النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْفُرْ
فَلَمَّا
٢٠٢
مَاذَا تَرَىِّ قَالَ يَأَبَّتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَبِّدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَاِبَهِمُ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاْ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ
١٠٧
(٢٥) إِنَّ هَذَا لَمُّوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ
الْمُحْسِنِينَ
وَفَدَيْنَهُ بِذِنْجِ عَظِيمٍ
١٠٦
فِي الْآخِینَ
(١٠٨)
سَلَمُّ عَلَى إِنْزَهِيمَ
١٠٩
كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُؤْمِنِينَ
وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقِّ وَمِن
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ
ذُرِّيَّتِهِمَا نُحْسِنُّ وَظَالِمٌ لَنَفْسِهِ، مُبِيرٌ
فيه سبعَ عشرةَ مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ أي: فوهبنا له الغلام؛ فلما بلغ معه
المبلغ الذي يَسعى مع أبيه في أمور دنياه مُعيناً له على أعماله ﴿قَالَ يَبُنَىَّ إِنَّ أَرَى فِی
اَلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَمُكَ﴾.
وقال مجاهد: ((فلما بلغَ معه السَّعْيَّ)) أي: شبَّ وأدركَ سَعْيُهُ سَعْيَ
إبراهيم(١). وقال الفراء (٢): كان يومئذ ابنّ ثلاثَ عشرةَ سنة. وقال ابن عباس: هو
الاحتلام(٣). قتادة: مَشَى مع أبيه. الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقومُ به
الحُجَّة. ابن زيد: هو السَّعْي في العبادة. ابن عباس: صام وصلَّى، ألم تسمع اللهَ عزّ
وجلّ يقول: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾(٤) [الإسراء: ١٩].
واختلف العلماءُ في المأمور بذبحه. فقال أكثرُهم: الذبيحُ إسحاق. وممن قال
بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله(٥)، وهو الصحيحُ عنه. روى الثوريّ
(١) أخرجه الطبري ٥٧٩/١٩ .
(٢) في معاني القرآن ٣٨٩/٢.
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري ٥٧٩/١٩ عنه قال: السعي العمل.
(٤) هذه الأقوال في النكت والعيون ٦٠/٥، وقولا قتادة وابن زيد أخرجهما الطبري ٥٨٠/١٩ .
(٥) أخرجه عنهما الطبري ٥٨٨/١٩ .

٦٢
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
وابن جُريج يرفعانه إلى ابن عباس قال: الذبيح إسحاق. وهو الصحيحُ عن عبد الله بن
مسعود أن رجلاً قال له: أنا ابن(١) الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذلك يوسفُ بن
يعقوبَ بنِ إسحاقَ ذبيحِ الله بنِ إبراهيمَ خليلِ الله صلى الله عليهم وسلم .
وقد روى حمَّاد بن زيد يرفعه(٢) إلى رسول الله ﴾ قال: ((إنَّ الكريمَ ابنَ الكريم
ابنِ الكريم ابن الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاق بن إبراهيم» #.
وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق. وذلك مَرويٌّ أيضاً عن عليّ بن
أبي طالب ﴾. وعن عبد الله بن عمر: أن الذبيحَ إسحاق. وهو قولُ عمر ﴾ .
فهؤلاء سبعةٌ من الصحابة. وقال به من التابعين وغيرهم عَلْقَمة والشَّعبي ومجاهد
وسعيد بن جُبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بَزَّة وعطاء
ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهريّ والسُّدي وعبد الله بن أبي الهُذيل ومالك بن
أنس، كلُّهم قالوا: الذبيح إسحاق. وعليه أهلُ الكتابَيْن اليهود والنصارى، واختاره
غير واحد، منهم النحاس والطبري وغيرهما(٣). قال سعيد بن جُبير: أُرِيَ إبراهيمُ ذبحَ
إسحاق في المنام، فسار به مَسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أَتى به المَنْحر من مِنْىَ؛
فلما صرف اللهُ عنه الذَّبح وأمره أنْ يَذْبحَ الكبشَ فذبحه(٤)، وسار به مسيرةً شهر في
(١) في (ز) و(ظ): أيا ابن، وفي (د) و(ف) و(م): يا بن. والمثبت المصادر، والخبر أخرجه الطبري
٥٨٩/١٩، والطبراني في الكبير (٨٩١٦)، والحاكم ٢/ ٥٧١.
(٢) الكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤٣١/٣، وفيه: وقد روى حماد بن زيد، عن محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي # .. وذكر الحديث ا. هـ. وأخرجه أحمد (٩٣٨٠) من طريق حماد
ابن سلمة عن محمد بن عمرو به، ولم نقف على الحديث في المصادر من طريق حماد بن زيد كما ذكر
النحاس. وسلف ٣٧١/١١.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٣١/٣ - والكلام السالف منه - وتفسير الطبري ٥٩٨/١٩، وليس فيهما نسبة
القول لعمر وقد ذكره عن عمر البغوي في تفسيره ٣٢/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٧٢/٧ .
وقد استبعد الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه الإسرائيليات والموضوعات في التفسير ص ٢٥٧ أن يكون
عمر قال ذلك. قال: وكذلك اختلف في عليّ ﴾، فالبغوي على أنه يقول: إسحاق، وابن أبي حاتم
[كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٤] على أنه يقول: إسماعيل.
(٤) كذا في النسخ، ولعل الصواب: أمره أن يذبح الكبش فذبحه، دون واو، ولم ترد لفظة: فذبحه في
(ظ). والخبر في تفسير البغوي ٣٢/٤ وفيه: فلما أمره الله تعالى بذبح الكبش ذبحه وسار به ...

