النص المفهرس
صفحات 121-140
سورة صّ مكيةٌ في قول الجميع(١)، وهي ستُّ وثمانون آية. وقيل: ثمان وثمانون آية(٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحِيمَةِ قوله تعالى: ﴿َصَّ وَاَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّقِ وَشِقَاقٍ ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ٣ قوله تعالى: ﴿صََّ﴾ قراءةُ العامة ((ص)) بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرفٌ من حروف الهجاء مثل: ((الم)) و(المر)). وقرأ أبيّ بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم: ((صادٍ) بكسر الدال بغير تنوين(٣). ولقراءته مذهبان: أحدهما: أنه من صادَى يُصادي إذا عارض، ومنه ((فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى)) [عبس: ٦] أي: تعرَّض. والمصاداة المعارضة، ومنه الصَّدَى: وهو ما يُعارض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى: صادِ القرآنَ بعملك؛ أي: عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وانتهِ عن نواهيه . النحاس(٤): وهذا المذهب يُروى عن الحسن أنه فسَّر به قراءته روايةً صحيحةً عنه(٥)، أن المعنى: أُتْله وتعرَّض لقراءته. والمذهب الآخرُ أن تكونَ الدالُ مكسورةٌ لالتقاء الساكنين. وقرأ عيسى بن عمر ((صادَ)) بفتح الدال(٦) مثله: ((قافَ)) و((نونَ) بفتح (١) تفسير البغوي ٤/ ٤٧، وزاد المسير ٧ / ٩٦ . (٢) ذكرهما السيوطي في الإتقان ٢١٤/١. (٣) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحتسب ٢٣٠/٢ . (٤) في إعراب القرآن ٤٤٩/٣ . (٥) في النسخ: وعنه، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، وقول الحسن أخرجه الطبري ٢٠/ ٥ . (٦) القراءات الشاذة ص ١٢٩، والمحتسب ٢٣٠/٢. : ١٢٢ سورة ص : الآيات ١ - ٣ آخرها. وله في ذلك ثلاثةُ مذاهب: أحدهنَّ أن يكون بمعنى: اثْلُ صادَ (١). والثاني: أن يكون فُتِحَ لالتقاء الساكنين، واختار الفتحَ للإتباع، ولأنه أخفُّ الحركات. والثالث: أن يكون منصوباً على القَسَم بغير حرف؛ كقولك: اللهَ لأَفعلنَّ، وقيل: نُصب على الإغراء . وقيل: معناه: صادَ محمدٌ قلوب الخَلْق واستمالها حتى آمنوا به (٢). وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: ((صادٍ)) بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضاً على حذف حرف القسم، وهذا بعيدٌ، وإن كان سيبويه قد أجاز مثلَه. ويجوز أن يكون مشبهاً بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها(٣). وقرأ هارونُ الأعور ومحمد بن السَّمَيْفَعِ: ((صادُ)) و((قافُ))(٤) [ق: ١] و((نونُ))(٥) [القلم: ١] بضمِّ آخرِهن؛ لأنه المعروفُ بالبناء في غالب الحال، نحو: منذُ وقط وقبلُ وبعدُ . و (صّ)) إذا جعلته اسماً للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إذا سمَّيتَ مؤنثاً بمذكر لا ينصرف وإن قلَّتْ حروفه(٦). وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وقد سُئلا عن ((صّ)) فقالا: لا ندري ما هي(٧). وقال عكرمة: سأل نافعُ بن الأزرق ابنَ عباس عن ((صّ)) فقال: ((صَّ)) كان بحراً بمكة، وکان علیه عرشُ الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال سعيد بن جُبير: ((صّ)) بحر يُحيي اللهُ به الموتى بين النَّفختين(٨). (١) قوله: صاد، ليس في (م). (٢) زاد المسير ٧ / ٩٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥١. (٤) القراءات الشاذة ص١٢٩ و١٤٤ ونسبها للحسن. (٥) زاد المسير ٣٢٦/٨، وستأتي في موضعها. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٠ . (٧) أخرجه عبد بن حُمید کما في الدر المنثور ٢٩٦/٥ . (٨) أورد هذا الخبر والذي قبله الآلوسي في روح المعاني ١٦١/٢٣، ثم قال: الله أعلم بصحة هذين = ١٢٣ سورة ص : الآيات ١ - ٣ وقال الضحاك: معناه: صدق الله(١). وعنه: أن ((صّ)) قسمٌ أقسم اللهُ به، وهو من أسمائه تعالى. وقاله السدي، ورُوي عن ابن عباس(٢). وقال محمد بن كعب: هو مفتاحُ أسماء(٣) الله تعالى: صمٌ، وصانعُ المصنوعات، وصادقُ الوعد. وقال قتادة: هو اسمٌ من أسماء الرحمن. وعنه أنه اسمٌ من أسماء القرآن. وقال مجاهد: هو فاتحة السورة(٤). وقيل: هو مما استأثر اللهُ تعالى بعلمه، وهو معنى القول الأوّل. وقد تقدَّم جمیعُ هذا في ((البقرة))(٥). قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْءَانِ﴾ خفض بواو القسم، والواو بدل من الباء (٦)؛ أقسم بالقرآن تنبيهاً على جلالة قدره؛ فإنَّ فيه بيانَ كل شيء، وشفاءً لما في الصدور، ومعجزةً للنبيِّ ﴾. ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾ خفض على النعت، وعلامة خفضه الياء، وهو اسم معتلٌّ، والأصل فيه: ذَوَي على فَعَل(٧). قال ابن عباس: ومقاتل: معنى ((ذِي الذِّكْرِ)): ذي البيان(٨). الضحاك: ذي = الخبرين. ونافع بن الأزرق من رؤوس الخوارج له أسئلة عن ابن عباس أخرج الطبراني بعضها في المعجم الكبير. لسان الميزان ٦/ ١٤٤ - ١٤٥ . (١) أخرجه الطبري ٢٠/ ٧ . (٢) أخرجه الطبري ٦/٢٠ . (٣) في النسخ الخطية: اسم، والمثبت من (م). (٤) هذه الأقوال في معاني القرآن للنحاس ٦/ ٧٣ . (٥) ٢٣٧/١ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٠ . (٧) المصدر السابق . (٨) النكت والعيون ٧٥/٥، وزاد المسير ٩٨/٧ عن قتادة، وفيهما وفي تفسير الطبري ٨/٢٠، والمحرر الوجيز ٤٩١/٤ أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: معناه: ذي الشرف. ١٢٤ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ الشرف (١)، أي: مَن آمنَ به كان شرفاً له في الدارين؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي: شرفكم. وأيضاً القرآنُ شريفٌ في نفسه، لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل: ((ذِي الذِّكْرِ)) أي: فيه ذِكرُ ما يُحتاج إليه من أمر الدين. وقيل: ((ذِي الذِّكْرِ)) أي: فيه ذكرُ أسماء الله وتمجيده(٢). وقيل: أي: ذي الموعظة والذِّكر. وجوابُ القسم محذوفٌ. واختلف فيه على أوجه: فقيل جوابُ القسم ((صّ))؛ لأن معناه: حقّ، فهي جواب لقوله: ((وَالْقُرآنِ)) كما تقول: حقّاً واللهِ، نزل واللهِ، وجب واللهِ؛ فيكون الوقفُ من هذا الوجه على قوله: ((وَالْقُرآنِ ذِي الذِّكْرِ)» حسَناً، وعلى ((في عِزَّةٍ وَشِقَاق)) تماماً؛ قاله ابن الأنباري(٣). وحكى معناه الثعلبي عن الفراء (٤). وقيل: الجواب ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ لأن ((بل)) نفيٌّ لأمر سبقَ وإثباتٌ لغيره؛ قاله القتبيّ(٥)؛ فكأنه قال: ((والقُرآنِ ذي الذِّكْرِ بَل الذين كَفَرُوا في عِزَّة وشِقاق)) عن قبول الحقّ وعداوة لمحمد ﴾. أو ((وَالْقُرْآنِ ذي الذِّكْرِ)) ما الأمرُ كما يقولون من أنك ساحرٌ كذّاب؛ لأنهم يعرفونك بالصِّدق والأمانة، بل هم في تكبِّر عن قَبول الحقّ. وهو كقوله: ﴿قَّ. وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ، بَلْ عِبُواْ﴾ [ق: ١-٢]. وقيل: الجواب ((كَمْ أَهْلِكْنا)) كأنه قال: والقرآنِ، لَكَمْ أهلكنا؛ فلما تأخّرت ((كَمْ)) حُذفت اللام منها؛ كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَثُعَنَهَا﴾ ثم قال: ((قَدْ أَفْلَحَ)) أي: لقد (١) هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما كما ذكرنا في التعليق السابق، وفي المصادر أن الضحاك قال: معناه: ذي التذكير. (٢) مجمع البيان ٩٦/٢٣ بنحوه. (٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦٠ . (٤) في معاني القرآن ٣٩٦/٢ . (٥) في تأويل مشكل القرآن ص٤٠٨ بنحوه. ١٢٥ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ أفلحَ. قال المهدوي: وهذا مذهبُ الفراء(١). ابن الأنباري (٢): فمن هذا الوجه لا يتمّ الوقف على قوله: ((في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ)). وقال الأخفش (٣): جواب القسم ﴿إِن كُلُّ إِلَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقّ عِقَابٍ﴾ [ص: ١٤] ونحو منه قوله تعالى: ﴿قَالَلَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] وقوله: ﴿وَالسَِّ وَالْكَّارِقِ﴾ ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ﴾ [الطارق: ١ و٤]. ابن الأنباري(٤): وهذا قبيحٌ؛ لأن الكلامَ قد طال فيما بينهما وكَثُرت الآياتُ والقصص. وقال الكسائي(٥): جوابُ القسم قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقَّ تَصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. ابن الأنباري(٦): وهذا أقبحُ من الأوّل؛ لأن الكلامَ أشدُّ طولاً فيما بين القسم وجوابه. وقيل: الجواب قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]. وقال قتادة: الجوابُ محذوفٌ تقديره ((وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)) لَتُبعثُنَّ، ونحوه. قوله تعالى: ﴿بَلِ الَِّينَ کفرُوا فِى عِزَّ﴾ أي: في تکبُّر وامتناع من قبول الحق؛ كما قال جلّ وعزّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْرِّ﴾ [البقرة: ٢٠٦] والعِزَّة عند العرب: الغَلَبةِ والقَهْر. يقال: مَن عَزَّ بَزَّ(٧)؛ يعني: مَن غَلَب سَلَب. ومنه: ﴿وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] أراد: غَلَبني. وقال جرير: (١) في معاني القرآن ٣٩٧/٢، وينظر زاد المسير ٧ /٩٩. (٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦٠ . (٣) في معاني القرآن ٢// ٦٧٠. (٤) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦٠ . (٥) ذكره عنه البغوي في تفسيره ٤/ ٤٧، وابن الجوزي في زاد المسير ٩٩/٧ . (٦) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦١ . (٧) ذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢/ ٣٠٧، والزمخشري في المستقصى ٣٥٧/٢ . ١٢٦ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ يَعُزُّ على الطريقِ بِمَنْكِبِيهِ كما ابتَرَك الخلِيعُ على القِداحِ(١) أراد: يغلب. ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: في إظهارِ خلافٍ ومُباينة. وهو من الشَّق، كأنّ هذا فِي شَقّ وذلك في شَقّ. وقد مضى في ((البقرة)) مستوفى(٢). قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ﴾ أي: من قومٍ كانوا أمنعَ من هؤلاء. و (كم)) لفظة التكثير ﴿مَادَوا﴾ أي: بالاستغاثة والتوبة. والنِّداء رفع الصوت، ومنه الخبر: ((أَلْقِه على بلالٍ، فإنه أَنْدى منك صوتاً))(٣) أي: أرفع. ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال الحسن: نادَوْا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل. النحاس(٤): وهذا تفسيرٌ منه لقوله عز وجل: ((ولات حين مَنَاصٍ)) فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ((ولاتَ حين مَنَّاص)) قال: ليس بحين نَزْو ولا فِرار؛ قال: ضُبِط القومُ جميعاً(٥) قال الكلبي: كانوا إذ قاتلوا فاضطُرُّوا قال بعضهم لبعض: مناص؛ أي: عليكم بالفِرار والهزيمة، فلما أتاهم العذابُ قالوا: مناص؛ فقال الله عز وجل: ((ولاتَ حین مَنَاص)). قال القشيري: وعلى هذا فالتقدير: فنادَوا: مَناص، فحذف لدلالة بقيةِ الكلام عليه؛ أي: ليس الوقتُ وقتَ ما تُنادون به. وفي هذا نوع تحكّم؛ إذْ يَبعُدُ أن يقال: كلُّ مَن هلك من القرون كانوا يقولون: مناص عند الاضطرار. وقيل: المعنى ((ولاتَ حين مَنَاص)) أي: لا خلاص، وهو نصب بوقوع ((لا)) عليه. قال القشيري: وفيه نظر؛ لأنه لا معنى على هذا للواو في ((ولاتَ حينَ مَنَّاصٍ)). (١) دیوان جرير ٨٨/١ . (٢) ٤١٩/٢ . (٣) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩) من حديث عبد الله بن زيد ﴾. (٤) في إعراب القرآن ٣/ ٤٥٠، وما قبله منه. (٥) أخرجه الطبري ١٣/٢٠. والنَّزو: الوثوب. اللسان (نزو). ١٢٧ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ وقال الجُرجاني(١): أي: فنادَوا حين لا مناص، أي: ساعةً لا مَنْجى ولا فوت. فلما قدَّم ((لا)) وأخَخَّر ((حين)) اقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبراً؛ مثل قولك: جاء زيد راكباً؛ فإذا جعلتَه مبتدأ وخبراً اقتضى الواو مثل: جاءني زيد وهو راكب فـ ((حين)) ظرف لقوله: ((فَنَادَوْا)). والمَناص بمعنى التأخّر والفرار والخلاص؛ أي: نادَوا لطلب الخَلاص في وقتٍ لا يكون لهم فيه خلاص. قال الفرّاء : أَمِنْ ذكر ليلى إذ نَأَتكَ تَنُوصُ(٢) يقال: ناص عن قِرْنه يَنُوص نَوْصاً ومَناصاً، أي: فَرَّ وراغ. النحاس(٣): ويقال: ناص ينوص إذا تقدَّم. قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، والنَّوْص الحمار الوحشيّ. واستناص، أي: تأخّر؛ قاله الجوهري(٤). وتكلَّم النحويون في ((ولاتَ حِينَ)) وفي الوقف عليه، وكثَّر فيه أبو عُبيد(٥) القاسم ابن سلَّام في كتاب ((القراءات)) وكلُّ ما جاء به إلا يسيراً مردودٌ. فقال سيبويه(٦): (لات)) مُشبَّهة بليس والاسم فيها مضمر؛ أي: ليست أحيانُنا حينَ مناص. وحكى أن من العرب من يرفع بها فيقول: ولات حِينُ مناص. وحكى أن الرفعَ قليلٌ، ويكون (١) ذكره عنه السمين الحلبي في الدر المصون ٣٥٦/٩ . (٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٩٧، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (نوص)، وما بعده منه، والبيت في ديوان امرئ القيس ص١٧٧، وفيه سلمى، بدل: ليلى. وعجزه: فتقصُرُ عنها خطوة أو تبوصُ. (٣) إعراب القرآن ٣/ ٤٥٠ . (٤) في الصحاح (نوص). (٥) في (م): أبو عبيدة، وهو خطأ. (٦) في الكتاب ٥٧/١ - ٥٨، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٥١/٣، وما قبله وما بعده منه. أ ١٢٨ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ الخبرُ محذوفاً، كما كان الاسم محذوفاً في النصب؛ أي: ولات حينُ مناصٍ لنا. والوقفُ عليها عند سيبويه والفراء(١) ((ولات)) بالتاء، ثم تبتدئ ((حينَ مَنَاص)) وهو قولُ ابن كيسان والزجاج(٢). قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه؛ لأنه شبَّهها بليس، فكما يقال: ليست، يقال: لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء: ولاء. وهو قول المبرد محمد بن يزيد. وحكى عنه علي بن سليمان أن الحُجَّة في ذلك أنها [لا] دخلتْ عليها الهاء التأنيث الكلمة، كما يقال: ثُمَّة ورِّيَّةَ(٣). وقال القشيري: وقد يقال: ثُمَّتْ بمعنى: ثُمَّ، ورُبَّتْ بمعنى: رُبَّ؛ فكأنهم زادوا في ((لا)) هاء، فقالوا: لاه، كما قالوا في ثُمَّ: ثُمَّة، عند الوصل صارت تاء . وقال الثعلبي: وقال أهل اللغة: و((لاتَ حينَ)) مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، وإنما هي ((لا)) زِيدتْ فيها التاء نحو: رُبَّ ورُبَّتْ، وثُمَّ وثُمَّتْ. قال أبو زُبيد الطائي: طَلَبُوا صُلْحَنا وَلَاتَ أَوَانٍ فَأَجَبْنَا أَنْ ليس حِينَ بِقَاءٍ وقال آخر: تذكّر حُبَّ ليلى لَاتَ حِينا وأمسى الشَّيْبُ قد قَطَعَ القَرينا (٤) ومِن العرب من يخفض بها؛ وأنشد الفراء: فَلَتَعْرِفَنَّ خَلَائِقاً مَشْمُولَةً وَلِتَنْدَمَنَّ وَلَاتَ ساعةٍ مَنْدَمِ(٥) وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش(٦) يذهبون إلى أن ((ولاتَ (١) في معاني القرآن ٣٩٨/٢ . (٢) في معاني القرآن ٣٢٠/٤ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٥١/٣، وما بين حاصرتين منه. (٤) البيتان في معاني القرآن للفراء ٣٩٧/٢ - ٣٩٨، وإعراب القرآن للنحاس ٤٥٣/٣، والخزانة ١٦٩/٤، والبيت الثاني غير منسوب. (٥) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٩٧، والذي فيه قوله: ولات ساعةٍ مندم. ثم قال الفراء: ولا أحفظ صدره. والبيت بتمامه في الخزانة ١٧٤/٤ وقوله: مشمولة، أي: مشؤومة، وأخلاق سوء، كما في