النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣ الفِداء؟ قلنا: لو قَصَدَ ذلك لم يَضُرَّه في قَصْده، ولا أثَّر في نَذْرِهِ؛ لأنَّ نذرَ(١) الولد صار عبارةً عن ذبح الشاة شرعاً. الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِينَ﴾ أي: على إبراهيم ثناءً جميلاً في الأُمم بعدَه؛ فما من أُمَّة إلا تُصلِّي عليه وتُحِبُّه. وقيل: هو دعاءُ إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ آلْآَخِرِينَ﴾ (٢) [الشعراء: ٨٤]. وقال عكرمة: هو السلامُ على إبراهيم(٣)، أي: سلاماً منَّا. وقيل: سلامة له من الآفات مثل: ﴿سَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] حَسَبَ ما تقدَّم . ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ . إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من الذين أُعطوا العبودية حقَّها حتى استحقُّوا الإضافةً إلى الله تعالى. السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْخَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ قال ابن عباس: بُشِّر بنبوَّته، وذهب إلى أن البِشارة كانت مرتين(٤)؛ فعلى هذا الذبيحُ هو إسحاقُ، بُشِّرَ بنبوَّته جزاءً على صَبْره ورِضاهُ بأمر ربِّه واستسلامه له . ﴿﴿وَبَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقّ﴾ أي: ثَنَّينا عليهم النِّعمة وقيل: كثَّرنا ولدَهما؛ أي: باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرجَ أنبياءَ بني إسرائيل من صُلبه. وقد قيل: إنَّ الكنايةَ في ((عليه)) تعودُ على إسماعيل وأنه هو الذبيحُ . قال المفضَّل : الصحيحُ الذي يدلُّ عليه القرآن أنه إسماعيلُ، وذلك أنه قصَّ قِصَّة الذبيح، فلما قال في آخر القِصَّة: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجٍ عَظِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿سَلَمُّ عَلَ إِزَّهِمَ. كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: ﴿وَبَثَّرْنَهُ بِسْحَقَ نِبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ. وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: على إسماعيل ﴿وَعَّ إِسْحَقْ﴾ كنَى عنه؛ لأنه قد تقدَّم ذِكره ثم قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ فدلَّ (١) في (ظ) و(ف) وأحكام القرآن لابن العربي: ذبح. (٢) تفسير الطبري ٦٠٥/١٩ - ٦٠٦ . (٣) النكت والعيون ٦٣/٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٣٥، وأخرجه الطبري ١٩/ ٦٠٧ ٨٢ سورة الصافات: الآية ١١٣ على أنها ذريَّة إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواةُ في أنَّ إسماعيل كان أكبرَ من إسحاق بثلاثَ عشرةَ سنةً(١). قلت: قد ذكرنا أوَّلاً ما يدلُّ على أنَّ إسحاقَ أكبرُ من إسماعيل، وأن المُبَشَّر به هو إسحاق بنصِّ التنزيل(٢)؛ فإذا كانت البِشارة بإسحاق نصّاً، فالذبيحُ لا شكَّ هو إسحاق، ويُشِّر به إبراهيمُ مرتين؛ الأُولى بولادته، والثانية بنبوَّته؛ كما قال ابن عباس(٣). ولا تكون النبوَّة إلا في حال الكِبَر. و((نَبِيّا)) نصب على الحال، والهاء في ((عليهِ)) عائدةٌ إلى إبراهيم، وليس لإسماعيل في الآية ذِكْر حتى ترجعَ الكِناية إليه . وأما ما رُوي من طريق معاوية قال: سمعتُ رجلاً يقول للنبي﴾: يا ابنَ الذَّبيحين؛ فضحك النبيُّ :﴿. ثم قال معاوية: إنَّ عبد المُطَّلب لما حفر بئر زمزم، نذَر لله إنْ سهّل عليه أمرَها لَيذبحِنَّ أحدَ ولده لله، فسهَّلَ الله عليه أمرَها، فوقع السهمُ على عبد الله، فمنعه أخوالُ بنو مخزوم، وقالوا: افدِ ابنَك: فَفَّداهُ بمئة من الإبل، وهو الذبيح، وإسماعيل هو الذبيحُ الثاني(٤). فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ سندَه لا يثبتُ على ما ذكرناه في كتاب ((الإعلام في معرفة مَوْلد المصطفى عليه الصلاة والسلام))؛ ولأن العربَ تجعلُ العم أباً؛ قال الله تعالى: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآيِكَ إِنْزَهِعْمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وهما أبوه وخالته. وكذلك ما رُوي عن الشاعر الفرزدق عن أبي هريرة عن النبي ﴾(6) لو صحَّ إسنادُه فكيف وفي الفرزدق نَفْسِه مَقَال؟ !. (١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥١٣/٤، وسلف ذكر اختلاف العلماء في المأمور بذبحه في المسألة الأولى، ونقلنا ثمة قول ابن كثير أن الصحيح المقطوع به أنه إسماعيل عليه السلام (٢) ١٨/ ٦٣ وما بعدها. (٣) سلف قريباً. (٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٩٧ - ٥٩٨. قال ابن كثير في تفسيره ٣٥/٧: وهذا حديث غريب جداً. (٥) أخرج عبد بن حُميد كما في الدر المنثور ٢٨١/٥ عن الفرزدق قال: رأيت أبا هريرة يخطب على منبر رسول الله # ويقول: إن الذي أُمر بذبحه إسماعيل. ٨٣ سورة الصافات: الآيات ١١٣ - ١٢٢ السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ﴾ لمَّا ذكر البركةَ في الذرية والكَثْرة قال: منهم مُحسن، ومنهم مُسيء، وأن المُسيء لا تَنفعه بُنوَّةُ النبوّة؛ فاليهودُ والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق، والعربُ وإنْ كانوا من ولد إسماعيل، فلابدَّ من الفرق بين المُحسن والمُسيء والمؤمن والكافر، وفي التنزيل: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَواْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ [المائدة: ١٨] الآية؛ أي: أبناء رُسُلِ الله فرأَوْا لأنفسهم فَضْلاً. وقد