٦٣
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
رَوْحة واحدة طُويت له الأودية والجبال. وهذا القولُ أقوى في النَّقل عن النبي ﴿1﴾(١)
وعن الصحابة والتابعين(٢).
وقال آخرون: هو إسماعيل. وممن قال ذلك أبو هريرة (٣) وأبو الطُّفيل عامر بن
وائله(٤). ورُوي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضاً، ومن التابعين سعيد بن المسيَّب
والشّعبي ويوسف بن مِهْران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرَظيّ
والكلبي وعلقمة(٥). وسُئل أبو سعيد الضَّرير عن الذبيح فأنشد:
نّطقَ الكتابُ بِذاك والتنزيلُ
إنّ الذبيح هُدِيتَ إسماعيلُ
وأتى به التفسيرُ والتأويلُ
شرفٌ به خصَّ الإلهُ نبيَّنا
شرفاً به قد خصَّه التفضيل(٦)
إن كنتَ أُمَّتَه فلا تُشْكِرْ له
وعن الأصمعي قال: سألتُ أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعيُّ،
أين عَزَب عنك عقلك؟! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو
الذي بنى البيت مع أبيه والمَنْحر بمكة(٧) .
(١) أخرجه الطبري ٥٨٨/١٩ من حديث العباس ه مرفوعاً. قال الحافظ ابن كثير: في إسناده ضعيفان،
وهما الحسن بن دينار البصري، متروك، وعلي بن زيد بن جُدعان، منكر الحديث.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٣٢/٧: وهذه الأقوال (يعني الواردة في أن الذبيح إسحاق عليه
السلام) والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم .. جعل يحدث عمر ﴾ عن كتبه ..
ونقلوا عنه غثَّها وسمينَها، وليس لهذه الأمة حاجة إلى حرف واحد مما عنده.
(٣) ذكره عنه النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٣١.
(٤) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٩٥ .
(٥) هذه الأقوال في تفسير البغوي ٣٢/٤، وزاد المسير ٧٢/٧ - ٧٣. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره
٣٣/٧: وهو الصحيح المقطوع به. وينظر كتاب الإسرائيليات والموضوعات للدكتور محمد أبو شهبة
ص ٢٥٢ - ٢٦٠ .
(٦) ذكر هذه الأبيات الآلوسي في روح المعاني ١٣٣/٢٣.
(٧) تفسير البغوي ٤/ ٣٣ .

٦٤
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
ورُوي عن النبيِّ# أنَّ الذبيحَ إسماعيل(١)
والأوّل أكثرُ عن النبى. وعن أصحابه وعن التابعين .
واحتجُّوا بأنَّ اللهَ عزّ وجلّ قد أخبر عن إبراهيم حين فارق قومَه، فهاجر إلى
الشام مع امرأته سارَّة وابن أخيه لوط فقال: ﴿إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ أنه دعا فقال:
﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَ﴾ فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَعْتَرََّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُر
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ﴾ [مريم: ٤٩]؛ ولأنَّ اللَّه قال: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ فذكر أن الفداء في
الغلام الحليم الذي بُشِّر به إبراهيم، وإنما بُشِّر بإسحاق؛ لأنه قال: ﴿وَبَثِّرْنَهُ بِسْحَقَ﴾
[الصافات: ١١٢]، وقال هنا: ﴿بِغُلَمٍ كَلِيمٍ﴾ وذلك قبلَ أن يتزوَّج هاجرَ وقبلَ أن يُولَد
له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بُشر بولد إلا إسحاق .
احتجَّ من قال: إنه إسماعيل، بأن الله تعالى وصفَه بالصبر دون إسحاق في قوله
تعالى: ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِذْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّبِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صبرُه
على الذَّبح، ووصفَه بِصِدْق الوَعْد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لأنه
وعدَ أباه من نفسه الصبرَ على الذَّبح فوقَى به؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَبَثَّتْنَهُ بِسْطَقَ
نِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] فكيف يأمرُه بذبحه وقد وعدَه أن يكون نبيّاً، وأيضاً فإنَّ الله
تعالى قال: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فكيف يُؤمَر بذبح
إسحاق قبلَ إنجاز الوعد في يعقوب. وأيضاً ورد في الأخبار تعليقُ قَرْن الكبش في
الكعبة، فدلَّ على أن الذبيحَ إسماعيل، ولو كان إسحاقَ لكان الذبحُ يقع ببيت
المَقْدس(٢).
وهذا الاستدلال كلُّه ليس بقاطع، أمَّا قولُهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعدَه بأنه
يكون نبيّاً، فإنه يَحتمِلُ أن يكونَ المعنى: وبشرناه بنبوَّته بعد أن كان من أمره ما كان؛
(١) لعله يريد حديث معاوية أن رجلاً قال للنبي#: يا بن الذبيحين .. وهو ضعيف، وسيأتي بتمامه في
المسألة السادسة عشرة.
(٢) تفسير الرازي ١٥٣/٢٦ - ١٥٥.

٦٥
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
قاله ابن عباس. وسيأتي(١).
ولعلَّهِ أُمِرَ بذبح إسحاق بعد أن وُلِدَ لإسحاق يعقوب (٢). أو يقال: لم يَرِدْ في
القرآن أن يعقوبَ يُولَد من إسحاق .
وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحاقَ لكان الذبح يقع ببيت المقدس، فالجواب
عنه ما قاله سعيد بن جُبير على ما تقدَّم .
وقال الزجاج(٣): الله أعلمُ أيّهما الذبيح. وهذا مذهبٌ ثالث.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُنَىَّ إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾﴾
قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيمُ عليه السلام ثلاثَ ليال مُتتابعات (٤). وقال محمد بن
كعب: كانت الرُّسُل يأتيهم الوحيُّ من الله تعالى أيقاظاً ورُقوداً؛ فإنَّ الأنبياءَ لا تنام
قلوبُهم. وهذا ثابتٌ في الخبر المرفوع، قال ﴿: ((إنَّا معاشرَ الأنبياء تنامُ أَعينُنا ولا
تنامُ قلوبُنا)»(٥). وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وَحْيٌّ؛ واستدلَّ بهذه الآية(٦) .
وقال السّدي: لما بُشِّر إبراهيمُ بإسحاق قبلَ أن يُولَد له قال: هو إذاً لله ذبيح.
فقيل له في منامه: قد نذرتَ نذراً فَفِ بنذرك(٧) .
(١) في المسألة السادسة عشرة.
(٢) الكلام بمعناه في إعراب القرآن للنحاس ٤٣٢/٣ دون ذكر ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) في معاني القرآن ٣١١/٤.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٣.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ ابن سعد في طبقاته ١/ ١٧١ عن عطاء مرسلاً. وأخرج البخاري (٣٥٧٠) عن أنس بن
مالك ه قوله ضمن حديث الإسراء: وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. وأخرج أحمد
(٢٤٠٧٣)، والبخاري (٢٠١٣)، ومسلم (٧٣٨) حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه: ((يا عائشة، إن
عينيّ تنامان ولا ينام قلبي)) وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد (١٩١١)، والبخاري
(١٣٨).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٢٨/٧، الطبراني في الكبير (١٢٣٠٢) قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٧/ ١٧٦ : رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو
ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (١٣٨) من قول عُبيد بن عُمير.
(٧) تفسير البغوي ٤/ ٣٣ .
أ
ا
أ

