النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة ص : الآيتان ١٥ - ١٦ سُويعة يرضَعها الفَصيل لِتَدِرَّ، ثم تُحلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُوَاقاً؛ وفي الحديث: ((العِيادةُ قَدْر فُواق الناقة)»(١). وقوله تعالى: ((مالها مِنْ فَوَاق)) يقرأ بالفتح والضم، أي: مالها من نظرة وراحة وإفاقة. والفِيقة، بالكسر: اسمُ اللبن الذي يجتمع بين الحَلْبتين؛ صارت الواو ياءً لِكسر ما قَبْلَها؛ قال الأعشى يَصِفُ بقرةً: حتى إذا فِيقَةٌ في ضَرعِها اجتمعتْ .. جاءتْ لِتُرضِع شِقَّ النَّفْسِ لو رَضَعا (٢) والجمع فِيق، ثم أفواق، مثل: شِبر وأشبار، ثم أفاويق. قال ابن هَمَّام السَّلُوليّ: أَنَاوِيقَ حتى ما يَدُرُّ لها ثُعْلُ(٣) وذَمُّوا لنا الدنيا وهم يَرْضَعُونها والأفاويق أيضاً ما اجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعةً بعد ساعة. وأفاقت الناقةُ إفاقةً، أي: اجتمعت الفِيقة في ضرعها؛ فهي مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ - عن أبي عمرو - والجمع مفاويق. وقال الفرّاء وأبو عُبيدة وغيرهما: ((مِنْ فَوَاقٍ)) بفتح الفاء، أي: راحة لا يُفيقون فيها، كما يُفيق المريضُ والمَغْشيّ عليه. و (مِنْ فُواقٍ)) بضم الفاء من انتظار(٤). وقد تقدَّم أنهما بمعنىّ، وهو ما بين الحلْبتين. قلت: والمعنى المُراد أنها مُمتدَّة لا تقطيع فيها. وروى أبو هريرة قال: حدَّثنا رسول الله # ونحن في طائفة من أصحابه، الحديثَ، وفيه («يأمر اللهُ عزَّ وجلَّ إسرافيلَ بالنَّفخة الأُولى، فيقول: انفُخْ نَفْخةَ الفَزَع، فيفزَعُ أهلُ السماوات وأهلُ الأرض إلا مَن شاء الله، ويأمره فيمدُّها ويُديمها يُطوِّلها يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنْظُ هَلَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾)) وذكر الحديثَ، خَرَّجه علي بن مَعْبد وغيرُه (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٢٢٢)، في إسناده مندل بن علي أبو عبد الله العنزي الكوفي، ضغَّفه أحمد كما في تهذيب التهذيب ١٥٢/٤، وأورد الحديث السيوطي في الجامع الصغير ٣٩٦/٤ (فيض القدير) ورمز لصحته. (٢) ديوان الأعشى ص ١٥٥ . (٣) الكامل للمبرد ٧٧/١، وسمط اللالئ ٣/ ٩٢٣ . والفُّعل: خِلْفٌ زائد صغير في أخلاف الناقة، وضرع الشاة، لا يدرّ. اللسان (ثعل). (٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٠٠ - وليس فيه هذا التفريق - ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١٧٩/٢ . ١٤٢ سورة ص : الآيتان ١٥ - ١٦ كما ذكرناه في كتاب ((التذكرةٍ))(١). قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عِلِ أَنَا فَِّّنَا قَبْلَ يَوْمِ الِْسَابِ﴾ قال مجاهد: عذابَنا. وكذا قال قتادة: نصيبنا من العذاب. الحسن: نصيبنا من الجنة لِنتنَّم به في الدنيا. وقاله سعيد بن جُبير(٢). ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب: قِطّ، وللكتاب المكتوب بالجائزة قطّ (٣). قال الفراء(٤): القِطُّ في كلام العرب: الحظّ والنصيب. ومنه قيل للصكّ: قِطّ. وقال أبو عُبيدة والكسائي: القِطُ الكتاب بالجوائز(٥). والجمع القطوط؛ قال الأعشى: ولا المَلِكُ النُّعمانُ يومَ لَقِيتُهُ بِغِبْطتهِ يُعطي القُطوطَ وَيَأْفِقُ(٦) يعني كتب الجوائز. ويروى: بإمَّتهِ، بدل: بغبطته، أي: بنعمته وحاله الجليلة، ويأفِق يصلحُ. ويقال: في جمع قِّ أيضاً: قِطّطة، وفي القليل: أَقطّ وأقطاط. ذكره النحاس (٧). وقال السدي: سألوا أن يُمَثِّلَ لهم منازلَهم من الجنةِ ليعلموا حقيقةً ما يُوعَدون به. وقال إسماعيل بن أبي خالد: المعنى: عجِّل لنا أرزاقَنا(٨). وقيل: معناه: عجِّل لنا ما يَكفينا؛ من قولهم: فَظْني؛ أي: يَكفيني. وقيل: إنهم قالوا ذلك استعجالاً (١) ص١٧٣، والحديث أخرجه مطولاً إسحاق بن راهويه في مسنده (١٠)، والطبري ٣٣/٢٠، وهو حديث ضعيف، وسلف قسم منه ٢١٦/١٦ - ٢١٧ . (٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٠/ ٣٧ - ٣٨. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٧/٣. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٠ . (٥) تفسير البغوي ٤/ ٥١، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٧٩/٢ . (٦) ديون الأعشى ص٢٦٩ . وفيه، بإمَّته، بدل: بنعمته. وذكره برواية المصنف ابن عطية في المحرر الوجيز ٤ /٤٩٦ . (٧) في إعراب القرآن ٣/ ٤٥٧. وما قبله منه. (٨) أخرجهما الطبري ٣٨/٢٠ - ٣٩. ١٤٣ سورة ص : الآيتان ١٦ - ١٧ لِكُتبهم التي يُعطَونها بأيمانهم وشَمائلهم حين تُلي عليهم بذلك القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أُوْنِى كِنَهُ بَِمِنِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِيَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِفِ﴾ [الانشقاق: ١٠]، وأصلُ القِطِّ القَطُ، وهو القَطْع، ومنه: قَطَّ القلمَ؛ فالقِطُّ اسمُ للقطعة من الشيء، كالقَسْمِ والقِسْم، فأُطلق على النصيب والكتاب والرِّزق لِقَطْعه عن غيره، إلا أنه في الكتاب أكثرُ استعمالاً وأقوى حقيقةً. قال أميةُ بن أبي الصَّلْت: قَومٌ لهم ساحةُ العِراقِ وما يُجْبَى إليه والقِظُّ والقَلَمُ(١) ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: قبلَ يومِ القيامة في الدنيا إنْ كان الأمرُ كما يقول محمد. وكلُّ هذا استهزاءٌ منهم. قوله