَّارِ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنُقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ كان النبي ﴾ يَحرِصُ على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشَّقاوة، فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس: يُريد أبا لهب وولده ومَن تخلَّف من عشيرة النبي # عن الإيمان(١). وكرَّر الاستفهام في قوله: ((أَفَأَنْتَ)) تأكيداً لِطُول الكلام، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُر ◌ُّخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] على ما تقدَّم. والمعنى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابٍ﴾ أَفأنت تُنقذه. والكلام شرط وجوابه. وجيء بالاستفهام؛ ليدلَّ على التوقيف والتقرير. وقال الفراء(٢): المعنى: أفأنتَ تُنقذ من حقَّت عليه كلمةُ العذاب. والمعنى واحد. وقيل: إنَّ في الكلام حذفاً، والتقدير: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب ينجو منه، وما بعده مُستأنَف. وقال: ((أفمن حَقَّ عليه)) وقال في موضع آخر: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [يونس: ٣٣] لأن الفعلَ إذا تقدَّم ووقع بينه وبين الموصوف به حائلٌ جاز التذكير والتأنيث، على أن التأنيثَ هنا ليس بحقيقي، بل الكلمة في معنى الكلام والقول؛ أي: أفمن حقَّ عليه قول العذاب. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّيْنِيَّةٌ تَجْرِىٍ مِن تَّحْنِهَا اَلْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ اَلْمِيعَادَ (٥)﴾ قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ﴾ لما بَيَّن أن للكفار ظُللاً من النار مِن فوقهم (١) تفسير البغوي ٤/ ٧٥ بنحوه. (٢) في معاني القرآن ٤١٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ١٦٣/٦ - ١٦٤، وما قبله وما بعده فيه بنحوه. ٢٦٣ سورة الزمر: الآيتان ٢٠ - ٢١ ومن تحتهم بيَّن أن للمتقين غُرَفاً فوقَها غرف؛ لأن الجنةَ درجاتٌ يعلو بعضُها بعضاً و(لَكِن)) ليس للاستدراك؛ لأنه لم يأت نفي، كقوله: ما رأيتُ زيداً لكن عَمراً، بل هو لترك قصةٍ إلى قصة مُخالفةٍ للأُولى، كقولك: جاءني زيدٌ لكن عمرو لم يأتِ. ﴿غُرَفٌ مَّنيَّةٌ﴾ قال ابن عباس: مِن زَبَرجد وياقوت ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ﴾ أي: هي جامعةٌ لأسباب التُّزهة. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر؛ لأن معنى ((لهم غُرَفٌ)): وَعَدَهم الله ذلك وعداً. ويجوز الرفع بمعنى: ذلك وَعْدُ اللـه(١). ﴿لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ اَلْمِيعَادَ﴾ أي: ما وعدَ الفريقين. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَلَكَهُ يَبِيعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِـ زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُ حُكَمَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ﴾ أي: إنه لا يُخلف الميعاد في إحياء الخَلْق، والتمييز بين المؤمن والكافر، وهو قادرٌ على ذلك كما أنه قادرٌ على إنزال الماء من السماء . ((أَنزلَ مِنَ السَّماءِ» أي: من السَّحاب ((ماءً)) أي: المطر ﴿فَسَلَكَهُ﴾ أي: فأدخله في الأرض وأسكنه فيها؛ كما قال: ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]. ﴿يَلِيعَ﴾ جمع يَنْبُوع وهو يَفْعُول من نَبَع يَنْبُعِ ويَنْبَعِ ويَنْبِعُ، بالرفع والنصب والخفض - النحاس(٢): وحكى لنا ابنُ كَيْسان في قول الشاعر: يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ(٣) (١) إعراب القرآن للنحاس ٨/٤ . (٢) في إعراب القرآن ٨/٤، وما قبله منه. (٣) قائله عنترة، وهو من معلقته. الديوان صٍ ٢٢ . وعجزه: زيَّافة مثل الفنيق المُكْدَم. والذِّفْرى من القفا: الموضع الذي يعرق من الإبل خلف الأذن، والغضوب: الناقة العبوس، والجَسْرة: الماضية في سيرها، والزيَّافة: مبالغة زائف؛ إذا تبختر في مشيه، والفنيق: الفحل. والمُكْدَم: الذي لا يُؤذى ولا يُركّب لكرامته على أهله. خزانة الأدب ١٢٤/١ - ١٢٥ . ٢٦٤ سورة الزمر: الآية ٢١ أنَّ معناه: يَنْبَع، فأَشبع الفتحةَ فصارتْ ألفاً - نُبوعاً: خرج. واليَنْبوع عينُ الماء والجمع الينابيع(١). وقد مضى في ((سبحان))(٢). (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ)) أي: بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض ﴿زَرْعًا﴾ هو للجنس، أي: زروعاً شتى لها ألوانٌ مختلفة، حُمرة وصُفرة وزُرقة وخُضرة ونوراً. قال الشعبي والضحاك: كلُّ ماء في الأرض فمن السماء نزل، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم منها العيون والرَّكايا. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: بيبس. ﴿فَتَرَهُ﴾ أي: بعد خُضرته ﴿مُصْفَرَّا﴾(٣). قال المبرد: قال الأصمعي: يقال: هاجت الأرض تهيجُ إذا أَدبر نَبْتُها وولَّى. قال: وكذلك هاج النبتُ. قال: وكذلك قال غير الأصمعي (٤). وقال الجوهري(٥): هاج النبتُ هِياجاً، أي: يَبِسَ. وأرضٌ هائجة يَبِسَ بَقْلُها أو اصفرَّ، وأهاجت الريحُ النَّبْتَ: أَيْبسَتْه، وأهيجنا الأرضَ، أي: وجدْناها هائجةً النبات، وهاج هائجه، أي: ثار غضبه، وهدأ هائجه، أي: سكنت فَوْرته . ﴿ثُمَّ يَجْعَلَهُ خُطَمَاْ﴾ أي: فُتاتاً مُكَسَّراً، من: تحظّم العودُ، إذا تَفتَّتَ من الييس(٦). والمعنى: أن مَن قَدَر على هذا قَدَر على الإعادة. وقيل: هو مَثَلٌ ضربه الله للقرآن ولصدور مَن في الأرض، أي: أنزل من السماء قرآناً فسلكه في قلوب المؤمنين ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعَا تُخْتَلِفًا أَلْوَتُهُ﴾ أي: ديناً مُختلفاً بعضُه أفضلُ من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيماناً ويقيناً، وأما الذي في قلبه مرضٌ فإنه يهيج كما يهيج الزرع. وقيل: هو مثلٌ ضربه الله للدنيا؛ أي: كما يتغير النبت الأخضر فيصفرّ كذلك الدنيا بعد بَهْجتها. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾. (١) الصحاح (نبع). (٢) ١٣/ ١٧٤. (٣) تفسير البغوي ٧٦/٤ بنحوه، وقول الشعبي أخرجه الطبري ١٨٨/٢٠. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٨/٤ - ٩. (٥) في الصحاح (هيج). (٦) إعراب القرآن للنحاس ٩/٤. ٢٦٥ سورة الزمر: الآية ٢٢ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَتِكَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ شرحَ: فتح ووسَّع. قال ابن عباس: وسَّع صدره للإسلام حتى ثبتَ فيه. وقال السدي: وسَّع صَدْره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه؛ فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح إلا بعد الإسلام؛ وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشَّرح قبلَ الإسلام(١). ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّ﴾ أي: على هُدىّ من ربِّه كمن طبع على قلبه وأقساه. ودلَّ على هذا المحذوف قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾(٢). قال المبرد: يقال: قسا القلبُ، إذا صَلُب، وكذلك عتا وعسا مقاربة لها. وقلبٌ قاسٍ، أي: صُلْب لا يرقّ ولا يَلين(٣). والمراد بمن شرح الله صَدْرَه هاهنا فيما ذكر المفسرون عليٍّ وحمزةُ رضي الله عنهما(٤). وحكى النقَّاش أنه عمرُ بن الخطاب ﴾. وقال مقاتل: عمار بن ياسر. وعنه أيضاً والكلبي: رسولُ الله ﴾(٥). والآية عامةٌ فيمن شرح اللهُ صَدْره بِخَلْق الإيمان فيه. وروى [عمرو بن] مُرَّة [عن أبي عبيدة](٦) عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسولَ الله، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن زَِّ،﴾ كيف انشرح صدره؟ قال: ((إذا دخلَ النورُ القلبَ انشرح وانفتح)) قلنا: يا رسولَ الله، وما علامةُ ذلك؟. قال: ((الإنابةُ إلى دار الخُلود، والتجافي عن دار الغُرور، والاستعداد للموت (١) النكت والعيون ١٢١/٥، ونسب القول الأول لابن عباس رضي الله عنهما والسدي، ولم ينسب الثاني. (٢) المحرر الوجيز ٤ /٥٢٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٩/٤. (٤) المحرر الوجيز ٥٢٧/٤ . (٥) النكت والعيون ١٢٢/٥ . (٦) ما بين حاصرتين من مصادر التخريج، وينظر التعليق التالي. : ٢٦٦ سورة الزمر: الآية ٢٢ قبلَ نُزوله))(١)، وخرجه الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول)) من حديث ابن عمر: أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي: المؤمنين أكيسُ؟ قال: ((أكثرُهم للموت ذِكْراً، وأحسنُهم له استعداداً، وإذا دخل النورُ في القلب انفسح واستوسع)) قالوا: فما آيةٌ ذلك يا نبيَّ الله؟ قال: ((الإنابةُ إلى دار الخُلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعدادُ للموت))(٢) فذكر * خِصالاً ثلاثة، ولا شكَّ أن من كانت فيه هذه الخِصال فهو الكامل الإيمان، فإنَّ الإنابةَ إنما هي أعمال البر؛ لأن دارَ الخُلود إنما وضعت جزاءً لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضعَ في تنزيله، ثم قال بعقب ذلك: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فالجنةُ جزاء الأعمال؛ فإذا انكمش العبدُ في أعمال البر فهو إنابتُه إلى دار الخلود، وإذا خَمَد حِرْصه عن الدنيا، ولَها عن طلبها، وأقبل على ما يُغنيه منها فاكتفى به وقَنِعَ، فقد تجافى عن دار الغرور. وإذا أَحكم أموره بالتقوى فكان ناظراً في كل أمر، واقفاً متأدِّباً مُتبّاً حَذِراً يتورَّع عما يُريبه إلى ما لا يُريبه، فقد استعدَّ للموت. فهذه علامتُهم في الظاهر. وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دارُ الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤيةُ بالنور الذي وَلَج القلب(٣). وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قيل: المراد أبو لهب وولده، ومعنى: ((مِنْ ذِكْرِ اللهِ) أن قلوبهم تزداد قسوةً من سماع ذِكْره. وقيل: إن ((مِن)) بمعنى عن والمعنى: قَسَتْ عن قَبول ذِكْر الله. وهذا اختيار الطبري(٤). (١) وهو حديث ضعيف جداً، قال الدارقطني في العلل ١٨٩/٥: يرويه عمرو بن مرة، واختلف عنه ... وذكر