النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة ص : الآية ٢٥ من فَروة وجهه ما شاء الله. قال الوليد: قال ابن لهيعة: فكان يقول في سجوده: سبحانك هذا شرابي دموعي، وهذا طعامي في رماد بين يدي. وفي رواية: إنه سجدَ أربعين يوماً لا يرفع رأسَه إلا للصلاة المكتوبة، فبكى حتى نبتَ العُشْب من دموعه(١). وروي مرفوعاً من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﴾: ((إنَّ داودَ مَكَثَ أربعين ليلةً ساجداً حتى نبت العُشْبُ من دموعه على رأسه، وأَكلتِ الأرضُ من جبينه وهو يقول في سجوده: يا ربّ، داودُ زلَّ زلَّةً بَعُدَ بها ما بين المشرق والمغرب، ربِّ، إن لم ترحَمْ ضَعْفَ داود وتغفِرْ ذَنْبَه جعلت ذَنْبَه حديثاً في الخلق من بعده، فقال له جبريل بعد أربعين سنة: يا داود، إن اللهَ قد غَفَرَ لك الهَمَّ الذي هممتَ به))(٢). وقال وهب: إنَّ داود عليه السلام نُودي: إني قد غفرتُ لك. فلم يرفع رأسَه حتى جاءه جبريل فقال: لِمَ لا ترفع رأسَك وربُّك قد غَفَرَ لك؟ قال: يا رب، كيف وأنت لا تظلم أحداً. فقال الله لجبريل: اذهَبْ إلى داود فقل له يذهب إلى قبر أوريا فَيتحلَّل منه، فأنا أُسْمِعُه نداءَ»(٣). فلبس داودُ المُسوحَ، وجلس عند قبر أوريا، ونادى: يا أوريا، فقال: لبيك، من هذا الذي قطعَ عليَّ لَذَّتي وأَيقظني؟ فقال: أنا أخوك داودُ، أسألك أن تجعلني في حِلِّ، فإني عرَّضتك للقتل؛ قال: عرَّضتني للجنة، فأنت في حِلّ. وقال الحسن وغيره: كان داودُ عليه السلام بعد الخطيئة لا يُجالس إلا الخاطئين، ويقول: تعالوا إلى داود الخَطَّاء، ولا يشربُ شراباً إلا مزجَّه بدموع عينيه. وكان يجعل خبزَ الشعير اليابس في قَصْعة، فلا يزال يبكي حتى يبتلَّ بدموعه، وكان (١) هذه الأخبار من الإسرائيليات، وأوردها بنحوها الطبري ٦٨/٢٠ وما بعدها، والثعلبي في عرائس المجالس ص ٢٨٤ وما بعدها، والبغوي ٤/ ٥٥ وما بعدها. وسنذكر أقوال العلماء في ردّ هذه الأخبار ص٢٠٣- ٢٠٤ من هذا الجزء، ينظر ثمة . (٢) أخرجه الطبري ٧٤/٢٠، والثعلبي في عرائس المجالس ص ٢٨٤، والبغوي في تفسيره ٤/ ٥٥ ، من حديث أنس ، وسلف قسم منه ١٥٨/١٨، وهو حديث ضعيف، كما ذكرنا سابقاً. (٣) في النسخ الخطية: نداءك. ١٨٢ سورة ص : الآية ٢٥ يَذُرُّ عليه الرماد والملح فيأكل ويقول: هذا أكلُ الخاطئين. وكان قبل الخطيئة يقومُ نصف الليل ويصومُ نصفَ الدَّهر، ثم صام بعده الدهرَ كلَّه وقام الليل كلَّه. وقال: یا رب، اجعلْ خطيئتي في كفِّي، فصارت خطيئته منقوشةً في كفِّه. فكان لا يبسطُها لطعام ولا شرابٍ ولا شيء إلا رآها فأَبْكته، وإنْ كان ليُؤتى بالقَدَحِ ثُلثاه ماء، فإذا تناوله أبصرَ خطیئته فما یضعه عن شفته حتی یفیض من دموعه(١).وروی الوليد بن مسلم: حدَّثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله ﴾ قال: ((إنما مثلُ عيني داودَ مثلُ القِرْبتين تَنْطُفان، ولقد خدَّد الدموع في وجه داود خديدَ الماء في الأرض))(٢). قال الوليد: وحدَّثنا عثمانُ بن أبي العاتكة أنه كان من قول داود إذ هو خُلُوٌّ من الخطيئة شدَّة قوله في الخطّائين أن كان يقول: اللهمَّ لا تغفِرْ للخطَّائين. ثم صار إلى أن يقول: اللهمَّ ربّ اغفر للخاطئين لكي تغفرَ لداود معهم؛ سبحان خالق النور. إلهي، خرجتُ أسأل أطباءَ عبادك أن يداووا خطيئتي فكلُّهم عليك يَدُلِّني. إِلهي، أخطأتُ خطيئةً قد خِفتُ أن تجعل حصادَها عذابَك يومَ القيامة إنْ لم تغفرها؛ سبحان خالق النور. إلهي، إذا ذكرتُ خطيئتي ضاقت الأرضُ بِرَحْبها عليَّ، وإذا ذكرتُ رحمتك ارتدَّ إليَّ روحي. وفي الخبر: أن داودَ عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه فاستقبلَ بها الناسَ لِيُرِيهِم نَقْشَ خطيئته؛ فكان يُنادي: إِلهي، إذا ذكرتُ خطيئتي ضاقت عليَّ الأرض بِرَحْبها، وإذا ذكرتُ رحمتك ارتدَّ إليَّ روحي؛ ربِّ اغفِرْ للخاطئين كي تغفر لداود معهم. وكان يقعدُ على سبعة أفرشة من اللِّيف محشوَّة بالرماد، فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تَنْفذَ من الأفرشة كلِّها. وكان إذا كان يومُ نَوْحه نادى مُناديه في الظُرق والأسواق والأودية والشِّعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران: ألا إنَّ هذا يومُ نَوْحِ داود، فمن أراد أن يبكيَ على ذنبه فليأتِ داودَ فيسعده؛ فيهبط السُّياح من الغيران والأودية، وترتجُّ الأصواتُ (١) عرائس المجالس ص ٢٨٨ . (٢) أورده الحكيم في نوادره ص ١٨٨، والبغوي في تفسيره ٥٨/٤، وإسناده هكذا معضل. ١٨٣ سورة ص : الآية ٢٥ حولَ منبره، والوحوش والسِّباع والطير ◌ُكَّفٌ؛ وبنو إسرائيل حول منبره؛ فإذا أخذ في العَويل والنَّوح، وأثارت الحرقات منابعَ دموعه، صارت الجماعة ضجةً واحدة نوحاً وبكاء، حتى يموت حول منبره بَشَرٌ كثير في مثل ذلك اليوم (١). ومات داود عليه السلام فيما قيل يوم السبت فجأةً(٢). أتاه مَلَك الموت وهو يصعَدُ في محرابه وينزل؛ فقال: جئتُ لأَقْبِضَ روحك. فقال: دعني حتى أنزلَ أو أرتقي. فقال: مالي إلى ذلك سبيل؛ نَفِدَت الأيامُ والشهور والسُّنون والآثار والأرزاق، فما أنت بمُؤثر بعدها أثراً. قال: فسجد داودُ على مَرْقاة من الدَّرج فقبضَ نفسَه على تلك الحال. وكان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسُ مئة وتسعٌ وتسعون سنة. وقيل: تسع وسبعون. وعاش مئةً