النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥
للوط: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠] ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ [هود: ٨١] وكذا قال
الملكان هنا: ((لَا تَخَفْ))(١).
قال محمد بن إسحاق: بعث اللهُ إلیه مَلَکین یختصمان إلیه وهو في محرابه مثلاً
ضربه اللهُ له ولأوريا، فرآهما واقفين على رأسه؛ فقال: ما أدخلكما عليّ؟ قالا:
تَخَفٌْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ فجئناك لِتقضيَ بيننا.
الخامسة: قال ابن العربي(٢): فإنْ قيل: كيف لم يأمُرْ بإخراجهما إذ قد علم
مَطْلبهما، وهلًّا(٣) أدَّبهما وقد دخلا عليه بغير إذن؟ فالجواب عليه من أربعة أوجه:
الأوّل: أنَّا لم نعلمْ كيفيةَ شَرْعه في الحجاب والإذن، فيكون الجوابُ بحسب
تلك الأحكام، وقد كان ذلك في ابتداء شَرْعنا مُهملاً في هذه الأحكام، حتى
أوضحها الله تعالی بالبیان.
الثاني: أنَّ لو نزَّلنا الجواب على أحكام الحجاب، لاحتمل أن يكون الفزعُ
الطارئ علیه أذهله عما کان یجبُ في ذلك له.
الثالث: أنه أراد أن يَستوفيَ كلامهما الذي دخلا له حتى يعلمَ آخر الأمر منه،
ويرى هل يَحتمِلُ التقُّم فيه بغير إذن أَمْ لا؟ وهل يقترِن بذلك عذرٌ لهما أن لا يكون
لهما عذرٌ فيه؟ فكان من آخرِ الحال ما انكشف أنه بلاءٌ ومحنة، وَمَثَلٌ (٤) ضربه اللهُ في
القصة، وأدبٌ وقع على دعوى العصمة.
الرابع: أنه يحتملُ أن يكون في مسجد ولا إذنَ في المسجد لأحد إذ لا حَجْرَ فيه
على أحد.
قلت: وقولٌ خامس ذكره القشيري؛ وهو أنهما قالا: لمَّا لم يَأذنْ لنا المُوَّلون
بالحجاب، توصَّلنا إلى الدخول بالتَّسُور، وخفنا أن يتفاقمَ الأمرُ بيننا. فَقَبِلَ داودُ
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ١٦١٩/٤ بنحوه.
(٢) أحكام القرآن ١٦١٩/٤ - ١٦٢٠.
(٣) في النسخ الخطية: ولا، والمثبت من (م).
(٤) في النسخ الخطية: مثلاً، والمثبت من (م).

١٦٢
سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥
عُذْرَهم، وأَصغی إلى قولهم.
السادسة: قوله تعالى: ((خَصْمانٍ)) إن قيل: كيف قال: ((خَصْمانٍ)) وقبلَ هذا: ((إِذْ
تَسَوَّرُوا الْمِخراب)) فقيل: لأن الاثنين جمع؛ قال الخليل: كما تقول: نحن فعلنا إذا
كنتما اثنين. وقال الكسائي: جمع لما كان خبراً، فلما انقضى الخبرُ وجاءت
المُخاطبة، خبَّر الاثنان عن أنفسهما فقالا: خَضْمان .
وقال الزجاج(١): المعنى: نحن خَضْمان. وقال غيره: القولُ محذوف؛ أي:
يقول خَصْمانِ بَغَى بعضُنا على بعض. قال الكسائي: ولو كان بغى بعضُهما على بعض
لجاز.
الماوردي(٢): وكانا مَلَكين، ولم يكونا خَصْمين ولا باغيين، ولا يتأتَّى منهما
كَذِب؛ وتقديرُ كلامهما ما تقول: إنْ أتاك خَضْمان قالا: بغى بعضُنا على بعض.
وقيل: أي: نحن فريقان من الخصوم بغَى بعضنا على بعض.
وعلى هذا يحتمل أن تكون الخُصومةُ بين اثنين ومع كلِّ واحد جمع. ويحتملُ أن
يكون لكلِّ واحد من هذا الفريق خُصومةٌ مع واحد(٣) من الفريق الآخر، فحضروا
الخُصوماتِ، ولكن ابتدأ منهم اثنان، فعرفَ داودُ بذِكْر النكاح القصة. وأغنى ذلك
عن التعرُّض للخُصومات الأُخَر.
والبَغْي التعدِّي والخُروج عن الواجب. يقال: بغى الجُرْح إذا أفرطَ وَجَعُه وترامَى
إلى ما يَفْحُشُ، ومنه: بَغَتِ المرأةُ إذا أَتَتِ الفاحشةَ.
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَأَعْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُقْطِطْ﴾ أي: لا تَجُرْ؛ قاله السُّدِّي(٤).
وحكى أبو عبيد: شَطَطت عليه، وأشططتُ، أي: جُرت. وفي حديث تميم الداريّ:
(١) في معاني القرآن ٣٢٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٥٩/٣ - ٤٦٠،
وما قبله وما بعده منه.
(٢) في النكت والعيون ٨٦/٥ .
(٣) في (م): كل واحد.
(٤) النكت والعيون ٨٦/٥ .

١٦٣
سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥
إنكَ لشَاطِّي. أي: جائر عليَّ في الحُكم (١).
وقال قتادة: لا تَمِلْ. الأخفش: لا تُسرِف(٢). وقيل: لا تُفرط. والمعنى متقارب.
والأصلُ فيه البُعد، من شَطَّتِ الدارُ، أي: بَعُدَتْ؛ شَطَّتِ الدار تَشِطُ وتَشُطُ شطّاً
وشطوطاً: بَعُدَتْ. وأشطً في القضية، أي: جار، وأَشظّ في السَّوْم واشتط، أي:
أبعد، وأشُوا في طلبي، أي: أمعنوا. قال أبو عمرو: الشَّطَطُ مجاوزةُ القَدْر في كلِّ
شيء. وفي الحديث: لها مهرُ مِثْلِها لا وَكْسَ ولا شَطَطِ(٣). أي: لا نُقصان ولا
زيادة (٤). وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] أي: جوراً من القول ويُعداً
عن الحق.
﴿وَأَهْدِنَآَ إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ﴾ أي: أَرشدنا إلى قَصْدِ السبيل.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعُ وَسْعُونَ نَعْجَةٌ﴾ أي: قال المَلَك الذي
تكلّم عن أورِيا ((إِنَّ هذا أَخي)) أي: على ديني، وأشار إلى المُدَّعى عليه. وقيل:
أخي، أي: صاحبي(٥) ((له تِسْعٌ وتسعون نَعْجةً)).
وقرأ الحسن: ((تَسْعٌ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً)) بفتح التاء فيهما، وهي لغةٌ شاذة، وهي
الصحيحة من قراءة الحسن؛ قاله النحاس(٦). والعرب تَكْني عن المرأة بالنعجة
والشاة؛ لِمَا هي عليه من السكون والمَعْجَزة وضَعْف الجانب. وقد يُكْنَى عنها بالبقرة
(١) الصحاح (شطط)، وقول أبي عبيد في غريب الحديث ٣٠٨/٤، وقول تميم الداري ﴾ ذكره أبو عبيد،
وابن الأثير في النهاية (شطط). وقصته: أن رجلاً كلَّمه في كثرة العبادة، فقال: أرأيت إن كنتُ مؤمناً
ضعيفاً وأنت مؤمن قويّ، إنك لشاطِّي حتى أحمل قوتك على ضعفي، فلا أستطيع فأنبتَّ.
(٢) النكت والعيون ٨٦/٥ .
(٣) هذا قول ابن مسعود في رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات. وسلف ١٥٩/٤ .
(٤) الصحاح (شطط).
(٥) النكت والعيون ٨٧/٥ .
(٦) إعراب القرآن ٣/ ٤٦٠، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٢٣١/٢.