٦٦
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
ويقال: إنَّ إبراهيمَ رأى في ليلة التروية كأنَّ قائلاً يقول: إنَّ الله يأمركَ بذبح
ابنك؛ فلما أصبحَ رَوَّى في نفسه، أي: فَكَّر؛ أهذا الحُلْم من الله أَمْ من الشيطان؟
فَسُمِّي يومَ التَّرْوية. فلما كانت الليلةُ الثانيةُ رأى ذلك أيضاً، وقيل له: الوعدَ، فلما
أصبح عَرَفَ أن ذلك من الله، فَسُمِّيَ يومَ عَرَفة. ثم رأى مثلَه في الليلة الثالثة، فَهمَّ
بنحره، فسُمِّي يومَ النَّحْرِ(١). ورُوي أنه لما ذَبحه قال جبريل: الله أكبرُ، الله أكبر.
فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: الله أكبرُ والحمدُ لله؛ فبقي
سُنَّةً. وقد اختلف الناسُ في وقوع هذا الأمر وهي:
الثالثة: فقال أهلُ السنة: إنَّ نفسَ الذَّبح لم يَقَعْ، وإنما وقع الأمرُ بالذبح قبل أن
يقعَ الذَّبح، ولو وقع لم يُتصوَّر رَفْعُه، فكان هذا من باب النَّسخ قبل الفعل؛ لأنه لو
حصل الفراغُ من امتثال الأمر بالذَّبح ما تحقَّق الفِداء(٢). وقوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ
الرّؤْيَاً﴾. أي: حقَّقت ما نبَّهناك عليه، وفعلتَ ما أمكنكَ، ثم امتنعتَ لمَّا منعناك. هذا
أصُّ ما قيل به في هذا الباب .
وقالت طائفة: ليس هذا مما يُنسخ بوجه؛ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته.
واستدلّ على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إليَّ فترحمَني، ولكن
اجعَلْ وجهيَ إلى الأرض؛ فأخذَ إبراهيمُ السِّكين فأمَرَّها على حَلْقه فانقلبتْ. فقال له:
ما لكَ؟ قال: انقلبتِ السِّكين. قال: اطعنّي بها طَعْناً(٣).
وقال بعضهم: كان كلما قطعَ جُزءاً إِلْتأم. وقالت طائفة: وجدَ حَلْقه نُحاساً أو
مُغشّى بنحاس، وكان كلَّما أراد قطعاً وجدَ منعاً. هذا كلُّه جائزٌ في القُدرة الإلهية،
لكنه يفتقرُ إلى نقل صحيح، فإنه أَمْرٌ لا يُدرك بالنَّظر وإنما طريقُه الخبر (٤).
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٣ بنحوه عن محمد بن إسحاق، وفيه أن هذه القصة جرت مع إسماعيل
عليه السلام.
(٢) تفسير الرازي ٢٦/ ١٥٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١٦٠٦/٤ بنحوه.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٢/٣.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٠٦ .
1

٦٧
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
ولو كان قد جرى ذلك لَبيَّنه اللهُ تعالى تعظيماً لِرُتْبة إسماعيل وإبراهيم صلوات
الله عليهما، وكان أولى بالبيان من الفِداء (١).
وقال بعضُهم : إنَّ إبراهيم ما أُمر بالذَّبح الحقيقي الذي هو فَرْيُ الأوداج وإنهارُ
الدم، وإنما رأى أنه أَضجعه للذبح فتوهّم أنه أُمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أُمر
به من الإضجاع قيل له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
وهذا كلُّه خارجٌ عن المفهوم. ولا يُظَنُّ بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر
ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهُّم. وأيضاً لو صحَّتْ هذه الأشياءُ لما احتيج
إلى الفِداء.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ﴾ قرأ أهلُ الكوفة غير عاصم: ((ماذَا
تُرِي)) بضم التاء وكسر الراء مِن: أُرِي يُرِي(٢). قال الفرّاء(٣): أي: فانظُر ماذا تري
من صبرك وجَزَعك. قال الزجاج (٤): لم يَقُلْ هذا أحدٌ غيره، وإنما قال العلماء: ماذا
تُشير؛ أي: ما تُريك نفسُك من الرأي. وأنكر أبو عُبيد ((تُرِي)) وقال: إنما يكون هذا
من رؤية العين خاصة. وكذلك قال أبو حاتم .
النحاس(٥): وهذا غلطٌ، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها، وهو مشهور،
يقال: أَريت فلاناً الصواب، وأَريته رُشدَه، وهذا ليس من رؤية العين.
الباقون: ((تَرَى)) مضارع رَأَيت .
وقد رُوي عن الضحاك والأعمش: ((تُرَى)) غير مسمى الفاعل(٦). ولم يقل له ذلك
(١) أحكام القرآن للكيا ٣٥٧/٤ .
(٢) السبعة ص ٥٤٨، والتيسير ص ١٨٦ .
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٣٩٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٣/٣.
(٤) في معاني القرآن ٣١٠/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٦/ ٤٧ .
(٥) في إعراب القرآن ٤٣٣/٣، وما قبله منه.
(٦) تفسير البغوي ٣٣/٤، وزاد المسير ٧٥/٧ .

٦٨
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
على وجه المُؤامرة في أمر الله، وإنما شاوره لِيعلم صبرَه لأمر الله(١)؛ أو لِتَقَرَّ عينُه
إذا رأى من ابنه طاعةً في أمر الله فـ ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ أي: ما تُؤمر به،
فحذفَ الجار كما حذف من قوله :
أَمَرْتُكَ الخيرَ فافعلْ مَا أُمِرتَ بِهِ(٢)
فوصل الفعل إلى الضمير فصار: تُؤمره، ثم حذفت الهاء؛ كقوله: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى
عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ﴾ [النمل: ٥٩] أي: اصطفاهم على ما تقدَّم. و((ما)) بمعنى الذي.
﴿سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّيِنَ﴾ قال بعضُ أهل الإشارة: لما استثنى وفَّقه الله
للصبر. وقد مضى الكلامُ في ((يا أَبَتِ)) وكذلك في ((يا بُنَّيَّ)) في ((يوسف)) وغيرها(٣).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: انقادا لأمر الله. وقرأ ابن مسعود وابن
عباس وعليٍّ رضوان الله عليهم: ((فلمَّا سَلَّما))(٤) أي: فوَّضا أمرَهما إلى الله. وقال
ابن عباس: استسلما. وقال قتادة: أسلم أحدُهما نفسَه لله عز وجل وأسلمَ الآخرُ
ابنَه (٥)
﴿وَتَلَّمُ لِلْجَبِينِ﴾ قال قتادة: كَبَّه وحوَّل وجهَه إلى القِبلة. وجواب ((لمَّا)) محذوفٌ
عند البصريين تقديره: «فلمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ للجبين)» فديناه بكبش .
وقال الكوفيون: الجوابُ: ((نَادَيْنَاهُ)) والواو زائدة مُفْحَمة(٦)؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا
بِهِ، وَأَحْمَعُوْ أَن يَجْعَلُوهُ فِ غَيَبَتِ الُّْ وَأَوْحَيْنَآً﴾ [يوسف: ١٥] أي: أوحينا. وقوله: ﴿وَهُم
مِن كُلِّ حَدَبٍ يَسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ﴾ [الأنبياء: ٩٦-٩٧] أي: اقترب. وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا
(١) المحتسب ٢٢٢/٢.
(٢) الكشاف ٣٤٨/٣، والبيت سلف بتمامه ١٢٣/٤، واختلف في قائله، وقد بيَّناه ثمة.
(٣) ١١/ ٢٤٥ .
(٤) المحتسب ٢٢٢/٢.
(٥) أخرجه الطبري ٥٨٤/١٩ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٣/٣.