تعالى: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُرَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ: أَوَابُ قوله تعالى: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أمرَ نبيَّه ◌ِ ﴾ بالصبر لما استهزؤوا به. وهذه منسوخةٌ بآية السيف(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَدِّ﴾ لمَّا ذكر من أخبار الكفار وشِقاقهم وتقريعهم بإهلاك القُرون مِن قبلهم، أمَر نبيّه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم، وسلَّاه بكلِّ ما تقدَّم ◌ِذِكْره. ثم أخذ في ذكر داودَ وقصص الأنبياء؛ لِيتسلَّى بصبر مَن صَبَرَ منهم؛ وليعلمَ أن له في الآخرة أضعافَ ما أُعْطِيَهُ داودُ وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى: اصبِرْ على قولهم، واذكُر لهم أقاصيصَ الأنبياء؛ لتكون برهاناً على صحة نبوَّتك. ((ذا الأيْدِ)) ذا القوَّة في العبادة. وكان يصومُ يوماً ويُفطر يوماً، وذلك أشدُّ الصوم (١) ديوان أمية بن أبي الصَّلت ص١٢٨، وروايته فيه؟ قوم لهم ساحة العراق إذا ساروا جميعاً والقط والقلم وذكره كرواية المصنف الماوردي في النكت والعيون ٨٣/٥ . (٢) ذكره مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٣٩١، وابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ١١٠. ١٤٤ سورة ص : الآية ١٧ وأفضلُه؛ وكان يُصلِّ نصف الليل، وكان لا يفرُّ إذا لاقى العدوّ(١)، وكان قويّاً في الدعاء إلى الله تعالى. وقوله: ((عَبْدَنا)) إظهاراً لِشَرَفهِ بهذه الإضافة. ويقال: الأَيْد والآدُ، كما تقول: العيب والعاب(٢). قال: لم يَكُ يَنْآد فَأَمْسَى انْآدا(٣). ومنه: رجلٌ أَيِّدٌ، أي: قويّ. وتأَيَّدَ الشيء تقوَّى، قال الشاعر: رَمَى فَأَصابَ الكُلى وَالذُّرا(٤) إذَا القوسُ وَتَّرهَا أَيِّدٌ يقول: إذا الله وَتَّر القوس التي في السحاب رَمَى كُلى الإبل وأَسْنِمَتَها بالشحم. يعني من النبات الذي يكون من المطر. ﴿إِنَّهُ: أَوَّبُ﴾ قال الضحاك: أي: تؤَّاب. وعن غيره: أنه كلَّما ذكَر ذَنْبه أو خطَّر على باله استغفر منه؛ كما قال النبي #: ((إني لأستغفرُ اللهَ في اليوم والليلة مئةً مرة))(٥). ويقال: آبَ يؤوب، إذا رَجَع، كما قال: وكلُّ ذِي غَيْبَةٍ يؤوبُ وغائبُ الموت لا يؤوبُ(٦) فكان داودُ رجَّاعاً إلى طاعة الله ورِضاه في كلِّ أمرٍ، فهو أهلٌ لأن يُقتدى به. (١) أخرج البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﴾ قال له: (( .. أحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينامُ نصفَ الليل، ويقوم ثُلثّه، وينام سُدسّه، ويصوم يوماً ويُفطر يوماً)، وفي رواية عند البخاري (٣٤١٩)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٧): (( .. ولا يَفِرُّ إذا لاقى)). وهو في مسند أحمد (٦٤٧٧). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٨/٣ . (٣) الرجز للعجاج كما في إصلاح المنطق ص ١٠٧، وقبله: مِن أن تبدَّلتُ بآدي آدا. ولم نقف عليه في دیو انه. (٤) في (م): الذُّوا، والبيت في مجالس ثعلب ص ٤٤٧ والصحاح (أيد) والكلام منه. (٥) أخرجه أحمد (١٧٨٤٨)، ومسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرّ المزني ﴾، وأوله: ((إنه لَيُغَانُ على قلبي .. )) وسلف ٢/ ١١٧ . (٦) قائله عَبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص٢٦ . والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤٥٨/٣ . ١٤٥ سورة ص : الآية ١٨ قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُمْ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا لِبَالَ مَعَهُ, يُسَِّّحْنَ﴾ ((يُسَبِّحْنَ)) في موضع نصب على الحال(١). ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمُعجزة، وهو تسبيحُ الجبال معه. قال مقاتل: كان داودُ إذا ذكّر الله جلَّ وعزَّ ذكّرت الجبالُ معه، وكان يفقهُ تسبيحَ الجبال. وقال ابن عباس: ((يُسَبِّحْنَ)) يُصلِّين. وإنما يكون هذا معجزةً إذا رآه الناس وعَرَفوه. وقال محمد بن إسحاق: أُوتي داودُ من حُسن الصوت ما يكون له في الجبال دَويُّ حَسَن، وما تصغَى لحسنه [الطير] وتُصوِّت معه، فهذا تسبيحُ الجبال والطير . وقيل: سخَّرها اللهُ عز وجل لِتَسيرَ معه، فذلك تسبيحُها، لأنها دالَّةٌ على تنزيهِ الله عن شبه المخلوقين(٢). وقد مضَى القولُ في هذا في ((سبأ))(٣) وفي ((سبحان)) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَّهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الآية: ٤٤] وأنَّ ذلك تسبيحُ مَقَّال على الصحيح من الأقوال. والله أعلم. ﴿بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ الإشراقُ أيضاً ابيضاضُ الشمس بعد طلوعها. يقال: شَرَقَت الشمسُ، إذا طَلَعت، وأَشرقَتْ، إذا أضاءت(٤). فكان داودُ يُسبِّح إثرَ صلاتهِ عند طلوع الشمس وعند غُروبها. الثانية: روي عن ابن عباس أنه قال: كنت أمرُّ بهذه الآية ﴿بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ ولا أدري ماهي، حتى حدَّثتني أُمُّ هانئ أن رسولَ اللـه ﴾ دخلَ عليها، فدعا بِوَضوء فتوضأ، ثم صلَّى صلاةَ الضُّحى، وقال: ((يا أُمَّ هانئ، هذه صلاةُ الإشراق))(٥). وقال (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٨/٣. (٢) المصدر السابق. (٣) ٢٦٠/١٧ وما بعدها. (٤) الصحاح (شرق) . (٥) أخرجه الطبراني