النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة الصافات: الآيات ٦١ - ٦٨
قائل: الفاء في العربية تدلُّ على أن الثاني بعد الأول، فكيف صار ما بعدها يُنوَى به
التقديم؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير؛ لأن حقَّ حروفِ الخفض وما بعدها أن
تكون متأخرةٌ(١).
قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ ثُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلْظَّالِمِينَ
٦٥
فَإَِهُمْ لَّكِلُونَ مِنْهَا فَمَالُِونَ مِنْهَا الْبُُّونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (
◌ُمَّ
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىَ أَصْلِ الْجَحِيمِ (١٤)
١٦٨
إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَ اَلَْحِيمِ
قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرُ﴾ مبتدأ وخبر، وهو من قول الله جل وعز. ﴿نُزُلًا﴾
على البيان؛ والمعنى: أَنعيمُ الجنة خيرٌ نُزلاً ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ﴾ خيرٌ نزلاً؟. والنُّزُل في
اللغة: الرِّزق الذي له سَعَة. النحاس(٢): وكذا النَّزل والنُّزل(٣)، إلا أنه يجوز أن
يكون النُّزل بإسكان الزاي لغة، ويجوز أن يكون أصلُه التُّزُل [فَحُذِفت الضَّمةِ لِثقلها]؛
ومنه: أُقيم للقوم نُزُلهم. واشتقاقُه أنه الغذاء الذي يصلُح أن ينزلوا معه ويُقيموا فيه.
وقد مضى هذا في آخر سورة ((آل عمران)) (٤). وشجرةُ الزَّقُوم مشتقةٌ من التزقُّم، وهو
البَلْع على جهد لكراهتها ونَتْنها(٥) .
قال المفسرون: وهي في الباب السادس، وأنها تحيا بِلهَبِ النار كما تحيا
الشجرة ببرد الماء(٦)؛ فلابدَّ لأهل النار من أن ينحدرَ إليها مَن كان فوقها فيأكلون
منها، وكذلك يصعد إليها من كان أسفلَ .
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٤/٣ .
(٢) في إعراب القرآن ٣/ ٤٢٤، وما قبله منه، وما بين حاصرتين الآتي منه.
(٣) قوله: النّزْل، ليست في (م).
(٤) ٤٨٣/٥ - ٤٨٤ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٥/٣ .
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٥١ عن يحيى بن سلام.

٤٢
سورة الصافات: الآيات ٦٢ - ٦٨
واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها معروفةٌ من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها؛ فقال قطرب: إنها
شجرةٌ مُرَّة تكون بِتِهامة من أخبثِ الشجر. وقال غيره: بل هو كلُّ نبات قاتل. القول
الثاني: إنها لا تُعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقُوم قالت
كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة. فقَدِمَ عليهم رجلٌ من إفريقية، فسألوه فقال: هو
عندنا الزُّبْد والثَّمر. فقال ابن الزِّبَعْرى: أكثرَ اللهُ في بيوتنا الزَّقُّوم. فقال أبو جهل
لجاريته: زَقِّمينا؛ فَأَتَتْه بِزُبْد وتمر. ثم قال لأصحابه تَزْقَّموا؛ هذا الذي يُخوِّفنا به
محمد؛ يزعمُ أن النار تُنبِتُ الشجر، والنارُ تَحرِقُ الشجر(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلِظَّالِمِينَ﴾ أي: المشركين، وذلك أنهم قالوا:
كيف تكون في النار شجرةٌ وهي تَحرِق الشجر؟ وقد مضَى هذا المعنى في
((سبحان))(٢). واستخفافُهم في هذا كقولهم في قوله تعالى: ﴿عَلَّهَا نِسْعَةَ عَثَرَ﴾
[المدثر: ٣٠]: ما الذي يُخصِّص هذا العَدَد؟ حتى قال بعضُهم: أنا أَكفيكم منهم كذا،
فاكفُوني الباقين(٣). فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١]
والفتنة الاختبار، وكان هذا القولُ منهم جهلاً، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلُقَ اللهُ
في النار شجراً من جنسها لا تأكلُه النار، كما يخلقُ اللهُ فيها الأغلالَ والقيود
والحياتِ والعقاربَ وخَزَنَةَ النار .
وقيل: هذا الاستبعاد الذي وقع للكفار هو الذي وقع الآن للملحدة، حتى حملوا
الجنة والنار على نعيم أو عقاب تتخلَّله الأرواح، وحملوا وزنَ الأعمال والصراط
واللوح والقلم على معانٍ زوَّروها في أنفسهم، دون ما فَهِمه المسلمون من موارد
(١) النكت والعيون ٥٠/٥ - ٥١. وخبر أبي جهل أخرجه الطبري ٥٥٢/١٩ عن السدي، وسلف قوله
وقول ابن الزبعرى ١١١/١٣-١١٢.
(٢) ١١١/١٣ .
(٣) هو أبو الأشدّ الجمحي، وسيأتي خبره في تفسير الآية (٣٠) من سورة المدثر.