--
٦٩
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: قال لهم. وقال امرؤ القيس:
فلمّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى(١)
أي: انتحى، والواو زائدة. وقال أيضاً:
ورأيتُمُ أبناءَكم شَبُّوا
حتّى إذا حَمَلَتْ بُطُونُكُمُ
وَقَلَبْتُمُ ظهرَ المَجِنِّ لنا إنَّ اللئيمَ الفَاجِرُ الخِبُّ(٢)
أراد: قلبتم. النحاس(٣): والواو من حروف المعاني لا يجوز أن تُزاد.
وفي الخبر: إنَّ الذبيحَ قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا أبت اشدُدْ
رِياطي حتى لا أَضطرب، واكفف ثيابَك لئلا ينتضِحَ عليها شيء من دمي فتراه أُمِّي
فتحزن، وأَسْرِعْ مَرَّ السِّكين على حَلْقي ليكونَ الموتُ أهونَ عليَّ، واقذُفني للوجه؛
لئلا تنظر إلى وجهي فترحمَني، ولئلا أنظر إلى الشَّفرة فأجزع، وإذا أتيتَ إلى أُمي
فأقرئها مني السلام. فلما جَرَّ إبراهيمُ عليه السلام السِّكين ضربَ اللهُ عليه صفيحةً من
نُحاس، فلم تعمل السكين شيئاً، ثم ضرب به على جبينه وحزَّ في قفاه فلم تعمل
السِّكين شيئاً (٤)؛ فذلك قوله تعالى: ((وَتَلَّهُ للجبينِ))، كذلك قال ابن عباس: معناه:
كبَّه على وجهه(٥)، فَنُودي ﴿يَِّرَهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فالتفت فإذا بكبش؛ ذكره
المهدوي. وقد تقدّمت الإشارة إلى عدم صحته(٦)، وأن المعنى لما اعتقد الوجوبَ
وتهيًَّ للعمل؛ هذا بهيئة الذبح، وهذا بصورة المَذْبوح، أعطيا محلّاً للذبح فِداء، ولم
(١) سلف ٢/ ٨٥.
(٢) البيتان في معاني القرآن للفراء ١٠٧/١، وأمالي ابن الشجري ١٢١/٢، وخزانة الأدب ٤٤/١١،
واللسان (قمل) من غير نسبة، وفيها: قَمِلَتْ، بدل: حملت، والعاجز، بدل: الفاجر. وقملت بطونكم،
أي: کثرت قبائلکم. اللسان (قمل).
(٣) في إعراب القرآن ٤٣٣/٣.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٣ - ٣٤ بنحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٨٥ .
(٦) في المسألة الثالثة.

٧٠
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
يكن هناك مرُّ سكين(١). وعلى هذا يتصوَّر النَّسخ قبل الفعل على ما تقدَّم (٢). والله
أعلم .
قال الجوهري: ((وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ)) أي: صرعه؛ كما تقول: كَبَّه لِوجهه(٣). الهروي:
والثَّلُّ: الدَّفْع والصَّرع؛ ومنه حديث أبي الدرداء﴾: وتركوك لِمَتَلُّكَ(٤)، أي:
لمصرعك. وفي حديث آخر: ((فجاء بناقةٍ كَوْماء فَتَلَّها))(٥) أي: أناخها. وفي الحديث:
(بينا أنا نائمٌ أُتِيتُ بمفاتيح خزائنِ الأرض فَتُلَّتْ في يدي))(٦)، قال ابن الأنباري: أي:
فَأُلقيتْ في يدي؛ يقال: تَلَلْتُ الرجل، إذا أَلقيته. قال ابن الأعرابي: فَصُبَّتْ في يدي؛
والتَّلُّ الصَّبُّ؛ يقال: تلَّ يتلُّ إذا صبَّ، وتَلَّ يَتِلّ - بالكسر - إذا سقط (٧).
قلت: وفي ((صحيح مسلم)): عن سهل بن سعد السَّاعدي أن رسولَ الله # أُتي
بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ وعن يساره أشياخ؛ فقال للغلام: ((أَتأذَنُ لي
أن أُعطي هؤلاء)» فقال الغلام: لا والله، لا أُوثر بنصيبي منك أحداً. قال: فتلَّه
رسولُ الله# في يده(٨)؛ يُريد: جعله في يده .
وقال بعضُ أهل الإشارة: إنَّ إبراهيمَ ادَّعى محبةَ الله، ثم نظر إلى الولد
بالمحبة، فلم يرضَ حبيبه محبةً مشتركة؛ فقيل له: يا إبراهيم، اذبح ولدَك في
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٠٧ بنحوه.
(٢) في المسألة الثالثة.
(٣) الصحاح (تلل) . :
(٤) ذكره ابن الجوزي في غريب الحديث ١/ ١١٠، وابن الأثير في النهاية (تلل).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير ٤٠/٢٢ - ٤١ مطولاً من حديث وائل بن حجر﴾. وفي الباب عن سُويد
ابن غَفَلَة ﴾ أخرجه أحمد (١٨٨٣٧)، والنسائي ٣٠/٥. وقوله: كوماء: أي: مشرفة السنام عالية.
حاشية السندي على المجتبى.
(٦) أخرجه أحمد (١٠٥١٧)، والبخاري (٢٩٧٧)، ومسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﴾، وعند
البخاري ومسلم: فَوُضِعَتْ، بدل: فَتُلَّت.
(٧) تهذيب اللغة ١٤/ ٢٥١ .
(٨) صحيح مسلم (٢٠٣٠)، وأخرجه أحمد (٢٢٨٢٤)، والبخاري (٢٤٥١).