في الكبير ٤٠٦/٢٤، والبغوي في تفسيره ٥١/٤ . وفي إسناده حجَّاج بن نُصير وأبو بكر الهذلي وكلاهما ضعيف. ميزان الاعتدال ٤٦٥/١ و٤٩٧/٤، ومجمع الزوائد ٢٣٨/٢ و٩٩/٧ . ١٤٦ سورة ص : الآية ١٨ عكرمة: قال ابن عباس: كان في نفسي شيء من صلاة الضُّحى حتى وجدتُها في القرآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾(١). قال عكرمة: وكان ابن عباس لا يُصلِّي صلاةً الضُّحى، ثم صلَّاها بعد(٢). وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس: إني أَجِدُ في كُتُبِ اللهِ صلاةٌ بعدَ طُلوع الشمس هي صلاة الأوَّابين. فقال ابن عباس: وأنا أوجدك في القرآن ذلك في قصة داود ﴿يُسَبِّحْنَ بِلْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. الثالثة: صلاةُ الضحى نافلةٌ مستحبة، وهي في الغَداة بإزاء العصر في العَشيّ، لا ينبغي أن تُصلَّى حتى تبيضَّ الشمسُ طالعةٌ؛ ويرتفع كَدَرُها؛ وتُشرق بنورها؛ كما لا تُصلَّى العصر إذا اصفرَّتِ الشمس(٣). وفي ((صحيح)) مسلم عن زيد بن أَرْقَم، أن رسولَ اللهِ﴾ قال: ((صلاةُ الأَوَّابين حين تَرْمَضُ الفِصالُ))(٤). الفِصال والفُصلان جمع فَصيل، وهو الذي يُفطّم من الرضاعة من الإبل. والرَّمضاء شِدَّةُ الحر في الأرض. وخصَّ الفِصال هنا بالذِّكر؛ لأنها هي التي تَرْمَض قبلَ انتهاء شدَّة الحرّ التي تَرْمَض به(٥) أمهاتُها لِقِلَّة جَلَدها، وذلك يكون في الضُّحى أو بعده بقليل، وهو الوقتُ المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها(٦). قال(٧) القاضي أبو بكر بن العربي(٨): ومن الناس من يُبادر بها قبلَ ذلك (١) أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٩٨/٥ . (٢) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٩٨/٥ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦١٣ . (٤) صحيح مسلم (٧٤٨)، وهو في مسند أحمد (١٩٢٧٠)، وفي هامش (ز) حاشية نصها: تَرْمَض بفتح التاء والميم، يقال: رَمِض يرمّض، كعلم يعلم، والرمضاء: الرَّمْل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي: حين تحترق أخفاف الفصال، وهي الصغار من أولاد الإبل، جمع فَصيل، من شدة حرّ الرمل، والأواب، المطيع، وقيل: الراجع إلى الطاعة. قاله النووي. اهـ [في شرح مسلم ٦/ ٣٠] (٥) في (م): بها. (٦) المفهم ٣٥٩/٢ . (٧) في (م) و(د) و(ظ): قاله. (٨) في أحكام القرآن ١٦١٣/٤ . ١٤٧ سورة ص : الآية ١٨ استعجالاً، لأجل شُغله فيخسر عملَه؛ لأنه يُصلِّيها في الوقت المَنْهي عنه، ويأتي بعملٍ هو علیه لا له. الرابعة: روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((مَنْ صلَّى الضُّحى ثنتي عشرةَ ركعةً بنى اللهُ له قصراً مِن ذَهَبٍ في الجنة)) قال: حديث غریب(١). وفي ((صحيح)) مسلم: عن أبي ذرِّ عن النبيّ :﴿ أنه قال: ((يُصبح على كلِّ سُلَامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صَدَقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان یرگعهما من الضُّحى))(٢). وفي الترمذي: عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـهِ﴾: ((مَنْ حافَظَ على شَفْعةٍ الضُّحى غُفر له ذنوبُه وإنْ كانت مثلَ زَبَد البحر)»(٣). وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: ((أوصاني خليلي بثلاث لا أَدْعُهُنَّ حتى أموتَ: صوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وصلاةِ الضُّحى، ونوم على وتر)) لفظ البخاري(٤). وقال مسلم: (وركعتي الضحى)(٥). وخرَّجه من حديث أبي الدرداء كما خرَّجه البخاري من حديث أبي هريرة(٦). وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ أقلَّ الضحى ركعتان وأكثرَه ثنتا عشرة. والله أعلم. وأصل السُّلامى - بضم السين - عظامُ الأصابع والأَكُفّ والأرجل، ثم استُعمل في سائر عظام الجسد وَمفَاصله(٧). (١) سنن الترمذي، وفي إسناده موسى بن فلان بن أنس بن مالك، ويقال: موسى بن حمزة. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: مجهول. (٢) صحيح مسلم (٧٢٠)، وأخرجه أحمد (٢١٤٧٥). (٣) سنن الترمذي (٤٧٦)، وفي إسناده نهَّاس بن قَهْم، ضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب. (٤) رقم (١١٧٨). (٥) رقم (٧٢١)، وهو في مسند أحمد (٧٦٧١). (٦) صحيح مسلم (٧٢٢)، وهو في مسند أحمد (٢٧٤٨١). (٧) المفهم ٢/ ٣٦٠. ١٤٨ سورة ص : الآيات ١٨ - ٢٠ وروي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسولَ الله﴾ قال: ((إنه خُلِقَ كلُّ إنسان من بني آدمَ على ستين وثلاث مئة مَفْصِل، فمن كبَّ اللهَ، وحَمِدَ اللهَ، وهلَّل اللهَ، وسبَّح الله، واستغفرَ اللهَ، وعَزَلَ حجراً عن طريق الناس أو شوكةً أو عظماً عن طريق الناس، وأَمَرَ بمعروف، أو نَهَى عن مُنكر عَدَدَ تلك الستين والثلاث مئة سُلامَى فإنه يمشي يومئذ وقد زَحْزحَ نفسَه عن النار)) قال أبو تَوْبة: وربما قال: ((يُمْسي)) كذا خرجه مسلم (١). وقوله: ((ويُجزئ من ذلك ركعتان)) أي: يكفي من هذه الصَّدَقات عن هذه الأعضاء ركعتان. وذلك أن الصلاةَ عملٌ بجميع أعضاء الجسد؛ فإذا صلَّى فقد قام كلُّ عضو بوظيفته التي عليه في الأصل. والله أعلم (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَّيَرَ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ، أَوَّبٌ ﴾ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَايَيْنَهُ الْحِكْمَةَ ﴾ ٢٠ وَفَصْلَ اُلِطَابِ قوله تعالى: ﴿وَطَيَرَ مَحْشُورَةً﴾ معطوف على الجبال. قال الفراء(٣): ولو قرئ: ((والطَّيْرُ محشورةٌ)) لجاز(٤)؛ لأنه لم يظهر الفعل. قال ابن عباس: كان داود عليه السلام إذا سبَّح جاوبَتْه الجبال واجتمعت إليه الطيرُ فسبَّحتْ معه. فاجتماعها إليه حَشْرُها(٥). فالمعنى: وسخَّرنا الطيرَ مجموعة إليه لِتُسبِّح اللـه معه. وقيل: أي: وسخّرنا الريح لِتَحْشُرَ الطيورَ إليه لِتسبِّح معه، أو أُمرنا الملائكةَ تحشر الطيور. (١) في صحيحه (١٠٠٧). (٢) المفهم ٢/ ٣٦١. (٣) في معاني القرآن ٤٠١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٥٩/٣، وما قبله منه. (٤) قرأ بها إبراهيم بن أبي عبلة كما في القراءات الشاذة ص١٢٩. (٥) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢/ ٤٠١، والطبري في تفسيره ٤٥/٢٠، ولم ينسباه لأحد. ١٤٩ سورة ص : الآيتان ١٩ - ٢٠ ﴿كُلُّ لَّهُ﴾ أي: لداود ﴿أَوَّبُ﴾ أي: مطيع؛ أي: تأتيه وتُسبِّحُ معه. وقيل: الهاء لله عزّ وجلّ. قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: قوَّيناه حتى ثَبَتَ. قيل: بالهيبة وإلقاء الرُّعب منه في القُلوب. وقيل: بِكَثْرة الجنود. وقيل: بالتأييد والنَّصر. وهذا اختيارُ ابن العربي(١)، فلا ينفع الجيشَ الكثيرَ التفافُه على غيرِ منصور وغير مُعانٍ. وقال ابن عباس : كان داودُ أشدَّ مُلوك الأرض سلطاناً. كان يحرسُ محرابَه كلَّ ليلة نَيِّفٌ وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيُّ الله(٢). والمُلْك عبارة عن كَثْرة المِلْك، فقد يكون للرجلِ مِلك ولكن لا يكون مَلِكاً حتى يكثرَ ذلك؛ فلو مَلَكَ الرجلُ داراً وامرأة لم يكن مَلِكاً حتى يكون له خادمٌ يَكفيه مؤنةً التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورة(٣) الآدمية (٤). وقد مضى هذا المعنى في (براءة))(٥) وحقيقةُ الملك في ((النمل)) مستوفّى. قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَضْلَ لَلِطَابِ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوّة؛ قاله السدي. مجاهد: العَدْل. أبو العالية: العلم بكتاب الله تعالى. قتادة: السنة. شُريح: العلم والفقه. ﴿وَفَضْلَ لَلِطَابِ﴾ قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي وقتادة: يعني: الفَصْلَ في القضاء. وهو قول ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس: بيانُ الكلام. عليّ ابن أبي طالب: هو البيِّنة على المدَّعي واليمينُ على مَن أنكر. وقاله شُرَيح والشعبي (١) في أحكام القرآن ١٦١٤/٤، وما بعده منه. (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٥١ مختصراً. (٣) في (د) و(م): لضرورته، وفي (ز): لضروريّة، والمثبت من (ظ). (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦١٤. (٥) ٢٥٠/١٠. ١٥٠ سورة ص : الآية ٢٠ وقتادة أيضاً. وقال أبو موسى الأشعري والشعبي أيضاً: هو قوله: أما بعد، وهو أول مَن تكلّم بها(١). وقيل: ((فَصْلِ الخِطاب)) البيان الفاصلُ بين الحقّ والباطل. وقيل: هو الإيجازُ بجعل المعنى الكثير في اللَّفِظِ القليل(٢). والمعنى في هذه الأقوال متقاربٌ. وقولُ عليّ ه يجمعه؛ لأن مدارَ الحُكم عليه في القضاء ما عدا قول أبي موسى. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربى(٣): فأما علمُ القضاء فَلَعَمْرُ إلهِك إنه لَنوعٌ من العلم مجرد، وفصلٌ منه مؤكّد، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام؛ ففي الحديث: ((أقضاكم عليٍّ، وأعلمُكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)) (٤). وقد يكون الرجلُ بصيراً بأحكام الأفعال، عارفاً بالحلال والحرام، ولا يقوم بفصل القضاء. يُروَى أن عليَّ بن أبي طالب﴾ قال: لما بعثني رسولُ الله ﴾ إلى اليمن حَفَرَ قومٌ زُبْيةً للأسد، فوقع فيها الأسدُ وازدحم الناسُ على الزُّبية فوقع فيها رجلٌ وتعلَّق بآخر، وتعلَّق الآخَرُ بآخر، حتى صاروا أربعةً، فجرحهم الأسدُ فيها فَهَلكوا، وحمل القومُ السلاحَ وكاد يكون بينهم قتال؛ قال: فأتيتُهم فقلت: أتقتلون مئتي رجل من أجل أربعة أناس؟! تعالوا أَقْضٍ بينَكم بقضاء؛ فإنْ رَضِيتموه فهو قضاء بينكم، وإنْ أَبيْتُم رفعتُم ذلك إلى رسول اللـه ﴿ فهو أحقُّ بالقضاء. فجعل للأوّل رُبُعَ الدِّيَة، وجعل للثاني ثُلثَ الدِّيَة، وجعل للثالث نصفَ الدِّيَة، وجعل للرابع الدِّيَة، وجعل الدِّيَاتِ على من حَفَر الزُّبْيةَ على قبائل الأربعة؛ فَسَخِطَ بعضُهم ورضي بعضهم، ثم قدموا (١) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٤٨/٢٠ - ٥١، والنكت والعيون ٨٤/٥، وتفسير البغوي ٥٢/٤. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦١٥. (٣) في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦١٥ - ١٦١٦. (٤) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس مطولاً، ولفظه: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، .. وأقضاهم عليّ .. وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل .. )) الحديث. وأخرجه أحمد (١٢٩٠٤)، والترمذي (٣٧٩١) دون ذكر علي ﴾. ١٥١ سورة ص : الآية ٢٠ على رسول اللـه ﴿ فقصُّوا عليه القصة؛ فقال: ((أنا أقضي بينكم)) فقال قائل: إن عليّاً قد قضي بيننا. فأخبروه بما قضي عليّ، فقال رسولُ الله ﴾: ((القضاءُ كما قَضَى عليّ)) في رواية: فأمضى رسولُ اللـهِ﴾ قضاءَ عليّ(١). وكذلك يُروَى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجلٌ فقال: إن ابن أبي ليلى - وكان قاضياً بالكوفة - جلد امرأةً مجنونة قالت لرجل: يا ابن الزانيين حدَّين في المسجد وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. قال ابن العربي(٢): وهذا الذي قاله أبو حنيفة بالبديهة لا يُدركه أحدٌ بالروية إلا العلماء، فأما قضيةُ عليٍّ فلا يُدركها الشادي، ولا يلحقها بعد التمرُّن في الأحكام إلا العاكف المُتمادي. وتحقيقُها أن هؤلاء الأربعة مقتولون(٣) خطأ بالتدافع على الحُفرة من الحاضرين عليها، فلهم الدّيَات على مَن حَفَر (٤) على وجه الخطأ، بَيْد أن الأوّل مقتولٌ بالمُدافَعة قائلُ ثلاثةٍ بالمُجاذَبةِ، فله الدِّيةُ بما قُتِل، وعليه ثلاثةُ أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم. وأما الثاني فله ثلثُ الدِّيَة وعليه الثُّلثان بالاثنين اللذين قَتَلَهما بالمُجاذبة. وأما الثالث فله نصفُ الدِّية وعليه النصف؛ لأنه قتل واحداً بالمُجاذبة، فوقعت المحاصَّة، وغَرِمت العواقلُ هذا التقدير بعد القصاص(٥) الجاري فيه. وهذا من بديع الاستنباط. وأما أبو حنيفة فإنه نَظَر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: الأوّل: أن المجنون (١) أخرجه أحمد (١٣١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ١١١/٨. وفي إسناده حنش بن المعتمر الكناني، قال البخاري: يتكلمون في حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يحتج به، يتفرد عن علي بأشياء. ميزان الاعتدال ٦١٩/١. (٢) في أحكام القرآن ١٦١٥/٤ - ١٦١٦، وما قبله منه. (٣) في النسخ الخطية: المقتولون، وفي (م): المقتولين، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. (٤) في النسخ: حضر، والمثبت من أحكام القرآن. (٥) في النسخ الخطية ونسخة من أحكام القرآن لابن العربي: القضاء، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. ١٥٢ سورة ص : الآية ٢٠ لا حدَّ عليه؛ لأن الجُنون يُسقِطُ التكليف. وهذا إذا كان القذفُ في حالة الجنون، وأما إذا كان يجنُّ مرةً ويُفيق أُخرى فإنه يُحَدُّ بالقذف في حالة إفاقته. والثاني: قولها: يا ابن الزانيين، فجلدها حذَّين لكل أب حدٍّ، فإنما خطَّأه أبو حنيفة [فيه بناءً](١) على مذهبه في أن حدَّ القذف يتداخل، لأنه عنده حقُّ اللهِ (٢) تعالى كحدِّ الخمر والزنى. وأما الشافعي ومالك فإنهما يَرَيان أن الحدَّ بالقذف حقٌّ للآدمي، فيتعدَّد بتعدُّد المقذوف. الثالث: أنه جَلَد بغير مطالبة المقذوف، ولا تجوز إقامةُ حدّ القذف بإجماعٍ من الأمة إلا بعد المُطالبة بإقامته ممن يقول: إنه حق الله تعالى، ومن يقول: إنه حقُّ الآدمي. وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حقٌّ للآدميّ؛ إذْ لو كان حقّاً لله لمَا توقّف على المطالبة كحدِّ الزِّنی. الرابع: أنه والَى بين الحَدَّين، ومَن وجب عليه حدَّان لم يُوالَ بينهما، بل يُحَدُّ لأحدِهما ثم يُتْرَكُ حتى يندمِلَ الضرب، ثم يقام عليه الحدُّ الآخر. الخامس: أنه حدَّها قائمةً، ولا تُحَدُّ المرأةُ إلا جالسةً مستورة؛ قال بعض الناس: في زنبيل. السادس: أنه أقام الحدَّ في المسجد، ولا تُقام الحدود فيه إجماعاً. وفي القضاء(٣) في المسجد والتعزيز فيه خلافٌ. قال القاضي: فهذا هو فصلُ الخِطاب وعلم القضاء الذي وقعت الإشارةُ إليه على أحد التأويلات في الحديث المرويّ ((أقضاكم عليّ))(٤). وأما مَن قال: إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العَجَم، ولمحمد # دون العرب؛ وقد بيَّن هذا بقوله: ((وأُوتيتُ (١) ما بين حاصرتين من أحكام القرآن لابن العربي. (٢) في أحكام القرآن لابن العربي: حقٌّ لله. (٣) في أحكام القرآن لابن العربي: القصاص. (٤) سلف أول المسألة. ١٥٣ سورة ص : الآيات ٢٠ - ٢٥ جوامِعَ الكَلِم)»(١). وأما من قال: إنه قوله: أمَّا بعد؛ فكان النبيُّ # يقول في خُطبته: ((أما بعد))(٢). ويُروى أن أوّل من قالها في الجاهلية سحبان بن وائل، وهو أوّلُ من آمنَ بالبعث، وأوّل من توّأ على عصا، وعُمِّر مئة وثمانين سنة. ولو صحَّ أن داود عليه السلام قالها، لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النَّظم، وإنما كان بلسانه. والله أعلم(٣). قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ تَوَُّواْ الْمِحْرَبَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَرِعَ مِنْهُمّ قَالُواْ لَا تَخَفْتَّ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا نُشْطِطْ إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَنَتْعُونَ نَعْجَهُ وَلِيَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ وَأَهْدِنَآ إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ قَالَ لَقَدْ ظَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى نِعَلِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا ٢٣ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ مِنَ الْغُلَاءِ لَيْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ وَظَنَّ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا دَاوُودُ أَنَّمَا فَثَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ (٦٤) لُلْفَى وَحُسْنَ مََادٍ فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾ ((الخَضْمُ)) يقع على الواحد والاثنين والجماعة(٤)؛ لأن أصلَه المصدر. قال الشاعر: كنفضِ البَرَاذينِ العِرابِ المَخَالِیا(٥) وَخَصْمٍ غضَابٍ يَنْفُضُونَ لِحَاهُمُ (١) سلف ١٢/ ٢٩٥. (٢) ثمة عدة أحاديث في أن النبي # كان يقول في خطبته: ((أما بعد» منها حديث الكسوف، هو عند البخاري (٩٢٢)، ومسلم (٩٠٥). وقد ترجم له البخاري: باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. وترجم في موضع آخر من صحيحه (١٠٦١): باب: قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦١٧. (٤) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٩٤. (٥) قائله الراعي النميري، وهو في ديوانه ص٢٩١. ١٥٤ سورة ص : الآيات ٢١ - ٢٥ النحاس(١): ولا خلاف بين أهل التفسير أنه يُراد به هاهنا مَلّكان. وقيل: ((تَسَوَّرُوا)) وإن كانا(٢) اثنين حملاً على الخَصْم، إذ كان بلفظ الجمع ومضارعاً له، مثل الرَّكْب والصَّخب. تقديره للاثنين: ذوا خَصْم، وللجماعة: ذوو خَضْم. ومعنى: (تَسَوَّرُوا المِحرابَ)) أَتَوْه مِن أعلى سُوره. يقال: تسوَّر الحائطَ: تسلَّقه، والسُّور: حائطُ المدينة، وهو بغير همز، وكذلك السُّوَرُ جمع سورةٍ، مثل: بُسْرَة وبُسَر، وهي كلُّ منزلة من البناء. ومنه سورةُ القرآن؛ لأنها منزلةٌ بعد منزلةٍ مقطوعة عن الأُخرى (٣). وقد مضى في مقدّمة الكتاب بيانُ هذا (٤). وقول النابغة: ألم تَرَ أنَّ اللَّه أَغْطاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دونها يتذبذب(٥) يريد شرفاً ومنزلة. فأما السؤر بالهمز، فهو بقيةُ الطعام في الإناء. ابن العربي(٦): والسُّؤر: الوليمة بالفارسي. وفي الحديث: أن النبيَّ# قال يومَ الأحزاب: ((إنَّ جابراً قد صنع لكم سؤراً فحيَّ هلا بكم))(٧) . والمحراب هنا الغُرفة؛ لأنهم تسوَّروا عليه فيها؛ قاله يحيى بن سلام. وقال أبو عُبيدة (٨): إنه صَدْرِ المَجْلس، ومنه محرابُ المسجد. وقد مضى القولُ فيه في غير موضع(٩). (١) في معاني القرآن ٦/ ٩٤. (٢) في (ظ): كانوا، وفي (م): كان. (٣) الصحاح (سور). (٤) ١ / ١٠٦ . (٥) ديوان النابعة ص١٨، وسلف ١٠٦/١ . (٦) في أحكام القرآن ١٩١٨/٤، وما قبله منه. (٧) أخرجه البخاري (٤١٠٢)، ومسلم (٢٠٣٩) مطولاً من حديث جابر ، وأخرجه أحمد بنحوه مطولاً (١٥٠٢٨). (٨) في مجاز القرآن ٢/ ١٨٠ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٨٥/٥، وما قبله منه، وقول يحيى بن سلام فيه: إنه المسجد. (٩) ١٠٧/٥ و٢٢٨/١٣. ١٥٥ سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥ ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُدَ﴾ جاءت ((إِذْ)) مرتين؛ لأنهما فِعْلان. وزَعَم الفرّاء(١) أن إحداهما بمعنى لمَّا. وقول آخر أن تكون الثانيةُ مع ما بعدها تبييناً لما قبلَها. قيل: إنهما كانا إنسيين؛ قاله النقَّاش. وقيل: مَلَكَين؛ قاله جماعة. وعيَّنهما جماعة، فقالوا: إنهما جبريلُ وميكائيل(٢). وقيل: مَلَكّين في صورةٍ إنسيَّين بعثهما اللهُ إليه في يوم عبادته. فمنعهما الحرسُ الدخول، فتسوَّروا المحراب عليه، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يدَيْه جالسين؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَنتَئِكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ تَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾ أي: عَلَوْا ونزلُوا عليه من فوق المحراب؛ قاله سفيان الثوري وغيره(٣). وسببُ ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدَّث نفسه إن ابتُلي أن يعتصم. فقيل له: إنك ستُبتلى وتَعْلَمُ اليومَ الذي تُبتَلَى فيه فَخُذْ حِذرك. فأخذ الزبور ودخل المحرابَ، ومنع من الدخول عليه، فبينا هو يقرأ الزبورَ إذ جاء طائرٌ كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يَدرُج بين يديه. فهمَّ أن يتناولَه بیده، فاستدرج حتى وقعَ في كَوَّة المحراب، فدنا منه لِيأخُذَه فطار، فاطلع لِيُبصِرَه فأشرفَ على امرأة تغتسل، فلما رأته غطّت جسدها بشعرها. قال السدّي: فوقعت في قلبه. قال ابن عباس: وکان زوجها غازیاً في سبيل الله وهو أوریا بن حنان، فکتب داودُ إلى أمير الغُزاة أن يجعل زوجَها في حَمَلَةِ التابوت، وكان حَمَلَةُ التابوت إما أن يَفتح اللهُ عليهم أو يُقتلوا، فقدَّمه فيهم فقتل، فلما انقضت عِدَّتها خطبها داود، واشترطت علیه إن ولدت غلاماً أن یکون الخلیفة بعده، وکتبت علیه بذلك كتاباً، وأشهدتْ عليه خمسين رجلاً من بني إسرائيل، فلم تستقرَّ نفسُه حتى ولدتْ سليمانَ وشَبَّ، وتسوَّر الملكان وكان من شأنهما ما قصَّ اللهُ في كتابه. ذكره الماوردي وغيره. (١) في معاني القرآن ٢/ ٤٠١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٥٩/٣، وما قبله منه. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٦١٩/٤ . (٣) تفسير البغوي ٥٣/٤ ، وزاد المسير ١١٥/٧ . ١٥٦ سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥ (١) ولا يصح(١). قال ابن العربي(٢): وهو أمثلُ ما رُوي في ذلك. قلت: ورواه مرفوعاً بمعناه الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)) عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، سمع أنس بن مالك يقول: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((إنَّ داودَ النبيَّ عليه السلام حين نظرَ إلى المرأة فهمَّ بها قطع على بني إسرائيل بَعْثاً، وأوصى صاحبَ البَعْث فقال: إذا حضر العدوُّ قَرِّب فلاناً، وسمَّاه، قال: فقرَّبه بين يدي التابوت. قال: وكان ذلك التابوتُ في ذلك الزمان يُستنصَر به، فمن قُدِّم بين يدي التابوت لم يرجعْ حتى يُقتلَ أو ينهزمَ عنه الجيش الذي يُقاتله، فقُدِّم، فَقُتِل زوجُ المرأة، ونزل المَلَكان على داود، فقصًا عليه القصّة))(٣). وقال سعيد عن قتادة: كتبَ إلى زوجها وذلك في حصار عَمَّان مدينة بلقاء أن يأخذوا بحلقة الباب، وفيه الموت الأحمر، فتقدَّم فقتل. وقال الثعلبي(٤): قال قومٌ من العلماء: إنما امتحنَ اللهُ داودَ بالخطيئة؛ لأنه تمنَّی يوماً على ربِّه منزلةَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحوَ ما امتحنهم، ويُعطيه نحو ما أعطاهم. وكان داودُ قد قسمَ الدهرَ ثلاثةَ أيام، يومٌ يقضي فيه بین الناس، ويومٌ يخلو فيه بعبادة ربّه، ويومٌ يخلو فيه بنسائه وأشغاله. (١) النكت والعيون ٨٥/٥ - ٨٦، وتفسير البغوي ٥٢/٤، وزاد المسير ١١٥/٧. وينظر قول الحافظ ابن كثير الذي سنذكره في التعليق بعد التالي. (٢) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٢٢ . (٣) أخرجه الطبري ٧٤/٢٠، وابن أبي حاتم والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، فيما ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٠٠/٥ وضعَّف إسناده. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٠: قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أکثرها مأخوذ من الإسرائیلیات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حدیث یجب اتباعه، ولکن روی ابن أبي حاتم هنا حديثاً لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرَّقَاشي عن أنس، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة. اهـ. (٤) في عرائس المجالس ص٢٨١ - ٢٨٣، والكلام إلى نهاية المسألة فيه، وفي تفسير البغوي ٤/ ٥٢ - ٥٣ بنحوه. ١٥٧ سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥ وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فَضْلَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فقال: يا رب، إنَّ الخيرَ كلَّه قد ذهب به آبائي؛ فأوحى الله تعالى إليه: إنهم ابتُلوا ببلايا لم يُبتَلَ بها غيرُهم فصبروا عليها؛ ابتُلي إبراهيمُ بنمروذ، وبالنار، ويذبح ابنه، وابتُليَ إسحاقُ بالذبح، وابتُلي يعقوبُ بالحزن على يوسف وذهاب بصره، ولم تُبتَلَ أنت بشيء من ذلك. فقال داود عليه السلام: فابتلني بمثل ما ابتليتهم، وأَعطني مثلَ ما أُعطيتَهم، فأوحى الله تعالى إليه: إنك مُبتلىَ في شهر كذا في يوم الجمعة. فلما كان ذلك اليوم دخلَ محرابَه، وأغلق بابَه، وجعل يُصلِّي ويقرأ الزبور. فبينا هو كذلك إذ مثلَ له الشيطانُ في صورة حمامة من ذهب، فيها من كلّ لون حَسَن، فوقف بين رجليه، فمدَّ يدَه لِيأخُذَها فيدفعها لابنٍ له صغير، فطارتْ غيرَ بعيد، ولم تُؤيسه من نفسها، فامتذَّ إليها لِيأخُذَها فتنحَّت، فتبعها فطارتْ حتى وقعتْ في كَوَّة، فذهب لِيأخُذَها فطارت، ونظرُ داودَ يرتفع في إثرها ليبعثَ إليها من يأخذُها، فنظر امرأةً في بستان على شَطَّ بركة تغتسل؛ قاله الكلبي. وقال السُّدي(١): تغتسل عُريانة على سطح لها؛ فرأى أجملَ النساء خَلْقاً، فأبصرت ظِلَّه فنفضتْ شعرَها فغطّى بَدَنَها، فزاده إعجاباً بها. وكان زوجُها أوريا بن حنان في غزوة مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داودُ إلى أيوبَ أن ابعثْ بأوريا إلى مكان كذا وكذا، وقَدِّمه قبلَ التابوت، وكان مَن قُدِّم قبل التابوت لا يَحِلُّ له أن يرجعَ وراءه حتى يفتحَ اللهُ عليه أو يستشهد. فقدَّمه ففتح له، فكتب إلى داود يُخبره بذلك. قال الكلبي: وكان أوريا سيفَ الله في أرضه في زمان داود، وكان إذا ضربَ ضربةً وكَبَّر كَبَّر جبريلُ عن يمينه وميكائيلُ عن شماله، وكَبَّرت ملائكةُ السماء بتكبيره حتى ينتهي ذلك إلى العرش، فتُكبِّر ملائكةُ العرش بتكبيره. قال: وكان سيوفُ الله ثلاثة؛ كالب بن يوفنا في زمن موسى، وأوريا في زمن داود، وحمزة بن عبد المطلب (١) أخرجه الطبري ٦٦/٢٠ . ١٥٨ سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥ في زمن رسول الله ﴾(١). فلما كتب أيوبُ إلى داود يُخبره أن الله قد فتح على أوريا كتبَ داودُ إليه: أن ابعثه في بَعْثٍ كذا وقدِّمه قبل التابوت؛ ففتح الله عليه، فقُتل في الثالثة شهيداً. فتزوَّج داودُ تلك المرأةَ حين انقضت عِدَّتها. فهي أُمُّ سليمان بن داود. وقيل: سببُ امتحان داود عليه السلام أن نَفْسَه حدَّثته أنه يُطيق قطعَ يومٍ بغير مُقارفة شيء. قال الحسن: إن داود جزَّأ الدهر أربعةً أجزاء؛ جُزءاً لنسائه، وجُزءاً للعبادة، وجُزءاً لبني إسرائيل يُذاكرونه ويُذاكرهم ويبكونه ويبكيهم، ويوماً للقضاء. فتذاكروا هل يمرُّ على الإنسان يومٌ لا يُصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داودُ أنه يُطيق ذلك؛ فأغلق البابَ على نفسه يومَ عبادته، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكبَّ على قراءة الزبور، فوقعت حمامةٌ من ذهب بين يديه. وذكر نحو ما تقدَّم. قال علماؤنا: وفي هذا دليل، وهي: الثانية: على أنه ليس على الحاكم أن ينتصب للناس كلَّ يوم، وأنه ليس للإنسان أن يترك وطءَ نسائه وإن كان مشغولاً