عدة طرق له ثم قال: وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلاً عن النبي #، كذلك قاله الثوري، وعبد الله بن المسور هذا متروك. اهـ قلنا: وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود ﴾، وقد سلف الحديث ٢٣/٩ ، ينظر ما ذكرناه ثمة. (٢) نوادر الأصول ص١٢٥ - ١٢٦ . وأخرجه مختصراً ابن ماجه (٤٢٥٩) وفي إسناده نافع بن عبد الله عن فروة بن قيس، وهما مجهولان كما في التقريب. (٣) نوادر الأصول ص١٢٧ . (٤) تفسير الطبري ٢٠/ ١٩٠، وينظر زاد المسير ١٧٤/٧. : ٢٦٧ سورة الزمر: الآيتان ٢٢ - ٢٣ وعن أبي سعيد الخُدري أن رسولَ اللـه لمّ﴾ قال: ((قال الله تعالى: اطلُبوا الحوائج من السُّمَحاء، فإني جعلتُ فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قُلوبهم، فإني جعلتُ فيهم سَخَطي))(١). وقال مالك بن دينار: ما ضُرِب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوة قلب، وما غَضِبَ اللهُ على قوم إلا نَزَعَ الرحمةَ من قلوبهم (٢). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن لما قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ بيَّن أن أحسنَ ما يُسمع ما أنزله الله، وهو القرآن. قال سعدُ بن أبي وقَّاص: قال أصحابُ رسول اللـه ﴾: لو حدَّثتنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ﴾ فقالوا: لو قصصتَ علينا فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] فقالوا: لو ذَكَّرتنا فنزل: ﴿أَلَمّ ◌َأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية(٣) [الحديد: ١٦]. وعن ابن مسعود أن أصحابَ رسول اللـه ﴿ مَلُّوا مَلَّة فقالوا له: حدِّثنا، فنزلتْ(٤). (١) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٢٨٦/٢، بلفظ: ((إن الله يقول: اطلبوا الفضل من الرُّحَماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم ... )). وفي إسناده محمد بن مروان السدي كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة الاعتبار، قاله ابن حبان، وينظر لسان الميزان ٤٤٦/٣ - ٤٤٧ . (٢) المحرر الوجيز ٥٢٧/٤، وتفسير البغوي ٧٦/٤ . (٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤٠٨/٢، وسلف ١١/ ٢٤٠ دون قولهم: لو ذكّرتنا ... (٤) المحرر الوجيز ٢١٨/٣ - ٢١٩. ٢٦٨ سورة الزمر: الآية ٢٣ والحديث ما يُحدِّثُ به المُحدِّث. وسُمِّي القرآن حديثاً؛ لأن رسولَ الله # كان يُحدِّث به أصحابَه وقومَه، وهو كقوله: ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقوله: ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] وقوله: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وقوله: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يَكَّذِّبُ ◌ِهَذَا الْحَدِيثِّ﴾ [القلم: ٤٤]. قال القشيري: وتوهّم قومٌ أن الحديثَ من الحدوث، فليدلَّ على أن كلامه مُحدَث، وهو وهم؛ لأنه لا يُريد لفظَ الحديث على ما في قوله: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وقد قالوا: إنَّ الحُدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المَتْلوّ، وهو كالذِّكر مع المذكور، إذا ذكرنا أسماءَ الربّ تعالى. ﴿كِنَبًا﴾ نصب على البدل من ((أَحْسَنَ الحَدِيثِ)) ويحتمل أن يكون حالاً منه. ﴿مُتَشَبِهَا﴾ يُشبه بعضُه بعضاً في الحُسن والحِكمة ويُصدِّق بعضُه بعضاً (١)، ليس فيه تناقضٌ ولا اختلاف. وقال قتادة: يُشبه بعضه بعضاً في الآي والحروف. وقيل: يُشبه كُتبَ الله المُنزلة على أنبيائه؛ لما يتضمَّنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب وإنْ كان أعمَّ وأعجزَ(٢). ثم وصفه فقال: ﴿مَثَانِىَ﴾ تُثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام، وتُني للتلاوة فلا يُمَلّ. ﴿نَقْشَعِرُ﴾ تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد. ﴿ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عند آية الرحمة. وقيل: إلى العمل بكتاب الله والتصديق به. وقيل: ((إِلى ذِكْرِ اللهِ)) يعني الإسلام. الثانية: عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: كان أصحابُ النبي # إذا قرئ عليهم القرآن كما نَعَتَهم الله؛ تدمع أعينُهم وتقشعرُّ جلودهم. قيل لها: فإن أناساً اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِيّاً عليه. فقالت: أعوذُ بالله (١) تفسير الطبري ٢٠/ ١٩١. (٢) النكت والعيون ١٢٢/٥، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٩١/٢٠. ٢٦٩ سورة الزمر: الآية ٢٣ من الشيطان الرجيم. وقال سعيد بن عبد الرحمن الجُمحي: مرَّ ابنُ عمر برجل من أهل القرآن ساقط فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قُرئ عليه القرآن وسَمِعَ ذِكْر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لَنخشى الله وما نسقط. ثم قال: إن الشيطانَ يدخلُ في جوف أحدِهم؛ ما كان هذا صنيعَ أصحاب محمد ﴾(١). وقال عمر بن عبد العزيز: ذُكر عند ابن سيرين الذين يُصرعون إذا قُرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدُهم على ظهر بيت باسطاً رجليه، ثم يُقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإنْ رمى بنفسه فهو صادق(٢). وقال أبو عمران الجوني: وعظ موسى عليه السلام بني إسرائيل ذاتَ يوم فشقّ رجلٌ قميصه، فأوحى الله إلى موسى: قل لصاحب القميص: لا يشقَّ قميصه، فإني لا أُحِبُّ الْمُبذرين؛ يشرح لي عن قلبه(٣). الثالثة: قال زيد بن أسلم: قرأ أبيّ بن كعب عند النبي # ومعه أصحابه(٤) فرقّوا، فقال النبيُّ﴾: ((اغتنموا الدُّعاء عند الرِّقة، فإنها رحمةٌ))(٥). وعن العباس أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: ((إذا اقشعرَّ جلدُ المؤمن من مخافة الله تحاتَّتْ عنه خطاياه كما يتحاتُّ عن الشجرة البالية ورقُها)»(٦). وعن ابن عباس أن رسولَ الله :﴿ قال: «ما اقشعرَّ جلدُ عبدٍ من خَشیةِ الله إلا حرَّمه اللهُ على النار))(٧). وعن شهر بن حَوْشَب عن أُمِّ الدرداء قالت: إنما الوجل في (١) أخرج الخبرين البغوي في تفسيره ٤/ ٧٧ ، وذكرهما ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٨/٤ . (٢) المصدران السابقان دون ذكر عمر بن عبد العزيز ﴾، ولم نقف عليه من قوله. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣١٤/٢ - ٣١٥. (٤) قوله: ومعه أصحابه، من (م). (٥) أخرجه الشهاب في مسنده (٦٩٢) وهو مرسل، فإن زيداً لم يدرك أياً ﴾. (٦) أخرجه البزار في مسنده (١٣٢٢). (٧) لم نقف عليه. ٢٧٠ سورة الزمر: الآية ٢٣ قلب الرجل كاحتراق السَّعفة، أما تَجِدُ إلا قُشَعْريرة؟ قلت: بلى؛ قالت: فادعُ اللهَ، فإن الدعاء عند ذلك مُستجاب(١). وعن ثابت البُنَاني قال: قال فلان: إني لأعلمُ متى يُستجاب لي. قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعرَّ جلدي، ووَجِلَ قلبي، وفاضتْ عيناي، فذلك حين يُستجاب لي(٢). يقال: اقشعرّ جلدُ الرجل اقشعراراً فهو مُفْشَعِرٌ، والجمع قشاعر، فَتُحذَّف الميم، لأنها زائدة؛ يقال: أَخذَتْه قُشَغْريرة(٣). قال امرؤ القيس: فيِتُّ أكابِدُ ليلَ الثَّمَا مِ والقلبُ مِن خشيةٍ مُفْشَعِرّ(٤) وقيل: إن القرآنَ لما كان في غاية الجَزالة والبلاغة، فكانوا إذا رَأَوْا عَجْزَهم عن معارضته، اقشعرَّت الجلودُ منه إعظاماً له، وتَعجُّباً من حُسن ترصيفه(٥) وتَهَيُّباً لِمَا فيه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ أَوْأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةٍ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] فالتصدُّع قريبٌ من الاقشعرار، والخُشوع قريبٌ من قوله: ﴿قُمَّ تَلِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ومعنى لين القلب رِقَّته وطمأنينته وسُكونه. ﴿َذَلِكَ هُدَى اللَهِ﴾ أي: القرآن هُدَى الله. وقيل: أي: الذي وهبه اللهُ لهؤلاء من خَشیة عقابه ورجاء ثوابه هُدَى الله(٦). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّه ◌َا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: مَن خَذَله فلا مُرشِدَ له. وهو يردُّ على القَدَرية وغيرهم. وقد مضى معنى هذا كلِّه مستوفىّ في غير موضع، والحمد لله. ووقف ابن كثير وابن مُحيصن على قوله: ((هادٍ» في الموضعين بالياء، الباقون بغير ياء(٧). (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١١٣٨). (٢) أخرجه البيهقي في الشعب (١١٣٩)، وذكره الحكيم في نوادر الأصول ص١١٤ . (٣) الصحاح (قشعر). (٤) ديوان امرئ القيس ص١٥٨. قال شارحه: ليل التِّمام: أطول ليل في الشتاء. (٥) في (م): ترصيعه. (٦) المحرر الوجيز ٥٢٨/٤، وزاد المسير ١٧٨/٧ بمعناه. (٧) السبعة ص ٣٦٠، والتيسير ص١٣٣ . ٢٧١ سورة الزمر: الآيات ٢٤ - ٢٦ قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَقِلَ لِلَّلِينَ ذُوقُواْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا مَا كُ تَكْسِبُونَ (٨) يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَنَّفِى بِوَجْهِهِ، سُوَءَ الْعَذَابِ﴾ قال عطاء وابن زيد: يُرْمَى به مكتوفاً في النار، فأوّل شيء تَمَسُّ منه النار وجهه. وقال مجاهد: يُجَرُّ على وجهه في النار. وقال مقاتل: هو أن الكافر يُرمى به في النار مغلولةً يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو مُعلَّق عنقه، فحرُّها ووَهجها على وجهه؛ لا يُطيق دَفْعها عن وجهه من أجل الأغلال(١). والخبر محذوف. قال الأخفش(٢): أي: ﴿أَفَمَنْ يَنَّقِى بِوَجْهِمِ سُوّءَ الْعَذَابِ﴾ أفضلُ أَمْ من سَعِدَ، مثل: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِىِ النَّارِ خَيْرُّ أَمَ مَّن يَأْنَِّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]. ﴿وَقِلَ لِلِّينَ﴾ أي: وتقول الخَزنة للكافرين: ﴿ذُوقُواْ مَا كُمْ تَكِْبُونَ﴾ أي: جزاءَ كَسْبِكُم من المعاصي. ومثله: ﴿هَذَا مَا كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْفِرُونَ﴾ [التوبة: ٥ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَنَّهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. فَذَافَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ تقدَّم معناه(٣). وقال المبرد: يقال لكلِّ ما نال الجارحة من شيء: قد ذاقته، أي: وصل إليها كما تَصِلُ الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخِزي المكروه(٤)، والخَزاية من الاستحياء(٥). (١) تفسير البغوي ٤/ ٧٧ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٩/٤. (٣) ٣٢٤/٢. (٤) في (م): من المكروه. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٩/٤ - ١٠. ٠٠ ٢٧٢ سورة الزمر: الآيتان ٢٧ - ٢٨ ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبرُ﴾ أي: مما أَصابهم في الدنيا ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَّمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ V قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عَوَجَ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَيْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل مثل يحتاجون إليه؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقيل: أي: ما ذكرنا (١) من إهلاك الأمم السالفة مَثَلٌ لهؤلاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ﴾ يتَّعظون. ﴿قُرَّانًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الحال. قال الأخفش(٢): لأن قوله جلّ وعزّ: ((في هذا القرآن)) معرفة. وقال علي بن سليمان: ((عَرَبيّاً)) نصب على الحال، و((قُرْآنًاً)) توطئة للحال كما تقول: مررتُ بزيد رجلاً صالحاً، فقولك: صالحاً هو المنصوبُ على الحال. وقال الزجاج(٣): ((عَرَبِيّا)) منصوب على الحال و((قُرْآنًا)) توكيد. ﴿ِغَيْرَ ذِى عِوَ﴾ النحاس(٤): أحسنُ ما قيل فيه قول الضحاك: قال: غير مختلف. وهو قول ابن عباس، ذكره الثعلبي(٥). وعن ابن عباس أيضاً: غير مخلوق، ذكره المهدوي(٦) وقاله السدي فيما ذكره الثعلبي. وقال عثمان بن عفان: غير مُتضاد. وقال مجاهد: غير ذي لَبْس. وقال بكر بن عبد الله المُزَني: غير ذي لَحْن(٧). وقيل: غير ذي شكٌّ. قاله السُّدي فيما ذكره الماوردي(٨). قال: (١) في (م): ما ذكرناه. (٢) في معاني القرآن ٢/ ٦٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٠/٤ وما بعده منه. (٣) في معاني القرآن ٤/ ٣٥٢. (٤) في إعراب القرآن ٤/ ١٠، وما قبله منه. (٥) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٩/٤، والبغوي في تفسيره ٧٨/٤ . (٦) وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٧٩/٧ . (٧) المحرر الوجيز ٥٢٩/٤ . (٨) في النكت والعيون ١٢٤/٥ . ٢٧٣ سورة الزمر: الآيات ٢٧ - ٢٩ مِن الإلهِ وقولٌ غيرُ مكذوبٍ(١) وقد أتاكَ يقِينٌ غيرُ ذي عِوَجٍ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الكُفرَ والكذب. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكٍَّ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ ٢٩) يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾ قال الكسائي: نصب (رَجُلاً)) لأنه ترجمةٌ للمَثَل وتفسيرٌ له(٢)، وإن شئتَ نصبته بنزع الخافض، مجازه: ضرب الله مثلاً برجل ﴿فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾(٣). قال الفرّاء(٤): أي: مختلفون. وقال المبرّد: أي: متعاسرون، من: شَكِسَ يَشْكِسُ شَكَساً، فهو شَكِسٌ، مثل: عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَراً، فهو عَسِرٌ، يقال: رجل شَكِسٌ وشَرِسٌ وضَرسٌ وضَبِسٌ. ويقال: رجل ضَبِسٌ وضَبِيسٌ، أي: شَرِسٌ عَسِر شَكِسٌ؛ قاله الجوهري(٥). الزمخشري(٦): والتشاكسُ والتشاخسُ الاختلافُ. يقال: تشاكسَتْ أحوالُه وتشاخستْ أسنانُه. ويقال: شاكسني فلان، أي: ما كسني وشاخَّني في حقِّي. قال الجوهري(٧): رجل شَكْس - بالتسكين - أي: صعب الخُلُق. قال الراجز: شَكْسٌ عَبُوسٌ عَنْبَسٌ عَذَوَّرُ (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٩٦/٣. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٧٨ . (٣) المحرر الوجيز ٥٢٩/٤ . (٤) معاني القرآن ٤١٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٠/٤ وما بعده منه. (٥) في الصحاح (ضبس). (٦) في الكشاف ٣٩٧/٣ . (٧) في الصحاح (شكس). ٢٧٤ سورة الزمر: الآية ٢٩ وقوم شُكْسٌ، مثال: رَجلٌ صَدْق، وقوم صُدْق. وقد شَكِس - بالكسر - شَكَاسةً. وحكى الفراء (١): رجل شَكِسٌ. وهو القياس، وهذا مَثَلُ مَنْ عَبَدَ آلهةً كثيرة. ﴿وَرَجُلًا سَلَمَا لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصاً لِسيِّد واحد، وهو مَثَلُ مَنْ يعبد الله وحدَه. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَنِ مَثَلًا﴾ هذا الذي يخدُم جماعةً شُركاءَ، أخلاقُهم مختلفة، ونيَّاتهم مُتباينة، لا يلقاه رجلٌ إلا جرَّه واستخدمه؛ فهو يَلقى منهم العَناء والنَّصَب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كلِّه لا يُرضي واحداً منهم بخدمته لِكَثْرة الحقوق في رقبته، والذي يخدُم واحداً لا يُنازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحدَه عَرَفَ ذلك له؛ وإن أخطأ صَفَحَ عن خطئه، فأيهما أقلُّ تعباً أو على هُدى مستقيم(٢). وقراءة أهل الكوفة وأهل المدينة: ((وَرَجُلاً سَلَماً)) وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الحَجْدَري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب: ((وَرَجُلاً سَالِماً))(٣) واختاره أبو عُبيد لِصحة التفسير فيه. قال: لأن السالمَ الخالصُ ضدُّ المُشتَرك، والسَّلم ضدّ الحرب، ولا موضعَ للحربِ هنا. النحاس(٤): وهذا الاحتجاجُ لا يلزم، لأن الحرفَ إذا كان له مَعنيان لم يُحمل إلا على أَولاهما، فهذا وإن كان السَّلمُ ضدَّ الحرب فله موضعٌ آخر؛ كما يقال: لك في هذا المنزل شُركاء فصار سَلَماً لك. ويلزمه أيضاً في سالم ما ألزم غيره؛ لأنه يقال: شيء سالم، أي: لا عاهةً به. والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة. واختار أبو حاتم قراءةَ أهل المدينة ((سَلَماً)) قال: وهذا الذي لا تنازع فيه. وقرأ سعيد بن جُبير وعكرمة وأبو العالية ونصر: ((سِلْماً)) بكسر السين وسكون اللام(٥). (١) نقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (شكس). (٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ١٢٤/٥، والكشاف ٣٩٦/٣ - ٣٩٧، وزاد المسير ١٧٩/٧ - ١٨٠. (٣) السبعة ص ٥٦٢، والتيسير ص١٨٩، والنشر ٣٦٢/٢. (٤) في إعراب القرآن ٤/ ١٠ - ١١، وما قبله منه. (٥) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٠/٤ عن سعيد بن جبير. ٢٧٥ سورة الزمر: الآيات ٢٩ - ٣١ وسِلْماً وسَلَماً مصدران، والتقدير: ورجلاً ذا سلم فحذف المضاف. و((مَثَلاً)) صفةً، على التمييز، والمعنى: هل تستوي صِفتاهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس(١). ﴿اَلَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الحقَّ فيتبعونه. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ (٣٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَيَّكُمْ تَخْلَصِمُونَ (٣١) قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ وقرأ ابن مُحيصن وابن أبي عَبْلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق: ((إنَّكَ مَائِتٌ وإِنَّهُمْ مَائِّتُونَ)) وهي قراءةٌ حسنةٌ، وبها قرأ عبد الله ابن الزُّبير (٢). النحاس(٣): ومثل هذه الألف تُحذف في الشواد(٤)، و((مائت)) في المستقبل كثيرٌ في كلام العرب؛ ومثلُه: ما كان مريضاً وإنه لمارض من هذا الطعام. وقال الحسن والفراء والكسائي: الميّت بالتشديد: من لم يَمُتْ وسيموت، والمَيْت بالتخفيف: مَنْ فارقته الروح؛ فلذلك لم تُخفف هنا(٥). قال قتادة: نُعِيتْ إلى النبي ﴿ نَفْسُه، ونُعِيَتْ إليكم أنفسُكم(٦). وقال ثابت البُنَاني: نَعَى رجلٌ إلى صِلةً ابن أَشْيَم أخاً له فوافقه يأكل، فقال: اذْنُ فَكُلْ، فقد نُعِيَ إليَّ أخي منذ حين؛ قال: وكيف وأنا أوّل من أتاك بالخبر. قال: إن الله تعالى نعاه إليّ فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَهُم قَيِّتُونَ﴾(٧) . وهو خطابٌ للنبي # أخبره بموته وموتهم؛ فاحتمل خمسةً أوجه: أحدها أن (١) الكشاف ٣٩٧/٣ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٣١. (٣) إعراب القرآن ٤/ ١١، وما قبله منه. (٤) في (د) و(ز) و(م): الشواذ، والمثبت من (ظ) وإعراب القرآن. (٥) ذكر قول الفراء والكسائي البغوي في تفسيره ٧٨/٤ . (٦) ذكره العيني في عمدة القاري ٦٠/١٨ . (٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٣٨/٢ . وصلة بن أشْيَم: أبو الصهباء، العدوي، البصري، زوج العالمة معاذة العدوية، مات سنة (٦٢هـ). السير ٤٩٧/٣ . ٢٧٦ سورة الزمر: الآيتان ٣٠ - ٣١ يكون ذلك تحذيراً من الآخرة. الثاني: أن يُذكِّره حثّاً على العمل. الثالث: أن يُذكِّره توطئة للموت. الرابع: لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأُمَمُ في غيره، حتى إن عمرَ ﴾ لما أنكر موتَه احتجَّ أبو بكر بهذه الآية فأمسك. الخامس: لِيُعْلمه أن الله تعالى قد سوَّى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره؛ لِتكثر فيه السَّلوة وتقلَّ فيه الحَسْرةِ(١). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَيِّكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾ يعني تخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم؛ قاله ابن عباس(٢) وغيره. وفي خبر فيه طول: إن الخصومةَ تبلغ يومَ القيامة إلى أن يُحاجَّ الروحُ الجسد(٣). وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله، أَيُكَرَّر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصِ الذنوب؟ قال: ((نعم، لَيُكرَّرنَّ عليكم حتى يؤذَّى إلى كل ذي حقِّ حقَّه)) فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد(٤). وقال ابن عمر: لقد عِشنا بُرهةً من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابَيْن ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فقلنا: وكيف نختصمُ ونبينا واحد وديننا واحد، حتى رأيتُ بعضنا يضربُ وجوهَ بعض بالسيف؛ فعرفتُ أنها فينا نزلت(٥). وقال أبو سعيد الخُدري: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبيُّنا واحد فما هذه الخصومة. فلما كان يوم صِفِّين وشدَّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا. (١) النكت والعيون ١٢٥/٥، وخبر إنكار عمر ﴾ موت النبي # عند البخاري (١٢٤١) وسلف ٣٤٢/٥. (٢) أخرجه الطبري ٢٠١/٢٠ بنحوه. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٥٣٠ . (٤) أخرجه أحمد (١٤٣٤) بهذا اللفظ، وأخرجه الترمذي (٣٢٣٦) بنحوه مختصراً. (٥) ذكره بهذا اللفظ البغوي في تفسيره ٧٨/٤، وأخرجه بنحوه النسائي في الكبرى (١١٣٨٣)، والطبري ٢٠٢/٢٠، وقوله: حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف. يعني فتنة مقتل عثمان ﴾. ٢٧٧ سورة الزمر: الآيتان ٣٠ - ٣١ وقال إبراهيم النَّخَعي: لما نزلت هذه الآية جعل أصحابُ رسول الله # يقولون: ما خصومتنا بيننا؟ فلما قُتل عثمان ﴾ قالوا: هذه خصومتنا بيننا(١). وقيل: تخاصُمهم هو تحاكُمهم إلى الله تعالى، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر مَظْلِمته، ویردُّها في حسنات مَن وَجَبتْ له. وهذا عامٌّ في جميع المظالم، كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله :﴿ قال: ((أَتدرون من المُفْلس؟» قالوا: المُفْلس فينا مَن لا درهمَ له ولا مَتاع. قال: ((إنَّ المفلسَ من أمّتي مَن يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيام وزكاةٍ، ويأتي قد شَتَم هذا، وقذفَ هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيتْ حسناتُه قبل أن يُقْضَى(٢) ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحت عليه، ثم طُرِحَ في النار)) خرجه مسلم(٣). وقد مضى هذا المعنى مجوَّداً في ((آل عمران)). وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﴾ قال: ((من كانت له مَظْلِمٌ لأحد (٤) من عِرْضه أو شيء فَلْيتحلله منه اليومَ قبل ألا يكونَ دينارٌ ولا دِرهم، إن كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدر مَظْلِمته وإن لم تكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فحمل عليه))(٥) وفي الحديث المسند: أوّلُ ما تقع الخُصومات في الدنيا(٦). وقد ذكرنا هذا الباب كلَّه في ((التذكرة)) مستوفى(٧). (١) ذكر هذا الخبر والذي قبله البغوي في تفسيره ٧٨/٤. وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري ٢٠/ ٢٠٢. (٢) في النسخ: قبل انقضاء، والمثبت من (م) وهو الموافق لصحيح مسلم، والحديث منه كما سيأتي. (٣) الحديث (٢٥٨١)، وسلف ٤١٤/٥ . (٤) في النسخ: من كانت له عنده لأخيه مظلمة. والمثبت من (م) وهو الموافق لصحيح البخاري. (٥) صحيح البخاري (٢٤٤٩) وسلف ٧٦/٢ . (٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (برواية نعيم بن حماد) (٣٨٨) من قول ابن مسعود * مطولاً بلفظ: إن الله يجمع الناس في صعيد واحد ... ثم يكون أول ما يبدؤون من الخصومات في الدنيا، فيؤتى بالقاتل والمقتول ... (٧) ص٢٦٧ . ٢٧٨ سورة الزمر: الآيات ٣٢ - ٣٥ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ، أَيْسَ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِّ أُوْلَكَ هُمُ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ (٣) الْمُنَّقُونَ ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ (٣) لِيُكَفِّرَ اَللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَنَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِلَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣٥) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ ﴿مِمَن كَذَبَ عَ اللَّهِ﴾ فزعم أنَّ له ولداً وشريكاً ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني القرآن، ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ﴾ استفهامُ تقرير ﴿مَثْوَّى لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: مقامٌ للجاحدين(١)، وهو مشتقٌّ من: ثَوَى بالمكان، إذا أقام به يَثْوِي ثَوَاء وتُوِيّاً، مثل: مَضَى مَضَاء ومُضيّاً(٢)، ولو كان من أَنْوَى لكان مُثْوَى. وهذا يدلّ على أن تَوَى هي اللغةُ الفصيحة. وحكى أبو عبيدة(٣): أثوى، وأنشد قول الأعشى: أَثْوَى وَقَصَّر لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ومَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدا (٤) والأصمعيُّ لا يعرف إلا ثَوَى، ويروي البيت: أَثَوَى، على الاستفهام. وأَثْوَيتُ غيري يتعدَّى ولا يتعدَّى(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾(٦)، واختلف في الذي جاء بِالصدقِ وصَدَّقَ بِهِ؛ فقال عليٍّ﴾: ((الذي جاءَ بالصِّدْق)) النبيُّ#، ((وَصدَّقَ بِهِ)) أبو بكر ﴾(٧). وقال مجاهد: النبيُّ عليه الصلاة والسلام وعليّ ﴾(٨). السّدي: الذي جاء بالصّدق جبريلُ﴾، والذي صدَّق به (١) تفسير البغوي ٧٩/٤ . (٢) الصحاح (ثوي). (٣) في النسخ: أبو