تقدَّم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَتَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ (١٤) وَنَّنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ وَءَانَيْنَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَالِينَ (٣) اُلْعَظِيمِ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ ﴿َ سَلَهُ عَلَى مُوسَى ١٨ وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ وَهَدُرُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ﴾ لمَّا ذكر إنجاءَ إسحاق من الذبح، وما مَنَّ به عليه بعد النبوة، ذكر ما مَنَّ به أيضاً على موسى وهارون من ذلك. وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قيل: من الرِّقِّ الذي لَحِقَ بني إسرائيل. وقيل: من الغَرَق الذي لَحِقَ فرعون. ﴿وَنَصَرْنَهُمْ﴾ قال الفراء (١): الضميرُ لموسى وهارون وحدَهما؛ وهذا على أنَّ الاثنين جمع؛ دليلُه قوله: ((وآتَيناهُما)) ((وهَدَينْاهُما)). وقيل: الضميرُ لموسى وهارون وقومِهما، وهذا هو الصوابُ؛ لأنَّ قبلَه (ونَجَيْناهُما وقَوْمَهُما))(٢) . و﴿ اَلْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ﴾ التوراة؛ يقال: استبان كذا، أي: صار بَيِّناً، واستبانه فلانٌ مثل: تبيَّن الشيءُ بنفسه وتبيَّنه فلانٌ . و﴿اَلْصِرَطَ اَلْمُسْتَقِمَ﴾ الدِّينِ القَويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو دينُ الإسلام. (١) في معاني القرآن ٢/ ٣٩٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٥/٣. (٢) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٥٣. ٨٤ سورة الصافات: الآيات ١١٩ - ١٣٢ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الْآَخِينَ﴾ يريدُ الثَّناء الجميل. ﴿سَلَمُ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقدَّم. أَنَدْعُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَفَّقُونَ (َ) فَكَذَّبُوهُ ١٢٦ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ (٣٥) اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٦) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ سَلَمُ ٢٩ (١٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (٣) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ عَلىّ إلَ يَاسِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال المفسرون: إلياسُ نبيٌّ من بني إسرائيل. ورُوي عن ابن مسعود قال: إسرائيلُ هو يعقوبُ، وإلياسُ هو إدريس(١)، وقرأ: ((وإِنَّ إِذْرِيسَ))(٢). وقاله عكرمة. وقال: هو في مصحف عبد الله: ((وإِنَّ إِذْرِيس لَمِنَ المُرْسَلِينَ)) وانفرد بهذا القول. وقال ابن عباس: هو عمُّ الْيَسع(٣). وقال ابن إسحاق وغيره: كان القَيِّمُ بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالبَ بن يوقنا، ثم حِزقيل، ثم لمَّا قبض اللهُ حِزقيلَ النبيَّ عظمتِ الأحداثُ في بني إسرائيل، ونَسُوا عهدَ الله، وعبدوا الأوثان من دونه، فبعث اللهُ إليهم إلياسَ نبيّاً، وتَبِعِه اليَسع وآمن به، فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربَّه أن يُريحَه منهم، فقيل له: اخرج يومَ كذا وكذا إلى موضع كذا وكذا فما استقبلكَ من شيء فارْكَبه ولا تَهَبْه. فخرج ومعه اليَسع فقال: يا إلياسُ، ما تأمرني، فقذفَ إليه بكِسائه من الجوِّ الأعلى، فكان ذلك علامةً استخلافه إيَّه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخرَ العَهْد به. وقطعَ اللهُ على إلياسَ لذَّةً المَطْعَم والمَشْرَب، وكساه الرِّيش، وألبسه النَّور(٤)، فطار مع الملائكة، فكان إنسياً مَلَكيّاً سماويّاً أرضيّاً(٥). (١) أخرجه الطبري ٩/ ٣٨٣ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٢٨، والمحتسب ٢٢٤/٢ . (٣) في تفسير البغوي ٣٦/٤ (والكلام فيه بنحوه): هو ابن عم اليسع. (٤) الثَّور: الزَّهر، أو الأبيض منه. القاموس (نور). (٥) عرائس المجالس ص ٢٥٥ و٢٦٢، وينظر النكت والعيون ٥/ ٦٤، وتفسير البغوي ٣٦/٤. ٨٥ سورة الصافات: الآيات ١٢٣ - ١٣٢ قال ابن قتيبة: وذلك أنَّ اللهَ تعالى قال لإلياس: ((سَلْني أُعطِكَ)). قال: تَرفَعُني إليك وتُؤَخِّر عني مَذاقة الموت. فصار يطيرُ مع الملائكة . وقال بعضهم: كان قد مَرِضَ وأحسَّ الموتَ فبكى، فأوحى الله إليه: لِمَ تبكِ؟ حرصاً على الدنيا، أو جزءاً من الموت، أو خوفاً من النار؟ قال: لا، ولا لشيءٍ(١) من هذا وعِزَّتِك، إنما جَزَعي كيف يَحْمَدُك الحامدون بعدي ولا أَحْمَدُك، ويذكُرك الذاكرون بعدي ولا أَذْكُرك، ويصومُ الصائمون بعدي ولا أَصوم، ويُصلِّي المصلُّون ولا أُصلّي. فقيل له: ((يا إلياسُ، وعزَّتِي لَأُؤَخِّرنَّك إلى وقت لا يذكُرني فيه ذاكر)). يعني يومَ القيامة . وقال عبدُ العزيز بن أبي روَّاد: إنَّ إلياسَ والخَضِرَ عليهما السلام يصومان شهرَ رمضانَ في كلِّ عام ببيتِ المَقْدس يُوافيان الموسم في كل عام (٢) . وذكر ابن أبي الدنيا أنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله، ما شاء الله، لا يسوقُ الخير إلا الله، ما شاء الله، ما شاء الله، لا يَصرِفُ السُّوء إلا الله، ما شاء الله، ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله، ما شاء الله، توّلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد مضى في ((الكهف)»(٣). وذكر من طريق مكحول عن أنس قال: غَزَوْنا مع رسولِ اللهِ ﴾ حتى إذا كُنَّا بفَجِّ الناقة عند الحِجْر، إذا نحن بصوت يقول: اللهمَّ اجعَلْني من أُمَّة محمدٍ المرحومة، المغفورِ لها، المَتوبِ عليها، المُستجابِ لها. فقال رسولُ الله ﴾: ((يا أنسُ، انظُرْ ما هذا الصوت)). فدخلتُ الجبلَ، فإذا أنا برجلٍ أبيضٍ اللحية والرأس، عليه ثيابٌ بِيْضٌ، طوله أكثرُ من ثلاث مئة ذراع، فلما نظر إليَّ قال: أنت رسولُ النبي؟ قلت: (١) في (م): ولا شيء. (٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٨١ (٣) ١٧٠/١٣. ٨٦ سورة الصافات: الآيات ١٢٣ - ١٣٢ نعم؛ قال: إِرْجِعْ إليه فأَقرِثُه مني السلام وقل له: هذا أخوك إلياسُ يُريد لِقاءك. فجاء النبي # وأنا معه، حتى إذا كنا قريباً منه، تقدَّم النبي # وتأخّرت، فتحدَّثا طويلاً، فنزل عليهما شيء من السماء شبه السُّفرة فدَعَواني فأكلتُ معهما، فإذا فيها كَمْأة ورُمَّان وكَرَفْس، فلما أكلتُ قمتُ فتنخَيثُ، وجاءت سحابةٌ فاحتملَتْه، فإذا أنا أنظرُ إلى بَيَاضٍ ثيابِه فيها تَهوي به. فقلتُ للنبي ◌َ﴾: بأبي أنت وأُمّي، هذا الطعامُ الذي أكلنا أَمِنَ السماء نزل عليه؟ فقال النبي ﴾: «سألتُه عنه فقال: يأتيني به جبريلُ في كل أربعين يوماً أَكْلة، وفي كلِّ حول شَرْبة من ماء زمزم، وربما رأيتُه على الجُبِّ يملأ بالدَّلو فيشرب، وربما سَقَاني)»(١). قال ثعلب: اختلف الناسُ في قوله عز وجل هاهنا: (بَعْلاً)) فقالت طائفة: البَعْل هاهنا الصَّنَّم. وقالت طائفة: البعل هاهنا مَلَك. وقال ابن إسحاق: امرأة كانوا يعبدُونها. والأوّل أكثر . وروى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: ((أَتَدْعُونَ بَعْلاً)) قال: صنماً. وروى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس: ((أَتَدْعُونَ بَعْلاً)) قال: رَبّاً . النحاس: والقولان صحيحان؛ أي: أتدعون صنماً عَمِلْتموه رباً. يقال: هذا بعلُ الدار، أي: ربُّها. فالمعنى: أتدعون ربّاً اختلقتموه، و((أَتَدْعُونَ)) بمعنى أتُسمُّون. حكى ذلك سيبويه(٢) . وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسُّدي: البعل الربُّ بلغة اليمن(٣). وسمع ابن عباس رجلاً من أهل اليمن يسومُ ناقةً بمنىّ فقال: منَ بعلُ هذه؟(٤). أي: مَن رَبُّها؛ (١) الهواتف لابن أبي الدنيا ص ٧٨ - ٧٩، وأخرجه بنحوه الحاكم ٦١٧/٢ ونقله المصنف عن ابن أبي الدنيا بواسطة السُّهيلي في التعريف والإعلام ص ١٠٧ - ١٠٨ . قال الذهبي في التلخيص: موضوع، قبَّح الله من وضعه، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٧٥/٢: موضوع. وقد سلفت الإشارة إليه في تفسير سورة الكهف [الآية: ٨٢] المسألة الرابعة. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٥/٣، ومعاني القرآن له ٦/ ٥٥ . (٣) أخرجه الطبري ١٩/ ٦١٢ - ٦١٣ . (٤) أخرجه الطبري ٦١٣/١٩ بنحوه، ونقله المصنف من النكت والعيون ٦٤/٥ . ٨٧ سورة الصافات: الآيات ١٢٥ - ١٣٢ ومنه سُمِّ الزوج بعلاً. قال أبو دؤاد: ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغَى مُتقلِّدا سيفاً ورُمْحاً (١) مقاتل: صنمٌّ كسره إلياسُ وهربَ منهم. وقيل: كان مِن ذهب وكان طولُه عشرين ذراعاً، وله أربعةُ أوجه، فُتِنوا به وعظّموه حتى أخدموه أربع مئة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطانُ يدخل في جوف بَعْل ويتكلّم بشريعة الضلالة، والسَّدَنة يحفظُونها ويُعلِّمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام. وبه سُمِّيت مدينتهم بعلبك كما ذكرنا(٢). ﴿وَتَّذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ﴾ أي: أحسنَ من يقال له: خالق. وقيل: المعنى: أحسن الصانعين؛ لأن الناسَ يصنعون ولا يخلُقون(٣). ﴿اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَّآْبِكُمُ اْأَوَّلِينَ﴾ بالنصب في الأسماء الثلاثة قرأ الربيع بن خُثَيم والحسن وابن أبي إسحاق وابن وثَّاب والأعمش وحمزة والكسائي(٤). وإليها يذهب أبو عُبيد وأبو حاتم. وحكى أبو عُبيد أنها على النعت. النحاس(٥): وهو غلطٌ، وإنما هو على البَدَل، ولا يجوز النعت هاهنا؛ لأنه ليس بتحلية . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع بالرفع(٦). قال أبو حاتم: بمعنى: هو اللهُ ربُّكم. قال النحاس: وأولى مما قال أنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف. ورأيتُ عليَّ بن سليمان يذهبُ إلى أن الرفع أولى وأحسن؛ لأن (١) النكت والعيون ٦٤/٥، وقول مقاتل التالي منه. والبيت لعبد الله بن الزّبعرى كما في المصادر وليس لأبي دؤاد كما ذكر الماوردي، وقد سلف ٢٩١/١ وفي عدة مواضع أخر. وأبو دؤاد اسمه: جارية بن الحجَّاج، كان في عصر كعب بن مامَةَ الإيادي. الشعر والشعراء ٢٣٧/١ (٢) عرائس المجالس ص ٢٥٧ . (٣) النكت والعيون ٥/ ٦٥ . (٤) وقرأ بها عاصم في رواية حفص. السبعة ص ٥٤٩، والتيسير ص ١٨٧ . (٥) في إعراب القرآن ١١٧/٣ ، وما قبله منه. (٦) السبعة ص ٥٤٩، والتيسير ص ١٨٧، والنشر ٣٦٠/٢. ٨٨ سورة الصافات: الآيات ١٢٦ - ١٣٢ قبلَه رأسُ آية، فالاستئنافُ أولى . ابن الأنباري(١): مَن نصبَ أو رفعَ لم يَقِفْ على ((أَحسَنَ الخَالِقِينَ)) على جهة الثَّمام؛ لأنَّ اللهَ عزّ وجلّ مُتَرجمٌ عن ((أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ)) من الوجهين جميعاً. قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُهُ﴾ أخبر عن قوم إلياس أنهم كذَّبوه. ﴿فَإنَّهُمْ لَمُحْضَرُونٌّ﴾ أي: في العذاب . ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: من قومه، فإنهم نَجَوْا من العذاب. وقُرئ: ((المُخلِصِينَ)) بكسر اللام، وقد تقدّم (٢). ﴿وَتَرَّكِّنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِينَ﴾ تقدَّم . ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ ياسينَ﴾ قراءة الأعرج وشيبة ونافع(٣). وقرأ عكرمةُ وأبو عمرو وابن كثير وحمزةُ والكسائي: ((سَلَامٌ على إِلْيَاسِينَ)) (٤). وقرأ الحسن: ((سَلَامٌ على الياسِينَ)) بوصل الألف(٥)، كأنها ((ياسين)) دخلتْ عليها الألف واللام التي للتعريف. والمُراد إلياسُ عليه السلام، وعليه وقع التسليم، ولكنه اسمُ أعجميٍّ. والعربُ تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويَكثُر تغييرُهم لها(٦). قال ابن حِنِّي (٧): العربُ تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعباً؛ فياسين وإلياس والياسِين شيء واحد . الزمخشريّ(٨): وكان حمزةُ إذا وصَلَ نصَبَ، وإذا وقَفَ رفَعَ. وقُرئ: ((على إلياسين)) و((إِذْريسينَ وإِذْرَسين وَإِذْرَاسِينَ))(٩) على أنها لُغات في إلياس وإدريس. ولعلَّ (١) في إيضاح الوقف والابتداء ٨٥٩/٢ . (٢) ٢٨/١٨. (٣) وهي قراءة ابن عامر. (٤) وهي قراءة عاصم. (٥) المحتسب ٢٢٣/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٦/٣ ,٤٣٨. (٧) ذكره عنه السُّهيلي في الروض الأنف ١/ ٧٢ . (٨) في الكشاف ٣٥٢/٣ . (٩) المحتسب ٢٢٥/٢ . ٨٩ سورة الصافات: الآيات ١٣٠ - ١٣٢ لزيادة الياء والنون في السُّريانية معنى . النحاس(١): ومن قرأ: ((سَلَامٌ على آلٍ ياسِينَ)) فكأنه - والله أعلم - جعل اسمه إلياس وياسين، ثم سلَّم على آله؛ أي: أهل دينه ومَن كان على مذهبه، وعَلِم أنه إذا سلَّم على آله من أجله، فهو داخلٌ في السلام؛ كما قال النبيّ :﴿: ((اللهم صلِّ على آل أبي أوفى))(٢) وقال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. ومن قرأ: ((إلياسِين)) فللعلماء فيه غير قول. فروى هارون عن ابن أبي إسحاق قال: إلياسين مثل إبراهيم؛ يذهبُ إلى أنه اسمٌ له. وأبو عُبيدة(٣) يذهب إلى أنه جُمع جمعَ التسليم على أنه وأهل بيته سلّم عليهم؛ وأنشد: قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي(٤) يقال: قدني وقَدِي لغتان بمعنى حَسْب. وإنما يُريد أبا خُبَيْب عبدَ الله بن الزبير، فجمعه على أنَّ مَن كان على مَذْهبه داخلٌ معه. وغير أبي عبيدة يرويه: الخُبَيْبَيْن، على التثنية، يُريد عبد الله ومُصْعباً. ورأيت عليَّ بن سليمان يشرحه بأكثرَ من هذا؛ [قال]: فإن العربَ تُسمِّي قومَ الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون: المهالية على أنهم سمَّوْا كلَّ رجل منهم بالمهلَّب. قال: فعلى هذا ((سَلَامٌ عَلَى إِلْياسِينَ)) سمَّى كلَّ رجل منهم بإلياس. وقد ذكر سيبويه في ((كتابه))(٥) شيئاً من هذا، إلا أنه ذكّر أن العربَ تفعلُ هذا على جهة النِّسبة؛ فيقولون: الأشعرون، يريدون به النَّسب . المهدوي: ومن قرأ: ((إلياسِين)) فهو جمع يدخل فيه إلياس، فهو جمع إلیاسيّ، (١) في إعراب القرآن ٤٣٦/٣. (٢) أخرجه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وسلف ٢/ ٨٢ . (٣) في مجاز القرآن ٢/ ١٧٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس. (٤) الرجز لحُمَّيْد الأرقط، وبعده: ليس الإمام بالشَّحيح المُلحِدِ. وهو في الكتاب ٣٧١/٢، والخزانة ٣٨٢/٥. (٥) ٤١٠/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس ٤٣٧/٣، وما قبله وما بين حاصرتين منه. ٩٠ سورة الصافات: الآيات ١٣٠ - ١٣٢ فحذفت ياء النِّسبة؛ كما حُذفت ياء النسبة في جمع المُكَسَّر في نحو المهالبة في جمع مهلبيّ، كذلك حُذفت في المسلَّم فقيل: المهلّبون. وقد حكى سيبويه(١): الأشعرون والنميرون، يُريدون الأشعريِّين والنميريِّين. السهيليّ (٢): وهذا لا يصحُّ، بل هي لغةٌ في إلياس، ولو أراد ما قالوه لأدخلَ الألف واللام كما تدخلُ في المهالبة والأشعريين؛ فكان يقول: ((سلامٌ على الإلياسِين)) لأن العَلم إذا جُمع يُنكَّر حتى يُعرَّف بالألف واللام؛ لا تقول: سلام على زيدين، بل: على الزيدين، بالألف واللام. فإلياسُ عليه السلام فيه ثلاثُ لغات . النحاس(٣): واحتجَّ أبو عُبيدة في قراءته: ((سَلَامٌ على إِلْياسِينَ)) وأنه اسمه كما أن اسمَه إلياس؛ لأنه ليس في السورة سلامٌ على ((آل)) لغيره من الأنبياء ﴾، فكما سُمِّي الأنبياء كذا سُمِّي هو. وهذا الاحتجاجُ أصلُه لأبي عمرو، وهو غيرُ لازم؛ لأنَّا بيَّنا قولَ أهل اللغة أنه إذا سلَّم على آله من أجله، فهو سلام عليه. والقولُ بأن اسمه ((إلياسين)) يحتاجُ إلى دليل ورواية؛ فقد وقع في الأمر إشكال . قال الماوردي (٤): وقرأ الحسن: ((سلامٌ على ياسِينَ)) بإسقاط الألف واللام(٥)، وفيه وجهان: أحدُهما: أنهم آلُ محمد ﴿؛ قاله ابن عباس. الثاني: أنهم آل ياسين؛ فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان: أحدهما: أنها زِيدت لِتَساوي الآي، كما قال في موضع: ﴿طُورِ سَيْئَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وفي موضع آخر ﴿طُورِ سِنَ﴾ [التين: ٢]، فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه، وتكون الإضافة إليه تشريفاً له. الثاني: أنها دخلت للجمع فيكون داخلاً في جُملتهم فيكون السلامُ عليه وعليهم . (١) المصدر السابق. (٢) في التعريف والإعلام ص ١٤٨ . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٣٧ . (٤) في النكت والعيون ٥/ ٦٥ . (٥) سلف أن الحسن قرأ: ((سلام على الياسين)) بغير همز. ٩١ سورة الصافات: الآيات ١٣٠ - ١٣٨ وقال السُّهيلي(١): قال بعضُ المتكلّمين في معاني القرآن: آلُ ياسين آل محمد عليه الصلاة والسلام، ونزعَ إلى قول من قال في تفسير ((يس)): يا محمد. وهذا القولُ يَبطُلُ من وجوه كثيرة: أحدها : أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون، وأنَّ التسليم راجعٌ عليهم، ولا معنى للخروج عن مقصودِ الكلام ◌ِقول قيل في تلك الآية الأُخرى مع ضَعْف ذلك القول أيضاً؛ فإنَّ(يس)) و((حم)) و((الم)) ونحوَ ذلك القولُ فيها واحدٌ، إنما هي حروفٌ مُقطَّعة؛ إما مأخوذةٌ من أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال الشعبي: لله في كلِّ كتاب سرٌّ، وسرُّه في القرآن فواتحُ القرآن(٢). وأيضاً فإنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((لي خمسةُ أسماء)»(٣) ولم يذكُرْ فيها (يس)). وأيضاً فإنَّ (يس)) جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف، ولو كان اسماً للنبي # لقال: ((ياسينُ)) بالضم؛ كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] وإذا بطلَ هذا القولُ لِما ذكرناه؛ فـ ((إلياسين)) هو إلياسُ المذكور، وعليه وقع التسليم . وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مثل: إدريس وإدراسين، كذلك هو في مصحف ابن مسعود: ﴿وَإِنَّ إِدْرِيسَ لِمَن المُرسِلينَ﴾ ثم قال: ((سَلَامٌ على إِدراسِين)) (٤). ﴿إِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ. إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقدَّم. إِذْ نَجَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌَ (٣) إِلَّا عَجُوزًا ٣٣ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ وَ بِلَيْلِ أَفَلَاَ ١٣٧ وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَّهِمِ مُصْبِينٌ ( فِي الْغَيِينَ (٢٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ ◌َ تَعْقِلُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطَا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ نََّهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌَ. إِلَّا عَجُوزَا فِىِ الْغَبِينَ﴾ (١) في التعريف والإعلام ص ١٤٨. (٢) سلفت هذه الأقوال، والكلام على الحروف المقطعة أول سورة البقرة ٢٣٧/١. (٣) أخرجه البخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) من حديث جبير بن مطعم ، وسلف ٣٩٢/٩. (٤) المحتسب ٢/ ٢٢٥، وسلفت الإشارة إليها قريباً. ٩٢ سورة الصافات: الآيات ١٣٦ - ١٤٤ تقدَّم قصة لوط(١). ﴿ثُمَّ دَقَرْنَا الْآَخَرِينَ﴾ أي: بالعقوبة. ﴿ وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَهِم ◌ُصْبِحِينٌّ﴾ خاطب العرب: أي تمرُّون على منازلهم وآثارهم ((مُصْبِحِينَ)) وقتَ الصَّباحِ ﴿وَبِلَيْلِ﴾ تمرُّون عليهم أيضاً. وتمَّ الكلام. ثم قال: ﴿أَفَلَا تَّعْقِلُونَ﴾ أي: تعتبرون وتتدبّرون. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٢) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلَكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿ فَلْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (٢٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ ١٤٤ الْمُسَبِّحِينُّ ◌َ لَلَبِثَ فِى بَطْنِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ يونس: هو ذو النون، وهو ابن متَّى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس، فاستخفى عندها من قومه ستةَ أشهر ويونسُ صبيٍّ يرضع، وكانت أُمُّ يونس تخدُمه بنفسها وتُؤانسه، ولا تدَّخر عنه كرامة تقدرُ عليها. ثم إن إلياس سئم ضِيقَ البيوت فلحق بالجبال، ومات ابنُ المرأة يونسُ، فخرجت في إثر إلياسَ تطوف وراءه في الجبال حتى وجدَتْه، فسألته أن يدعوَ اللهَ لها لعلّه يُحيي لها ولدها؛ فجاء إلياسُ إلى الصبي بعد أربعةَ عشر يوماً من موته، فتوضأ وصلَّى ودعا اللهَ، فأحيا اللهُ يونسَ بن متى بدعوة إلياس عليه السلام(٢). وأرسل الله يونس إلى أهل نينَوَى من أرض المَوْصل وكانوا يعبدون الأصنام ثم تابوا، حسبما تقدَّم بيانه في سورة (يونس))(٣)، ومضى في ((الأنبياء))(٤) قصة يونس في خروجه مُغاضِباً . واختلف في رسالته هل كانت قبل التقام الحوت إيَّه أو بعده . قال الطبري(٥): عن شهر بن حَوْشَب: إن جبريل عليه السلام أتى يونس فقال: (١) ١٧٣/١١ وما بعدها. (٢) تفسير البغوي ٣٩/٤ . (٣) ٥٤/١١ . (٤) ١٤/ ٢٦٦، وما بعدها. (٥) في تفسيره ٦٣٩/١٩. ٩٣ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ انطلق إلى أهل نِينوَى فأَنْذِرْهم أن العذاب قد حَضَرهم. قال: ألتمس دابَّة. قال: الأمرُ أعجلُ من ذلك. قال: أَلتمس حذاءً. قال: الأمرُ أعجلُ من ذلك. قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب السفينةَ احتبست السفينةُ لا تتقدَّم ولا تتأخّر. قال: فتساهموا، قال: فسُهِم، فجاء الحوتُ يُبصبص بذنبه؛ فنُودي الحوت: أيا حوت، إنَّا لم نجعل لك يونسَ رزقاً؛ إنما جعلناك له حِرْزاً ومسجداً. قال: فالتقمه الحوتُ من ذلك المكان حتى مَرَّ به إلى الأُبُلَّة(١) ، ثم انطلق به حتى مرَّ به على دِجلة، ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى . حدّثنا الحارث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا شھرُ بن حَوْشَب عن ابن عباس قال: إنما كانت رسالةُ يونس بعد ما نبذه الحوت، واستدلَّ هؤلاء بأن الرسولَ لا يخرج مُغاضباً لربِّه، فكان ما جرى منه قبل