بالعبادة. وقد مضَى هذا المعنى في ((النساء)). وحَكَم کعبٌ بذلك في زمن عمرَ بمحضره رضي الله عنهما (٢). وقد قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو (٣): ((إنّ لِزوجِكَ عليك حقّاً)) الحديث. وقال الحسن أيضاً ومجاهد: إن داود عليه السلام قال لبني إسرائيلَ حين استُخلِفَ: والله لأَعْدِلنَّ بينكم، ولم يَسْثْنِ فابتُلي بهذا. وقال أبو بكر الورّاق: كان داودُ كثيرَ العبادة فأُعجب بعمله، وقال: هل في (١) الذي في الصحيح أن خالد بن الوليد ﴾ هو من سمَّاه رسول الله # سيفاً من سيوف الله. أخرجه البخاري (٣٧٥٧) من حديث أنس ﴾، وأحمد (٤٣) من حديث أبي بكر ﴾. (٢) سلف ٣٦/٦ - ٣٧. (٣) في (م) عمر، والحديث أرجه أحمد (٦٨٦٧)، والبخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩). ١٥٩ سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥ الأرض أحدٌ يعمل كعملي. فأتاه جبريل(١)؛ فقال: إنَّ الله تعالى يقول لك: أُعجِبْتَ بعبادتك، والعُجب يأكلُ العبادة كما تأكل النارُ الحَطَبَ، فإنْ أُعجبتَ ثانية وَكَلْتُكَ إلى نفسك. قال: يا رب، كِلْني إلى نفسي سنةً. قال: إنَّ ذلك لَكثير. قال: فشهراً. قال: إنَّ ذلك لكثير. قال: فيوماً. قال: إنَّ ذلك لَكثير. قال: يا ربِّ، فَكِلْني إلى نفسي ساعةً. قال: فشأنك بها. فوكل الأحراسَ، ولَبِسَ الصُّوفَ، ودخل المحرابَ، ووضع الزَّبور بين يديه؛ فبينما هو في عبادته إذ وقع الطائرُ بين يديه، فكان من أمرٍ المرأة ما كان. وقال سفيان الثوري: قال داود ذاتَ يوم: يا ربّ، ما مِنْ يوم إلا ومِن آل داود لك فيه صائم، وما مِنْ ليلةٍ إلا ومِن آل داود لك فيها قائم. فأَوحى الله إليه: يا داودُ، منك ذلك أو مني؟ وعِزَّتي لأَكِلَنَّك إلى نفسك. قال: يا رب، اعفُ عنّي. قال: أَكِلُكَ إلى نفسك سنةً. قال: لا بِعزَّتك. قال: فشهراً. قال: لا بِعزَّتك. قال: فأُسبوعاً. قال: لا بِعزَّتك. قال: فيوماً. قال: لا بعزَّتك. قال: فساعة قال: لا بعزَّتك. قال: فلحظةً. فقال له الشيطان: وما قدرُ لحظة. قال: كِلْني إلى نفسي لحظةً. فَوَكَلَهُ اللهُ إلى نفسه لحظةً. وقيل له: هي في يوم كذا في وقت كذا. فلما جاء ذلك اليومُ جعله للعبادة، ووكل الأحراسَ حول مكانه. قيل: أربعة آلاف. وقيل: ثلاثين ألفاً، أو ثلاثة وثلاثين ألفاً. وخلا بعبادة ربِّه، ونشر الزبور بین یدیه، فجاءت الحمامةُ فوقعت له، فكان من أمره في لحظته مع المرأة ما كان. وأرسلَ اللهُ عزّ وجلّ إليه المَلَكين بعد ولادة سليمان، وضَرَبا له المثل بالنِّعاج؛ فلما سمع المَثَلَ ذكّر خطيئته فخرَّ ساجداً أربعين ليلةً على ما يأتي. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَفَرِعَ مِنْهُمْ﴾ لأنهما أتياه ليلاً في غير وقت دخول الخصوم. وقيل: لِدخولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوَّروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب(٢). (١) في النسخ: فأوحى الله إليه جبريل، والمثبت من عرائس المجالس ص٢٨٣، والكلام منه. (٢) تفسير الطبري ٥٤/٢٠، وزاد المسير ١١٨/٧ بنحوه. ١٦٠ سورة ص : الآيات ٢٢ - ٢٥ قال ابن العربي(١): وكان محرابُ داود عليه السلام من الامتناع بالارتفاع، بحيث لا يَرتقي إليه آدميٍّ بحيلة إلا أن يُقيم إليه أياماً أو أشهراً بحسب طاقته، مع أعوانٍ يَكثُر عَدَدُهم، وآلاتٍ جمَّة مختلفة الأنواع. ولو قلنا: إنه يوصل إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مُخبراً عن ذلك: ﴿َوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾ إذ لا يقال: تسوَّر المحرابَ والغُرفةَ لمن طلع إليها مِن دَرَجِها، وجاءها مِن أسفلها إلا أن يكون ذلك مَجازاً؛ وإذا شاهدت الكَوَّة التي يقال: إنه دخل منها الخَضمان علمت قطعاً أنهما مَلَكَان؛ لأنها من العُلُوِّ بحيث لا يَنالها إلا عُلْويّ. قال الثعلبي: وقد قيل: كان المُتسوِّران أخوين من بني إسرائيل لأب وأم. فلما قضى داوُد بينهما بقضية قال له مَلَك من الملائكة: فهلا قضيتَ بذلك على نفسكَ يا داود. قال الثعلبي: والأول أحسنُ؛ أنهما كانا مَلَكين نَبَّها داودَ على ما فَعَل. قلت: وعلى هذا أكثرُ أهل التأويل. فإن قيل: كيف يجوز أن يقول الملكان: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ وذلك كَذِبٌ، والملائكة عن مثله مُنزَّهون. فالجواب عنه أنه لابد في الكلام من تقدير؛ فكأنهما قالا: قَدِّرنا كأننا خَضمان بَغَى بعضُنا على بعض فاحكُمْ بيننا بالحق، وعلى ذلك يُحمل قولُهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَدْعُونَ نَعْبَةٌ﴾ لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر فالمرادُ إيرادُه على طريق التقديرِ لينبّه داود على ما فعل؛ والله أعلم (٢). الرابعة: إن قيل: لِم فَزِعَ داودُ وهو نبيٌّ، وقد قَوِيتْ نفسُه بالنبوّة، واطمأنّتْ بالوحي، ووَثِقَتْ بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر علی یدیه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟! قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والأذِية، ومنهما كان يخاف. ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا: ﴿إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] فقال الله عز وجل: ﴿لَا تَخَافَآَ﴾. وقالت الرُّسل (١) في أحكام القرآن ١٦١٩/٤. (٢) أحكام القرآن للكيا ٤/ ٣٦٠.