١٦٤
سورة ص : الآيات ٢٣ - ٢٥
والحِجر(١) والناقة؛ لأنَّ الكلَّ مَرْکوب. قال ابن عون:
رابعةٌ في البيت صُغْرا هُنَّهْ
أنا أبوهنَّ ثلاثٌ هُنَّهْ
أَلَا فتىّ سمحٌ يُغذِّيهَّهْ
ونعجتي خمساً تُوفِّيهنَّة
ويلُ الرَّغيفِ ويلَهُ مِنْهُنَّهْ(٢)
طَيّ النَّقَا في الجوعِ يَظْوِيهنَّهْ
وقال عنترة:
حَرُمتْ عليَّ وَليتَها لم تَخْرُمِ
یا شاًما قَنَصِ لِمن حَلَّثْ له
فتَجَسَّسِي أخبارَها لي واغْلَمي
فَبَعَثْتُ جاريتي فقلتُ لها اذْهَبي
قالت رأيْتُ مِن الأعادي غِرَّةً
فكأَنَّما التَفَتَتْ بِجيدٍ جَدايةٍ
والشّاةُ مُمْكِنَةٌ لمن هو مُرْتَمٍ
رَشأٍ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرْثَم (٣)
وقال آخر:
فرَمَيْتُ غَفْلَةَ عَيْنِهِ عِن شَاتِهِ فَأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحَالَها(٤)
وهذا من أحسنِ التعريض حيث كَنَى بالنِّعاج عن النساء. قال الحسين بن الفَضْل:
هذا من المَلَكين تعريضٌ وتنبيهٌ كقولهم: ضربَ زيدٌ عَمراً، وما كان ضربٌ ولا نعاج
على التحقيق، كأنه قال: نحن خَضمان هذه حالُنا(٥). قال أبو جعفر النحاس:
وأحسنُ ما قيل في هذا: أنَّ المعنى: يقول خصمان بغَى بعضُنا على بعض، على جهة
المسألة؛ كما تقول: رجلٌ يقول لا مرأته كذا؛ ما يجب عليه؟(٦).
(١) في (د) و(ظ) و(م): والحجرة، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي، والكلام
منه ٤/ ١٦٢٠، والحِجْر: الأنثى من الخيل، اللسان (حجر).
(٢) أورد البيتان الأول والثاني الآلوسي في روح المعاني ١٨٠/٢٣.
(٣) ديوان عنترة ص ٢٨ . الجداية: الغزال. والرشأ: الظبي إذا قوي ومشى مع أمه. القاموس (جدي)
و(رشاً).
(٤) قائله الأعشى، وهو في ديوانه ص ٧٧ .
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٥٤ بنحوه.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٩٥/٦.

١٦٥
سورة ص : الآيات ٢٣ - ٢٥
قلت: وقد تأوَّل المُزنيّ صاحبُ الشافعي هذه الآيةَ وقولَه # في حديث ابن
شهاب الذي خرَّجه ((الموطأ)) وغيره: ((هو لكَ يا عبدُ بن زَمْعَة(١)) على نحو هذا؛ قال
المُزني: يحتمِل هذا الحديثُ عندي - والله أعلم - أن يكون النبيُّ # أجاب عن
المسألة فأعلمهم بالحُكم أنَّ هذا يكون إذا اذَّعى صاحبُ فراش وصاحبُ زِنى، لا أنه
قَبِلَ على عُتبة قولَ أخيه سعد، ولا على زَمْعَة قولَ ابنه: إنه ولدُ زنى، لأن كلَّ واحد
منهما أَخبرَ عن غيره. وقد أجمع المسلمون أنه لا يقبل إقرار أحدٍ على غيره. وقد ذكر
الله سبحانه في كتابه مثلَ ذلك في قصة داود والملائكة؛ إذ دخلوا عليه فَفَزِعَ منهم،
قالوا: لا تَخَفْ خَصْمان، ولم يكونوا خَصْمين، ولا كان لواحد منهم تسعٌ وتسعون
نَعْجة، ولكنهم كلَّموه على المسألة لِيعرِفَ بها ما أرادوا تعريفه. فيحتمل أن يكون
النبي # حكم في هذه القصة على المسألة، وإنْ لم يكن أحدٌ يُؤنسني على هذا
التأويل في الحديث، فإنه عندي صحيح(٢). والله أعلم.
التاسعة: قال النحاس(٣): وفي قراءة ابن مسعود: ((إِنَّ هذا أَخِي كان له تِسْعٌ
وتسعونَ نعجةٌ أُنْثَى(٤)) و((كان)) هنا مثل قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ فأما
قوله: ((أنثى)) فهو تأكيد، كما يقال: هو رجلٌ ذكرٌ، وهو تأكيد. وقيل: لمَّا كان يقال:
هذه مئةُ نعجة وإنْ كان فيها من الذكور شيءٌ يسير، جاز أن يقال: أُنثى ليعلم أنه لا
ذَكَرَ فيها. وفي التفسير: له تسع وتسعون امرأة.
قال ابن العربي(٥): إنْ كان جميعهن أحراراً فذلك شَرْعُه، وإن كنَّ إماءً فذلك
شرعُنا. والظاهرُ أن شرع مَن تقدَّم قبلنا لم يكن محصوراً بعدد، وإنما الحصر في
(١) الموطأ ٧٣٩/٢، وأخرجه أحمد (٢٤٠٨٦)، والبخاري (٢٠٥٣) ومسلم (١٤٥٧) مطولاً، وفيه قصة.
(٢) التمهيد ١٨٦/٨.
(٣) معاني القرآن ٦/ ٩٧ - ٩٨ .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٣٠.
(٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٢٠ .