الخزانة. (٦) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٠. ١٢٩ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ حينَ)) التاء منقطعة من حين، ويقولون: معناها: وليست. وكذلك هو في المصاحف الجُدُدِ والعُتُقِ بقطع التاء من حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عُبيدة مَعْمَر بن المُثَّى(١). وقال أبو عُبيد القاسم بن سلّام: الوقفُ عندي على هذا الحرف ((ولا))، والابتداء (تَحِينَ مَنّاص)) فتكون التاء مع حين. وقال بعضهم: ((لات)) ثم يبتدئ فيقول: ((حين مناص)). قال المهدوي: وذكر أبو عُبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين، وهو غلطٌ عند النحويين، وهو خلافُ قول المفسرين. ومن حُجَّة أبي ◌ُبيد أن قال: إِنَّا لم نجد العربَ تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن؛ وأنشد لأبي وَجْزَةَ السعديّ: والمُطْعِمون زَمانَ أَيْنَ المُطْعِمُ(٢) العاطفُون تَحِينَ مامِنْ عاطِف وأنشد لأبي زُبيد الطائي : طلبوا صُلحنا ولا تَأَوانٍ فأجبنا أنْ ليس حين بقاءٍ (٣) فأدخل التاء في أوان. قال أبو عُبيد: ومِن إدخالهم التاء في الآن حديثُ ابن عمر وسأله رجلٌ عن عثمان بن عفان ، فذكر مَناقِبَه ثم قال: اذهبْ بها تَلَانَ معك (٤). وكذلك قول الشاعر: نَوَّلِي قَبل نأْي دَارِي جُمَانا وصِلِينا كما زَعمْتِ ثَلانا(٥) قال أبو عُبيد: ثم مع هذا كلِّه إني تعمَّدت النظر في الذي يقال له: الإمام - مصحف عثمان - فوجدتُ التاءَ مُتَّصلة مع حين قد كُتبت: تحين. (١) في مجاز القرآن ١٧٦/٢ . (٢) سلف ١/ ٤٧٨ . (٣) سلف قريباً. وينظر الكلام السالف في إعراب القرآن للنحاس ٤٥١/٣ - ٤٥٢، والمحرر الوجيز ٤/ ٤٩٢، والدر المصون ٣٤٧/٩ - ٣٤٩. (٤) أخرجه أحمد (٥٧٧٢)، والبخاري (٣٦٩٨) بلفظ: اذهب بها الآن معك. وأورده بلفظ المصنف ابن الأثير في النهاية (تلن). (٥) نسب في اللسان (تلن) لجميل بن معمر، ونسب في الخزانة ١٧٩/٤ لابن الأحمر. ١٣٠ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ قال أبو جعفر النحاس(١): أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وَجْزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلُّها على خِلاف ما أنشده؛ وفي أحدها تقديران؛ رواه أبو العباس محمد بن یزید : العاطِفونَ ولاتَ ما مِن عاطِف والرواية الثانية : العاطِفونَ ولَاتَ حِينٍ تَعاطفٍ والرواية الثالثة رواها ابن گیْسان: العاطِفونَةَ حِينَ ما مِن عاطِف جعلها هاءً في الوقف وتاءً في الإدراج، وزعم أنها لِبَيان الحركة شُبِّهت بهاء التأنيث. الرواية الرابعة : العاطِفونهُ حِين ما مِن عاطِفٍ وفي هذه الرواية تقديران؛ أحدهما - وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق - أن الهاء في موضع نصب؛ كما تقول: الضاربون زيداً، فإذا كَنَيت قلت: الضاربوه. وأجاز سيبويه في الشعر: الضاربونهُ، فجاء إسماعيل بالبيت(٢) على مذهب سيبويه في إجازته مثلَه. والتقدير الآخر: العاطفونَه، على أن الهاء لِبَيان الحركة، كما تقول: مَرَّ بنا المُسلمونَة، في الوقف، ثم أُجريت في الوصل مُجراها في الوقف؛ كما قرأ أهلُ المدينة: ﴿مَآ أَغْفَ عَنِّ مَالِيَةٌ. هَلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَةٍ﴾ (٣) [الحاقة: ٢٨-٢٩]. (١) في إعراب القرآن ٤٥٣/٣ . (٢) في (م): بالتأنيث، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٤٥٣/٣، والكلام منه، والعبارة ساقطة في (ظ) و(ف). (٣) قرأ حمزة بحذف الهاءين في الوصل، والباقون بإثباتها في الحالين. التيسير ص٢١٤. ١٣١ سورة ص : الآيتان ٢ - ٣ وأما البيت الثاني فلا حُجَّة له فيه؛ لأنه يُوقف عليه: ولاتَ أوان، غيرَ أن فيه شيئاً مُشكلاً؛ لأنه يُروى: ولات أوانٍ؛ بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعاً أو منصوباً. وإنْ كان قد رُوي عن عيسى بن عمر أنه قرأ: ((ولاتٍ حينٍ مناص)) [بكسر التاء من لات والنون من حين، فإن الثبت عنه أنه قرأ: ((ولاتِ حينَ مناص))](١) فبني (لاتِ)) على الكسر، ونصبَ ((حينَ)). فأما : ولاتَ أوانٍ، ففيه تقديران؛ قال الأخفش(٢): فيه مُضمر، أي: ولات حین أوان. قال النحاس(٣): وهذا القول بيِّنُ الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق(٤) قال: تقديره: ولات أوانٍنا فحذف المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين(٥). وأنشده محمد بن يزيد: ولات أوانُ، بالرفع. وأما البيت الثالث فبيتٌ مولّد لا يعرف قائله(٦) ولا تَصِحُّ به حُجَّة. على أن محمد ابن يزيد رواه: كما زعمتِ الآن. وقال غيره: المعنى: كما زعمتِ أنتِ الآن. فأسقط الهمزةَ من أنت والنون. وأما احتجاجُه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل مناقبَ عثمان فقال له: اذهَبْ بها تَلَانَ إلى أصحابك، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأن المُحدّث إنما يروي هذا على المعنى. والدليلُ على هذا أن مجاهداً يروي عن ابن عمر هذا الحديثَ وقال فيه: اذهب فاجهد (١) القراءات الشاذة ص١٣٩، وما بين حاصرتين من إعراب القرآن للنحاس ٤٥٣/٣، والكلام منه. (٢) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٠ . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٥٤، وما قبله منه. (٤) هو الزجاج، وقوله في معاني القرآن ٣٢٠/٤ - ٣٢١. (٥) يعني: لما حذف المضاف إليه عوض من المضاف إليه تنويناً، والنون كانت في التقدير ساكنة كسكون ذال ((إذ))، فلما لقيها التنوين ساكناً كسرت النون لالتقاء الساكنين، كما كسرت الذال من ((إذا لالتقاء الساكنين. سر صناعة الإعراب ٥٠٩/٢ . (٦) نسبه في اللسان (تلن) لجميل بن معمر، وفي الخزانة ١٧٩/٤ لابن الأحمر، وقد ذكرناه عند تخريج البيت. 1 ١٣٢ سورة ص : الآيات ٣ - ٥ جهدك(١). ورواه آخر: اذهب بها الآن معك(٢). وأما احتجاجُه بأنه وجدَها في الإمام ((تَحِينَ)). فلا حُجَّةَ فيه؛ لأن معنى الإمام أنه إمامُ المصاحف، فإنْ كان مُخالفاً لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلِّها ((ولاتَ)) فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مُقْنعاً. وجمعُ مناصٍ مناوص. قوله تعالى: ﴿وَعِيُوْ أَن ◌ََّهُ مُّنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ أَجَعَلَ اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّاً إِنَّ هَذَا لَشَىُْ عُجَابٌ @) قوله تعالى: ﴿وَعِبُوْ أَنْ جَّمَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ((أن)) في موضع نصب، والمعنى: من أن جاءهم(٣). قيل: هو مُتَّصل بقوله: ﴿فِ عِزَّ وَشِقَاقٍ﴾ أي: في عِزَّة وشِقاق وعَجِبوا، وقوله: ((كم أَهْلَكْنا)) مُعترِض. وقيل: لا، بل هذا ابتداءُ كلام، أي: ومِن جَهْلهم أنهم أظهروا التعجّبَ مِن أنْ جاءهم منذرٌ منهم. ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ﴾ أي: يجيء بالكلام المُموَّه الذي يخدعُ به الناس؛ وقيل: يُفرِّق بسحره بين الوالد وولده والرجلِ وزوجته ﴿ كَذَّابُ﴾ أي: في دعوى النبوّة. قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ آلْآَلِمَةَ إِلَهًا وَحِدًا﴾ مفعولان، أي: صيَّر الآلهةَ إلهاً واحداً. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ أي: عجيب. وقرأ السُّلمي: ((عُجَّابٌ)) بالتشديد(٤). والعُجَاب والعُجَّاب والعَجَب سواء. وقد فرّق الخليل بين عَجِيب وعُجَاب فقال: العَجِيب العَجَب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدَّ العَجَب، والطويل الذي فيه طول، والطُوال، الذي قد تجاوز حدَّ الُول(٥). (١) أخرجه البخاري (٣٧٠٤) من طريق سعد بن عبيدة، وابن حبان (٦٩٠٩) من طريق حبيب بن أبي مليكة كلاهما عن ابن عمر رضي الله عنهما. ولم نقف عليه من طريق مجاهد (٢) أخرجه أحمد (٥٧٧٢)، والبخاري (٣٦٩٨). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٤/٣. (٤) القراءات الشاذة ص١٢٩، والمحتسب ٢٣٠/٢ . (٥) النكت والعيون ٧٨/٥ بنحوه. ١٣٣ سورة ص : الآية ٥ وقال الجوهري(١): العَجِيب الأمرُ الذي يُتعجّب منه، وكذلك العُجَاب بالضم، والعُجَّاب بالتشديد أكثرُ منه، وكذلك الأُعجوبة. وقال مقاتل: ((عُجَّابٌ)) لغةُ أزد شنوءة(٢). وروی سعید بن جُبير عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فجاءت قریش إلیه، وجاء النبيُّ #، وعند رأس أبي طالب مجلسُ رجل، فقام أبو جهل كي يمنعَه، قال: وشكّوْه إلى أبي طالب، فقال: يا بنَ أخي ما تُريد من قومك؟ فقال: ((يا عم، إنما أُريدُ منهم كلمةً تذلُّ لهم بها العربُ، وتُؤدِّي إليهم بها الجزيةَ العَجَمُ)) فقال: وما هي؟ قال: ((لا إله إلا الله)) قال: فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾ قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿َصَّ. وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ حتى بلغ ﴿إِنْ هَذَّآ إِلَّ اخِلَقُ﴾ خرَّجه الترمذي أيضاً بمعناه. وقال: هذا حديثٌ حسن صحيح(٣). وقيل: لما أسلمَ عمرُ بن الخطاب ﴾ شقَّ على قريش إسلامُه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقضٍ بيننا وبين ابنِ أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيِّ# فقال: يا ابنَ أخي، هؤلاء قومُك يسألونك ذا السَّواء(٤)، فلا تَمِلْ كلَّ الميل على قومك. قال: ((وماذا يسألونني))؟ قالوا: ارفضنا وارفض ذِكْرَ آلهتنا وندعك وإلهكَ. فقال النبيُّ ﴾: ((أَتُعطونني كلمةً واحدةً وتَمْلِكون بها العربَ، وتَدينُ لكم بها العجم)) فقال أبو جهل: لله أبوك، لَنُعطِينَّكَها وعشرَ أمثالها. فقال النبيُّ ﴾: ((قولوا: لا إله إلا لله))؟ فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ اَلْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾ فكيف يَسَعُ الخَلْقَ كلَّهم إلهٌ واحد. فأنزل اللهُ فيهم هذه الآياتِ إلى قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوَمُ نُوحٍ﴾ [الآية: ١٢](٥). (١) في الصحاح (عجب). (٢) ذكره الآلوسي في روح المعاني ١٦٦/٢٣ . (٣) سنن الترمذي (٣٢٣٢)، وليس في مطبوعه قوله: صحيح. وأخرجه أحمد (٢٠٠٨)، والواحدي في أسباب النزول ص٣٨ . وفي إسناده يحيى بن عمارة، أو ابن عباد، أو عباد، مجهول، تفرَّد بالرواية عنه الأعمش فيما قاله الذهبي في الميزان ٣٩٩/٤ . (٤) في (م): يسألونك السواء. (٥) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٨٧، والبغوي في