٧١
سورة الصافات: الآيات ١٠٢ - ١١٣
مرضاتي، فشمَّر وأخذ السكين وأَضجع ولدَه، ثم قال: اللهم تَقبَّلْهُ مني في مرضاتك.
فأوحى الله إليه: يا إبراهيم لم يكن المرادُ ذبحَ الولد، وإنما المرادُ أن تَرُدَّ قلبك إلينا،
فلما رددتَ قلبك بكُلِّيَّته إلينا رددنا ولدَك إليك(١) .
وقال كعب وغيره: لما أُري إبراهيمُ ذبحَ ولده في منامه، قال الشيطان: والله،
لئن لم أَفتن عند هذا آلَ إبراهيم لا أَفتن منهم أحداً أبداً. فتمثَّل الشيطانُ لهم في صورة
الرجل، ثم أتى أُمَّ الغُلام وقال: أَتدرينَ أين يذهب إبراهيمُ بابنك؟ قالت: لا. قال:
إنه يذهبُ به لِيذبحه. قالت: كلّ، هو أرأفُ به من ذلك. فقال: إنه يَزعُم أن ربَّه أمره
بذلك. قالت: فإنْ كان ربُّه قد أمره بذلك فقد أحسنَ أن يُطيعَ ربَّه. ثم أتى الغُلام
فقال: أَتدري أين يذهبُ بك أبوك؟ قال: لا. قال: فإنه يذهب بك ليذبحك. قال:
ولم؟ قال: زَعم أنَّ ربَّه أمره بذلك. قال: فَلْيفعَلْ ما أمره اللهُ به، سمعاً وطاعةً لأمر
الله. ثم جاء إبراهيمُ فقال: أين تُريد؟ والله، إني لأَظنُّ أن الشيطانَ قد جاءك في
منامك، فأمرك بذبح ابنك. فَعَرفَه إبراهيمُ عليه السلام، فقال: إليك عني يا عدوَّ الله،
فوالله لأَمضِينَّ لأمر ربي. فلم يُصب الملعونُ منهم شيئاً(٢) .
وقال ابن عباس: لما أُمر إبراهيمُ بذبح ابنه عرضَ له الشيطان عند جمرة العقبة
فرماه بسبع حَصَيَات حتى ذهب، ثم عرضَ له عند الجَمْرة الوسطى، فرماه بسبع
حَصَيات حتى ذهب، ثم عرضَ له عند الجمرة الأُخرى، فرماه بسبع حَصَيات حتى
ذهب، ثم مضَى إبراهيمُ لأمر الله تعالى(٣).
واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه [فيه] فقيل: بمكة في المقام(٤). وقيل: في
المَنْحر بمنى عند الجمار التي رمَى بها إبليسَ لعنه الله؛ قاله ابن عباس وابن عمر
(١) لطائف الإشارات ٢٣٩/٣ بمعناه.
(٢) أخرجه الطبري ٥٩٠/١٩، وذكره أبو الليث في تفسيره ٣/ ١٢٠، والبغوي في تفسيره ٣٤/٤.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٣٤ .
(٤) أخرجه الطبري ٦٠١/١٩ . عن عُبيد بن عُمير.

٧٢
سورة الصافات: الآيات ١٠٤ - ١١٣
ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيَّب .
وحُكي عن سعيد بن جُبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثَبِير بِمِنىّ. وقال
ابن جُريج: ذبحه بالشام، وهو من بيت المقدس على ميلين(١).
والأول أكثر (٢)؛ فإنه ورد في الأخبار تعليقُ قَرْن الكبش في الكعبة، فدلَّ على أنه
ذبحه بمكة. وقال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، لقد كان أول الإسلام، وإنَّ رأسَ
الكبش لَمعلَّق بقرنيه في مِیزاب الكعبة وقد يَبِسَ(٣).
أجاب مَن قال بأنَّ الذبح وقع بالشام: لعلَّ الرأسَ حُمِلَ من الشام إلى مكة.
والله أعلم(٤).
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: نَجزيهم بالخَلاص من
الشدائد في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ﴾ أي: النِّعمة الظاهرة؛ يقال:
أبلاه الله إبْلاءً وبَلَاءَ، إذا أنعم عليه. وقد يقال: بَلاهُ. قال زهير:
فأَبْلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلو(٥)
فزعم قومٌ أنه نجاء باللَّغتين. وقال آخرون: بل الثاني من: بَلاهُ يَبْلُوهُ إذا اختبره،
ولا يقال من الاختبار إلا بَلاه يَبْلوه، ولا يقال من الابتلاء: يبلوه. وأصلُ هذا كلُّه من
الاختبار أن يكون بالخير والشرّ؛ قال الله عز وجل: ﴿وَنَبَلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾
[الأنبياء: ٣٥]. وقال ابن زيد (٦): هذا في (٧) البلاء الذي نزلَ به في أن يذبحَ ابنه؛ قال:
(١) النكت والعيون ٥/ ٦٢ .
(٢) وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٨٣/٤: وما يستغرب في هذه الآية أن عُبيد بن عُمير قال: ذُبح في
المقام .. وقال الجمهور: ذُبح بمنی.
(٣) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٠٣ .
(٤) تفسير الطبري ١٩/ ٦٠٣ بنحوه.
(٥) شرح ديوان زهير ص١٠٩، وصدره: رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم. وفي رواية: جزى الله ..
(٦) في النسخ: أبو زيد، وهو خطأ، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤٣٤/٣ والكلام منه. والخبر
أخرجه الطبري ١٩/ ٥٨٧ عن ابن زید.
(٧) في (م): من.

٧٣
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
وهذا من البلاء المكروه.
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ الذُّبح اسمُ المَذْبوح وجمعہ ذبوح؛
كالطّحن اسم المَظْحون. الذَّبح بالفتح المصدر (١). ((عظيم)) أي: عظيم القَدْر، ولم يُرِدْ
عظيمَ الجُثَّة، وإنما عَظُم قدرُه لأنه فدى به الذبيح؛ أو لأنه مُتُقبَّل .
قال النحاس(٢): عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف. وأهلُ التفسير على أنه
هاهنا للشريف، أي: المُتقبّل.
وقال ابن عباس: هو الكبش الذي تقرَّب به هابيلُ، وكان في الجنة يرعى حتى
فدى اللهُ به إسماعيل. وعنه أيضاً: أنه كبشٌ أرسله اللهُ من الجنة كان قد رعَى في
الجنة أربعين خريفاً. وقال الحسن: ما فُدِيَ إسماعيلُ إلا بتيس من الأَرْوَى أُهبِطَ عليه
من ثَبِير، فذبحه إبراهيم فِداءً عن ابنه، وهذا قولُ علي ﴾(٣). فلما رآه إبراهيمُ أخذَه
فذبحه وأعتق ابنَه. وقال: يا بُنيَّ، اليومَ وُهِبتَ لي .
وقال أبو إسحاق الزجاج(٤): قد قيل: إنه فُدِيَ بوَعْل، والوَعْل: التيس الجبليّ
وأهلُ التفسير على أنه ◌ُدِيَ بكبش.
الثامنة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الأُضحيَّةَ بالغنم أفضلُ من الإبل والبقر. وهذا
مذهبُ مالك وأصحابه. قالوا: أفضلُ الضحايا الفُحول من الضَّأن، وإناثُ الضأن
أفضلُ من فحل المَعْز، وفُحول المَعْز خيرٌ من إناثها، وإناثُ المَعز خيرٌ من الإبل
والبقر. وحُجَّتهم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ أي: ضخم الجُثَّة
سمين، وذلك كبشٌ لا جملٌ ولا بقرةٌ .
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٤/٣.
(٢) في معاني القرآن ٦/ ٥١ .
(٣) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٩/ ٦٠٠ - ٦٠٤. والأروى: غنم الجبل، وثبير: جبل بمكة. النهاية (أرو)
و(ثبر).
(٤) في معاني القرآن ٣١٢/٤ .