١٦٦
سورة ص : الآيات ٢٣ - ٢٥
شريعة محمد#، لِضَعْفِ الأبدان وقلَّة الأعمار.
وقال القشيري: ويجوز أن يقال: لم يكن له هذا العدد بعينه، ولكن المقصود
ضرب مثل، كما تقول: لو جئتني مئةً مرة لم أقضٍ حاجتَك، أي: مراراً كثيرة.
قال ابن العربي(١): قال بعض المفسرين: لم يكن لداود مئة امرأة، وإنما ذكر
التسعة والتسعين مثلاً؛ المعنى: هذا غنيٌّ عن الزوجة وأنا مُفتقِرٌ إليها. وهذا فاسدٌ من
وجهين: أحدهما: أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا معنى له، ولا دليل يدلُّ على
أن شرع من قبلنا كان مقصوراً من النساءِ على ما في شرعنا. الثاني: أنه روى البخاري
وغيره أن سليمانَ قال: ((لأَطوفنَّ الليلةَ على مئة امرأة تَلِدُ كلُّ امرأة غلاماً يُقاتل في
سبيل الله، ونَسِيَ أن يقول: إن شاء الله))(٢). وهذا نصّ.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَِ نَعْجَةٌ وَنَحِدَةٌ﴾ أي: امرأة واحدة: ﴿فَقَالَ أَكْفِيهَا﴾
أي: انزل لي عنها حتى أَكْفُلَها، وقال ابن عباس: أَعطنيها. وعنه: تحوَّل لي عنها.
وقاله ابن مسعود. وقال أبو العالية: ضُمَّها إليَّ حتى أَكْفُلَها. وقال ابن كيسان: اجعلها
كِفْلي ونصيبي، ﴿وَعَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني. قال الضحاك: إنْ تكلّم كان أفصحَ
مني، وإن حارب كان أبطشَ مني (٣).
يقال: عزّه يَعُزُّه - بضم العين في المستقبل - عَزّاً: غلبه. وفي المثل: مَنْ عَزَّ بَزَّ؛
أي: من غَلَبَ سَلَب. والاسمُ العِزَّة، وهي القوّة والغَلَبة (٤). قال الشاعر:
قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فباتَتْ تُجاذِبِهُ وقد عَلِقَ الجناحُ(٥)
(١) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٢١ .
(٢) صحيح البخاري (٥٢٤٢)، وأخرجه أحمد (٧٧١٥)، ومسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) هذه الأقوال في المحرر الوجيز ٥٠٠/٤، والنكت والعيون ٨٧/٥، وتفسير البغوي ٤/ ٥٤ .
(٤) الصحاح (عزز). والمثل: من عزَّ بزَّ. سلف ١٨/ ١٢٥ .
(٥) اختلف في قائله، فقيل: مجنون ليلى، وقيل: نُصَيب بن رباح، وقيل: توبه بن الحُميِّر. ينظر ديوان
مجنون ليلى ص ٩٠ ، وشعر نُصيب بن رباح ص٧٤، والكامل للمبرد ٩٢٩/٢ ، وشرح ديوان
الحماسة البصرية ١٥١/٣ .

١٦٧
سورة ص : الآيات ٢٣ - ٢٥
وقرأ عبدُ الله بن مسعود وعُبيد بن عُمير: ((وعَازَّني في الخطَابِ)) (١) أي: غالبني؛
من المُعَازَّة، وهي المغالبة؛ عازَّه، أي: غالبه.
قال ابن العربي(٢): واختلف في سبب الغَلَبة؛ فقيل: معناه: غلبني ببيانه. وقيل:
غَلَبني بسلطانه؛ لأنه لمَّا سأله لم يستطِعْ خِلافَه.
كان ببلادنا أميرٌ يقال له: سير بن أبي بكر(٣)، فكلَّمته في أن يسأل لي رجلاً
حاجة، فقال لي: أما علمتَ أنَّ طلبَ السلطان للحاجة غَصْبٌ لها. فقلت: أما إذا
كان عَذْلاً فلا. فعجبتُ من عُجمته وحفظه لما تمثَّل به وفطنته، كما عَجِبَ من جوابي
له واستغربه.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى نِعَامِهِ،﴾ قال
النحاس(٤): فيقال: إن هذه كانت خطيئةً داود عليه السلام؛ لأنه قال: لقد ظَلمك من
غير تثبّت بينة، ولا إقرار من الخَضْم؛ هل كان هذا كذا أو لم يكن. فهذا قول.
وسيأتي بيانُه في المسألة بعد هذا، وهو حسنٌ إن شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر النحاس(٥): فأما قولُ العلماء الذين لا يُدفَع قولُهم؛ منهم عبد الله
ابن مسعود وابن عباس، فإنهم قالوا: ما زاد داودُ صلى الله على نبينا وعليه على أن
قال للرجل: إِنزل لي عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه اللهُ عزّ وجلّ على ذلك ونبّهه
عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومَن تخطّى إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصحُّ
عن عالم، ويلحقه فيه إثمّ عظيم. كذا قال في كتاب ((إعراب القرآن)).
وقال: في كتاب ((معاني القرآن))(٦) له بمثله. قال : قد جاءت أخبارٌ وقصصٌ
في أمر داود عليه السلام وأوريا، وأكثرها لا يصحُ! ولا يتصل إسنادُه، ولا ينبغي أن
(١) المحرر الوجيز ٥٠٠/٤، ونسبها في القراءات الشاذة ص ١٣٠ لمسروق وأبي وائل والحسن.
(٢) في أحكام القرآن ١٦٢١/٤ .
(٣) أحد أمراء السلطان يوسف بن تاشفين. نفح الطيب ٣٧٣/٤ .
(٤) في إعراب القرآن ٣/ ٤٦١ .
(٥) المصدر السابق.
(٦) ٩٨/٦ - ١٠١ وما بين حاصرتين الآتي منه.

١٦٨
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
يُجترأ على مثلها إلا بعد المعرفة بصحتها. وأصحُّ ما روي في ذلك ما رواه مسروق
عن عبد الله بن مسعود قال: ما زاد دوادُ عليه السلام على أن قال: ((أَكفِلْنِيها)) أي:
إِنزل لي عنها. وروى المِنهال عن سعيد بن جُبير [عن ابن عباس] قال: ما زاد داود *.
على أن قال: ((أَكْفِلْنِيها)) أي: تحوَّل لي عنها وضُمَّها إليَّ (١).
قال أبو جعفر: فهذا أجلُّ ما رُوي في هذا، والمعنى عليه: أن داود عليه السلام
سأل أُوريا أن يُطلِّق امرأته كما يسأل الرجلُ الرجلَ أن يَبیعه جاریتَه، فنبّهه الله عز
وجل على ذلك، وعاتبه لمَّا كان نبيّاً وكان له تسعٌ وتسعون أنكر عليه أن يتشاغل
بالدنيا بالتزيُّد منها، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراءُ عليه.
قال ابن العربي (٢): وأما قولهم: إنها لمَّا أَعجبته أَمرَ بتقديم زوجها للقَتْل في
سبيل الله، فهذا باطلٌ قطعاً؛ فإن داود ﴿ لم يكن لِيُرِيقَ دمَه في غَرَضٍ نَفْسهِ، وإنما
كان من الأمر أن داود قال لبعض أصحابه: إِنْزِلْ لي عن أهلك، وعَزَمَ عليه في ذلك،
كما يطلبُ الرجلُ من الرجل الحاجة برغبةٍ صادقة؛ كانت في الأهل أو في المال.
وقد قال سعدُ(٣) بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسولُ اللهِ ﴾ بينهما: إنَّ
لي زوجتين أَنزِلُ لك عن أحسنهما؛ فقال له: بارك الله لك في أهلك(٤). وما يجوز
فِعلُه ابتداءً يجوز طَلَبُه، وليس في القرآن أن ذلك كان، ولا أنه تزوَّجها بعد زَوال
عِصْمةِ الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، فعمن يُروَى هذا ويُسنَد؟! وعلى مَن في
نَقْلِه يُعتمَد، وليس يَأْثُره عن الثّقات الأَثْبات أحدٌ.
أما أن في سورة ((الأحزاب)) نكتةً تدلُّ على أن داودَ قد صارت له المرأةُ زوجةً،
(١) أخرجهما الطبري ٥٩/٢٠ .
(٢) في أحكام القرآن ١٦٢٤/٤ -١٦٢٥ .
(٣) في (م) سعيد، وهو خطأ.
(٤) أخرجه أحمد (١٣١٢٣)، والبخاري (٣٧٨١) من حديث أنس ﴾.