تفسيره ص ٤٨/٤ . ١٣٤ سورة ص : الآيات ٦ - ١١ قوله تعالى: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ (١ مَ سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الِْلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخِلَقُ ﴿ أَمُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىُّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ﴾ أَمْ عِندَهُمْ خَيْنُ رَحْمَةٍ رَيِّكَ الْعَزِيزِ الْوَقَّادِ ﴿ أَمْ لَهُم ◌ُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْبَّقُواْ فِ الْأَسْبَبِ جُنِدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ قوله تعالى: ﴿وَأَطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْتُواْ﴾ ((الملأ)) الأشراف، والانطلاقُ الذَّهابُ بسرعة؛ أي: انطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه الصلاة والسلام يقول بعضُهم لبعض: ((أَن امْشُو)) أي: امضُوا على ما كنتُم عليه، ولا تدخلوا في دينه ﴿وَأَصْبِرُواْ عَ ءَلِهَتِكُمْ﴾. وقيل: هو إشارة إلى مَشْيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبةُ وعُتبة ابنا(١) ربيعة ابن عبد شمس، وأميّة بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو مُعيط؛ جاؤوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيدُنا وأَنصفُنا في أنفسنا، فاكْفِنا أَمْرَ ابنِ أخيك وسُفهاءَ معه، فقد تركوا آلهتنا وطَعَنوا في ديننا؛ فأرسل أبو طالب إلى النبيِّ﴾ فقال له: إنَّ قومَك يدعونك إلى السَّواء والنَّصَفّة. فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنما أَدعوهم إلى كلمةٍ واحدة)) فقال أبو جهل: وعشراً. قال: ((تقولون: لا إله إلا اللهُ)) فقاموا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ آلْآَلِمَةَ إِلَهَا وَمِنَّا﴾ الآيات(٢). ((أَنِ امْشُوا))، ((أن)) في موضع نصب، والمعنى: بأن امشُوا. وقيل: ((أن)) بمعنى أي؛ أي: ((وانْطَلَقَ المَلَأُ منهم)) أي: امشُوا؛ وهذا تفسيرُ انطلاقهم، لا أنهم تكلَّموا بهذا اللَّفظ. وقيل: المعنى: انطلق الأشرافُ منهم فقالوا للعوامٌّ: ﴿ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَ ءَالِهَتِكُمْ﴾ أي: على عبادة آلهتكم ((إنَّ هذا)) أي: هذا الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام (١) في (م): أبناء. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٤/٣ - ٤٥٥، وينظر السيرة النبوية ٢٦٤/١ - ٢٦٥، وقصة ذهاب كفار قريش إلى أبي طالب سلفت قريباً. ١٣٥ سورة ص : الآيات ٦ - ١١ ﴿لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يُرادُ بأهل الأرض من زوالِ نعم قومٍ وغِيَر تنزِل بهم(١). وقيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ كلمة تحذير؛ أي: إنما يُريد محمدٌ بما يقول الانقيادَ له لِيعلوَ علينا، ونكونَ له أتباعاً، فيتحكّمَ فينا بما يُريد، فاحذروا أن تُطيعوه. وقال مقاتل: إنَّ عمرَ لما أسلمَ وقَوِي به الإسلامُ شقَّ ذلك على قريش فقالوا: إنَّ إسلامَ عمر في قوّة الإسلام لَشيء يُراد(٢). قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ قال ابن عباس والقُرظيّ وقتادة ومقاتل والكلبيّ والسُّديّ: يَعنون مِلَّةً عيسى النصرانية، وهي آخرُ الملل. والنصارى يجعلون مع الله إلهاً. وقال مجاهد وقتادة أيضاً: يَعنون مِلَّة قريش. وقال الحسن: ما سمعنا أنَّ هذا يكون في آخر الزمان. وقيل: أي: ماسمعنا من أهل الكتاب أن محمداً رسولٌ حٌّ(٣). ﴿إِنّ هَذَا إِلَّا أَخْئِلَقُ﴾ أي: كذب وتخرُّص؛ عن ابن عباس وغيره(٤). يقال: خَلَقَ واختلق، أي: ابتدع. وخلقَ اللهُ عزّ وجلّ الخَلْق من هذا؛ أي: ابتدعَهم على غيرٍ مثال(٥) قوله تعالى: ﴿أَمُنْزِلَ عَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَِّنَا﴾ هو استفهامُ إنكار، والذِّكرِ هاهنا القرآنُ؛ أنكروا اختصاصه بالوخي من بينهم؛ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ مُمْ فِ شٍَ مِّن ذِکړى﴾ أي: من وحيي، وهو القرآن. أي: قد عَلِموا أنك لم تَزَلْ صَدُوقاً فيما بينهم، وإنما شكُوا فيما أنزلتُه عليك هل هو من عندي أَمْ لا. ﴿بَلِ لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ أي: إنما اغتَرُوا بِطُول الإمهال، ولو ذاقوا عذابي على (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٥. وقوله: غيّر: في القاموس (غير): غِيَر الدهر: أحداثه المتغيرة. (٢) النكت والعيون ٧٩/٥. وفيه :.. فقالوا: إن إسلام عمر فيه قوة للإسلام وشيء يُراد (٣) هذه الأقوال في النكت والعيون ٧٩/٥، وتفسير البغوي ٤٩/٤، وأقوال ابن عباس ﴾ والقرظي والسدي ومجاهد وقتادة أخرجها الطبري ٢٢/٢٠ - ٢٣ . (٤) أخرجه الطبري ٢٥/٢٠ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٥/٣ . ١٣٦ سورة ص : الآيات ٨ - ١١ الشِّرك لَزال عنهم الشَُّّ، ولمَا قالوا ذلك؛ ولكن لا ينفع الإيمانُ حينئذ(١). و((لَمَّا)) بمعنى لم، وما زائدةٌ، كقوله: ﴿عَمَّا قَلِلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] و﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]. قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَايِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ قيل: أمْ لهم هذا فيمنعوا محمداً عليه الصلاة والسلام مما أَنعمَ اللهُ عز وجل به عليه من النبوة (٢). و(أَمْ)) قد تَرِدُ بمعنى التقريع إذا كان الكلام مُتَّصلاً بكلام قبلَه؛ كقوله تعالى: ﴿الَّمَ تَزِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ﴾ [السجدة: ١-٣]. وقد قيل: إن قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَيْنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ﴾ مُتَّصلٌ بقوله: ﴿وَعَمُواْ أَنْ جََّهُمْ مُنذِرُ مِنْهُمْ﴾ فالمعنى: أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُرسل مَن يشاء؛ لأنَّ خزائنَ السماوات والأرض له(٣)، ﴿أَمْ لَهُم مُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ﴾ أي: فإنْ ادَّعَوْا ذلك ﴿فَلْيَتَّقُواْ فِى الْأَسْبَبِ﴾ أي: فَلْيصعدوا إلى السماوات، وليمنعوا الملائكةَ من إنزالِ الوحي على محمد. يقال: رَفيَ يَرْقَى وارتقى، إذا صَعِدَ. ورَقَى يَرقي رَقْياً، مثل: رَمَى يرمي رَمْياً، من الرُّقْية(٤). قال الربيع بن أنس: الأسبابُ أرقُّ من الشَّعر وأشدُّ من الحديد، ولكن لا تُرى. والسَّبب في اللغة: كل ما يُوصَل به إلى المطلوب من حبلٍ أو غيره(٥). وقيل: الأسباب: أبوابُ السماوات التي تنزلُ الملائكةُ منها؛ قاله مجاهد وقتادة. قال زهير: ولَو رَامَ أسبابَ السماءِ بِسُلَّمِ (٦) (١) تفسير الطبري ٢٦/٢٠ بنحوه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٥. (٣) معاني القرآن للنحاس ٨١/٦ بنحوه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٥. (٥) تفسير الطبري ٢٨/٢٠، وفيه: أدقّ، بدل: أرقّ. (٦) معاني القرآن للنحاس ٨٢/٦ - ٨٣، والبيت سلف ٩/٣، وقول مجاهد وقتادة أخرجه الطبري ٢٧/٢٠ . ١٣٧ سورة ص : الآية ١١ وقيل: الأسبابُ السماواتُ نفسُها؛ أي: فيصعدوا سماءً سماءً. وقال السُّدي: ((في الأسبابِ)) في الفَضْل والدين. وقيل: أي: فَلْيعلوا في أسبابِ القوَّة إنْ ظنُّوا أنها مانعة. وهو معنى قول أبي عُبيدة (١). وقيل: الأسبابُ الحبال؛ يعني: إنْ وجدوا حبلاً أو سبباً يصعدون فيه إلى السماء فَلْيرتقوا؛ وهذا أمرُ توبيخ وتعجيز(٢). ثم وعدَ نبيَّه # النصرَ عليهم فقال: ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ﴾ ((ما)) صِلةٌ، وتقديره: هم جند، فـ (جُنْدٌ)) خبرُ ابتداء محذوف. ﴿مَهْزُومٌ﴾ أي: مقموعٌ ذليلٌ قد انقطعتْ حُجَّتهم لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا: هذا لنا. ويقال: تهزَّمت القربة، إذا انكسرت، وهزمتُ الجيش: كسرته(٣). والكلام مرتبطٌ بما قبل، أي: ﴿بَلِ الذين كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وهم جندٌ من الأحزاب مهزومون، فلا تَغُمُّك عِزَّتُهم وشِقاقهم، فإني أهزمُ جمعَهم وأَسلُبُ عِزَّهم. وهذا تأنيسٌ للنبي ﴾، وقد فُعِل بهم هذا في يوم بدر. قال قتادة: وعدَ اللهُ أنه سَيهزمهم وهم بمكة، فجاء تأويلُها يومَ بَدْر (٤). و((هنالك)) إشارةٌ لِبدر، وهو موضعُ تحزُّبِهم لِقتال محمد ﴾. وقيل: المرادُ بالأحزاب الذين أَتّوا المدينةَ وتحزَّبوا على النبيِّ﴾. وقد مضَى ذلك في (الأحزاب))(٥). والأحزابُ الجندُ، كما يقال: جندٌ من قبائلَ شتَّى. وقيل: أراد بالأحزاب القُرونَ الماضية من الكُفَّار(٦). أي: هؤلاء جندٌ على طريقةِ أولئك؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنٍَّ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: على ديني ومذهبي. وقال الفراء (٧): المعنى: هم جندٌ مغلوب؛ أي: ممنوعٌ عن أن يَصعَدَ إلى السماء. وقال القتبي: يعني: أنهم جندٌ لهذه الآلهة مهزومٌ، فهم لا يقدرون على أن (١) النكت والعيون ٧٩/٥ . (٢) تأويل مشكل القرآن ص٢٧٢ بنحوه. (٣) معاني القرآن للنحاس ٨٣/٦. (٤) أخرجه الطبري ٢٩/٢٠ . (٥) ١٧/ ٧٠ وما بعدها. (٦) تفسير البغوي ٤٩/٤، وزاد المسير ١٠٤/٧ - ١٠٥. (٧) في معاني القرآن ٣٩٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٥٦ . ١٣٨ سورة ص : الآيات ١١ - ١٤ يدَّعوا الشيء من آلهتم، ولا لأنفسهم شيئاً من خزائن رحمة الله، ولا مِن ملك السماوات والأرض(١). قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتَّ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ (١٧) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقّ عِقَاپٍ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوَّمُ نُوحٍ﴾ ذكرها تعزيةً للنبي : # وتسليةً له(٢)؛ أي: هؤلاء من قومك يا محمد جندٌ من الأحزاب المتقدِّمين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأُهلكوا. وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث، واختلف أهلُ العربية في ذلك على قولين: أحدهما: أنه قد يجوز فيه التذكيرُ والتأنيث. الثاني: أنه مذكَّر اللفظ، لا يجوز تأنيثه، إِلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، فيغلبُ في اللفظ حكمُ المعنى المُضمَر تنبيهاً عليه؛ كقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ ولم يقل: ذكرها؛ لأنه لما كان المُضمَرُ فيه مذكَّراً ذكَّره، وإنْ كان اللفظُ مُقتضياً للتأنيث(٣). ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد اختلف في تأويل ذلك؛ فقال ابن عباس: المعنى: ذو البِناء المُحكَم. وقال الضحاك: كان كثيرَ البُنيان، والبُنيان يُسمَّى أوتاداً. وعن ابن عباس أيضاً وقتادة وعطاء: أنه كانت له أوتادٌ وأرسان وملاعبُ يُلْعَب له عليها. وعن الضحاك أيضاً: ذو القوَّة والبَظْش. وقال الكلبي ومقاتل: كان يُعذّب الناس بالأوتاد، وكان إذا غَضِبَ على أحدٍ مدَّه مُستلقياً بين أربعة أوتاد في الأرض، ويُرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ حتى يموت. وقيل: كان يشبح المُعذّب بين أربع (١) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٢٧٣، والعبارة فيه :.. لأنهم لا يقدرون أن يدَّعوا لآلهتهم شيئاً من هذا، ولا لأنفسهم. (٢) تفسير البغوي ٤٩/٤ . (٣) النكت والعيون ٨٠/٥ . ١٣٩ سورة ص : الآيات ١٢ - ١٤ سوارٍ، کلُّ طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتِد من حدید ویترکُه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد، أي: ذو الجنود الكثيرة، فَسُمِّيت الجنودُ أوتاداً؛ لأنهم يُقوُّون أمرَه كما يُقوِّي الوَتِدُ البيت(١). وقال ابن قتيبة: العربُ تقول: هم في عزِّ ثابت الأوتاد، يُريدون: دائماً شديداً. وأصلُ هذا أن البيتَ من بيوت الشَّعر إنما يَثْبُتُّ ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر: في ظلِّ مُلْكٍ ثابت الأوتادٍ(٢) ولقد غَنَوْا فيها بأنعَمِ عِيْشةٍ وواحدُ الأوتاد وَتِد، بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال: وَتِدٌ واتدٌ، كما يقال: شُغلٌ شاغل. وأنشد: لاقَتْ على الماءِ جُذَيْلاً وَاتِدا ولم يكن يُخْلِفُها المَوَاعِدا(٣) قال: شبّه الرجلَ بالجِذْل . ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةِ﴾ أي: الغيضة (٤). وقد مضَى ذِكْرُها في ((الشعراء»(٥). وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: ((لَيْكَةَ)) بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء(٦). وقد تقدَّم هذا. ﴿أُوْلَكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: هم الموصوفون بالقوّة والكَثْرة، كقولك: فلانٌ هو الرجل. ﴿إِن كُلُّ﴾ بمعنى: ما كلٌّ ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ﴾ أي: فنزلَ بهم العذابُ لذلك التكذيب . (١) هذه الأقوال في تفسير البغوي ٤/ ٤٩ - ٥٠، وزاد المسير ١٠٥/٧ - ١٠٦. (٢) غريب القرآن ص ٣٧٧ . والبيت في المفضليات ص٢١٧ (٣) نسبه في اللسان (وتد) لأبي محمد الفقعسي، والكلام من الصحاح (وتد). (٤) أخرجه الطبري ٣١/٢٠ عن السدي. (٥) ١٣٤/١٣. (٦) السبعة ص ٤٧٣، والتيسير ص ١٦٦ . ١٤٠ سورة ص : الآيات ١٤ - ١٦ وأثبتَ يعقوبُ الياء في ((عَذَابِي)) و((عِقابِي)) في الحالين، وحذفَها الباقون في الحالين(١). ونظيرُ هذه الآيةِ قولُه عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِّ ◌َغَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ اٌلْأَخْزَابِ. مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر: ٣٠-٣١] فسمَّى هذه الأُمَمَ أحزاباً. وَقَالُواْ رَبَّنَا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ◌َّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ﴾ ((يَنْظُرُ)) بمعنى ينتظر؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْتِسْ مِن ذُوِكُمْ﴾(٢) [الحديد: ١٣]. ((هؤلاء)) يعني كُفَّار مكة. («إلَّا صَيْحَةً واحدةً)) أي: نفخة القيامة. أي: ما ينتظرون بعد ما أُصيبوا ببدر إلا صيحةً القيامة. وقيل: ما ينتظرُ أحياؤهم الآن إلا الصيحةَ التي هي النَّفخة في الصُّور، كما قال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَجِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَعْضِمُونَ. فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَّةً﴾(٣) [يس: ٤٩-٥٠]، وهذا إخبارٌ عن قُرب القِيامة والموت. وقيل: أي: ما ينتظر كُفَّارُ آخر هذه الأمة المُتديِّنين بدين أولئك إلا صيحةً واحدة، وهي النَّفخة. وقال عبد الله بن عمرو: لم تكن صيحةٌ في السماء إلا بغضبٍ من الله عزَّ وجلَّ على أهل الأرض(٤). ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي: من ترداد؛ عن ابن عباس. مجاهد: ما لها رجوع. قتادة: مالها من مثنوية. السدِّي: مالها من إفاقة (٥). وقرأ حمزة والكسائي: ((ما لها مِنْ فُواقٍ)) بضم الفاء. الباقون بالفتح (٦). الجوهري (٧): والفَواق والفُواق ما بين الحَلْبتين من الوقت؛ لأنها تُحلَب، ثم تُترَك (١) النشر ٢/ ١٨٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٧ . (٣) تفسير الرازي ١٨٢/٢٦ بنحوه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٥٧ . وفي مطبوعه: عبد الله بن عمر. (٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ٣٤/٢٠ - ٣٥، وقوله: ما لها من مثنوية، ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٥٠ عن الضحاك، ثم قال: أي: صَرْفٌ وردٌّ. (٦) السبعة ص٥٥٢ ، والتيسير ص ١٨٧ . (٧) الصحاح (فوق).