النبوّة . وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل [إليهم](٢) إلى ما أمره اللهُ بدعائهم إلیه، وتبليغه إيّاهم رسالةً ربِّه، ولکنه وعدهم نزول ما كان حذَّرهم من بأس الله في وقتٍ وَقَّته لهم، ففارقهم إذْ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله، فلما أظلَّ القومَ العذابُ وغَشِيَهم - كما قال الله تعالى في تنزيله - تابوا إلى الله، فرفع الله العذاب عنهم، وبلغ يونسَ سلامتُهم وارتفاعُ العذاب الذي كان وعدهموه، فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعداً فكذب وعدي. فذهب مغاضباً ربَّه وكَرِهَ الرجوع إليهم، وقد جرَّبوا عليه الكذب؛ رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس(٣). وقد مضى هذا في (الأنبياء))(٤) وهو الصحيح على ما يأتي عند قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. (١) هي بلدة على شاطئ دجلة. معجم البلدان ١/ ٧٧. (٢) ما بين حاصرتين زيادة ليست في النسخ. (٣) أخرجه الطبري ٣٧٥/١٦ و٣٧٦ . (٤) ٢٦٦/١٤ ، وما بعدها. ٩٤ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ ولم ينصرف يونسُ؛ لأنه اسمٌ أعجميّ، ولو كان عربيّاً لانصرف وإن كانت في أوّله الياء؛ لأنه ليس في الأفعال يُفْعُل كما أنك إذا سمَّيت بُيُعْفُر صرفته؛ وإن سمَّيت بَيَعْفُر لم تَصرِفْه(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ قال المبرَّد: أصلُ أَبَقَ تباعد؛ ومنه غلامٌ آبقٌ. وقال غيره: إنما قيل ليونس: أَبَقَ؛ لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستتراً من الناس. ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوءة. و((الفُلك)) يُذكَّر ويُؤنَّث ويكون واحداً وجمعاً (٢). (٣) وقد تقدّم(٣) . قال الترمذي الحكيم: سمَّاه آبقاً لأنه أَبَقَ عن العبودية، وإنما العبودية تركُ الهوى وبذل النفس عند أمور الله؛ فلما لم يبذل النَّفْسَ عندما اشتدَّت عليه العَزمة من المَلِك - حسَبما تقدَّم بيانُه في ((الأنبياء))(٤) - آثرَ هواه لَزِمَه اسمُ الآبق، وكانت عزمة المَلِك في أمر الله لا في أمر نفسه، وبحظّ حقِّ الله لا بحظٌ نفسه؛ فتحرَّی یونسُ فلم يُصِبِ الصوابَ الذي عند الله، فسمَّاه: آبقاً، ومُلِيماً. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ﴾ قال المبرّد: فقارع، قال: وأصلُه من السِّهام التي تُجَال. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ قال: من المغلوبين. قال الفرّاء(٥): دَحَضَتْ حُجَّتُه وأَدْحضها الله، وأصلُه من الزَّلَق؛ قال الشاعر: فقد قَرَّتْ بقتلِهِمُ العيونُ(٦) قَتِلْنا الْمُدْحَضِینَ بِكُلٌّ فَجِّ أي: المغلوبين. (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٨/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٩/٣. (٣) ٢/ ٤٩٢ . (٤) ٢٦٨/١٤، واسم الملك: حزقيا، كما سلف. (٥) في معاني القرآن ٣٩٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٩/٣، وما قبله منه. (٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٦٧ ونسبه لأبي قيس. ٩٥ سورة الصافات: الآية ١٤٤ الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: أتى بما يُلام عليه فأما المَلوم: فهو الذي يُلام، استحقَّ ذلك أو لم يستحقّ(١). وقيل: المُليم المعيب. يقال: لام الرجل إذا عمل شيئاً فصار معيباً بذلك العمل . ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ﴾ قال الكسائي: لم تكسر ((أن)) لدخول اللام؛ لأن اللام ليست لها. النحاس(٢): والأمر كما قال؛ إنما اللام في جواب ((لولا)). ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ﴾ أي: من المصلِّين ﴿لَلِّثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: عقوبةً له؛ أي: يكون بطنُ الحوت قبراً له إلى يوم القيامة . واختلف كم أقام في بطن الحوت؟. فقال السديّ والكلبيّ ومقاتل بن سليمان: أربعين يوماً. الضحاك: عشرين يوماً. عطاء: سبعة أيام. مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقيل: ساعة واحدة(٣). والله أعلم. الخامسة: روى الطبري من حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه ﴾: ((لما أراد اللهُ - تعالى ذِكْره - حَبْسَ يونس في بطن الحوت أَوحى اللهُ إلى الحوت أن خُذْه ولا تَخدِشْ لحماً، ولا تكسِرْ عظماً، فأخذه ثم هوَى به إلى مَسْكنه من البحر؛ فلما انتهى به إلى أسفل البحر سَمِعَ يونسُ حسّاً، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت: إنَّ هذا تسبيحُ دوابٌ البحر)) قال: ((فسبَّحَ وهو في بطن الحوت)) قال: «فسمعتِ الملائكةُ تسبيحَه فقالوا: يا ربَّنا، إنَّا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرضٍ غريبة)) قال: ((ذلك عبدي يونُس عصّاني فحبستُه في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبدُ الصالح الذي كان يَصعَدُ إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح؟ قال: نعم. فشفعوا له عند ذلك فأَمرَ الحوتَ بِقَذْفه في الساحل كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيرٌ﴾))(٤). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٩/٣ . (٢) في إعراب القرآن ٤٣٩/٣، وما قبله منه. (٣) المحرر الوجيز ٤٨٦/٤، وتفسير البغوي ٤ / ٤٣ . (٤) تفسير الطبري ٣٨٥/١٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٩٨: فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقيه رجاله رجال الصحيح. ٩٦ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ وكان سقمُه الذي وصفَه به الله تعالى ذكره: أنه ألقاه الحوثُ على الساحل كالصبيّ المَنْفوس قد نُشِر اللحمُ والعظم(١). وقد رُوي: أن الحوتَ سار مع السفينة رافعاً رأسَه يتنفس فيه يونسُ ويُسبِّح، ولم يُفارقهم حتى انتَهَوْا إلى البرّ، فلفظَهُ سالماً لم يتغيَّر منه شيء فأَسلموا؛ ذكره الزمخشريّ في («تفسيره))(٢). وقال ابن العربي(٣): أخبرني غيرُ واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعَالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجُويني: أنه سُئل: هل (٤) الباري في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالَى عن ذلك. قيل له: ما الدليلُ عليه؟ قال: الدليلُ عليه قولُ النبي صله الله عليه وسلم: ((لا تُفضِّلوني على يونسَ بن متَّى))(٥) فقيل له: ما وجهُ الدليل في هذا الخبر؟ فقال: لا أَقوله حتى يأخُذَ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دَيْناً(٦). فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع بها اثنين؛ لأنه يشقُّ عليه. فقال واحد: هي عليّ. فقال: إنَّ يونسَ بن متّى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت، فصار في قَعْر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ اُلَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كما أخبر الله عنه، ولم يكن محمدٌ﴾ حين جَلَس على الرَّفرف الأخضر وارتقى به صعداً، حتى انتهى به إلى موضع يسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام، وناجاه ربُّه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى، بأقربَ إلى الله تعالى من يونس في بطن الحوت في ظُلمة البحر. السادسة: ذكر الطبري: أنَّ يونسَ عليه السلام لما رَكِبَ في السفينة أصابَ أهلَها (١) أخرجه الطبري ٦٣/١٩ من قول ابن زيد. (٢) الكشاف ٣/ ٣٥٣ . (٣) في أحكام القرآن ١٦٠٩/٤ . (٤) في النسخ: عن، والمثبت من أحكام القرآن. (٥) أخرجه البخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧) بنحوه، وسلف ٢٥٤/٤ و٢٧٤/١٤ . (٦) في أحكام القرآن: دينه. ٩٧ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ عاصفٌ من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدِکم. فقال یونسُ وعَرَفَ أنه هو صاحبُ الذنب: هذه خطيئتي، فأَلقُوني في البحر، وأنهم أبَوْا عليه حتى أفاضوا بسهامهم ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ﴾ فقال لهم: قد أخبرتُكم أن هذا الأمرَ بذنبي. وأنهم أَبَوْ عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية، فكان من المدحضين، وأنهم أبَوْ أن يُلقوه في البحر حتى أعادوا سِهامهم الثالثةَ فكان من المدحضين. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت . ورُوي أنه لما رَكِبَ في السفينة تَقنَّع ورقدَ، فساروا غيرَ بعيد إذْ جاءتهم ريحٌ كادت السفينةُ أن تغرقَ، فاجتمع أهلُ السفينة فدعَوْا فقالوا: أَيقظوا الرجلَ النائم يدعو معنا؛ فدعا اللهَ معهم فرفع اللهُ عنهم تلك الريح. ثم انطلق يونسُ إلى مكانه فرقد، فجاءت ريحٌ كادت السفينةُ أن تغرقَ، فأيقظوه ودعَوا اللهَ فارتفعت الريح . قال: فبينما هم كذلك إذ رفع حوثٌ عظيم رأسَه إليهم أراد أن يبتلعَ السفينةَ، فقال لهم يونس: يا قوم، هذا من أجلي، فلو طرحتموني في البحر لَسِرْتُم، ولَذَهب الريح عنكم والرَّوْع. قالوا: لا نطرحك حتى نتساهم، فمن وقعت عليه رَمَيْناه في البحر. قال: فتساهموا، فوقع على يونس؛ فقال لهم: يا قوم، اطرحوني، فمن أجلي أوتيتم؛ فقالوا: لا نفعل حتى نتساهم مرةً أُخرى. ففعلوا فوقع على يونس. فقال لهم: يا قوم، اطرحوني، فمن أجلي أُوتيتم؛ فذلك قولُ الله عز وجل: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ﴾ أي: وقع السهم عليه؛ فانطلقوا به إلى صَدْر السفينة لِيُلقوه في البحر، فإذا الحوت، فاتحٌ فاه، ثم جاءوا به إلى جانب السفينة، فإذا بالحوت، ثم رجَعوا به إلى الجانب الآخر، فإذا بالحوت فاتحٌ فاه؛ فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فالتقمه الحوت؛ فأوحى الله تعالى إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلتُ بطنك له وعاءً. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَتَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الَِّمِينَ. فَأُسْتَجِبْنَا لَهُ وَتَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧-٨٨] وقد تقدم ويأتي. ٩٨ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ ففي هذا من الفِقه أن القُرْعة كانت معمولاً بها في شرع من قبلنا، وجاءت في شرعنا على ما تقدَّم في ((آل عمران))(١). قال ابن العربي(٢): وقد وردت القُرعة في الشّرع في ثلاثة مواطن: الأول: كان النبي ﴿ إذا أراد سفراً أَقرعَ بين نسائه، فأيتهنَّ خرج سَهْمها خرج بها معه(٣). الثاني: أن النبي ﴿ رُفِعَ إليه أن رجلاً أَعتق ستةَ أَعْبُدٍ لا مالَ له غيرهم، فَأَقرعَ بينهم؛ فأَعتق اثنين وأرقَّ أربعة(٤). الثالث: أن رجلين اختصما إليه في مواريثَ قد دَرَسَتْ فقال: ((اذهبا وتوّيا الحق واستَهِما ولِيُحلل كل واحدٍ منكما صاحبه))(٥) . فهذه ثلاثةُ مواطن، وهي القَسْم في النكاح، والعتق، والقسمة. وجَريان القُرعة فيها لِرَفْع الإشكال وحَسْم داء التشهِّي . واختلف علماؤنا في القُرعة بين الزوجات في الغزو على قولين؛ الصحيح منهما الاقتراع؛ وبه قال فقهاءُ الأمصار. وذلك أن السَّفر بجميعهن