١٦٩
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
وذلك قوله: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِّ مِنْ حَرَجِ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهِّ سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلٌ﴾
[الآية: ٣٨] يعني في أحد الأقوال تزويج داود المرأة التي نظر إليها، كما تزوَّج النبي #
زينبَ بنت جحش(١)؛ إلا أن تزويج زينب كان من غير سؤال للزوج في فِراق، بل
أمره بالتمسُّك بزوجته، وكان تزويجُ داود للمرأة بسؤال زوجها فراقَها. فكانت هذه
المَنْقَبة لمحمد﴿ على داودَ مُضافةً إلى مَنَاقبه العَلِيَّة ◌ِ﴾.
ولكن قد قيل: إن معنى ﴿سُنََّ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلٌ﴾ تزويج الأنبياء بغير
صَداق مَنْ وهبتْ نفسَها لهم من النساء بغير صَداق. وقيل: أراد بقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي
الَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبْلٌ﴾ أن الأنبياءَ صلواتُ الله عليهم فُرِضَ لهم ما يمتثلونه في النكاح
وغيره. وهذا أصحُ الأقوال.
وقد روى المفسرون أن داود عليه السلام نكح مئةً امرأة؛ وهذا نصُّ القرآن.
وروي أن سليمانَ كانت له ثلاث مئة امرأة وسبع مئة جارية؛ وربُّك أعلم (٢).
وذكر الكيا الطبري في ((أحكامه))(٣) في قول الله عز وجل: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُّأْ
اَلْخَصْمِ إِذْ تَوَُّوا الْمِحْرَابَ﴾ الآية: ذكر المُحقِّقون الذين يَرون تنزيهَ الأنبياء عليهم السلام
عن الكبائر أن داود عليه السلام كان قد أقدمَ على خطبة امرأة قد خَطَبها غيرُه، يقال:
هو أوريا؛ فمال القومُ إلى تزويجها من داودَ راغبين فيه، وزاهدين في الخاطب
الأوّل، ولم يكن بذلك داود عليه السلام عارفاً، وقد كان يُمكنه أن يعرف ذلك فيعدل
عن هذه الرغبة، وعن الخِطبة بها، فلم يفعل ذلك، من حيث أُعجِبَ بها إمَّا وصفاً أو
مشاهدةً على غير تَعَمُّد؛ وقد كان لداود عليه السلام من النساء العَدَدُ الكثير، وذلك
الخاطبُ لا امرأةً له، فنبَّهه الله تعالى على ما فعل بما كان مِن تسوُّر المَلَكين، وما
أورداه من التمثيل على وجه التعريض؛ لكي يَفهمَ من ذلك موقعَ العَتَب فيعدل عن
(١) سلف ١٨٩/١٤.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٢٥/٤ .
(٣) ٤ /٣٥٩ - ٣٦٠.

١٧٠
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
هذه الطريقة، ويستغفر ربَّه من هذه الصغيرة.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى نِعَلِهٌِّ﴾ فيه الفتوى في
النازلة بعد السماع من أحد الخَصْمين، وقبلَ أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول.
قال ابن العربي(١): وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في مِلَّة من الملل، ولا يمكن
ذلك للبشر. وإنما تقديرُ الكلام أن أحد الخَضْمین اذَّعى والآخر سلَّم في الدعوى،
فوقعت بعد ذلك الفتوى. وقد قال النبي : ((إذا جلسَ إليك الخَصْمان فلا تَقْضِ
لأَحدِهما حتى تسمعَ من الآخر)»(٢).
وقيل: إن داود عليه السلام لم يَقْضِ للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك. وقیل
تقديره: لقد ظَلَمك إنْ كان كذلك. والله أعلمُ بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه.
قلت: ذكر هذين الوجهين القشيري والماورديّ(٣) وغيرهما. قال القشيري:
وقوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَّالِ نَجْمَئِكَ﴾ مِن غير أن يسمعَ كلامَ الخَضْم مُشكل؛ فيمكن أن
يقال: إنما قال هذا بعد مُراجعة الخَصْم الآخر وبعد اعترافه. وقد رُوي هذا وإنْ لم
تَثبُتْ روايتهُ، فهذا معلومٌ من قرائن الحال. أو أراد: لقد ظَلمك إنْ كان الأمرُ على ما
تقول، فسأَّته بهذا وصبَّره إلى أن يسألَ خَصْمَه. قال: ويَحتمِلُ أن يقال: كان من
شَرْعهم التعويلُ على قول المُدَّعي عند سُكوت المُدَّعى عليه إذا لم يظهر منه إنكارٌ
بالقول.
وقال الحليمي أبو عبد الله في كتاب ((منهاج الدين))(٤) له: ومما جاء في شكر
النعمة المنتظرة إذا حضرت، أو كانت خافيةً فظهرت السجودُ لله عزّ وجلّ. قال:
والأصل في ذلك قولُه عز وجل: ﴿وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَحُسْنَ
(١) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٢٥، وما قبله منه.
(٢) أخرجه أحمد (٨٨٢)، وأبو داود (٣٥٨٢)، والترمذي (١٣٣١) وقد قال النبي # ذلك لعليَّ ﴾ لما بعثه
قاضیاً إلى اليمن.
(٣) في النكت والعيون ٥/ ٨٧ - ٨٨.
(٤) ٢ / ٥٥١ - ٥٥٢ .
!