٧٤
سورة الصافات: الآيات ١٠٤ - ١١٣
وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأله رجل: إني نذرتُ أن أنحرَ ابني؟
فقال: يجزيك كبشٌ سمين(١)، ثم قرأ: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجَ عَظِيمٍ﴾ .
وقال بعضهم: لو علم اللهُ حيواناً أفضلَ من الكبش لَفدی به إسحاق.
وضخَّى رسول اللـه # بكبشين أَمْلحين(٢). وأكثر ما ضحّى به الكباش. وذكر ابن
أبي شيبة عن ابن عُلَيَّة، عن الليث، عن مجاهد قال: الذِّح العظيم الشاة(٣)؟
التاسعة: واختلفوا أَيما أفضل: الأُضحيَّة أو الصدقة بثمنها. فقال مالك
وأصحابه: الضَّحِيَّة أفضلُ إلا بمنىٌ؛ لأنه ليس موضع الأُضحيَّة؛ حكاه أبو عمر (٤).
وقال ابن المنذر: روينا عن بلال أنه قال: ما أُبالي ألَّ أُضَحِّي إلا بديك، ولأَن
أَضعَه في يتيم قد تَرِب فيه - هكذا قال المُحدِّث - أحبُّ إليَّ من أنْ أُضحِّيَ به(٥). وهذا
قولُ الشعبي: إنَّ الصدقةَ أفضلُ. وبه قال مالك وأبو ثور. وفيه قول ثانٍ: وهو أن
الضَّحِيَّة أفضل؛ هذا قولُ ربيعةَ وأبي الزِّناد. وبه قال أصحاب الرأي. زاد أبو عمر (٦)
وأحمد بن حنبل قالوا: الضحيَّة أفضلُ من الصدقة؛ لأن الضحيَّة سنةٌ وكيدة(٧) كصلاة
العيد، ومعلومٌ أن صلاةَ العيد أفضلُ من سائر النوافل، وكذلك صلواتُ السُّنَن أفضلُ
من التطوّع كلِّه .
قال أبو عمر(٨): وقد رُوي في فضل الضحايا آثارٌ حِسان؛ فمنها ما رواه سعيدُ بن
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٩٠٤)، وفيه وفي التمهيد ٢٩/٢٢ - والكلام منه - أن السائل نذر
أن ینحر نفسه.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٥٨)، ومسلم (١٩٦٦) من حديث أنس ، وسلف ١٤/ ٤٠٤.
(٣) التمهيد ٢٩/٢٢.
(٤) في التمهيد ١٩٢/٢٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨١٥٦)، وفيه :.. ولأن أتصدَّق بثمنها على يتيم أو مغبرّ أحبُّ إليَّ ..
(٦) في التمهيد ١٩٢/٢٣.
(٧) في (م): مؤكدة، وكلاهما بمعنى.
(٨) في التمهيد ١٩٢/٢٣ - ١٩٣.

٧٥
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
داود بن أبي زَنْبَر(١)، عن مالك، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
قال رسولُ اللهِ ﴾: ((ما مِنْ نفقةٍ بعد صِلَةِ الرحم أفضلُ عند الله من إهراق الدَّم)). قال
أبو عمر: وهو حديثٌ غريب من حديث مالك .
وعن عائشة قالت: يا أيها الناس، ضَحُوا وطِيبوا أَنْفُساً؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾
يقول: ((ما مِنْ عبد توجَّه بأُضْحِيَّته إلى القِبلة إلا كان دَمُها وقَرْنُها وصوفُها حسناتٍ
مُحضراتٍ في ميزانه يومَ القيامة، فإنَّ الدَّمَ إن وقعَ في التراب فإنما يقعُ في حِرْز الله
حتى يُوفيه صاحبه يومَ القيامة)) ذكره أبو عمر في كتاب ((التمهيد)). وخرَّجه الترمذي
أيضاً عنها أن رسولَ الله :﴿ قال: ((ما عَمِلَ آدميٌّ من عملٍ يومَ النَّحرِ أحبَّ إلى الله من
إهراق الدم، إنها لَتأتي(٢) يومَ القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإنَّ الدَّم ليقعُ من
الله بمكانٍ قبل أن يقع إلى الأرض، فَطِيبوا بها نفساً)) قال: وفي الباب عن عِمْران بن
حُصَين وزيد بن أَرْقَم، وهذا حديث حسن(٣).
العاشرة: الضحيَّة ليست بواجبة، ولكنها سنّة ومعروف. وقال عكرمة: كان ابن
عباس يَبعثني يومَ الأضحى بدرهمين أشتري له لحماً، ويقول: مَنْ لَقِيتَ فقل: هذه
أُضْحِيَّة ابن عباس .
قال أبو عمر (٤): ومَحْمل هذا وما رُوي عن أبي بكر وعمر أنهما لا يُضَحِّيان عند
أهل العلم؛ لئلا يُعتقَدَ في المواظبة عليها أنها واجبةٌ فرض، وكانوا أئمةً يقتدي بهم
(١) قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ١٧٥: صدوق، له مناكير عن مالك، ويقال: اختلط عليه
بعض حديثه، وكذَّبه عبد الله بن نافع في دعواه أنه سمع من لفظ مالك.
(٢) في النسخ الخطية: إنه ليأتى، والمثبت من (م)، وهو الموافق لسنن الترمذي.
(٣) سنن الترمذي (١٤٩٣) وقول الترمذي فيه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام بن
عروة: لا من هذا الوجه. قال ابن العربي في عارضة الأحوذي ٢٨٨/٦: ليس في فضل الأضحية حديث
صحیح.
(٤) في التمهيد ١٩٤/٢٣ - ١٩٥، وما قبله منه. وخبر ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه عبد الزاق في
مصنفه (٨١٤٦).