لا يُمكن، واختيار واحدة منهن إيثارٌ، فلم يبقَ إلا القُرعة. وكذلك في مسألة الأَعْبُد الستة؛ فإن كلَّ اثنين منهما ثلث، وهو القَدْر الذي يجوز له فيه العِتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهِّي لا يجوز شرعاً؛ فلم يبقَ إلا القُرعة. وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يُميِّز الحقَّ إلا القُرْعة، فصارت أصلاً في تعيين المستحقّ إذا أَشكل. قال: والحقُّ (١) ٥/ ١٣٢ . (٢) في أحكام القرآن ١٦١٠/٤ - ١٦١١، والكلام منه إلى آخر المسألة. (٣) أخرجه البخاري (٢٦٨٨)، ومسلم (٢٧٧٠)، وسلف ١٣٣/٥. (٤) أخرجه أحمد (١٩٩٣٢)، ومسلم (١٦٦٨) من حديث عمران بن حصين ﴾. (٥) قطعة من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أخرجه أحمد (٢٦٧١٧)، وأبو داود (٣٥٨٤)، وأوله: ((إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحنُ بحجته من بعض .. )) وأخرجه بأخصر منه البخاري (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣). ٩٩ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ عندي أن تجري في كل مُشكِل، فذلك أبينُ لها، وأقوى لفصل الحُكم فيها، وأجلى لرفع الإشكال عنها؛ ولذلك قلنا: إنَّ القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقُرعة بين الإماء في العِتق. السابعة: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز. وإنما كان ذلك في يونس وزمانِه مقدِّمةً لتحقيق برهانه، وزيادةً في إيمانه؛ فإنه لا يجوز لمن كان عاصياً أن يُقتل ولا يُرمى به في النار أو البحر، وإنما تجري عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته. وقد ظنَّ بعضُ الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القُرعة تُضْرَبُ عليهم، فَيُطرَح بعضُهم تخفيفاً؛ وهذا فاسدٌ؛ فإنها لا تخفُّ برمي بعض الرجال، وإنما ذلك في الأموال، ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل(١). الثامنة: أخبر اللهُ عز وجل أن يونسَ كان من المُسبِّحين، وأن تسبيحَه كان سببَ نَجاته؛ ولذلك قيل: إن العملَ الصالح يرفعُ صاحبه إذا عَثَر. قال ابن عباس: ((مِنَّ المُسَبِّحِينَ)) من المُصلِّين. قال قتادة: كان يُصلِّي قبلَ ذلك لحفظ الله عز وجل له فنجَّاه. وقال الربيع بن أنس: لولا أنه كان له قبلَ ذلك عملٌ صالح ﴿لَلِثَ فِى بَطْنِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ قال: ومكتوب في الحكمة: إنَّ العملَ الصالح يرفع ربَّه إذا عَثَر(٢) . وقال مقاتل: ((مِنَ المُسَبِّحِينَ)): من المصلِّين المُطيعين قبلَ المعصية. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كان له صلاةٌ في بطن الحوت؛ ولكنه قدَّم عملاً صالحاً في حال الرَّخَاء فذكره اللهُ به في حال البلاء، وإنَّ العملَ الصالحَ لَيَرفع صاحبَه، وإذا عَثَر وجد مُتَّكَأَ(٣). قلت: ومن هذا المعنى قولُه ◌َ﴾: ((مَنْ استطاعَ منكم أن تكونَ له خَبيئةٌ مِن عَمَل صالح فَليفعَلْ)) (٤) فيجتهد العبد، ويَحرِص على خَصلة من (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦١١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٤٠، وتنظر الأقوال في تفسير الطبري ٦٢٨/١٩ - ٦٣٠. (٣) ذكر قولي وهب والحسن البغوي في تفسيره ٤/ ٤٣ . (٤) أخرجه الدار قطني في العلل ٢٤٥/٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٧٦) من حديث الزبير بن العوام * مرفوعاً، وأخرجه الدار قطني عنه موقوفاً، وقال: وهو الصحيح. ١٠٠ سورة الصافات: الآيات ١٣٩ - ١٤٤ صالح عمله، يُخلص فيها بينه وبين ربِّه، ويدَّخرها ليوم فاقته وفَقْره، ويَخْبَؤُها بجهده، ويستُرها عن خَلْقه، يَصِلُ إليه نفعُها أحوجَ ما كان إليه. وقد خرَّج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله ﴿ أنه قال: ((بينما ثلاثةُ نَفَر - في رواية ممن كان قبلَكم - يتماشَوْن أخذَهم المطرُ، فَأوَوْا إلى غارٍ في جبل فانحظّت على فم الغار صخرةٌ من الجبل فانطبقَتْ عليهم، فقال بعضُهم لبعض انظُروا أعمالاً عَمِلْتُموها صالحةً لله، فادعوا اللهَ بها لعلَّه يَفرُجها عنكم)) الحديث بكماله وهو مشهور(١) شُهْرتُه أغنتْ عن تمامه . وقال سعيد بن جُبير: لما قال في بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قَذَفَهُ الحوتُ(٢). وقيل: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ﴾ من المُصلِّين في بطن الحوت. قلت: والأظهرُ أنه تسبيحُ اللسان الموافق للجنان، وعليه يدلُّ حديثُ أبي هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري. قال: فسبَّح في بطن الحوت. قال: فسمعت الملائكةُ تسبيحَه؛ فقالوا: يا ربَّنا، إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة(٣). وتكون ((كان)) على هذا القول زائدةً؛ أي: فلولا أنه من المُسبِّحين. وفي كتاب أبي داود: عن سعد بن أبي وقاص عن النبي# قال: ((دعاءُ ذي النون في بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يدعُ به رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قظُ إلا استُجيب له)) وقد مضى هذا في سورة ((الأنبياء))(٤). فيونس عليه السلام كان قبلُ مصلِيا مُسبِّحاً، وفي بطن الحوت كذلك. وفي الخبر: (١) أخرجه أحمد (٥٩٧٤) والبخاري (٢٣٣٣)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٣١. (٣) سلف في المسألة الخامسة. (٤) ١٤/ ٢٧٥، وقد ذكرنا ثمة أننا لم نقف عليه في سنن أبي داود ولا في تحفة الأشراف، وهو في سنن الترمذي (٣٥٠٥).