١٧١
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
مَثَابٍ﴾، أخبر الله عزّ وجلّ عن داود عليه السلام: أنه سمع قولَ المُتظلِّم من
الخَصْمين، ولم يُخبّر عنه أنه سأل الآخر، إنما حُكي أنه ظَلَمه، فكان ظاهرُ ذلك أنه
رأى في المُتكلِّم مخائلَ الضَّعْف والهَضيمة، فحمل أمره على أنه مظلومٌ كما يقول،
ودعاهُ ذلك إلى ألّا يسألَ الخَصْمَ؛ فقال له مستعجلاً: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ مع إمكان أنه لو
سأله لكان يقول: كانت لي مئة نعجة ولا شيء لهذا، فسرق مني هذه النعجة، فلما
وجدتُها عنده قلت له: ارْدُدْها، وما قلت له: أَكفلنيها، وعلم أني مُرافعه إليك،
فجرَّني قبل أن أجرَّه، وجاءك مُتظلِّماً مني (١) قبل أن أُحضره، لِتَظُنَّ أنه هو المُحِقُّ
وأني أنا الظالم. ولما تكلّم داود بما حملته العَجَلة عليه، عَلِمَ أن الله عزّ وجلّ خلَّاه
ونفسَه في ذلك الوقت، وهو الفتنةُ التي ذكرها(٢)، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير
منه، فاستغفر ربَّه وخَرَّ راكعاً لله تعالى شُكراً على أن عَصَمهُ، بأن اقتصر على تظليم
المَشْكُوِّ، ولم يَزِدْهُ على ذلك شيئاً من انتهارٍ أو ضرب أو غيرهما، مما يَليق بمن
تصوَّر في القلب أنه ظالم، فغفر اللهُ له، ثم أقبلَ عليه يُعاتبه؛ فقال: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا
جَعَلْتَكَ خَلِفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾
[ص: ٢٦] فَبَانَ بما اقتصَّه(٣) الله تعالى من هذه الموعظة التي توشّه بها بعد المغفرة أن
خطيئته إنما كانت التقصيرَ في الحكم، والمُبادرةَ إلى تظليم مَن لم يَثبُتْ عنده ظُلمه.
ثم جاء عن ابن عباس أنه قال: سجدَها داودُ شكراً، وسجدها النبيُّ # اتِّباعاً (٤)،
فثبت أن السجودَ للشُّكر سنةٌ متواترةٌ عن الأنبياء صلوات الله عليهم.
﴿ بِسُؤَّالِ نَعْمَئِكَ﴾ أي: بسؤاله نعجتَك؛ فأضاف المصدر إلى المفعول، وألقى الهاء
من السؤال، وهو كقوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] أي:
مِن دعائه الخير.
(١) في (م): من.
(٢) في (د) و(م): ذكرناها، والمثبت موافق للمنهاج.
(٣) في (م): بما قصَّه.
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ١٥٩/٢ بلفظ: أن النبي # سجد في ((صّ)) وقال: سجدها داود توبة،
ونسجدها شكراً.

١٧٢
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَلِ﴾ يقال: خلِيط وخُلطاء، ولا
يقال: طويل وطُولاء، لِثِقَل الحركة في الواو(١). وفيه وجهان: أحدهما: أنهما
الأصحاب. الثاني: أنهما الشُّرَكاء(٢).
قلت: إطلاقُ الخُلَطاء على الشُّرَكاء فيه بُعْد، وقد اختلف العلماءُ في صفة
الخُلَطاء، فقال أكثر العلماء: هو أن يأتي كلُّ واحد بغنمه فيجمعها(٣) راعٍ واحدٌ
والدَّلو والمَراح. وقال طاوس وعطاء: لا يكون الخُلطاء إلا الشُّركاء. وهذا خلاف
الخبر؛ وهو قوله ﴾: ((لا يُجْمَع بين مُفْتَرِق ولا يُفَرَّق بين مُجتمع خشيةَ الصدقة، وما
كان مِن خليطين فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسَّوِيَّة)»(٤)، ورُوي: فإنهما يترادَّان
الفَضْلِ(٥). ولا موضع لترادِّ الفَضْل بين الشُّركاء؛ فاعلمه.
وأحكامُ الخُلْطة مذكورةٌ في كتب الفقه. ومالك وأصحابه وجمعٌ من العلماء لا
يرون [الصدقة] (٦) على مَن ليس في حصَّته ما تجب فيه الزكاة. وقال الربيع واللَّيث
وجمع من العلماء منهم الشافعي: إذا كان في جميعها ما تجب فيه الزكاة أُخذت منها
الزكاة. قال مالك: وإن أَخذ المُصَّدِّق بهذا ترادُوا بينهم للاختلاف في ذلك. وتكون
کحكم حاكم اختلف فيه.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَيْفِ بَعُْهُمْ عَى بَعْضٍ﴾ أي: يتعدَّى ويظلم. ﴿إِلَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾ فإنهم لا يظلمون أحداً. ﴿وَقَلِلُ مَاهُمُّ﴾ يعني الصالحين، أي:
وقليل هم، فـ ((ما)) زائدة. وقيل: بمعنى: الذين، وتقديره: وقليلٌ الذين هم(٧). وسمع
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٦١ .
(٢) النكت والعيون ٨٨/٥ .
(٣) في (م): فيجمعهما.
(٤) أخرجه البخاري (١٤٥٠)، وسلف ٣٩٩/٤ .
(٥) لم نقف على هذه الرواية، وذكره مالك في الموطأ ٢٦٣/١ من قوله.
(٦) ما بين حاصرتين زيادة ليست في النسخ.
(٧) النكت والعيون ٨٨/٥ .

١٧٣
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
عمرُ ﴾ رجلاً يقول في دعائه: اللهمَّ اجعلني من عبادك القليل. فقال له عمر: ما هذا
الدعاء؟. فقال: أردتُ قولَ الله عزّ وجلّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمْ﴾
فقال عمر: كلُّ الناس أفقهُ منك يا عمر (١).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَثَنَّهُ﴾ أي: ابتليناه. و(ظَنَّ)) معناه
أيقن. قال أبو عمرو والفراء: ظنَّ بمعنى أيقن، إلا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في
المُعاين أن يكون الظن إلا بمعنى اليقين(٢). والقراءة ((فَتَنَّاهُ)) بتشديد النون دون التاء.
وقرأ عمر بن الخطاب ﴾: ((فَتَّنَّاه)) بتشديد التاء والنون على المبالغة، وقرأ قتادة
وعُبيد بن عمير وابن السَّمَيْفَعِ: ((فَتَنَاهُ)) بتخفيفهما. ورواه علي بن نَصْر عن أبي عمرو،
والمُراد به الَملَكان اللذان دخلا على داود عليه السلام(٣).
السادسة عشرة: قيل: لما قضَى داودُ بينهما في المسجد، نظر أحدُهما إلى
صاحبه فضحك، فلم يَفْظُنْ داود؛ فأحبًّا أن يعرِفهما، فَصَعِدا إلى السماء حِيالَ
وجهه، فعلم داود عليه السلام أن الله تعالى ابتلاه بذلك، ونَّهه على ما ابتلاه.
قلت: وليس في القرآن ما يدلُّ على القضاء في المسجد إلا هذه الآية، وبها
استدلَّ من قال بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز كما قال الشافعي
لمَا أقرَّهم داود على ذلك. ويقول: انصرفا إلى موضع القضاء. وكان النبيُّ ﴾.
والخلفاء يقضُون في المسجد(٤)، وقد قال مالك: القضاء في المسجد من الأمر
(١) سلف ١٤/ ٢٧٧ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٦١/٣، وينظر معاني القرآن للفراء ٤٠٤/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٥٠١/٤، والقراءتان في القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٢٣٢/٢.
(٤) ترجم البخاري قبل الحديث (٧١٦٥): باب من قضى ولا عَنَ في المسجد، ولا عن عمر عند منبر
النبي # وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين
عند المنبر، وكان الحسن وزُرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد. ثم ترجم بعده:
باب: من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حدٍّ أمر أن يخرج من المسجد فَيُقامَ، وذكر حديث أبي
هريرة في الرجل الذي قال للنبي #: يا رسول الله، إني زنيت، ... فلما شهد على نفسه أربعاً، قال:
((أَبِكَ جنون))؟! قال: لا، قال: ((اذهبوا فارجموه)).

