النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة الصافات: الآيات ١٤٤ - ١٤٨ فنُودي الحوت: إنا لم نجعَلْ يونسَ لك رِزقاً؛ إنما جعلناك له حِرْزاً ومسجداً. وقد تقدَّم(١). وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ قوله تعالى: ﴿فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (٣٥) وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٢) فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ قوله تعالى: ﴿فَنَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ. وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ روي أن الحوت قَذَفه بساحل قرية من المَوْصل. وقال ابن قُسَيْط عن أبي هريرة: طُرح يونس بالعراء وأَنبت اللهُ يَقْطِينةً، فقلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّبَّاء؛ هيّأ اللهُ له أُرْوِيَّةً (٢) وحشيَّة تأكل من خَشَاش الأرض - أو هَشَاش الأرض - فَتَفْشِج (٣) عليه فترويه من لَبنها كلَّ عشية وبُكرة حتى نبت. وقال سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: خرج به - يعني الحوت - حتى لَفَظه في ساحل البحر، فطرحه مثلَ الصبيِّ المنفوس لم ينقص من خَلْقه شيء (٤) . وقيل: إن يونس لما ألقاه الحوتُ على ساحل البحر أنبت اللهُ عليه شجرةً من يقطين، - وهي فيما ذُكر شجرةُ القرع - يتقطر عليه من اللبن حتى رَجَعت إليه قوَّته. ثم رَجَع ذاتَ يوم إلى الشجرة فوجدها يَبِسَتْ، فحزن وبكى عليها فَعُوتب؛ فقيل له: أَحَزِنت على شجرة وبكيتَ عليها، ولم تحزنْ على مئة ألف وزيادة من بني إسرائيل، من أولاد إبراهيمَ خليلي، أسرى في أيدي العدو، وأردتَ إهلاكهم جميعاً (٥)؟. وقيل: هي شجرة التين. وقيل: شجرة الموز تغطّى بورقها، واستظلَّ بأغصانها، وأفطرَ على ثمارها. والأكثرُ على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي . (١) في المسألة السادسة. (٢) الأُرْوِيَّة: أنثى الوعول. القاموس (روي). (٣) الفَشْج: تفريج ما بين الرجلين. (٤) أخرجهما الطبري ٦٣٥/١٩ و٦٣٢ (٥) تفسير الطبري ٦٣٥/١٩ - ٦٣٦ بنحوه. ١٠٢ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٤٨ ثم إن الله تبارك وتعالى اجتباه فجعله من الصالحين. ثم أمره أن يأتي قومَه ويُخبرهم أن الله تعالى قد تاب عليهم، فعمدَ إليهم حتى لقي راعياً فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم، فأخبره أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجعَ إليهم رسولُهم. فقال له: فَأَخِرْهم أني قد لقيتُ يونس. فقال: لا أستطيعُ إلا بشاهد. فسمَّى له عنزاً من غنمه فقال: هذه تشهد لك أنك لقيتَ يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه البقعة التي أنت فيها تشهدُ لك أنك لقيتَ يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه الشجرةُ تشهد لك أنك لقيتَ يونس. وأنه رجَع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي يونس فكذَّبوه، وهمُّوا به شرّاً فقال: لا تَعْجَلوا عليَّ حتى أُصبح، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس، فاستنطقها فأخبرتهم أنه لقي يونس، واستنطق الشاةَ والشجرةَ فأخبرتاهم إنه لقي يونس، ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. ذكر هذا الخبرَ وما قبله الطبري رحمه الله(١) . ((فَنَبَذْنَاهُ)) طرحناه. وقيل: تركناه ((بالعراء)) بالصحراء؛ قاله ابن الأعرابي(٢). الأخفش: بالفضاء. أبو عُبيدة: الواسع من الأرض . الفراء: العراء المكان الخالي. قال: وقال أبو عُبيدة: العراء وجهُ الأرض(٣)؛ وأنشد لرجل من خُزاعة : ورفعتُ رِجلاً لا أخافُ عِثارها ونَبَذْتُ بالبلدِ العَراءِ ثِيابِي(٤) وحكى الأخفش(٥) في قوله: ((وَهُوَ سَقِيمٌ)) جمع سقيم [سَقْمى و] وسقامَى وسِقام . (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٤١/١١ - ٥٤٢، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٨٨/٥ . وهو في عرائس المجالس ص ٤١٣ - ٤١٤ . (٢) ياقوتة الصراط ص ٤٣٢ . (٣) مجاز القرآن ١٧٥/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٥٧/٦، وقول الفراء السالف منه وعبارة مجاز القرآن: بالعراء، أي: الأرض الفضاء. (٤) أورده المبرد في الكامل ٣٦٠/٤، والطبري في تفسيره ٦٣١/١٩. (٥) نقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٤٠، وما بين حاصرتين الآتي منه. ١٠٣ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٤٨ وقال في هذه السورة: ((فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَاءِ)) وقال في ((نون والقلم)): ﴿أَوْلَآ أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّيِّهِ، لَنْيِذَ بِلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [الآية: ٤٩] والجواب: أن الله عز وجل خبّر هاهنا أنه نبذه بالعراء وهو غيرُ مذموم، ولولا رحمةُ الله عز وجل لَنُِذَ بالعراء وهو مذموم؛ قاله النحاس . وقوله: ((وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينٍ)) يعني ((عَلَيْهِ)) أي: عنده؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أي: عندي. وقيل: ((عَلَيْه)) بمعنى له . (شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينٍ)) اليقطين: شجر الدُّبَّاء: وقيل غيرها؛ ذكره ابن الأعرابي(١). وفي الخبر: ((الدُّبَّاء والبِطّيخ من