٧٦
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
مَن بعدَهم ممن ينظر في دينه إليهم؛ لأنهم الواسطةُ بين النبي ﴾ وبين أُمَّته، فساغ لهم
من الاجتهاد في ذلك ما لا يَسوغ اليومَ لغيرهم .
وقد حكى الطحاوي في ((مختصره)(١). وقال أبو حنيفة: الأُضْحِيَّةُ واجبةٌ على
المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجبُ على المسافر. قال: ويجبُ على
الرجل من الأُضحيَّة على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه عن نفسه. وخالفه أبو
يوسف ومحمد فقالا: ليست بواجبة، ولكنها سنةٌ غيرُ مُرخَّص لمن وجدَ السبيل إليها
في ترکها. قال: وبه نأخذ ..
قال أبو عمر(٢): وهذا قولُ مالك؛ قال: لا ينبغي لأحدٍ تركُها مسافراً كان أو
مقيماً، فإنْ تركها فبئس ما صنع إلا أن يكونَ له عذرٌ إلا الحاجَّ بمنىّ. وقال الإمام
الشافعي: هي سنة على جميع الناس وعلى الحاجِّ بمنىّ، وليست بواجبة. وقد احتجّ
من أوجبها بأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أمر أبا بُرْدَةَ بن نِيَار أن يُعيدَ ضَحِيَّةً أُخرى(٣)؛ لأنَّ ما لم يكن
فرضاً لا يُؤمر فيه بالإعادة .
احتجَّ الآخرون بحديث أُمِّ سلمةً عن النبيِّ ﴾ أنه قال: ((إذا دخلَ العشرُ وأَراد
أحدكم أن يُضَحِّيّ)» (٤) قالوا: فلو كان ذلك واجباً لم يَجعلْ ذلك إلى إرادة المُضَحِّي.
وهو قول أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدريّ وبلال.
الحادية عشرة: والذي يُضَخَّى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية: وهي:
الضأن، والمَعْز، والإبل، والبقر(٥).
قال ابن المنذر: وقد حُكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يُضحَّى ببقرة الوحش
(١) ص٣٠٠، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ١٨٩/٢٣، والاستذكار ١٥٨/١٥.
(٢) في التمهيد ١٩١/٢٣ - ١٩٢، والاستذكار ١٥٥/١٥ - ١٥٦.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٤٨٥)، والبخاري (٩٥٥)، ومسلم (١٩٦١)، وسلف قسم منه ٢/ ٧٥ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٤٧٤)، ومسلم (١٩٧٧)، وتتمته: (( .. فلا يمسَّ من شعره وبشره شيئاً)).
(٥) التمهيد ١٨٨/٢٣.
:

٧٧
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
عن سبعة، وبالظَّبي عن رجل. وقال الإمام الشافعي(١): لو نزا ثورٌ وحشيٍّ على بقرة
إنسيّة، أو ثورٌ إنسيٍّ على بقرة وحشية لا يجوز شيء من هذا أُضْحِيَّةً. وقال أصحابُ
الرأي: جائز(٢)؛ لأن ولدَها بمنزلة أُمِّه. وقال أبو ثور: يجوز إذا كان منسوباً إلى
الأنعام.
الثانية عشرة: قد مضى في سورة ((الحج))(٣) الكلامُ في وقت الذبح والأكل من
الأُضحيَّة مستوفىّ. وفي ((صحيح مسلم)): عن أنس قال: ((ضحَّى النبيُّ # بكبشين
أَمْلحين أَقْرنين ذَبَحهما بيده وسمَّی وکبَّر، ووضع رِجْلَه على صِفَاحِهما)». في رواية
قال: ((ويقول: بسم الله والله أكبر(٤). وقد مضَى في آخر ((الأنعام)) حديثُ عِمران بن
حُصَّين(٥)، ومضَى في ((المائدة)) القولُ في التذكية وبيانها وما يُذَكَّى به، وأنَّ ذكاءً
الجنين ذكاءُ أُمّه مستوفىّ(٦) .
وفي ((صحيح)) مسلم: عن عائشةَ أن رسولَ الله ﴿ أَمَر بكبشٍ أقرنَ يَطَأُ في سوادِ،
ويبرك في سواد، وينظرُ في سواد فأتي به لِيُضَحِّيَ به، فقال لها: ((يا عائشةُ، هَلُمِّي
المُذْيةَ)) ثم قال: ((اشْحَذِيها بحجر)) ففعلت، ثم أَخذها وأخذَ الكبش فأَضجعه، ثم
ذَبحه، ثم قال: ((بسم الله، اللهمَّ تقبَّل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد)) ثم
ضخّى به(٧) .
وقد اختلف العلماءُ في هذا فكان الحسنُ البصري يقول في الأضحيَّة: بسم الله
واللهُ أكبر، هذا منكَ ولك، تقبّل من فلان. وقال مالك. إنْ فَعَلَ ذلك فحسن، وإن لم
(١) في الأم ١٦/٢ .
(٢) يعني في الحالة الأولى.
(٣) ٣٦٦/١٤ وما بعدها.
(٤) صحيح مسلم (١٩٦٦) وسلف في المسألة الثامنة وفي ١٤/ ٤٠٣
(٥) ٩ / ١٤٣ .
(٦) ٧/ ٢٧٤ وما بعدها.
(٧) صحيح مسلم (١٩٦٧)، وهو في مسند أحمد (٢٤٤٩١).
:

٧٨
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
يفعلْ وسمَّى اللهَ أجزأه. وقال الشافعي: والتسميةُ على الذبيحة: بسم الله، فإن زاد
بعد ذلك شيئاً من ذِكْر الله، أو صلَّى على محمد عليه الصلاة والسلام لم أكرهه، أو
قال: اللهم تقبّلْ مني، أو قال: تقبّلْ من فلان فلا بأس. وقال النعمان: يُكره أن يذكُرَ
مع اسمِ الله غيرَه(١)؛ يُكره أن يقول: اللهمَّ تقبَّلْ من فلان عند الذَّبح. وقال: لا بأس
إذا كان قبلَ التسمية وقبلَ أن يضجعَ للذبح. وحديث عائشة يردُّ هذا القولَ. وقد تقدَّم
أن إبراهيم عليه السلام قال لما أراد ذبح ابنه: الله أكبرُ والحمد لله. فبقي سُنَّةً(٢).
الثالثة عشرة: روى البَرَاءُ بن عازِب أن رسولَ الله # سُئل: ماذا يُتّقَى من
الضحايا؟ فأشار بيده وقال: ((أربعاً)) وكان البراءُ يُشير بيده ويقول: يدي أقصرُ من یَدِ
رسول الله: «العَرْجاء البَيِّنُ ظَلَعُها، والعوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البَيِّن
مرضُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنْقي)) لفظ مالك، ولا خلاف فيه(٣). واختلف في اليَسير
من ذلك .
وفي الترمذيّ: عن عليّ ﴾ قال: أَمرنا رسولُ اللـه * أن نستَشرِفَ العينَ والأُذن
وألَّا نُضَحِّيَ بمقابلة ولا مُدَابَرة ولا شَرْقاء ولا خَرْقاء. قال: والمُقابلة: ما قُطِعِ طرفُ
أُذنها، والمُدَابَرة: ما قطع من جانب الأُذن، والشَّرقاء المشقوقة، والخَرْقاء المثقوبة؛
قال هذا حديثٌ حسن صحيح(٤) .
وفي ((الموطأ)) عن نافع: أنَّ عبدَ الله بن عمر كان يَتَّقي من الضحايا والبُدْن التي
لم تُسْنِنْ والتي نقصَ مِن خَلْقها. قال مالك: وهذا أحبُّ ما سمعتُ إليَّ (٥).
(١) ذكر قول أبي حنيفة وقول الحسن البصري السالف ابنُ قدامة في المغني ٣٩٠/١٣ - ٣٩١.
(٢) في المسألة الثانية.
(٣) الموطأ ص ٤٨٢، وأخرجه أحمد (١٨٥١٠)، وأبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، وعند أحمد
وأبي داود: الكسير، بدل: العجفاء. وقوله: ((لا تُنقي))؛ من: أنقى، إذا صار ذا نِقْي، أي: مخ،
فالمعنى: التي ما بقي لها مخ من غاية العجف. حاشية السندي على مسند أحمد.
(٤) سنن الترمذي (١٤٩٨)، وهو في مسند أحمد (٨٥١). وسلف ٣٧/٧ .
(٥) الموطأ ص ٤٨٢ .

٧٩
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
قال القُتبي: لم تُسْنَنْ، أي: لم تَنْبُتْ أسنانُها، كأنها لم تُعْطَ أسناناً. وهذا كما
يقال: فلانٌ لم يُلْبَنْ، أي: لم يُعْطَ لبناً، ولم يُسْمَنْ، أي: لم يُعْطَ سمناً، ولم يُعسَلْ
أي: لم يُغْطَ عسلاً(١). وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهَتْماء.
قال أبو عمر(٢): ولا بأسَ أن يُضحِّيَ عند مالك بالشاة الهَتْماء إذا كان سقوط
أسنانها من الكِبَر والهَرَم وكانت سمينةً؛ فإنْ كانت ساقطةَ الأسنان وهي فتيةٌ لم يَجُزْ
أن يُضحِّيَ بها، لأنه عيبٌ غير خفيف. والنقصان كلُّه مكروه، وشرحُه وتفصيلُه في
كتب الفقه. وفي الخبر عن النبيِّ#: ((استشرفوا ضحاياكم، فإنها على الصِّراط
مَطَایاکم)» ذكره الزمخشري(٣).
الرابعة عشرة: ودلَّت الآيةُ على أنَّ من نَذَرَ نَحْرَ ابنه أو ذبحه أنه یقدیه بکیش،
كما فدَى به إبراهيمُ ابنَه؛ قاله ابن عباس. وعنه رواية أُخرى: يَنحر مئةً من الإبل كما
فَدی بها عبدُ المطّلب ابنَه؛ روی الروايتين عنه الشعبي. وروى عنه القاسم بن محمد:
يَجزيه كفارةُ يمين. وقال مسروق: لا شيء عليه(٤) .
وقال الشافعي: هو معصيةٌ يستغفر الله منها. وقال أبو حنيفة: هي كلمةٌ يَلزمه بها
في ولده ذبحَ شاة ولا يَلزمه في غير ولده شيءٍ(٥). وقال محمد: عليه في الحلف بنحر
(١) غريب الحديث لابن قتيبة ٧٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة التمهيد ٢٠/ ١٧٠ وما بعده منه. وقوله:
لم تسنن، قال ابن الأثير في النهاية (سنن): رواه القتيبي بفتح النون الأولى، قال الأزهري: وهم في
الرواية، وإنما المحفوظ عن أهل الثبت والضبط بكسر النون، وهو الصواب في العربية. وقال
الأزهري: وقوله أيضاً: لم يُلبَن ولم يُسمّن، أي: لم يُعطَ لبناً وسمناً خطأ أيضاً، وإنما معناهما: لم
يُطعَم سمناً، ولم يُسْقَ عسلاً. ينظر تهذيب اللغة ٣٠٠/١٢، واللسان (سنن).
(٢) في الكافي ١/ ٤٢٢ .
(٣) في الكشاف ٣٤٩/٣، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٣٨/٤: لم أره، ونقل عن ابن
الصلاح قوله فيه: هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه.
(٤) الاستذكار ٥٤/١٥، وأقوال ابن عباس رضي الله عنهما أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (١٥٩٠٣)
و(١٥٩٠٥) و(١٥٩٠٨) و(١٥٩١٠).
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٠٧ .

٨٠
سورة الصافات: الآيات ١٠٧ - ١١٣
عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث(١) .
وذكره ابنُ عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أَنحرُ ولدي عند مقام إبراهيم في
يمين ثم حنثَ، فعليه هَدْيٌ. قال: ومَن نذَر أن ينحرَ ابنَه، ولم يقل: عند مقام إبراهيم
ولا أراده(٢)، فلا شيء عليه. قال: ومَن جعل ابنَه هَذْياً أهدى عنه(٣) .
قال القاضي ابن العربي(٤): يلزمه شاةٌ كما قال أبو حنيفة؛ لأنَّ الله تعالى جعل
ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعاً، فألزم اللهُ إبراهيمَ ذبح الولد، وأخرجه عنه
بذبح شاة. وكذلك إذا نذَر العبدُ ذبح ولده يَلزمه أن يذبحَ شاة؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:
◌ِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨] والإيمانُ التزامٌ أصليٍّ، والنَّذر التزامٌ فرعيٍّ؛ فيجب
أن يكون محمولاً علیه .
فإن قيل: كيف يُؤمر إبراهيمُ بذبح الولد وهو معصيةٌ، والأمرُ بالمعصية لا يجوز.
قلنا: هذا اعتراضٌ على كتاب الله، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلامَ، فكيف بمن
يُفتي في الحلال والحرام؟! وقد قال الله تعالى: ﴿أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ والذي يجلو
الإلباس عن قُلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعاتِ ليست بأوصافٍ ذاتية
للأعيان، وإنما الطاعاتُ عبارةٌ عما تعلَّق به الأمرُ من الأفعال، والمعصيةُ عبارةٌ عمَّا
تعلَّق به النَّهي من الأفعال؛ فلما تعلَّق الأمرُ بذبح الولدِ إسماعيلَ من إبراهيم صار
طاعةً وابتلاء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَّوَ الْبَوَّا الُِّْينُ﴾ في الصبر على ذبح
الولد والنَّفس، ولما تعلَّق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية .
فإن قيل: كيف يصير نَذْراً وهو معصية؟. قلنا: إنما يكون معصيةً لو كان يقصِدُ
ذبحَ الولد بنذره ولا يَنوي الفِداء. فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصدَ المعصيةً ولم ينوِ
(١) مختصر اختلاف العلماء ٢٣٩/٢ .
(٢) في (م): أراد.
(٣) الاستذكار ١٥/ ٥٥ .
(٤) في أحكام القرآن ١٦٠٨/٤ - ١٦٠٩، والكلام منه إلى آخر المسألة.