١٧٤
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
القديم. يعني في أكثر الأمور. ولا بأس أن يَجلِسَ في رحبته؛ لِيصل إليه الضعيفُ
والمُشرك والحائض، ولا يُقيم فيه الحدود؛ ولا بأس بخفيف الأدب. وقد قال
أشهب: يقضي في منزله وأين أحبَّ(١).
السابعة عشرة: قال مالك رحمه الله: وكان الخلفاءُ يَقضُون بأنفسهم، وأوّل من
استقضى معاوية(٢). قال مالك: وينبغي للقُضاة مُشاورة العلماء. وقال عمر بن عبد
العزيز: لا يستقضي حتى يكون عالماً بآثار مَن مضى، مستشيراً لذوي الرأي، حليماً
نَزِهاً. قال: ويكون ورعاً. قال مالك: وينبغي أن يكون متيقظاً كثيرَ التحذّر من الحِيل،
وأن يكون عالماً بالشروط، عارفاً بما لا بُدَّ له منه من العربية؛ فإن الأحكامَ تختلف
باختلاف العباراتِ والدعاوى والإقرارات والشهادات والشروط التي تتضمَّن حقوقَ
المحكوم له. وينبغي له أن يقول قبلَ إنجاز الحكم للمطلوب: أَبَقِيتْ لك حُجَّةٌ؟ فإن
قال: لا، حَكَمَ عليه، ولا يقبل منه حُجَّةً بعد إنفاذ حكمه إلا أن يأتي بما له وجهٌ أو
بَيِّنة. وأحكامُ القضاء والقُضاة فيما لهم وعليهم مذكورةٌ في غير هذا الموضع.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ اختلف المفسرون في الذنب الذي
استغفر منه على أقوال ستة:
الأوّل: أنه نَظَر إلى المرأة حتى شَبِعَ منها. قال سعيد بن جُبير: إنما كانت فتنته
النَّظرة. قال أبو إسحاق(٣): ولم يتعمَّدْ داودُ النظر إلى المرأة، لكنه عاود النظر إليها،
فصارت الأُولى له والثانية عليه.
الثاني: أنه أَغزى زوجَها في حَمَلَةِ التابوت.
الثالث: أنه نوى إنْ مات زوجُها أن يتزوَّجها.
الرابع: أن أوريا كان خطب تلك المرأةَ، فلما غاب خطَبها داودُ، فَزُوِّجت منه
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٢٦/٤ بنحوه.
(٢) التمهيد ١١/ ٩٧.
(٣) هو الثعلبي، وقوله في عرائس المجالس ص ٢٨٤، وقول سعيد بن جبير الذي قبله منه.

١٧٥
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
لجلالته، فاغتمَّ لذلك أوريا، فَعَتَبَ اللهُ على داود إذْ لم يتركها لخاطبها، وقد كان
عنده تسعٌ وتسعون امرأة.
الخامس: أنه لم يَجزعْ على قتل أوريا، كما كان يجزع على من هَلَكَ من الجند،
ثم تزوَّج امرأته، فعاتبه الله تعالى على ذلك؛ لأن ذنوبَ الأنبياء وإن صَغُرتْ فهي
عظيمةٌ عند الله.
السادس: أنه حَكَم لأحد الخَضْمين قبلَ أن يسمعَ من الآخر.
قال القاضي ابن العربي(١): أما قولُ مَن قال: إنه حَكَم لأحدِ الخَضْمين قبل أن
يسمعَ من الآخر، فلا يجوز على الأنبياء، وكذلك تعريضُ زوجها للقتل. وأما من
قال: إنه نَظَر إليها حتى شَبعَ، فلا يجوز ذلك عندي بحال؛ لأن ◌ُموحَ النظر لا يَليق
بالأولياء المتجرِّدين للعبادة، فكيف بالأنبياء الذين هم وسائطُ الله المُكاشَفون
بالغيب.
وحكى السديّ عن عليّ بن أبي طالب ﴾ قال: لو سمعتُ رجلاً يذكر أن داود
عليه السلام قارفَ من تلك المرأة محرَّماً لَجلدته ستين ومئة؛ لأن حدَّ الناسِ ثمانون
وحدَّ الأنبياء ستون ومئة. ذكره الماوردي(٢) والثعلبي أيضاً.
قال الثعلبي(٣): وقال الحارث الأعور(٤) عن عليّ: مَن حدَّث بحديث داود على
ما تَرويه القُصَّاص مُعتقِداً جلدته حدَّين؛ لِعظم ما ارتكب برمي مَن قد رَفَع اللهُ محلَّه،
وارتضاه من خَلْقه رحمةً للعالمين، وحُجَّة للمجتهدین.
قال ابن العربي(٥): وهذا مما لم يَصِحَّ عن عليّ. فإن قيل: فما حُكمه عندكم؟
(١) في أحكام القرآن ١٦٢٦/٤ -١٦٢٧، وما قبله منه بنحوه.
(٢) في النكت والعيون ٨٩/٥ .
(٣) عرائس المجالس ص ٢٨٤ .
(٤) هو الحارث بن عبد الله الهَمْداني، صاحب علي ﴾، كذَّبه الشعبي في رأيه، ورُمي بالرفض، وفي
حديثه ضعف. تقريب التهذيب ص ٨٦.
(٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٢٧ .