عبيد، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١١/٤، والكلام منه. وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٠٧/٢ . (٤) ديوان الأعشى ص ٢٧٧ . (٥) الصحاح (ثوي). (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٢ . (٧) أخرجه الطبري ٢٠٤/٢٠ . (٨) المحرر الوجيز ٥٣١/٤ . ٢٧٩ سورة الزمر: الآيات ٣٢ - ٣٥ محمدٌ﴾(١). وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة: ((الذي جاءَ بِالصِّدْق)) النبيُّ﴾ ((وَصَدَّقَ به)) المؤمنون. واستدلوا على ذلك بقوله: ((أولئك هم المُتَّقُونَ))(٢)، كما قال: ﴿هُدِّی لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وقال النَّخَعي ومجاهد: ((الذي جاءَ بالصِّدْقِ وصَدَّقَ به)) المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يومَ القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتُمُونا قد اتَّبعنا ما فيه(٣)؛ فيكون ((الذي)) على هذا بمعنى جمع، كما تكون مَنْ بمعنى جمع، وقيل: بل حُذفت منه النون لِطُول الاسم. وتأوَّله الشعبي على أنه واحد، وقال: ((الذي جاءَ بِالصِّدْقِ)) محمد ﴾، وصدَّق به محمد﴿(٤)، فيكون على هذا خبره جماعة؛ كما يقال لمن يُعّم: هو فعلوا، وزيد فعلوا كذا وكذا. وقيل: إن ذلك عامٌّ في كل مَن دعا إلى توحيد الله عز وجل؛ قاله ابن عباس (٥) وغيره، واختاره الطبري . وفي قراءة ابن مسعود: ((والذي جَاؤُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ))(٦) وهذه قراءة على التفسير. وفي قراءة أبي صالح الكوفي: ((والذي جاءَ بِالصِّدْق وصَدَقَ به)) مُخَفَّفاً على معنى: وصَدَقَ بمجيئه به، أي: صَدَقَ في طاعة الله عز وجل(٧)، وقد مضى في ((البقرة)) الكلامُ في ((الَّذِي)) وأنه يكون واحداً ويكون جمعاً (٨). (١) تفسير البغوي ٤/ ٧٩ . (٢) تفسير البغوي ٧٩/٤، وقول قتادة وابن زيد أخرجه الطبري ٢٠٥/٢٠ . (٣) أخرجه الطبري ٢٠٦/٢٠ عن مجاهد. (٤) قوله وصدَّق به محمد #، ليس في (د) و(ز) و(م)، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٢ وعبارته: الذي جاء بالصدق محمد ﴾، وصدَّق به أبو بكر الصديق ﴾ والصحابة. والمثبت من (ظ) ونسخة من إعراب القرآن للنحاس أشار إليها محققه، وهو الصواب. (٥) في تفسير الطبري ٢٠٦/٢٠، وأخرج قول ابن عباس ﴾ ٢٠/ ٤٠٢ . (٦) القراءات الشاذة ص ١٣٢، والمحرر الوجيز ٥٣١/٤، والدر المصون ٤٢٧/٩، ووقع في القراءات الشاذة: جاء، بدل: جاؤوا. (٧) إعراب القرآن للنحاس ١٢/٤، وقراءة أبي صالح في المحتسب ٢٣٧/٢ . (٨) ٣٢٠/١ - ٣٢١. ٢٨٠ سورة الزمر: الآيات ٣٤ - ٣٧ ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمٌ﴾ أي: من النعيم في الجنة، كما يقال: لك إكرامٌ عندي؛ أي: يَنالك: مني ذلك. ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الثَّناء في الدنيا والثوابُ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِرَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: صَدَّقوا ((لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهم)) ﴿أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ﴾ أي: يُكرمهم ولا يُؤاخذهم بما عملوا قبلَ الإسلام ﴿وَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُ﴾ أي: يُثيبهم على الطاعات في الدنيا ﴿يَأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهي الجنة. قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٍ وَيُخَوْفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن ◌ُضِلُّ أَلَيَسَ اَللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى أَنِقَاءٍ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ﴾ حُذفت الياء من ((كاف)) لِسُكونها وسكون التنوين بعدها؛ وكان الأصل ألا تُحذف في الوقف لِزوال التنوين، إلا أنها حُذفت لِيُعْلَمَ أنها كذلك في الوصل. ومن العرب من يُثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي(١). وقراءة العامة: ((عَبْدَهُ)) بالتوحيد؛ يعني محمداً ﴾ يَكفيه اللهُ وعيدَ المشركين وكَيْدَهم. وقرأ حمزة والكسائي: ((عِبَادَهُ))(٢) وهم الأنبياء، أو الأنبياء والمؤمنون بهم. واختار أبو عُبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه: ﴿وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونٍِ﴾(٣). ويَحتمِلُ أن يكون العبدُ لفظ الجنس؛ كقوله عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُتْرٍ﴾ [العصر: ٢] وعلى هذا تكون القراءةُ الأولى راجعةً إلى الثانية. والكفاية [من](٤) شر الأصنام، فإنهم كانوا يُخوِّفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم عليه السلام. ﴿وَكَيّفَ أَخَافُ مَآَ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَّخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم (١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٢. (٢) السبعة ص ٥٦٢، والتيسير ص١٨٨ . (٣) تفسير الرازي ٢٨١/٢٦ . (٤) ما بين حاصرتين زيادة ليست في النسخ.