سنة، وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة(٣). الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُمْ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ قال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾ قُربة بعد المغفرة. ﴿وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ قالا: والله، إن أوَّل من يشربُ الكأسَ يومَ القيامة داود(٤). وقال مجاهد عن عبد الله ابن عمر: الزُّلفى الدنوُ من الله عز وجل يوم القيامة(٥). وعن مجاهد: يُبعث داودُ يومَ القيامة وخطيئته منقوشةٌ في يده، فإذا رأى أهاويلَ يوم القيامة لم يجد منها محرزاً إلا أن يلجأً إلى رحمة الله تعالى. قال: ثم يرى خطيئته فيقلق، فيقال له: هاهنا؛ ثم يرى فيقلق، فيقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق، فيقال له: (١) عرائس المجالس ص ٢٨٧ - ٢٨٨، ونوادر الأصول ص ١٨٨، وتفسير البغوي ٥٨/٤ . وهذه الأخبار من الإسرائيليات، ينظر ما سنذكره في ردِّها ص٢٠٣-٢٠٤ من هذا الجزء. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٣٣ من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) عرائس المجالس ص ٢٩٤ . (٤) عرائس المجالس ص ٢٨٧ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٦١ . ١٣٠ ١٨٤ سورة ص : الآية ٢٥ هاهنا؛ فذلك قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ ذكره الترمذي الحكيم. قال: حدّثنا الفضل بن محمد، قال: حدَّثنا عبد الملك بن الأصبغ قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن مجاهد فذكره(١). قال الترمذي: ولقد كنت أمُرُّ زماناً طويلاً بهذه الآيات فلا ينكشفُ لي المُراد والمعنى من قوله: ﴿رَبََّ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] والقِطّ الصحيفة في اللغة؛ وذلك أن رسولَ اللهِ﴾ تلا عليهم: ((﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِ كِنَبَهُ بِيَمِنِهِ﴾)) [الحاقة: ١٩]: وقال لهم ((إنكم سَتجدون هذا كلَّه في صحائفكم تُعطَوْنَها بشمائلكم))(٢) قالوا: ﴿رَبَّا عَجِّلِ أَنَا قِطَّنَا﴾ أي: صحيفتنا ﴿قَبْلَ يَوْمٍ الْحِسَابِ﴾، قال الله تعالى: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَبْذِ﴾ [ص: ١٧]، فقصَّ قصةً خطيئته إلى منتهاها، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما قالوا، وأمره بذكر داود، فأي شيء أُريدَ من هذا الذِّكر؟ وكيف اثَّصل هذا بذاك؟ فلا أَقِفُ على شيء يسكن قلبي عليه، حتى هداني اللهُ له يوماً فأُلْهِمتُه؛ أن هؤلاء أنكروا قولَ أنهم يُعطَّوْن كُتبهم بشمائلهم، فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاءً بأمر الله؛ وقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِلِ لَ قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ فأوجعه ذلك من استهزائهم، فأمره بالصبر على مَقَالتهم، وأن يذكر عبدَه داودَ؛ سأل تعجيلَ خطيئته أن يراها منقوشةً في كفِّه، فنزل به ما نزل من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القَدَح من دموعه، وكان إذا رآها بكى حتى تَنفُذَ سبعة أفرشة من اللِّيف مَحشوة بالرَّماد، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان تَبِعَة الخَضْم، وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه، وهو حبيبه ووَلِيُّه وصَفِيُّه؛ فرؤية نَقْش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صَنعت به هكذا، فكيف كان يحلّ بأعداء الله وبِعُصاته من خَلْقه وأهل خِزْيه، لو عُجِّلت لهم صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجُحود، وماذا يَحُلُّ بهم إذا نظروا إليها (١) وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٩٧/٣ من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم، به بنحوه. (٢) لم نقف عليه. ١٨٥ سورة ص : الآيات ٢٥ - ٢٦ في تلك الصحائف، وقد أخبر الله عنهم فقال: ﴿فَرَى الْمُجْرِمِنَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبُشرى والعطف لم يقم لرؤية صورتها. وقد روينا في الحديث: إذا رآها يومَ القيامة منقوشةً في كفِّه قَلِقَ حتى يقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق، ثم يقال له: هاهنا، ثم يرى فيقلق، حتى يقرب فيسكن(١). قوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابٍ فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِفَةُ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: ملَّكناك لِتَأْمُرَ بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلُفَ مَن كان قبلكَ من الأنبياء والأئمة الصالحين(٢). وقد مضى في ((البقرة)) القولُ في الخليفة وأحكامه مستوفى(٣)، والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل. وهو أمرٌ على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله، وذلك أن الذي ◌ُوتب عليه داودُ طلبُه المرأةَ مِن زوجها وليس ذلك بعدل(٤). فقيل له بعد هذا: فاحكُمْ بين الناس بالعَدْل ﴿وَلَا تَشَّعِ الْهَوَى﴾ أي: لا تَفْتدِ بهواك المُخالف لأمر الله ﴿فَيُضِلَكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: عن طريق الجنة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يَحيدون عنها ويتركونها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في النار ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الِْسَابِ﴾ أي: بما تركوا من سلوك طريق الله؛ فقوله: ((نَسُوا)) أي: تركوا الإيمان به، أو تركوا العملَ به فصاروا كالنَّاسين. ثم قيل: هذا لداود لمَّا (١) سلف قريباً بنحوه من قول مجاهد. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٦١/٣. (٣) ٣٩٥/١ وما بعدها. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٢٩/٤. ١٨٦ سورة ص : الآية ٢٦ أكرمه الله بالنبوَّة. وقيل: بعد أن تاب عليه وغَفَر خطيئته. الثالثة: الأصل في الأقضية قوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَعْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمُ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَّ أَرَئِكَ اَللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ الآية [المائدة: ٨]. وقد تقدَّم الكلامُ فيه. الرابعة: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِأْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: إن ارتفع لك الخَضْمان فكان لك في أحدِهما هوىّ، فلا تشتهِ في نفسك الحقَّ له لِيَفْلُجَ(١) على صاحبه، فإنْ فعلتَ محوتُ اسمك من نبؤَّتي، ثم لا تكون خليفتي ولا أهلَ كرامتي (٢). فدلَّ هذا على بيان وجوب الحكم بالحقّ، وألّا يميل إلى أحد الخَضْمين لِقَرابةٍ أو رجاء نَفْع، أو سبب يقتضي المَيْل من صُحبة أو صداقة، أو غيرهما(٣). وقال ابن عباس: إنما ابتُلي سليمانُ بن داود عليهما السلام، لأنه تقدَّم إليه خَصْمان فَهَوِيَ أن يكون الحقُّ لأحدهما(٤). وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: بلغني أن قاضياً كان في زمن بني إسرائيل بلغ من اجتهاده أن طلبَ إلى ربِّه أن يجعل بينه وبينه عَلَماً، إذا هو قضى بالحقّ عَرَفَ ذلك؛ وإذا هو قصَّر عَرَفَ ذلك، فقيل له: ادخل منزلك، ثم مُدَّ يدكَ في جدارك، ثم انظر حيث تبلغُ أصابعك من الجدار فاخطُظْ عندها خطّاً؛ فإذا أنت قمتَ من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخطّ فامدُدْ يدكَ إليه، فإنك متى ما كنتَ على الحقّ فإنك (١) الفَلْج: الظَّفَر والفوز. القاموس (فلج). (٢) أخرجه الحكيم الترمذي كما في الدر المنثور ٣٠٦/٥ . (٣) أحكام القرآن للكيا ٣٦١/٣ . (٤) نوادر الأصول ص١٨٧ بنحوه. ٠٠ ١٨٧ سورة ص : الآية ٢٦ ستبلغه، وإن قصَّرت عن الحق قصَّر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد، فكان لا يقضي إلا بحقّ، وإذا قام من مَجْلسه وفرغَ لم يَذُقْ طعاماً ولا شراباً، ولم يُفْضِ إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخطّ، فإذا بلغه حَمِدَ الله وأفضى إلى كلّ ما أحلَّ الله له من أهل أو مَظْعم أو مَشْرب. فلما كان ذاتَ يوم وهو في مجلس القضاء، أقبل إليه رجلان يُريدانه، فوقع في نفسه أنهما يُريدان أن يختصما إليه، وكان أحدُهما له صديقاً وخِذْناً، فتحرَّك قلبه عليه محبةً أن يكون الحقُّ له فيقضيّ له، فلما أن تكلَّما دار الحقُّ على صاحبه فقضَى عليه، فلما قام من مَجْلسه ذهب إلى خطّه كما كان يذهب كلَّ يوم، فمدَّ يده إلى الخطّ فإذا الخظُ قد ذهب وتشمَّر إلى السَّقف، وإذا هو لا يبلغه فخرَّ ساجداً وهو يقول: يا ربّ شيئاً لم أَتعمَّدْه ولم أُرِدِه، فَبيِّنْه لي. فقيل له: أَتحسبنَّ أن الله تعالى لم يطّلع على خيانة قلبك، حيث أحببتَ أن يكون الحقُّ لِصديقك فتقضيَ(١) له به، قد أردته وأحببتَه، ولكن الله قد ردَّ الحقَّ إلى أهله وأنت کاره. وعن ليث قال: تقدَّم إلى عمر بن الخطاب خَصْمان فأقامهما، ثم عادا فأقامهما، ثم عادا فَفَصَلَ بينهما، فقيل له في ذلك، فقال: تقدَّما إليَّ فَوَجَدتُ لأحدهما ما لم أَجِدْ لصاحبه، فكَرِهتُ أن أفصل بينهما على ذلك، ثم عادا فَوَجَدتُ بعضَ ذلك له، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلتُ بينهما(٢). وقال الشعبي: كان بين عمر وأُبَيِّ خُصومةٌ، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أوَّلُ جَوْرك؛ أجلسني وإِيَّاه مَجْلساً واحداً؛ فجلسا بين يديه(٣). الخامسة: هذه الآيةُ تمنعُ من حُكم الحاكم بعلمه؛ لأن الحُّام لو مُكِّنوا أن (١) في (م): لتقضي. (٢) ذكر هذا الخبر والذي قبله الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ١٨٦ - ١٨٧ . (٣) أخرجه ابن شبّه في تاريخ المدينة المنورة ٢/ ٧٥٥ . ١٨٨ سورة ص : الآيات ٢٦ - ٢٩ يحكموا بعلمهم، لم يشأ أحدُهم إذا أراد أن يحفظَ وليَّه ويُهْلِكَ عدوَّه إلا ادَّعى عِلْمَه فيما حكم به. ونحو ذلك رُوي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر؛ قال: لو رأيتُ رجلاً على حدٍّ من حدود الله، ما أخذُته حتى يشهدَ على ذلك غيري(١). وروي أن امرأةً جاءت إلى عمرَ فقالت له: احكُمْ لي على فلان بكذا ، فإنك تعلمُ ما لي عنده. فقال لها: إنْ أردتِ أن أشهدَ لك فنعم، وأما الحُكم فلا(٢). وفي ((صحيح)) مسلم: عن ابن عباس: أن رسولَ الله:﴿ قضَى بيمين وشاهِد(٣). ورُوي عن النبي # أنه اشترى فرساً فجحده البائع، فلم يَحكُمْ عليه بعلمه وقال: ((مَنْ يَشَهَد لي)) فقام خُزيمةُ فَشَهِدَ فحكم. خرَّج الحديثَ أبو داود وغيره، وقد مضى في ((البقرة))(٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٧ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَلْمُفْسِدِينَ فِى كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَّةٌ لِيَلَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ. الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ٢٩ وَلِسَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ أي: هَزْلاً وَلَعِباً. أي: ما خلقناهما إلا لأمرٍ صحيح، وهو الدلالة على قُدرتنا. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: حُسبان الذين كفروا أن الله خَلَقَهما باطلاً. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ثم ويَّخهم فقال: ﴿أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ والميم صِلة تقديره: أنجعلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِى (١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٤٤/١٠ من قول الزهري عن أبي بكر (٢) لم نقف عليه، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ٥٣٨/٦ عن الضحاك قال: اختصم رجلان إلى عمر ابن الخطاب ادَّعيا شهادته، فقال لهما عمر: إن شئتما شَهِدتُ ولم أقضٍ بينكما، وإن شئتما قضيت ولم أشهد. (٣) صحيح مسلم (١٧١٢)، وأخرجه أحمد (٢٢٢٤). (٤) ٤ / ٤٦٢، والحديث أخرجه أحمد (٢١٨٨٣)، وأبو داود (٣٦٠٧). ١٨٩ سورة ص : الآيات ٢٧ - ٢٩ الْأَرْضِ﴾ فكان في هذا ردٌّ على المُرجئة؛ لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المُفسد كالصالح أو أرفعَ درجةً منه. وبعده أيضاً: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُنَّقِينَ كَالْفُجَارٍ﴾ أي: أنَجعل أصحابَ محمد عليه الصلاة والسلام كالكفار؛ قاله ابن عباس. وقيل: هو عامٌّ في المسلمين المتقين والفُجَّار الكافرين، وهو أحسن، وهو ردِّ على مُنكري البعث الذين جعلوا مصيرَ المُطيع والعاصي إلى شيء واحد(١). قوله تعالى: ﴿كِنَبٌ﴾ أي: هذا كتاب ﴿أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ﴾ يا محمد ﴿لِيدَّبَّرُواْ﴾ أي: لِيتدبروا، فأُدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليلٌ على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليلٌ على أن الترتيلَ أفضلُ من الهَذِّ؛ إذ لا يَصِحُ التدبُّر مع الهَذّ(٢)، على ما بَيَّناه في كتاب ((التذكار)). وقال الحسن: تدبُّر آيات الله اتّباعُها(٣). وقراءة العامة: ((لِيَدَّبَّرُوا)). وقرأ أبو جعفر وشيبة: ((لِتَدَبَّرُوا)) بتاء وتخفيف الدال(٤)، وهي قراءة عليّ ﴾(٥)، والأصلُ: لِتَتَدبَّروا، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. ﴿وَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَِ﴾ أي: أصحابُ العقول، واحدُها لُبُّ، وقد جمع على أَلُبّ، كما جمع بُؤسٌ على أبؤس، ونُعْم على أَنْعُم؛ قال أبو طالب: قلبي إليه مُشرِفُ الألُبِّ وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر؛ قال الكُمَيت: إليكم ذوي آلِ النَّبيّ تَطَلَّعَتْ نَوازِعُ من قلبي ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ(٦) (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٦٢ بنحوه دون قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) المحرر الوجيز ٥٠٣/٤ بنحوه. والهذّ: سرعة القراءة. القاموس (هذذ). (٣) تفسير البغوي ٤/ ٦٠ . (٤) قراءة أبي جعفر في النشر ٣٦١/٢ . (٥) القراءات الشاذة ص ١٣٠. (٦) لم نقف عليه في ديوانه، وهو في الصحاح (لبب). والكلام منه. ١٩٠ سورة ص : الآيات ٣٠ - ٣٣ قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوََّبُ (٢٥) إِذْ عُرِضَ عَلَيَّهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَاتُ اَلِيَادُ ﴾ فَقَالَ إِنْ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَّى تَوَارَتْ رُدُوُهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْتَطَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ پِالحِجَابِ قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابُ﴾ لما ذكرَ داودَ ذكّرَ سليمان. و((أَوَّابٌ)) معناه مُطيع. ﴿إِذْ عُرِضَ عَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ لِيَادُ﴾ يعني الخيل، جمع جواد للفرس إذا كان شديدَ الحُضْر(١)؛ كما يقال للإنسان: جواد، إذا كان كثيرَ العَطِيَّةِ غزيرَها؛ يقال: قومٌ أجواد وخيلٌ جِياه(٢)، جاد الرجل بماله يجود جُوداً، فهو جواد، وقومُ جُود مثال: قَذَال وقُذُل، وإنما سكنت الواو لأنها حرف عِلَّة، وأجواد وأجاوِدٍ وجُوداء، وكذلك امرأةٌ جَوَاد، ونسوة جُود مثل: نَوارٍ ونُور، قال الشاعر: صَناعٌ بإِشْفاها حَصانٌ بِشَكْرِها جَوادٌ بِقُوتِ البَظْنِ والعِرْقُ زاخِرُ (٣) وتقول: سِرنا عُقْبةً جَوَاداً، وعُقْبتين جَوَادين، وعُقَباً چِياداً. وجاد الفرس، أي: صار رائعاً يجود مجُودة - بالضم - فهو جَواد للذَّكر والأنثى، من خيلٍ جِياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطّوال الأعناق، مأخوذُ من الجِيد وهو العُنق؛ لأن طُولَ الأعناق [في] الخيل من صفات فَرَاهتها (٤). وفي ((الصَّافِنات)) أيضاً وجهان: أحدهما أن صُفونها قيامُها. قال القتبي والفراء: (١) الخُضر: ارتفاع الفرس في عَذوه. القاموس (حضر). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٦٢. (٣) قائله أبو شهاب الهذلي، كما في الصحاح (جود) والكلام الذي قبله والذي بعده منه، وقوله: صَناع بإشفاها: قال ابن السكيت: امرأة صَناع: إذا كانت رقيقة اليدين تُسوِّي الأشافي وتَخرِزُ الدِّلاء وتفريها، وامرأة صناع: حاذقة بالعمل. والإِشْفى: المِثْقَب. والشَّكْر: الفرج. وقوله: العرق زاخر: أي: تجود بِقُوتها عند الجوع وهيجان الدم والطبائع. اللسان (صنع) و(شفي) و(شكر) و(جود). (٤) النكت والعيون ٥/ ٩٢ . ١٩١ سورة ص : الآيات ٣١ - ٣٣ الصافن في كلام العرب الواقفُ من الخيل أو غيرها(١). ومنه ما روي عن النبي ﴿ أنه قال: ((مَنْ سرَّه أن يقومَ له الرجالُ صفوناً فَلْيتبَوَّأُ مَفْعَدَه من النار))(٢) أي: يُديمون له القيام؛ حكاه قُطرب أيضاً وأنشد قول النابغة: عِتاقُ المَهارى والجِيَادِ الصَّوَافن(٣) لنا قُبَّةٌ مَضْروبةٌ بِغنائها وهذا قول قتادة. الثاني: أن صُفونها رَفْعُ إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقومَ على ثلاث؛ كما قال الشاعر: أَلِفَ الصُّفونَ فما يَزَالُ كَأَنَّهُ مِمَّا يقومُ على الثَّلاثِ كَسِيرا(٤) وقال عمرو بن كلثوم : تَركْنا الخيل عاكِفَةً عليهِ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَهَا صُفونا (٥) وهذا قول مجاهد(٦). قال الكلبي: غزا سليمانُ أهلَ دمشق ونَصِيِين فأصابَ منهم ألفَ فرس. وقال مقاتل: وَرِثَ سليمانُ من أبيه داودَ ألفَ فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً خرجتْ من البحر لها أجنحة(٧). وقاله الضحاك. وأنها كانت خيلاً أُخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذاتَ أجنحة. (١) معاني القرآن للفراء ٤٠٥/٢، وغريب القرآن للقتبي ص٣٧٩، وعبارة الفراء: وقد رأيت العرب تجعل الصافن القائمَ على ثلاث أو على غير ثلاث، وأشعارهم تدل على أنها القيام خاصة. (٢) نقله المصنف بهذا اللفظ عن الماوردي في النكت والعيون ٩١/٥ ، وما بعده منه. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٢: لم أجده هكذا. اهـ وقال ابن العربي في أحكام القرآن ١٦٣٥/٤: هذا حديث موضوع. اهـ. وأخرج الترمذي (٢٧٥٥) من حديث معاوية ﴾ قال: سمعت رسول الله # يقول: ((من سرَّه أن يَتمثَّل له الرجال قياماً فَلْيتبوَّأ مقعده من النار)). (٣) ليس في ديوانه المطبوع، ونسبه له الماوردي في النكت والعيون ٩١/٥ ، وأبو حيان في البحر ٣٨٨/٧. (٤) لم نقف على قائله، وهو في النكت والعيون ٩٢/٥، ومعاني القرآن للزجاج ٣٣٠/٤ . (٥) معلقة عمرو بن كلثوم بشرح ابن كيسان ص٦٠ . (٦) تفسير مجاهد ٢/ ٥٤٩، وأخرج الطبري ٢٠/ ٨٢. (٧) تفسير البغوي ٤/ ٦٠، ومجمع البيان ١١٣/٢٣ . ١٩٢ سورة ص : الآيات ٣١ - ٣٣ ابن زيد: أخرج الشيطانُ لسليمان الخيل من البحر من مُروج البحر، وكانت لها أجنحة. وكذلك قال عليٍّ ﴾: كانت عشرين فرساً ذواتٍ أجنحة. وقيل: كانت مئةً فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي: أنها كانت عشرين ألفاً (١)، فالله أعلم. ﴿فَقَالَ إِنَّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ﴾ يعني بالخير الخيل، والعربُ تُسميها كذلك، وتُعاقِب بين الراء واللام؛ فتقول: انهملَتِ العين، وانهمرَتْ، وخَتلتُ وخَترتُ، إذا خَدَعْتَ(٢). قال الفراء(٣): الخيرُ في كلام العرب والخيلُ واحد. النحاس(٤): في الحديث: ((الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة))(٥) فكأنها سُمِّيت خيراً لهذا. وفي الحديث: لما وفد زيدُ الخيل على النبي #، قال له: ((أنت زيدُ الخير)»(٦) وهو زيدُ بن مُهَلهِل الشاعر. وقيل: إنما سُمِّيت خيراً لما فيها من المنافع. وفي الخبر: إن الله تعالى عَرَضَ على آدم جميعَ الدوابِّ، وقيل له: اختر منها واحداً فاختار الفرس؛ فقيل له: اخترتَ عِزَّك؛ فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسُمِّي خيلاً؛ لأنها موسومةٌ بالعزّ. وسُمِّي فرساً لأنه يفترس مسافاتِ الجو افتراسَ الأسد وثباناً، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شيء خبطاً وتناولاً. وسمِّي عربيًّا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاءً عن رفع قواعد البيت، وإسماعيلُ عربيٍّ فصارت له نِخْلةً من الله؛ فسمِّي عربيًّا(٧). (١) تفسير البغوي ٦٠/٤، وزاد المسير ١٢٨/٧، ونسبا قول علي * لإبراهيم التيمي، وقولَ إبراهيم التيمي لعكرمة. قال أبو حيان في البحر ٣٩٧/٧: وقد اختلفوا في عدد هذه الخيل على أقوال متكاذبة سؤدوا الورق بذكرها. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٦٠ بنحوه. (٣) في معاني القرآن ٤٠٥/٢ . (٤) معاني القرآن ١٠٩/٦-١١٠، وقول الفراء الذي قبله منه. (٥) أخرجه البخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢)، وسلف ٢٤١/٣ . (٦) ذكره ابن حجر في الإصابة ٦٨/٤-٦٩، وذكر أن ابن شاهين رواه من طريق بشير مولى بني هاشم، وأخرجه ابن عدي في ترجمة بشير وضعَّفه. وسلف ٢٩٨/٧ . (٧) سلف ٥/ ٥١ . ١٩٣ سورة ص : الآيات ٣٢ - ٣٣ و((حُبَّ)) مفعول في قول الفراء(١). والمعنى: إني آثرتُ حُبَّ الخير. وغيره يُقدِّره مصدراً أُضيف إلى المفعول؛ أي: أحببت الخير حبًّا فألهاني عن ذِكْر ربي. وقيل: إن معنى ((أَحْبَبْتُ)) قعدتُ وتأخَّرتُ، من قولهم: أحَبَّ البعيرُ، إذا برك وتأخّر. وأحبّ فلانٌ، أي: طأطأ رأسه. قال أبو زيد: يقال: بعير مُحِبُّ، وقد أحبَّ إحباباً، وهو أن يُصيبه مرضٌ أو كَسْرٌ فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب: يقال أيضاً للبعير الحسير: مُحِبُّ (٢)؛ فالمعنى: قعدتُ عن ذكر ربي. و((حُبَّ)) على هذا مفعول له. وذكر أبو الفتح