١٧٦
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
قلنا: أما مَن قال: إن نبيًّا زنى، فإنه يُقتل، وأما مَن نَسب إليه ما دون ذلك من النظر
والمُلامسة، فقد اختلف الناس في ذلك؛ فإنْ صمَّم أحدٌ على ذلك فيه ونسبه إليه
قتلته، فإنه يُناقض التعزير المأمور به. فأما قولهم: إنه وقع بصره على امرأة تغتسل
عُريانةً، فلما رأته أسبلتْ شعرَها فسترتْ جسدَها، فهذا لا حرجَ عليه فيه بإجماع من
الأُمة؛ لأن النظرةَ الأُولى تَكشِفُ المنظور إليه ولا يأثم الناظرُ بها، فأما النظرة الثانية
فلا أصلَ لها(١).
وأما قولهم: إنه [نوى] إن مات زوجُها تزوَّجها فلا شيء فيه إذْ لم يُعرِّضْهُ للموت.
وأما قولهم: إنه خَطَب على خِطبة أوريا فباطلٌ يَردُّه القرآن والآثار التفسيرية كلُّها.
وقد روى أشهبُ عن مالك قال: بلغني أن تلك الحمامةَ أَتَتْ فوقعتْ قريباً من
داود عليه السلام وهي مِن ذَهبٍ، فلما رآها أعجبته فقام لِيأخُذَها فكانت قُربَ يده،
ثم صنع مثلَ ذلك مرتين، ثم طارت واتَّبعها ببصره فوقعتْ عينُه على تلك المرأة وهي
تغتسل ولها شعرٌ طويل؛ فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العُشب من
دموع عينيه.
قال ابن العربي(٢): وأما قولُ المفسرين: إن الطائرَ درج عنده فهمَّ بأخذه واتَّبعه
فهذا لا يُناقض العبادة؛ لأنه مُباحٌ فِعْلُه، لاسيما وهو حلالٌ، وطلبُ الحلال فريضة،
وإنما اتّبع الطيرَ لذاته لا لجماله، فإنه لا منفعةً له فيه، وإنما ذِكْرهم لحسن الطائر
خرقٌ(٣) في الجهالة. أما أنه روي أنه كان طائراً من ذهب فاتَّبعه لِيأخُذَه؛ لأنه من فضل
الله سبحانه وتعالى كما روي في الصحيح: ((إنَّ أيوبَ عليه السلام كان يغتسلُ
عُرياناً، فخرَّ عليه رِجْلٌ من جراد [من ذهب] فجعل يَحثي منه ويجعلُ في ثَوْبه؛ فقال
الله تعالى له: ((يا أيوبُ، ألم أكن أَغنيتُكَ؟)) قال: ((بلى يا رب، ولكنْ لا غِنى لي عن
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٢٤ .
(٢) في أحكام القرآن ١٦٢٤/٤ و١٦٢٧، وما قبله وما بين حاصرتين السالف منه.
(٣) في أحكام القرآن: حذق.

١٧٧
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
بركتك))(١).
وقال القشيري: فهمَّ داودُ بأن يأخذَه لِيدفعه إلى ابن له صغير، فطار ووقع على
كَوَّة البيت؛ وقاله الثعلبي أيضاً، وقد تقدّم(٢).
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ﴾ أي: خرَّ ساجدًا، وقد يُعبَّر عن
السجود بالركوع. قال الشاعر:
فخرَّ على وَجهِه راكِعاً. وتابَ إلى الله مِنْ كُلِّ ذنب(٣)
قال ابن العربي(٤): لا خلافَ بين العلماء أن المُرادَ بالركوع هاهنا السجود؛ فإن
السجودَ هو المَيْل، والركوع هو الانحناء، وأحدُهما يدخل(٥) على الآخر، ولكنه قد
يختصُّ كلُّ واحد بهيئته، ثم جاء هذا على تسمية أحدِهما بالآخر، فَسُمِّي السجود
ركوعاً.
وقال المهدوي: وكان ركوعهم سجوداً. وقيل: بل كان سجودُهم ركوعاً. وقال
مقاتل: فوقع من ركوعه ساجداً لله عزّ وجلّ. أي: لما أحسَّ بالأمر قام إلى الصلاة،
ثم وقع من الركوع إلى السجود؛ لاشتمالهما جميعاً على الانحناء.
﴿وَأَنَابَ﴾ أي : تاب من خطيئته ورَجَعَ إلی الله.
وقال الحسين بن الفضل: سألني عبدُ الله بن طاهر - وهو الوالي - عن قول الله
عز وجل: ((وَخَرَّ رَاكِعاً)) فهل يقال للراكع: خَرَّ؟. قلت: لا. قال: فما معنى الآية؟
قلت: معناها: فخرَّ بعد أن كان راكعاً، أي: سَجَدَ(٦).
(١) أخرجه أحمد (٨١٥٩)، والبخاري (٣٣٩١) من حديث أبي هريرة﴾، وما بين حاصرتين منهما،
وسلف ٤ / ٤٨٣ .
(٢) ١٦٧/١٥.
(٣) النكت والعيون ٨٩/٥ .
(٤) في أحكام القرآن ١٦٢٧/٤ .
(٥) في أحكام القرآن: يدلّ.
(٦) تفسير البغوي ٥٧/٤، وعبد الله بن طاهر: هو أبو العباس، الأمير العادل، حاكم خراسان وما وراء
النهر، مات سنة (٢٣٠ هـ) السير ٦٨٤/١٠.

١٧٨
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
الموفية عشرين: واختلف في سجدة داودَ هل هي من عزائم السجودِ المأمور به
في القرآن أم لا؟ فروى أبو سعيد الخُدري أن النبيَّ # قرأ على المنبر: ((ص والقرآنِ
ذِي الذِّكْر)) فلما بلغَ السجدةَ نزلَ فسجدَ وسَجَدَ الناسُ معه، فلما كان يومٌ آخرُ قرأ بها
فَتَشَزَّنَ الناسُ للسجود، فقال رسولُ الله ◌ِ﴾: «إنها توبةُ نبيٍّ، ولكني رأيتُكم تَشَزَّنتم
للسجود)» ونزلَ وسجدَ. وهذا لفظ أبي داود(١).
وفي البخاري وغيره: عن ابن عباس أنه قال: ((صّ)) ليست من عزائم القرآن،
وقد رأيتُ النبيَّ # يسجدُ فيها(٢).
وقد رُوي من طريق عن ابن مسعود أنه قال: ((صَّ)) توبةُ نبيٍّ، ولا يُسجد فيها؛
وعن ابن عباس أنها توبةُ نبيٍّ ونبيُّكم ممن أُمِرَ أن يَقتديَ به(٣).
قال ابن العربي(٤)؛ والذي عندي أنها ليست موضعَ سجود، ولكن النبيَّ # سجدَ
فيها فسجدنا بالاقتداء به. ومعنى السجود أن داودَ سجدَ خاضعاً لِربِّه، مُعترفاً بذنبه،
تائباً من خطيئته؛ فإذا سجدَ أحدٌ فيها فَلْيسجد بهذه النِّيَّة، فلعلَّ الله أن يغفرَ له بحرمة
داودَ الذي اتَّبعه، وسواء قلنا: إن شَرْعَ من قبلنا شرعٌ لنا أم لا؟ فإن هذا أمرٌ مشروع
في كلِّ أمة لكلِّ أحد. والله أعلم.
الحادية والعشرون: قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: قوله: ((وخَرَّ راكِعاً وأَنَابَ)) فيه دلالةٌ
على أن السجودَ للشُّكر مُفرداً لا يجوز؛ لأنه ذكر معه الركوع؛ وإنما الذي يجوز
أن يأتي بركعتين شكراً، فأمَّا سجدةٌ مفردةٌ فلا؛ وذلك أن البِشاراتِ كانت تأتي
رسولَ اللـه﴿ والأئمة بعده، فلم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنه سجد شُكراً، ولو كان ذلك
مفعولاً لهم لَنُقِلَ نقلاً متظاهراً لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قُربة.
(١) في السنن (١٤١٠). والتشزُّن: التأهّب والتهيّؤ للشيء. النهاية (شزن).
(٢) صحيح البخاري (١٠٦٩)، وهو في مسند أحمد (٣٣٨٧).
(٣) أخرجهما البيهقي في السنن الكبرى ٣١٩/٢ .٠
(٤) في أحكام القرآن ١٦٢٨/٤، وما قبله منه.