الجنة))(٢) وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة)). وقال المبرّد: يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترشُ ورقها على الأرض: يقطينة، نحو: الدُّبَّاء، والبطيخ، والحنظل، فإن كان لهاساق يُقِلُّها فهي شجرة فقط، وإنْ كانت قائمةً، أي: بعروق تفترش فهي نجمة، وجمعها: نَجْم (٣)؛ قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] ورُوي نحوه عن ابن عباس والحسن ومقاتل. قالوا: كلُّ نبت يمتدُّ ويبسط على الأرض، ولا يبقى على استواء، وليس له ساق نحو القِثَّاء والبطيخ والقرع والحنظل فهو يقطين. وقال سعيد بن جبير: هو كلُّ شيءٍ ينبتُ، ثم يموت من عامِه(٤). فيدخل في هذا الموز. قلت: وهو مماله ساق. الجوهري(٥): واليقطين مالا ساق له كشجر القرع ونحوه. الزجاج(٦): اشتقاق اليقطين من: قَطَنَ بالمكان، إذا أقام به، فهو يَفْعيل. (١) ياقوتة الصراط ص ٤٣٢. (٢) لم نقف عليه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٤٠. (٤) قولا ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير أخرجهما الطبري ٦٣٣/١٩. (٥) الصحاح (قطن). (٦) في معاني القرآن ٣١٤/٤. ١٠٤ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٤٨ وقيل: هو اسمٌ أعجميٍّ. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر؛ لأنه لا ينزل عليه ذباب(١). وقيل: ما كان ثَمَّ يقطين فأنبته اللهُ في الحال . القشيري: وفي الآية ما يدلُّ على أنه كان مفروشاً ليكون له ظلّ . الثعلبي: كانت تُظِلُّه فرأى خُضرتها فأعجبته، فيبستْ فجعل يتحزن عليها؛ فقيل له: يا يونس، أنت الذي لم تَخلُق، ولم تَسقِ، ولم تُنبتْ تحزن على شُجيرة، فأنا الذي خلقتُ مئة ألف من الناس أو يزيدون تُريد مني أن أَستأصِلَهم في ساعة واحدة، وقد تابوا وتبتُ عليهم؟! فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحمُ الراحمين (٢) . ورُوي عن النبيّ ﴾ أنه كان يأكل الثَّريد باللحم والقرع. وكان يحبُّ القرع ويقول: ((إنها شجرةٌ أخي يونس))(٣). وقال أنس: قُدِّم للنبيّ :﴿ مَرَقُ فيه دُبّاء وقَدِيد، فجعل يتَّبع الدُّبَّاء من حوالَى القَصْعة. قال أنس: فلم أَزَلْ أُحبُّ الدُّبّاء من يومئذ. أخرجه الأئمة(٤). قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِقَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قد تقدَّم عن ابن عباس أن رسالةَ يونس عليه السلام إنما كانت بعد ما نبذَه الحوت(٥)، وليس له طريقٌ إلا عن شَهْر بن حَوْشَب . النحاس(٦): وأجودُ منه إسناداً وأصحُّ ما حدَّثناه عليّ (٧) بن الحسين قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا عمرو بن العَنْقَزيّ قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي (١) المحرر الوجيز ٤ /٤٨٧ . (٢) عرائس المجالس ص ٤١٣ - ٤١٤ بنحوه. (٣) لم نقف عليه. (٤) أخرجه البخاري (٥٤٣٩)، ومسلم (٢٠٤١). (٥) ١٨ / ٩٢ - ٩٣. : ٠۵ (٦) في إعراب القرآن ٣/ ٤٤٠، وما قبله منه. (٧) في (م): عن علي. ١٠٥ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٤٨ إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: حدّثنا عبدُ الله بن مسعود في بيت المال عن يونس النبيّ# قال: إنَّ يونسَ وعدَ قومَه العذابَ وأخبرهم أنه(١) يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كلِّ والدةٍ وولدِها، وخرجوا فجأروا إلى الله عز وجل واستغفروا، فكفَّ اللهُ عز وجل عنهم العذابَ، وغدا يونسُ عليه السلام ينتظر العذابَ فلم يَرَ شيئاً - وكان مَن كَذَب ولم تكن له بَيِّنةٌ قُتِلَ - فخرج يونسُ مُغاضِباً، فأتى قوماً في سفينة فحملوه وعَرَفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينةُ، والسُّفن تَسير يميناً وشِمالاً، فقالوا: ما لِسفينتكم؟ فقالوا: لا نَدري. فقال يونسُ عليه السلام: إنَّ فيها عبداً آبقاً من ربِّه جلَّ وعزَّ، وإنها لن تسيرَ حتى تُلقوه. قالوا: أمَّا أنت يا نبيَّ الله فإنَّا لا نُلقيك. قال: فافتَرِعوا، فمن قُرع فَلْيقَعْ، فاقتَرعوا فقرعهم يونسُ فأبَوْ أن يدعوه، قال: فاقترِعوا ثلاثاً فمن قُرع فَلْيقع، فاقترَعوا فقرعهم يونسُ ثلاثَ مرات - أو قال: ثلاثاً - فوقع. وقد وّل الله به جلَّ وعزَّ حوتاً فابتلعه وهو يهوي به إلى قَرار الأرض، فسمع يونسُ عليه السلام تسبيح الحصى ﴿فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال: ظلمة الليل، وظُلمة البحر، وظُلمة بطن الحوت . قال: ﴿فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآِ وَهُوَ سَقِيرٌ﴾ قال: كهيئة الفَرْخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال: وأنبت اللهُ عليه شجرةً من يقطين فنبتت، فكان يستظلّ بها ويُصيب منها، فيبست فبكى عليها؛ فأوحى الله جل وعز إليه: أتبكي على شجرة يَبستْ، ولا تبكي على مئة ألف أو يَزيدون أردتَ أن نُهْلِكَهم(٢)؟! قال: وخَرج رسولُ الله يونس فإذا هو بغلام يرعى؛ قال: يا غلام، من أنت؟ قال: من قوم يونس. قال: فإذا جئتَ إليهم فأخبرهم أنك قد لقيتَ يونس. قال: إن كنتَ يونس فقد علمتَ أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن له بينة، فمن يشهدُ لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة. قال: فَمُرْهما؛ فقال لهما (١) في النسخ: أن، والمثبت من إعراب القرآن. (٢) في (د) و(م): تهلكهم. ١٠٦ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٤٨ يونس: إذا جاءَكُما هذا الغلامُ فاشهدا له. قالتا: نعم . قال: فرجَع الغلام إلى قومه وكان في مَنَعة، وكان له إخوة، فأتى المَلِكَ فقال: إني قد لقيتُ يونسَ وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمرَ به أن يُقتل؛ فقالوا: إن له بيّنةً، فأرسلوا معه. فأتى الشجرة والبقعةَ فقال لهما: نشدتُكما بالله جل وعز، أتشهدانٍ أني لقيتُ يونس؟ قالتا: نعم، قال: فرجعَ القومُ مذعورين يقولون له: شهدَتْ له الشجرة والأرض، فأتَوا الملكَ فأخبروه بما رأَوْا. قال عبد الله: فتناول الملكُ يدَ الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحقُّ بهذا المكان مني . قال عبد الله: فأقام لهم ذلك الغلام أمرَهم أربعين سنة . قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين في هذا الحديث أن يونسَ كان قد أُرسل قبل أن يلتقمه الحوثُ بهذا الإسناد الذي لا يُؤخَذ بالقياس . وفيه أيضاً من الفائدة أن قوم يونس آمنوا ونَدِموا قبل أن يَرَوُا العذابَ؛ لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذابُ إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، وضجُّوا ضجةً واحدة إلى الله عز وجل. وهذا هو الصحيح في الباب، وأنه لم يكن حكم الله عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم في قوله عز وجل: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بأَسَّ﴾ [غافر: ٨٥] وقوله عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ﴾ الآية [النساء: ١٨]. وقال بعض العلماء: إنهم رأَوْا مخائلَ العذاب فتابوا. وهذا لا يمنع(١)، وقد تقدَّم ما للعلماء في هذا في سورة ((يونس)) فَلْيُنظر هناك(٢). قوله تعالى: ((أَوْ يَزِيدُونَ)) قد مضَى في (البقرة))(٣) محاملُ ((أو)) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾. وقال الفراء(٤): (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٤٢ . (٢) ١١ / ٥٤ - ٥٥. (٣) ٢٠٥/٢. (٤) في معاني القرآن ٣٩٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٤٣/٣ . ١٠٧ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٤٨ ((أو)) بمعنى بل. وقال غيره: إنها بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر: فلما اشتدَّ أمرُ الحربِ فينا تأمَّلنا رِياحاً أو رِزاما (١) أي: ورِزاماً. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْجِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]. وقرأ جعفر بن محمد: (( إلى مئة ألف ويزيدون)) بغير همز(٢)؛ فـ((يزيدون)) في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وهم يَزيدون . النحاس(٣): ولا يصحُّ هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كونَ ((أو)) بمعنى بل وبمعنى الواو؛ لأن بل للإضراب عن الأوّل والإيجاب لما بعده، وتعالى الله عز وجل عن ذلك، أو خروج من شيء إلى شيء، وليس هذا موضعَ ذلك؛ والواو معناه خلافُ معنى ((أو)) فلو كان أحدُهما بمعنى الآخر لَبطلت المعاني؛ ولو جاز ذلك لكان: وأرسلناه إلى أكثرَ من مئة (٤) ألف أخصرَ . وقال المبرد: المعنى: وأَرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لَقُلتم: هم مئةُ ألف أو أكثر، وإنما خُوطب العباد على ما يعرفون . وقيل: هو كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، وأنت تعرِف مَن جاءك منهما إلا أنك أبهمتَ على المُخاطَب . وقال الأخفش والزجاج: أي: أو يزيدون في تقديركم(٥). قال ابن عباس: زادوا على مئة ألف عشرين ألفاً. ورواه أُبيّ بن كعب مرفوعاً(٦). وعن ابن عباس أيضاً: (١) لم نقف عليه، وسلف ٣١٣/١٧. (٢) المحتسب ٢٢٦/٢ . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٤٣ . (٤) في النسخ: مئتي ألف، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٥) معاني القرآن للأخفش ٦٦٩/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٣١٤/٤. (٦) أخرجه الترمذي (٣٢٢٩)، والطبري ٦٣٧/١٩. قال الترمذي: هذا حديث غريب. ١٠٨ سورة الصافات: الآيات ١٤٥ - ١٥٧ ثلاثين ألفاً (١). الحسن والربيع: بضعاً وثلاثين ألفاً. وقال مقاتل بن حيان: سبعين ألفاً(٢). ﴿فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى مُنتهى آجالهم. قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَئِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (29) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ ١٥١ إِنَّا وَهُمْ شَهِدُونَ ﴿ أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ لَكَذِبُونَ ﴿٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ (١٥٤) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِرٌَّ ﴿ فَأَتُواْ بِكِنَبِكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ (يَا﴾ قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَتِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ لما ذكر أخبارَ الماضين تسليةً للنبي :﴿ احتجَّ على كفار قريش في قولهم: إنَّ الملائكةَ بناتُ اللـه؛ فقال: (فَاسْتَفْتِهِمْ)». وهو معطوفٌ على مثله في أول السورة وإنْ تباعدَتْ بينهم المسافة؛ أي: فَسَلْ يا محمد أهل مكة: ((أَلِرَبِّكَ البناتُ)). وذلك أن جُهَينةً وخُزاعةَ وبني مُلَيْح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكةَ بناتُ اللـه. وهذا سؤالُ توبيخ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَتَبِكَةَ إِنَكِنًا وَهُمْ شَهِدُونَ﴾ أي: حاضرون لِخَلْقنا إيَّهم إناثاً؛ وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَمِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّنَّا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩](٣). ثم قال: ﴿أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾ وهو أسوأُ الكذب ﴿لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في قولهم: إنَّ لله ولداً وهو الذي لَا يلِدُ ولا يُولد . و ((إنّ)) بعد ((أَلَا)) مكسورة؛ لأنها مبتدأة. وحكى سيبويه أنها تكون بعد أَمَا مفتوحةً أو مكسورة؛ فالفتح على أن تكون أَمَا بمعنى حقّاً، والكسر على أن تكون أَمَا بمعنى أَلَّا . النحاس(٤): وسمعتُ علي بن سليمان يقول: يجوز فتحُها بعد أَلَا تشبيهاً بأَمَا، (١) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٣٧ . (٢) أخرجه الطبري ٦٣٧/١٩ من قول سعيد بن جبير. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٤ بنحوه. (٤) في إعراب القرآن ٤٤٣/٣ - ٤٤٤، وما قبله منه. ١٠٩ سورة الصافات: الآيات ١٥٠ - ١٥٧ وأمّا في الآية فلا يجوز إلا كسرُها؛ لأن بعدَها اللام(١). وتمامُ الكلام (لَكَاذِبُونَ)). ثم يبتدئ ﴿أَصْطَفَى﴾ على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال: وَيُحَكم ((أَصْطَفَى البناتِ)) أي: أَخْتار البناتِ وتركَ البنين؟. وقراءةُ العامة: ((أَصْطَفَى)) بقطع الألف؛ لأنها ألفُ استفهام دخلت على ألفٍ الوصل، فَحُذفت ألفُ الوصل وبقيتْ ألفُ الاستفهام مفتوحةً مقطوعةً على حالها، مثل: ﴿أَّلَعَ الْغَيْبَ﴾(٢) [مريم: ٧٨] على ما تقدَّم . وقرأ أبو جعفر وشيبةُ ونافع وحمزة: ((اصْطَفَى)) بوصل الألف على الخبر بغير استفهام(٣). وإذا ابتدأ كَسَرَ الهمزة. وزعم أبو حاتم أنه لا وجهَ لها؛ لأن بعدها ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُونَ﴾ فالكلام جارٍ على التوبيخ. [قال أبو جعفر(٤): هذه القراءة وإن كانت شاذة فهي تجوز من جهتين: إحداهما: أن يكون تبييناً وتفسيراً لما قالوه من الكذب ويكون ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَكُونَ﴾ منقطعاً مما قبلَه. والجِهةُ الثانية: أنه قد حكى النحويون - منهم الفراء - أن التوبيخَ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز: ﴿أَذْهَبْتُمْ ◌َتْيَكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وقيل: هو على إضمار القول، أي: ويقولون: ((اصطفى البنات)) أو يكون بدلاً من قوله: ((وَلَدَ اللهُ)) (٥) لأنَّ ولادةَ البناتِ واتخاذَهنَّ اصطفاءٌ لهنَّ، فأبدل مثالَ الماضي من مثال الماضي، فلا يوقف على هذا على ((لَكاذِبُونَ)). ﴿أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ﴾ في أنه لا يجوز أن يكونَ له ولد. ﴿أَمْ لَكُرْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ حُجَّة (١) في النسخ: الرفع، والمثبت من إعراب القرآن. (٢) تفسير البغوي ٤ / ٤٤ بنحوه. (٣) قراءة أبي جعفر في النشر ٢/ ٣٦٠، وقراءة نافع وحمزة - وهي غير المشهورة عنهما - ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٤٤/٣، والكلام منه بنحوه. (٤) هو النحاس وما بين حاصرتين منه من إعراب القرآن له. (٥) الكشاف ٣/ ٣٥٤ بنحوه. ١١٠ سورة الصافات: الآيات ١٤٩ - ١٦٠ وبُرهان. ﴿قَتُواْ بِكِنَبِكُمْ﴾ أي: بحججكم ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في قولكم. ١٥٨ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِْنَّةِ نَسَبَّأْ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ١٢٠ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ تَسَبَّ﴾ أكثرُ أهل التفسير أنَّ الجِنّة هاهنا الملائكة. روى ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: قالوا - يعني كفار قريش - : الملائكة بناتُ اللـه جل وتعالى. فقال: أبو بكر الصديق : فمن أُمَّهاتُهنَّ. قالوا: مُخدّرات الجنّ(١). وقال أهل الاشتقاق: قيل لهم: جِئَّة، لأنهم لا يُرَوْن(٢). وقال مجاهد: إنهم بطنٌ من بطون الملائكة يقال لهم: الجِنَّةِ(٣). ورُوي عن ابن عباس. وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال: إنما قيل لهم: جِنة؛ لأنهم ◌ُزَّانٌ على الجِنان والملائكةُ كلُّهم جِنَّةُ(٤) . (نَسَباً)) مصاهرة. قال قتادة والكلبي ومقاتل: قالت اليهودُ لَعَنهم الله: إنَّ الله صاهر الجِنّ، فكانت الملائكةُ من بينهم. وقال مجاهد والسُّدي ومقاتل أيضاً: القائلُ ذلك كِنانة وخُزاعة؛ قالوا: إنَّ الله خطبَ إلى سادَاتِ الجنّ فزوَّجوه من سَرَوات بناتهم، فالملائكةُ بناتُ اللـه من سَرَوات بنات الجنّ. وقال الحسن: أَشركوا الشيطانَ في عبادة الله، فهو النَّسب الذي جعلوه(٥). (١) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٦٥، وأخرجه الطبري ٦٤٥/١٩ مخدرات، جمع مخدرة، قال ابن الأثير في النهاية (خدر): الخِدْر: ناحية في البيت .. تكون فيه الجارية البكر، خُدِّرت، فهي مُخذَّرة. اهـ، وفي تفسير الطبري: سروات الجن. يعني أشرافهم. اللسان (سرو). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٤/٣ . (٣) النكت والعيون ٧١/٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٤٤. (٥) ذكر هذه الأقوال بنحوها الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٧٠ - ٧١ . ١١١ سورة الصافات: الآيات ١٥٨ - ١٦٣ قلت: قولُ الحسن في هذا أحسنُ؛ دليلُه قوله تعالى: ﴿إِذْ نُوِّيَكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] أي: في العبادة. وقال ابن عباس والضحاك والحسن أيضاً: هو قولُهم إنَّ الله تعالى وإبليسَ أَخَوان؛ تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً(١). قوله تعال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الملائكة ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني قائل هذا القول ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ في النار؛ قاله قتادة. وقال مجاهد: للحساب(٢) . الثعلبي: الأولُ أولى؛ لأن الإحضار تكرَّر في هذه السورة، ولم يُرِدِ الله به غيرَ العذاب. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيهاً لله عما يَصِفون. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ﴾ فإنهم ناجون من النار. مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَكِنِينَ (٢١) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ الْجَحِيم فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْتُونَ﴾ ((ما) بمعنى الذي. وقيل: بمعنى المصدر، أي: فإنكم وعبادتَكم لهذه الأصنام. وقيل: أي: فإنكم مع ما تعبدون من دون الله؛ يقال: جاء فلانٌ وفلان. وجاء فلانٌ مع فلان. ﴿مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على الله ﴿يِفَتِينَ﴾ بمضلِّين(٣). النحاس(٤). أهلُ التفسير مُجمعون فيماعلمت على أن المعنى: ما أنتم بمضلِّين أحداً إلا من قدَّر اللهُ عز وجل عليه أن يَضِلَّ . وقال الشاعر: (١) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٤٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) النكت والعيون ٥/ ٧١، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٦٤٦/١٩ . (٣) الكلام بنحوه في الكشاف ٣/ ٣٥٥، وينظر الدر المصون ٣٣٥/٩. (٤) في إعراب القرآن ٣/ ٤٤٥ . ١١٢ سورة الصافات: الآيات ١٦١ - ١٦٣ عليهِ وكان لنا فاتِنا فردَّ بنعمته كيدَهُ أي: مُضِلّاً(١). الثانية: في هذه الآية ردٌّ على القَدَرية. قال عمر(٢) بن ذرّ: قَدِمنا على عمر بن عبد العزيز فذُكِر عنده القَدَر، فقال عمر: لو أراد اللهُ ألَّا يُعْصَى ما خلقَ إبليسَ وهو رأسُ الخطيئة، وإن في ذلك لَعلماً في كتاب الله جل وعز، عَرَفه من عَرَفه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه؛ ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُونَ. مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ﴾ إلا مَن كتب الله عز وجل عليه أن يَصلَى الجحيم. وقال: فَصَلَتْ هذه الآيةُ بين الناس(٣). وفيها من المعاني أن الشياطين لا يَصِلون إلى إضلال أحدٍ إلا مَن كَتَبَ الله عليه أنه لا يهتدي، ولو علم اللهُ جل وعز أنه يهتدي لَحَالَ بينه وبينهم؛ وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أي: لستَ تَصِلُ منهم إلى شيء إلَّا إلى ما في علمي(٤). وقال لَبِيد بن ربيعة في تثبيت القدَرِ فَأَحسنَ: وبِإذنِ الله رَيْشي وعَجَلْ إنّ تَقْوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ بِيديهِ الخيرُ ما شاء فَعَلْ أَحمَدُ اللهَ فلا نِدَّلهُ ناعِم البَالِ ومَنْ شاء أَضَل(٥) مَنْ هَدَاهُ سُبُلَّ الخير اهتدى قال الفراء (٦): أهلُ الحجاز يقولون: فتنتُ الرجل، وأهل نجد يقولون: أَفتنته. الثالثة: رُوي عن الحسن أنه قرأ: ((إِلَّا مَن هو صَالُ الجحيم)) بضم اللام. (١) النكت والعيون ٥/ ٧٢ . (٢) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): عمرو، والمثبت من (ف). وهو عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهَمْداني، المرهبي، أبو ذر الكوفي، رُمي بالإرجاء. تهذيب التهذيب ٢٢٣/٣. (٣) أخرجه بنحوه الآجري في الشريعة ص ٢٣٠، واللا لكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١٢٤٥)، والبيهقي في الاعتقاد ص ١٠٤. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٥/٣. (٥) ديوان لبيد ص١٧٤، والبيت الأول سلف ٩/ ٤٤٣. (٦) في معاني القرآن ٢/ ٣٩٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٤٥/٣. ١١٣ سورة الصافات: الآيات ١٦٣ - ١٦٦ النحاس(١): وجماعةُ أهل التفسير يقولون: إنه لحن؛ لأنه لا يجوزُ: هذا قاضُ المدينةِ. ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعتُ عليَّ بن سليمان يقوله؛ قال: هو محمولٌ على المعنى؛ لأن معنى ((مَنْ)) جماعة؛ فالتقدير: صالون؛ فحذفت النون للإضافة، وحُذفت الواو لالتقاء الساكنين. وقيل: أصلُه فاعل إلا أنه قُلب من صالٍ إلی صايل، وحذفت الياء وبقيت اللام مضمومةً، فهو مثل: ((شَفَا جُرُفٍ هَارٍ)) . ووجهٌ ثالث: أن تحذف لام ((صال)) تخفيفاً، وتجري الإعراب على عينه، كما حُذف من قولهم: ما باليت به بالة. وأصلُها: بالية، من بالَى، كعافية من عافَى؛ ونظيرُه قراءةُ من قرأ: ((وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٌ (٢)) [الرحمن: ٥٤]، ((وَلَهُ الْجَوَارُ الْمُنْشَآَتُ)) (٣) [الرحمن: ٢٤] أجرى الإعرابَ على العين(٤). والأصلُ في قراءة الجماعة: صالي، بالياء، فحذفها الكاتبُ من الخطّ لِسُقوطها في اللفظ. لَنَحْنُ وَإِنَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (9) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّفُونَ اَلْسُبْحُونَ هذا مِن قول الملائكة تعظيماً لله عز وجل، وإنكاراً منهم عبادةَ مَنْ عَبَدَهم. ﴿وَإِنَّا لَحْنُ الْعَآؤُونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الُْسَبِّحُونَ﴾ قال مقاتل: هذه الثلاثُ الآيات نزلتْ ورسول الله ﴾ عند سِدرة المُنتهى، فتأخّر جبريلُ، فقال النبي ﴾: ((أَهُنا تُفارقني)) فقال: ما أَستطيع أن أتقدَّمَ عن مكاني(٥). وأنزل الله تعالى حكايةً عن قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعَلُومٌ﴾ الآيات . والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا مَن له مقامٌ معلوم، فحذف الموصول. (١) في إعراب القرآن ٤٤٥/٣ - ٤٤٦، وما قبله منه، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص١٢٨ ، والمحتسب ٢٢٨/٢ . (٢) لم نقف على من قرأ بها. (٣) قرأ بها ابن مسعود والحسن كما في القراءات الشاذة ص١٤٩ . (٤) الكشاف ٣٥٦/٣، وينظر البيان لأبي البركات الأنباري ٣١٠/٢. (٥) لم نقف عليه. : ١١٤ سورة الصافات: الآيات ١٦٤ - ١٦٦ والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا مَن له مقامٌ معلوم، فحذف الموصول. وتقديره عند البصريين: وما منا مَلَكٌ إلا له مقامٌ معلوم(١)؛ أي: مكان معلومٌ في العبادة؛ قاله ابن مسعود وابن جُبير(٢). وقال ابن عباس: ما في السماوات موضعُ شبرٍ إلا وعليه مَلَكٌ يُصلِّي ويُسبح(٣). وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي ﴾. ((ما في السماء موضعُ قَدَم إلا عليه مَلَكٌ ساجدٌ أو قائم(٤)) . وعن أبي ذرِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: ((إني أرى ما لا تَرون، وأسمعُ ما لا تسمعون أَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تَنِظَّ، ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا وَملَكٌ واضحٌ جبهتَه ساجداً لله، والله، لو تعلمون ما أعلمُ لَضَحِكْتُم قليلاً ولَبَكْيتُم كثيراً، وما تلذَّذْتُم بالنساء على الفُرش، ولخَرجتم إلى الصُّعُدات تَجْأَرون إلى الله)) لَوَدِدْتُ أني كنتُ شجرةً تُعضَد. خرجه أبو عيسى الترمذي(٥)، وقال فيه: حديث حسن غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذرّ قال: لَوَدِدْتُ أني كنت شجرةً تُعْضَد(٦). ویروی عن أبي ذرّ موقوفاً(٧) . وقال قتادة: كان يُصلِّي الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامُ مَّعْلُومٌ﴾. قال: فتقدَّم الرجال وتأخَّر النساء(٨). ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الَُّونَ﴾ قال الكلبي: صفوفُهم كصفوفٍ أهل الدنيا في الأرض(٩). وفي (صحيح مسلم)): عن جابر بن سَمُرةً قال: خرج علينا رسولُ الله 8# ونحن (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٦/٣. (٢) النكت والعيون ٥/ ٧٢ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٥ . (٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٥١ . (٥) في سننه (٢٣١٢)، وسلف ٤٢٨/٥ . (٦) أخرجه أحمد (٢١٥١٦). (٧) أخرجه الحاكم ٥٧٩/٤ مختصراً على قوله: لو تعلمون ما أعلم ... إلى آخره. (٨) النكت والعيون ٥/ ٧٢ . (٩) تفسير البغوي ٤/ ٤٥ . ١١٥ سورة الصافات: الآيات ١٦٥ - ١٦٦ كيف تَصُفُّ الملائكةُ عند ربِّها؟ قال: ((يُتِمُّون الصفوفَ الأُول، ويتراصُّون في الصفّ))(١). وكان عمر يقول إذا قام للصلاة: أَقيموا صُفوفَكم واستووا، إنما يريدُ الله بكم هَذْي الملائكة عند ربِّها ويقرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الَُّونَ﴾ تأخّر يا فلان، تقدَّم يا فلان؛ ثم يتقدَّم فَيُكَبِّر(٢). وقد مضى في سورة ((الحجر)) بيانُه(٣) . وقال أبو مالك: كان الناسُ يُصلُّون مُتبدِّدين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الَُّونَ﴾ فأمرهم النبيُّ :﴿ أن يَصْطقُّوا(٤). وقال الشعبي: جاء جبريلُ أو ملَكٌ إلى النبي :# فقال: تقوم أدنى من ثُلثي الليل ونِصْفَه وتُلُثَه؛ إنَّ الملائكة لَتُصلي وتُسبِّح، ما في السماء ملَك فارغ (٥) . وقيل: أي: لَنحن الصافُّون أجنحتنا في الهواء وقوفاً ننتظرُ ما نُؤمّر به. وقيل: أي: نحن الصافُّن حولَ العرش. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الُْسَبِّحُونَ﴾ أي: المُصلُّون؛ قاله قتادة. وقيل: أي: المُنزِّهون اللهَ عمَّا أضافه إليه المشركون(٦). والمراد أنهم يُخبرون أنهم يعبدون الله بالتسبيح والصلاة، وليسوا معبودين ولا بناتِ الله. وقيل: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ من قول الرسول : ﴿ والمؤمنين للمشركين؛ أي: لكل واحدٍ منا ومنكم في الآخرة مقامٌ معلوم، وهو مقامُ الحساب. وقيل: أي: مِنَّا من له مقامُ الخوف، ومِنَّا من له مقامُ الرَّجاء، ومِنا من له مقامُ الإخلاص، ومِنَّا مَن له مقامُ الشُّكر، إلى غيرها من المقامات. (١) صحيح مسلم (٤٣٠)، وهو في مسند أحمد (٢٠٩٦٤). (٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٥٣. (٣) ١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢. (٤) النكت والعيون ٥/ ٧٢ . (٥) ذكره أبو الليث في تفسيره ١٢٦/٣ دون نسبة. (٦) النكت والعیون ٥/ ٧٢ . ١١٦ سورة الصافات: الآيات ١٦٦ - ١٧٩ قلت: والأظهرُ أن ذلك راجعٌ إلى قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُوْ لَيَقُولُونَ (١) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اَللَّهِ ٢٢٨ ١٧٠ فَكَفَرُوا بٌِّ فَوْفَ يَعْلَمُونَ اُلْمُخْلَصِینَ عاد إلى الإخبار عن قول المشركين، أي: كانوا قبلَ بعثة محمد# إذا عُيِّروا بالجهل قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الأَوَِّينَ﴾ أي: لو بُعِثَ إلينا نبيٌّ ببيان الشرائع لاتَّبعناه. ولمّا خففت ((إنْ)) دخلتْ على الفعل ولَزِمتها اللامُ فَرْقاً بين النَّفي والإيجاب. والكوفيون يقولون: ((إِنْ)) بمعنى ما، واللام بمعنى إلا(١). وقيل: معنى ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا﴾ أي: كتاباً من كتب الأنبياء ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لو جاءنا ذكرٌ كما جاء الأوّلين لأَخلصنا العبادةَ لله. ﴿فَكَفَرُواْ بِ﴾ أي: بالذِّكر. والفراء(٢) يُقدِّره على حذف؛ أي: فجاءهم محمد ﴿ بالذِّكر فكفروا به. وهذا تعجيبٌ منهم، أي: فقد جاءهم نبيٌّ وأُنزلَ عليهم كتابٌ فيه بيانُ ما يحتاجون إليه فكفروا وما وفَوْا بما قالوا. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قال الزجاج(٣): يعلمون مَغَبَّة كُفْرهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَّقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧) إِنَّهُمْ لَمُ الْمَنْصُورُونَ (٢٦) وَإِنَّ ◌ُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ ﴿٧) فَوَلَّ عَنْهُمْ حَّ حِينٍ وَأَبْصِرُهُمْ فَسَوْفَ يُصِرُونَ (٣٢) أَفَبِعَذَاِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ VV وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى ◌ِیٍ ١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ قال الفراء(٤): أي: بالسعادة. (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٦/٣ - ٤٤٧. (٢) في معاني القرآن ٢/ ٣٩٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٤٧ . (٣) في معاني القرآن ٣١٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٤٧/٣ . (٤) في معاني القرآن ٣٩٥/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٤٧/٣. ١١٧ سورة الصافات: الآيات ١٧١ - ١٧٩ وقيل: أراد بالكلمة قولَه عز وجل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ (١) [المجادلة: ٢١] قال الحسن: لم يُقْتَل من [الرُّسُل] أصحابِ الشرائع قطّ أحدٌ(٢). ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ﴾ أي: سبق الوعدُ بنصرهم بالحُجَّة والغَلَبة. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَُ الْغَالِبُونَ﴾ على المعنى، ولو كان على اللَّفظ لكان: هو الغالب مثل ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. وقال الشَّيباني(٣): جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأسُ آية. قوله تعالى: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: أَعرِضْ عنهم. ﴿حَّ حِينٍ﴾ قال قتادة: إلى الموت. وقال الزجاج(٤): إلى الوقت الذي أُمهلوا إليه. وقال ابن عباس: يعني القتل بيدر. وقيل: يعني فتح مكة. وقيل: الآيةُ منسوخةٌ بآية السيف(٥). ﴿وَأَبْصِرُ فَسَوْفَ يُصِرُونَ﴾ قال قتادة: سوف يُبصروه حين لا ينفعهم الإبصارُ(٦). وعسى من الله للوجوب(٧)، وعبّر بالإبصار عن تقريب الأمر؛ أي: عن قريبٍ يُبصرون. وقيل: المعنى: فسوف يُبصرون العذابَ يومَ القيامة. ﴿أَفَعَذَاِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانوا يقولون من فَرْط تكذيبهم: متى هذا العذابُ؛ أي: لا تستعجلوه، فإنه واقعٌ بکم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَّلَ بِسَاحِهِمْ﴾ أي: العذاب. قال الزجاج(٨): وكان عذابُ هؤلاء بالقتل. ومعنى (بِسَاحَتِهِمْ)) أي: بدارهم؛ عن السُّدّي(٩) وغيره. والساحة (١) زاد المسير ٧ / ٩٣ . (٢) النكت والعيون ٧٣/٥، وما بين حاصرتین منه. (٣) في إعراب القرآن للنحاس ٤٤٧/٣ (والكلام منه): الكسائي. (٤) في معاني القرآن ٣١٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٤٨/٣، وقول قتادة الذي قبله منه، وأخرجه الطبري ١٩/ ٦٥٨ . (٥) النكت والعیون ٥/ ٧٣ بنحوه. (٦) أخرجه الطبري ٦٥٩/١٩ . (٧) كذا في النسخ، وليس في الآيات لفظ و((عسى)). (٨) في معاني القرآن ٣١٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٤٨/٣ . (٩) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٦٠ . ١١٨ سورة الصافات: الآيات ١٧٧ - ١٨٢ والسَّخْسَة في اللغة: فِناءُ الدار الواسع(١). الفرّاء(٢): ((نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ)) ونزل بهم سواء. ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ اُلْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباحُ الذين أُنذروا بالعذاب. وفيه إضمارٌ، أي: فساءَ الصباحُ صباحُهم (٣). وخُصَّ الصباح بالذِّكر؛ لأن العذابَ كان يأتيهم فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس قال: لما أتى رسولُ اللـه ﴾ خَيْبَر، وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المَسَاحي، فقالوا: محمدٌ والخميسُ، ورجَعوا إلى حِضْنهم؛ فقال : ((اللهُ أكبرُ، خَرِيت خيبرُ، إنا إذا نَزَلْنا بساحةٍ قومٍ فساءَ صباحُ المُنذَرين))(٤). وهو يُبَيِّن معنى ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ﴾ يُرِيد النبيَّ ◌ِ﴾. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ كرَّر تأكيداً، وكذا ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تأكيدٌ أيضاً قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٥) وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِنَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ١٨٢) فيه أربعُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ﴾ نَزَّه سبحانه نفسَه عما أضافَ إليه المشركون. ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ على البَدَل. ويجوزُ النصب على المَدْحِ، والرفعُ بمعنى: هو ربُّ العِزَّة(٥). ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: من الصاحبة والولد. وسُئل رسولُ الله :﴿ عن معنى ((سبحانَ اللَّهِ)) فقال: ((هو تنزيهُ الله عن كلِّ سوء)) وقد مضَى في ((البقرة)) مستوفى(٦). (١) العين ١٦/٣ . (٢) معاني القرآن ٣٩٦/٢. (٣) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٧٠ . (٤) أخرجه أحمد (١١٩٩٢)، والبخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٤) و(٨٧) مطولاً. والخميس: الجيش، سُمّي به لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب، وقيل: لأنه تُخَمَّس فيه الغنائم. النهاية (خمس). (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٨/٣ . (٦) ٤١٢/١، وهو حديث ضعيف. ١١٩ سورة الصافات: الآيات ١٨٠ -١٨٢ الثانية: سُئل محمد بن سُخنون عن معنى ((رَبِّ العزَّة)) لِمَ جاز ذلك، والعِزَّةُ من صِفات الذَّات، ولا يقال: ربُّ القُدرة ونحوها من صفات ذاته جلّ وعزّ؟ فقال: العِزّة تكون صفةً ذاتٍ وصفةً فِعْل، فَصِفةُ الذات نحو قوله: ﴿فَلَّهِ الْعِزَّةُ حَيْعًا﴾ [فاطر: ١٠] وصفةُ الفعل نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ والمعنى: ربّ العِزَّة التي يتعازُّ بها الخَلْقِ فيما بينهم، فهي من خَلْق الله عز وجل. قال: وقد جاء في التفسير: إنَّ العِزَّة هاهنا يُراد بها الملائكة . قال: وقال بعض علمائنا(١): مَن حلف بعزَّة الله، فإنْ أراد عزَّتَه التي هي صِفتُه فَحَنِثَ فعليه الكَفَّارة، وإنْ أراد التي جعلها اللهُ بين عبادِه فلا كفَّارةَ عليه . الماوردي(٢): ((رَبِّ العِزَّةِ) يَحتمِلُ وجهين: أحدهما: مالك العِزَّة، والثاني: ربّ كلِّ شيءٍ مُتعزِّز من مَلِك أو مُتجبِّر. قلت: وعلى الوجهين فلا كفَّارةَ إذا نواها الحالفُ. الثالثة: رُوي من حديث أبي سعيد الخُدريّ أن رسولَ الله :﴿ كان يقول قبلَ أن يُسلِّم: ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ إلى آخر السورة(٣)؛ ذكره الثعلبي. قلت: قرأتُ على الشيخ الإمامِ المُحدِّث الحافظ أبي عليّ الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكريّ بالجزيرة قُبَالةَ المنصورة من الديار المصرية، قال: أخبرتنا الحُرَّة أمُّ المُؤَيَّد زينبُ بنت عبد الرحمن بن الحسن الشَّعْري بنيسابور في المرة الأولى، أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر القارئ، قال: حدثنا أبو الحسن عبد القادر بن محمد الفارسيّ، قال: حدّثنا أبو سهل بِشرُ بن أحمد الإسفراييني، قال: حدَّثنا أبو سليمان داودُ بن الحسين البيهقي، قال: حدَّثنا أبو زكريا يحيى بن يحيى بن عبد الرحمن التميمي النيسابوري، قال: حدّثنا هُشَیم، (١) هو محمد بن سحنون كما في المحرر الوجيز ٤/ ٤٩٠ . (٢) في النكت والعيون ٧٤/٥ . (٣) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١١٩)، والخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٤٧٨). ١٢٠ سورة الصافات: الآيات ١٨٠ - ١٨٢ عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخُدريّ قال: سمعتُ رسولَ الله # غيرَ مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِنَ. وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال الماوردي: روى الشعبي قال: قال رسولُ اللـه ﴾: «مَنْ سرَّه أن يكتالَ بِالمكيال الأَوفى من الأجرِ يومَ القيامة فَلْيقُلْ آخرَ مَجْلسهِ حين يُريد أن يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِنَ. وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(١). ذكره الثعلبي من حديث عليّ ه مرفوعاً(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين بلَّغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة وقال أنسٌ: قال النبي ﴾: ((إذا سلَّمتم عليَّ فسلَّموا على المُرسلين، فإنما أنا رسولٌ من المرسلين)»(٣). وقيل: معنى ((وسلامٌ على المرسلين)) أي: أمنٌ لهم من الله جلَّ وعزَّ يومَ الفَزَع الأكبر. ((والحمد لله ربِّ العالمين)) أي: على إرسال المرسلين مُبِّرين ومُنذرين. وقيل: أي: على جميع ما أنعم اللهُ به على الخلق أجمعين(٤)، وقيل: أي: على هلاك المشركين(٥)؛ دليلُه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. قلت: والكلُّ مُراد، والحمدُ يَعُمُّ. ومعنى ((يَصِفُونَ)) يكذبون، والتقدير: عما يَصِفون من الكذب. تَمَّ تفسيرُ ((الصافات)). (١) أخرجه ابن أبي حاتم ٣٢٣٤/١٠ ، وهو مرسل. (٢) أخرجه البغوي في تفسيره ٤٦/٤ من طريق الثعلبي عن علي ﴾ موقوفاً. (٣) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٩٢)، وأخرجه الطبري ١٩/ ٦٦١ عن قتادة مرسلاً. (٤) النكت والعيون ٧٤/٥ . (٥) زاد المسير ٧ / ٩٥ .