الهَمْداني في كتاب ((التبيان)»: أحببتُ بمعنى لَزِمت؛ من قوله: مِثْلَ بعيرِ السَّوْءِ إذْ أحَبَّا(٣) ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني الشمس، كناية عن غير مذكور؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] أي: على ظهر الأرض؛ وتقول العرب: هاجت باردةً، أي: هاجت الريحُ باردة. وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْمُلْقُوْمَ﴾ [الواقعة: ٨٣] أي: بلغت النفس الحلقوم. وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَلَقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] ولم يتقدَّم للنار ذِكْر. وقال الزجاج(٤): إنما يجوز الإضمارُ إذا جرى ذِكْر الشيء أو دليلُ الذكر، وقد جرى هاهنا الدليل، وهو قوله: ((بِالعَشِيِّ)). والعشيُّ ما بعد الزوال، والتواري الاستتارُ عن الأبصار، والحِجاب جبلٌ أخضرُ محيطٌ بالخلائق؛ قاله قتادة و کعب. وقيل: هو جبل قاف. وقيل: جبلٌ دون قاف. والحجابُ الليلُ؛ سُمِّي حجاباً لأنه يستُر ما فيه(٥). (١) معاني القرآن ٢/ ٤٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٦٣/٣ . (٢) الصحاح (حبب). (٣) الكشاف ٣٧٣/٣ . والرجز لأبي محمد الفقعسي كما في اللسان (حبب) وقبله: حُلْتُ عليه بالقفيل ضرباً. والقفيل: السوط. (٤) في معاني القرآن ٣٣١/٤ . (٥) النكت والعيون ٥/ ٩٣ بنحوه، وينظر تفسير البغوي ٤/ ٦٠. ١٩٤ سورة ص : الآيات ٣٢ - ٣٣ وقيل: ((حتَّى تَوارَتْ)) أي: الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمانَ كان له ميدانٌ مستديرٌ يُسابق فيه بين الخيل، حتى توارى(١) عنه وتغيبَ عن عينه في المسابقة؛ لأن الشمس لم يَجْرِ لھا ذِكْر. وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة، فجيء إليه بخيل لِتُعرض عليه قد غُنمت فأشار بيده، لأنه كان يُصلِّي حتى توارت الخيل، وسترتها جُدر الاصطبلات، فلما فرغَ من صلاته قال: ﴿رُذُوهَا عَّ فَطَفِقَ مَسَْمًا﴾ أي: فأقبل يمسحها مسحاً. وفي معناه قولان: أحدُهما أنه أقبل يمسحُ سُوقَها وأعناقها بيده إكراماً منه لها، ولِيرى أن الجليلَ لا يقبحُ أن يفعل مثلَ هذا بخيله. وقال قائلُ هذا القول: کیف يقتلها؟ وفي ذلك إفسادُ المال ومعاقبةُ مَنْ لا ذنبَ له. وقيل: المَسْح هاهنا هو القَطْع، أُذِن له في قَتْلها(٢). قال الحسن والكلبي ومقاتل: صلَّى سليمانُ الصلاةَ الأُولى وقعد على كرسيه وهي تُعرَض عليه، وكانت ألفَ فرس؛ فَعُرِضَ عليه منها تسع مئة فتنبّه لصلاة العصر، فإذا الشمسُ قد غربت وفاتت الصلاة، ولم يُعلَم بذلك هيبةً له، فاغتمَّ فقال: ((رُدُّوها عليَّ)) فَرُدَّت، فعقرها بالسيف قُربةً لله وبقي منها مئة، فما في أيدي الناس من الخيل العِتاق اليوم فهي من نَسْل تلك الخيل(٣). وقال القشيري: وقيل: ما كان في ذلك الوقت صلاةُ الظهر ولا صلاة العصر، بل كانت الصلاة نافلةً فَشُغِلَ عنها. وكان سليمانُ عليه السلام رجلاً مَهِيباً، فلم يُذكِّره أحدٌ ما نسي من الفرض أو النفل، وظنُّوا التأخّر مباحاً (٤)، فتذكَّر سليمانُ تلك الصلاةَ الفائتة، وقال على سبيل التلهُّف: ﴿إِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبٍِ﴾ أي: عن الصلاة، وأمر بردِّ الأفراس إليه، وأمر بضرب عَراقيبها وأعناقها، ولم يكن ذلك (١) في (م): توارت. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٣/٣. (٣) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٤/٤: وهذا بعيد. وينظر النكت والعيون ٩٤/٥ . (٤) زاد المسير ١٢٩/٧ بنحوه. ١٩٥ سورة ص : الآية ٣٣ معاقبةً للأفراس؛ إذْ ذَبْح البهائم جائزٌ إذا كانت مأكولةً، بل عاقب نَفْسَه حتى لا تَشْغَلَه الخيلُ بعد ذلك عن الصلاة(١). ولعله عَرْقَبها لِيذبحها فحبسها بالعرقبة عن النِّفار، ثم ذبحها في الحال لِيتصدَّق بلحمها؛ أو لأن ذلك كان مباحاً في شرعه فأَتلفها لمَّا شغلته عن ذكر الله، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله، فأثنى اللهُ عليه بهذا، وبيَّن أنه أثابه بأن سخّرَ له الريح، فكان يقطع عليها من المسافة في يومٍ ما يقطع مثلَه على الخيل في شهرين غُدوَّا ورَواحاً (٢). وقد قيل: إن الهاء في قوله: ((رُدُّوها عليَّ)) للشمس لا للخيل. قال ابن عباس: سألت عليًّا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت: سمعتُ كعباً يقول: إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمسُ بالحجاب وفاتته الصلاةُ، قال: ﴿إِنّ أَحْبَيْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ﴾ أي: آثرتُ حُبَّ الخير عن ذِكْرِ رَبِّي، الآية ﴿رُدُّوَهَا عَ﴾ يعني الأفراس، وكانت أربعَ عشرةَ؛ فضرب سُوقَها وأعناقَها بالسيف، وأن الله سلبه مُلكه أربعةَ عشرَ يوماً؛ لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب: كذب كعب؛ لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت؛ أي: غربت الشمسُ بالحجاب؛ فقال بأمر الله للملائكة المُوَّلين بالشمس: ((رُدُّوها)) يعني الشمس، فَرَدُّوها حتى صلَّى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يَظْلِمون؛ لأنهم معصومون(٣). قلت: الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لِدَلالة السامع عليها بما ذُكر مما يرتبط بها ويتعلَّق بذِكْرها، حسب ما تقدَّم بيانه. وكثيراً ما يُضمرون الشمس؛ قال لبید: (١) النكت والعيون ٥/ ٩٤ بنحوه. (٢) زاد المسير ٧/ ١٣٢ بنحوه. (٣) مجمع البيان ١١٣/٢٣. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٢٢/٦: أورد هذا الأثر جماعة ساكتين عليه جازمين بقولهم: ((قال ابن عباس: قلت لعلي)) وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله: ((ردوها)) للخيل، والله أعلم. ١٩٦ سورة ص : الآية ٣٣ حتّى إذا أَلْقَتْ يَداً في كافِرٍ وأجَنَّ عَوْرَاتِ الشُّغورِ ظَلاَمُها (١) والهاء في «رُدُّوها)) للخيل. ومَسْحُها؛ قال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سُوقَها وأعناقَها، ويكشف الغبارَ عنها حُبًّا لها(٢). وقاله الحسن وقتادة وابن عباس(٣). وفي الحديث أن النبيَّ # رُئِيَ وهو يمسحُ فرسَه بردائه. وقال: ((إني ◌ُوتبتُ الليلةَ في الخيل))، خرّجه ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد مُرسلاً (٤). وهو في غير ((الموطأ)) مسندٌ متصلٌ عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أنس(٥). وقد مضى في ((الأنفال)) قوله عليه الصلاة والسلام: ((وامسحوا بنواصيها وأَكْفالها)(٦). وروى ابن وهب عن مالك أنه مسحَ أعناقَها وسُوقها بالسيوف(٧). قلت: وقد استدلَّ الشِّبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان هذا. وهو استدلالٌ فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يُنسب إلى نبيِّ معصوم أن فَعَل الفساد. والمفسرون اختلفوا في معنى الآية؛ فمنهم من قال: مسحَ على أعناقها وسُوقها إكراماً لها وقال: أنتِ في سبيل الله؛ فهذا إصلاح. ومنهم من قال: عَرْقبها ثم ذبحها، وذَبْحُ الخيل وأكلُ لحمها جائز. وقد مضى في ((النحل)) بيانه(٨). وعلى هذا فما فَعَل شيئاً عليه فيه جُناح. (١) ديوان لبيد ص٣١٦. قال شارحه: كافر: ليل ساتر. عورات الثغور: مواضع المخافة منها. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٦١ . (٣) أخرج أقوالهم الطبري ٨٦/٢٠-٨٧، لكن قول الحسن وقتادة عنده وفي تفسير البغوي ٤/ ٦١ ، والنكت والعيون ٩٣/٥ أنه عقرها وضرب سوقها وأعناقها. (٤) الموطأ ٤٦٨/١ . (٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٠٠/٢٤ . وقال: وقد رُوي عن مالك مسنداً عن يحيى بن سعيد عن أنس، ولا يصح. (٦) ٥٨/١٠، والحديث أخرجه أحمد (١٩٠٣٢) وهو ضعيف. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٣٦/٤ . (٨) ١٢/ ٢٨١ وما بعدها. ١٩٧ سورة ص : الآية ٣٣ فأما إفسادُ ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز. ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جوازُ ما فعل، ولا يكون في شرعنا. وقد قيل: إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جلّ وعزّ له ذلك. وقد قيل: إنَّ مَسْحه إيّاها: وَسَمَها بالكَيِّ وجَعَلَها في سبيل الله؛ فالله أعلم. وقد ضُعِّف هذا القول من حيث إن السُّوق ليست بمحلٌّ للوسم بحال(١). وقد يقال للكيِّ على الساق: عِلاطٌ، وعلى العُنق وِثاق. والذي في ((الصحاح)) للجوهري(٢): عَلَط البعيرَ عَلْطاً، كواه في عُنقه بسمة العِلاَط. والعِلاطان جانبا العُنق. قلت: ومَن قال: إن الهاء في (رُدُّوها)) ترجع للشمس، فذلك من معجزاته. وقد اتّفق مثلُ ذلك لنبينا #؛ خرَّج الطحاوي في ((مشكل الحديث)) عن أسماء بنت عُمَيْس من طريقين أن النبي # كان يُوحَى إليه ورأسه في حِجْر عليّ، فلم يُصَلِّ العصر حتى غربت الشمس؛ فقال رسولُ الله﴾: ((أصليتَ يا علي)) قال: لا. فقال رسولُ الله ﴾: ((اللهمَّ إنه كان في طاعتك وطاعةِ رسولك فارْدُدْ عليه الشمس» قالت أسماء: فرأيتُها غربَتْ، ثم رأيتها بعد ما غربَتْ طلعَتْ على الجبال والأرض، وذلك بالصَّهْباء في خيبر. قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتُهما ثِقات(٣). قلت: وضعَّف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث(٤) فقال: وغلوُّ الرافضة في حُبِّ عليٍّ عليه السلام حملهم على أن وضعوا أحاديثَ كثيرةً في فضائله؛ منها أن (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٣٧. (٢) الصحاح (علط). (٣) شرح مشكل الآثار (١٠٦٧) و(١٠٦٨)، وليس فيه قول الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ونقله المصنف عن الطحاوي بواسطة القاضي عياض في الشفا ٥٤٨/١-٥٤٩ وينظر التعليق التالي. (٤) الموضوعات لابن الجوزي ٢٦٦/١، وقال: هذا حديث موضوع بلا شك ... ونقل ابن عراق في تنزيه الشريعة ٣٧٩/١ عن الذهبي في تلخيص الموضوعات أن أسانيد هذا الحديث ساقطة ليست بصحيحة. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٢٢/٦: وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في ((الموضوعات)) وكذا ابن تيمية في كتاب ((الرد على الروافض)) في زعم وضعه، والله أعلم. ١٩٨ سورة ص : الآيات ٣٣ - ٤٠ الشمسَ غابت ففاتَتْ عليّاً عليه السلام العصر فَرُدَّت له الشمس، وهذا من حيث النقلُ محال، ومن حيث المعنى، فإن الوقتَ قد فات وعَوْدُها طلوعٌ مُتجدِّد لا يردُّ الوقت. ومن قال: إن الهاء ترجِعُ إلى الخيل، وأنها كانت تبعدُ عن عين سليمان في السباق، ففيه دليلٌ على المسابقة بالخيل، وهو أمرٌ مشروع. وقد مضى القولُ فيه في ((يوسف)»(١). قَالَ رَبّ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَلْقَيْنَا عَلَى كُرَِّيِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٢٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَجَ (٣٧) وَءَخَرِينَ مُقَرَّتِيْنَ فِ وَالشَّيَطِيْنَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ تَجْرِى بِأَمْرِء رَُّّةٍ حَيْثُ أَصَابَ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَوْفَى وَحُسْنَ الأَصْفَادِ مَنَاپٍ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيَْنَ﴾ قيل: فُتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة؛ ذكر الزمخشري(٢). و((فَتَنَّا)) أي: ابتلينا وعاقبنا. وسببُ ذلك ما رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: اختصم إلى سليمان عليه السلام فريقان؛ أحدُهما من أهل جرادة امرأة سليمان؛ وكان يُحبها، فهوى أن يقع القضاءُ لهم، ثم قضى بينهما بالحق، فأصابه الذي أصابه عقوبةً لذلك الهوى. وقال سعيد بن المسيَّب: إن سليمان عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثةَ أيام لا يقضي بين أحد، ولا يُنصف مظلوماً من ظالم؛ فأوحى الله تعالى إليه: إني لم أستخلفك لِتحتجبَ عن عبادي، ولكن لِتقضيَ بينهم وتُنصف مظلومَهم (٣). (١) ٢٨١/١١ وما بعدها. (٢) الكشاف ٣٣٤/٣ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٩٤-٩٥ . ١٩٩ سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠ وقال شَهْر بن حَوْشَب ووهب بن مُنِّه: إن سليمانَ عليه السلام سبى بنتَ ملكٍ غَزاهُ في البحر، في جزيرة من جزائر البحر يقال لها: صيدون. فألقيت عليه محبتُها وهي تُعرض عنه، لا تنظر إليه إلا شَزْراً، ولا تُكلمه إلا نَزْراً، وكان لا يرقأُ لها دمعٌ حزناً على أبيها، وكانت في غايةٍ من الجمال، ثم إنها سألته أن يصنعَ لها تِمثالاً على صورة أبيها حتى تنظرَ إليه، فأمر فَصُنِعَ لها، فعَّمته وسجدَتْ له، وسجدت معها جواريها، وصار صنماً معبوداً في داره وهو لا يعلم، حتى مضت أربعون ليلة، وفشى خبره في بني إسرائيل، وعلم به سليمانُ فكسره، وحرقه ثم ذراه في البحر(١). وقيل: إن سليمانَ لما أصاب ابنةَ ملك صيدون - واسمها جرادة، فيما ذكر الزمخشري(٢) - أُعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبَتْ، فخوَّفها فقالت: اقتلني ولا أُسلم، فتزوَّجها وهي مُشركة، فكانت تعبدُ صنماً لها من ياقوت أربعين يوماً في خُفية من سليمان؛ إلى أن أسلمتْ، فَعُوقِبَ سليمانُ بزوال مُلكه أربعين يوماً (٣). وقال كعب الأحبار: إنه لمّا ظلم الخيل بالقتل سُلب مُلكه. وقال الحسن: إنه قارب بعضَ نسائه في شيء من حيض أو غيره(٤). وقيل: إنه أُمِرَ ألاّ يتزوَّج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوَّج امرأةً من غيرهم، فَعُوقب على ذلك؛ والله أعلم(٥). قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُزْمِهِ، جَدًا﴾ قيل: شيطان في قول أكثرِ أهل التفسير؛ ألقى اللهُ شبهَ سليمان عليه السلام عليه، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر، وهو (١) النكت والعيون ٥/ ٩٥، وتفسير البغوي ٤/ ٦١ . (٢) الكشاف ٣/ ٣٧٤ . (٣) عرائس المجالس ص٣٢٧ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٩٤ . (٥) عرائس المجالس ص٣٢٧. وهذه الأخبار من الإسرائيليات، وينظر ما سنذكره من الردّ عليها في آخر القصة. ٢٠٠ سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠ الذي دلَّ سليمان على الماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس(١)، فصوتت الحجارة لمَّا صُنعت بالحديد، فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والفصوص وغيرها ولا تصوت. قال ابن عباس: كان مارداً لا يقوى عليه جميع الشياطين، ولم يزل يحتال حتى ظَفِرَ بخاتم سليمان بن داود، وکان سلیمان لا يدخل الکنیف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأةٍ من نساء سليمان أمِّ ولدٍ له يقال لها: الأمينة؛ قاله شَهْرٌ ووهب. وقال ابن عباس وابن جبير: اسمها جرادة. فقام أربعين يوماً على مُلك سليمانَ وسليمانُ هارب، حتى ردَّ الله عليه الخاتم والمُلْك. وقال سعيد بن المسيَّب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه، فأخذه الشيطان من تحته. وقال مجاهد: أخذه الشيطان من يدِ سليمان؛ لأن سليمان سأل الشيطان - وكان أسمه آصف -: كيف تُضِلُّون الناس؟ فقال له الشيطان: أعطني خاتمك حتى أُخبرك. فأعطاه خاتمه، فلما أخذ الشيطانُ الخاتم جلس على كرسيٍّ سليمان، مُتَشبِّهاً بصورته، داخلاً عل نسائه، يقضي بغير الحقّ، ويأمر بغير الصواب. واختلف في إصابته لنساء سليمان، فَحُكي عن ابن عباس ووهب بن منبه: أنه كان يأتيهنّ في حيضهنّ(٢). وقال مجاهد: مُنِعَ من إتيانهنَّ. وزال عن سليمانَ مُلكه، فخرج هارباً إلى ساحل البحر يتضيَّف الناس؛ ويحمل سموكَ الصيادين بالأجر، وإذا أخبر الناسَ أنه سليمان أكذبوه. قال قتادة(٣): ثم إن سليمانَ بعد أن استنكر بنو إسرائيل حُكم الشيطان أخذ حُوتة من صياد. قيل: إنه استطعمها. وقال ابن عباس: أخذها أُجرةً في حمل حوت. وقيل: إن سليمان صادها، فلما شقَّ بطنها وجد خاتمه فيها، (١) الكشاف ٣٧٤/٣ . (٢) هذا من أقبح الإسرائيليات التي ذُكرت في قصة سيدنا سليمان عليه السلام، كما ذكر الألوسي في روح المعاني ١٩٩/٢٣، وقال: الله أكبر، هذا بهتان عظيم، وخطب جسيم. (٣) كذا في (ز) و(ظ) و(م)، وفي (د): قاله قتادة، غير أن سياق الكلام في النكت والعيون ٥/ ٩٦-٩٧ (وعنه نقل المصنف) لا يدل أنه من كلام قتادة.