١٧٩
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
قلت: وفي ((سنن)) ابن ماجه: عن عبد الله بن أبي أَوفَى أن رسولَ الله ◌ُ﴾ صلَّى
يومَ بُشِّرَ برأس أبي جهل ركعتين(١). وخرَّج من حديث أبي بَكْرةً أن النبيَّ ﴾ كان إذا
أتاه أمرٌ يَسُرُّه - أو يُسَرُّ به - خرَّ ساجداً شكراً لله(٢). وهذا قول الإمام الشافعي وغيره.
الثانية والعشرون: روى الترمذي وغيره - واللفظ للغير -: أن رجلاً من الأنصار
على عهد رسول الله﴿ كان يُصلِّي من الليل يستتر بشجرة وهو يقرأ: ((صّ والقرآنِ ذِي
الذِّكْرِ)) فلما بلغ السجدةَ سجدَ وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهمَّ
أَغْظِمْ لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شُكراً(٣).
قلت: خرَّج ابن ماجه في ((سننه)) عن ابن عباس قال: كنتُ عند النبيّ :﴿، فأتاه
رجلٌ فقال: إني رأيتُ البارحة فيما يرى النائم كأني أُصلِّي إلى أصل شجرة، فقرأت
السجدةَ [فسجدتُ] فسجدتِ الشجرةُ لِسُجودي، فسمعتها تقول: اللهمَّ احطظ بها
عني وِزْراً، واكتُبْ لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذُخراً. قال ابن عباس: فرأيتُ
رسولَ الله ﴿ قرأ: ((السجدة)) فسجدَ، فسمعتُه يقول في سجوده مثلَ الذي أخبره
الرجلُ عن قول الشجرة(٤).
ذكره الثعلبي عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، رأيتُني في النوم
كأني تحت شجرة والشجرةُ تقرأ ((صَ)) فلما بلغتِ السجدةَ سجدَتْ فيها، فسمعتُها
(١) سنن ابن ماجه (١٣٩١)، وفي إسناده سلمة بن رجاء عن الشعثاء، وسلمة قال فيه ابن عدي: حدَّث
بأحاديث لا يتابع عليها، وعدَّ منها هذا الحديث. ميزان الاعتدال ١٨٩/٤ . والشعثاء - وهي بنت
عبد الله، الأسدية الكوفية - قال الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٦٦٦: لا تُعرف.
(٢) سنن ابن ماجه (١٣٩٤)، وأخرجه أبو داود (٢٧٧٤)، والترمذي (١٥٧٨)، وقال: هذا حديث حسن
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز، والعمل على هذا عند أكثر أهل
العلم، رَأَوْا سجدة الشكر.
(٣) سنن الترمذي (٥٧٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه، والكلام من أحكام القرآن لابن
العربي ١٦٢٨/٤، وينظر الحديث التالي.
(٤) سنن ابن ماجه (١٠٥٣)، وما بين حاصرتين منه.

١٨٠
سورة ص : الآيتان ٢٤ - ٢٥
تقول في سجودها: اللهمَّ اكتُبْ لي بها أجراً، وحُظّ عني بها وزراً، وارزقني بها
شُكراً، وتقبَّلها مني كما تقبَّلت من عبدك داودَ سجدتَه. فقال لي النبيّ ﴾: ((أَفَسجدْتَ
أنت يا أبا سعيد)) فقلت: لا والله يا رسولَ الله. فقال: «لقد كنتَ أحقَّ بالسُّجود من
الشجرة)) ثم قرأ النبيّ # ((صّ)) حتى بلغ السجدةَ فسجد، ثم قال مثلَ ما قالت
الشجرة(١).
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَغَفَّرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ أي: فغفرنا له ذَنْبَه. قال ابن
الأنباري(٢): ((فغفرنا له ذلك)) تامٌّ، ثم تبتدئ: ((وإن له)) وقال القشيري: ويجوز
الوقف على ((فغفرنا له)) ثم تبتدئ ((ذلك وإِنَّ له)) كقوله: ﴿هَذَّا وَإِنَ لِلَِّينَ﴾
[ص: ٥٥] أي: الأمر ذلك.
وقال عطاء الخُراساني وغيره: إنَّ داودَ سجدَ أربعين يوماً حتى نبتَ المَرْعَى حولَ
وجهه وغمر رأسَه، فَنُودي: أجائعٌ فَتُطعَم، وأَعارٍ فَتُكْسَى؛ فتَحَبَ نحبةً هاج المَرْعى
من حرِّ جوفه، فَغُفِر له وسُتِرَ (٣) بها. فقال: يا رب، هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد
غَفَرْتَه، وكيف بفلان وكذا وكذا رجلاً من بني إسرائيل، تركت أولادهم أيتاماً،
ونساءهم أرامل؟ قال: يا داود، لا يُجاوزني يومَ القيامة ظلمٌ، أُمَكِّنه منك ثم
أَستوهِبُك منه بثواب الجنة. قال: يا ربّ، هكذا تكون المغفرة الھنیئة(٤). ثم قیل: یا
داود، ارفَعْ رأسَك. فذهب لِيَرفَعَ رأسَه فإذا به قد نَشِبَ في الأرض، فأتاه جبريلُ
فاقتلعه عن وجه الأرض كما يُقتلَع من الشجرة صَمْغها. رواه الوليد بن مسلم عن ابن
جابر(٥) عن عطاء.
قال الوليد: وأخبرني مُنِير بن الزبير (٦)، قال: فَلَزِقَ مواضعُ مساجده على الأرض
(١) عرائس المجالس ص ٢٨٧.
(٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦٢.
(٣) في نوادر الأصول ص ١٨٨ (والكلام منه): وبُشِّر.
(٤) في (م): الهيِّنة، والمثبت موافق لنوادر الأصول.
(٥) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، الشامي. تهذيب التهذيب ٥٦٦/٢ .
(٦) الشامي، أبو ذر الأزدي، قال ابن حبان: يأتي عن الثقات بالمعضلات، لا تحل الرواية عنه إلا على
سبيل الاعتبار. تهذيب التهذيب ٤/ ١٦٤ .