٤٣
سورة الصافات: الآيات ٦٢ - ٦٨
الشَّرع، وإذا ورد خبرُ الصادق بشيء موهوم في العقل، فالواجب تصديقُه وإن جاز أن
يكون له تأويل، ثم التأويل في موضع إجماع المسلمين على أنه تأويلٌ باطلٌ لا
يجوز، والمسلمون مُجمعون على الأَخْذِ بهذه الأشياء من غير مصير إلى علم الباطن
وقيل: إنها فتنة، أي: عقوبة للظالمين؛ كما قال: ﴿ذُوقُواْ فِيْنَتَّكُمْ هَذَا الَّذِى كُم بِهِ،
تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٤].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِيَّ أَصْلِ الَْحِيمِ﴾ أي: قَعْر النار، ومنها
منشؤها، ثم هي متفرِّغة في جهنم (١). ﴿طَلْعُهَا﴾ أي: ثمرها؛ سُمِّي طَلْعاً لِطلوعه
﴿كَأَنَّمُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ قيل: يعني: الشياطين بأعيانهم، شَبَّهها برؤوسهم لِقُبْحِهم،
ورؤوس الشياطين متصوَّر في النفوس وإن كان غيرَ مرئيّ. ومن ذلك قولهم لكل قبيح:
هو كصورة الشيطان، ولكلِّ صورة حسنة: هي كصورة مَلَك. ومنه قوله تعالى مُخبراً
عن صَواحب يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وهذا تشبيهٌ
تخييلي؛ رُوي معناه عن ابن عباس والقُرَظي(٢). ومنه قول امرئ القيس:
ومَسْئُونةٌ زُرْقٌ كأنيابٍ أَغْوَالٍ(٣)
وإن كانت الغولُ لا تُعرَف؛ ولكن لِمَا تصوَّر من قُبحها في النفوس (٤). وقد قال
الله تعالى: ﴿شَيَطِينَ الْإِنسِ وَآلْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] فمردةُ الإنس شياطينُ مرئية. وفي
الحديث الصحيح: ((ولَكأنَّ نَخْلها رؤوس الشياطين))(٥) وقد ادَّعى كثيرٌ من العرب
رؤيةً الشياطين والغيلان .
(١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٦٣ عن الحسن بنحوه.
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٩ بنحوه.
(٣) ديوان امرئ القيس ص ٣٣، وصدره: أَيَقتُلني والمَشْرَفيُّ مُضاجِعي. قال شارحه: المَشْرَفي: سيف
نسب إلى قرى بالشام يقال لها: المشارف. وأراد بالمسنونة الزُّرق: سهاماً محدَّدة الأزجَّة صافية، شبَّهها
بأنياب الأغوال تشنيعاً لها.
(٤) النكت والعيون ٥١/٥ - ٥٢ بنحوه.
(٥) قطعة من حديث سِحْر النبي # أخرجه أحمد (٢٤٣٠٠)، والبخاري (٥٧٦٦)، ومسلم (٢١٨٩) من
حديث عائشة رضي الله عنها.

٤٤
سورة الصافات: الآيات ٦٥ - ٦٨
وقال الزجاج والفرّاء(١): الشياطين حياتٌ لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح
الحيَّات وأخبثها وأخفها جسماً. قال الراجز وقد شبَّه المرأة بحية لها عُرْف:
عَنْجَرِدٌ تَخْلِفُ حين أَحلِف كمثلِ شيطانِ الحَمَاطِ أَعْرَفُ
الواحدة حَمَاطة(٢). والأعرف: الذي له عُرْف .
وقال الشاعر يَصِفُ ناقته:
تُلاعِبُ مَثْنَى حَضْرَمِيٍّ كأنّه تَعَمُّجُ شيطان بذي خِرْوَعٍ قَفْرٍ
التَّعَمُّج: الاعوجاج في السَّير. وسهم عَمُوج: يتلوَّى في ذهابه. وتَعمَّجَتِ الحية:
إذا تلوَّتْ في سَيْرها. وقال يَصِفُ زِمام الناقة:
تُلاعِبُ مَثْنَى حَضْرَميٍّ كأنه.
تَعَمُّجُ شيطانٍ بِذِي خِرْوَعِ قَفْرٍ (٣)
وقيل: إنما شبه ذلك بِنَّبْتٍ قبيح في اليمن يقال له: الأَسْتَن والشيطان. قال
النحاس(٤): وليس ذلك معروفاً عند العرب. الزمخشري(٥): هو شجرٌ خَشِنٌ مُنتِنٌ مُرّ
مُنكَر الصورة يُسمَّى ثمره رؤوسَ الشياطين. النحاس(٦): وقيل: الشياطين ضربٌ من
الحیات قِباح .
﴿فَإِنَهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ فهذا طعامُهم وفاكهتهم بدل رِزْق أهل الجنة.
وقال في ((الغاشية)): ﴿لَيْسَ لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحٍ﴾ [الآية: ٦] وسيأتي .
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا﴾ أي: بعد الأكل من الشجرة ﴿لَشَوْبًا مِّنْ حِيمٍ﴾ الشَّوب
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٠٦/٤، ومعاني القرآن للفراء ٣٨٧/٢.
(٢) الصحاح (حمط)، والرجز فيه وفي معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٨٧، وتفسير الطبري ٥٥٤/١٩ دون نسبة.
وامرأة عَنْجَرِدٌ: خبيثة سية الخُلق. اللسان (عنجرد). والحَمَاط: شجر شبيهٌ بالتين أحبُّ شجر إلى
الحيَّات. القاموس (حمط).
(٣) الصحاح (عمج)، والبيت فيه دون نسبة، ونسبه الجاحظ في الحيوان ٤/ ١٣٣ لطرفة.
(٤) في معاني القرآن ٣٤/٦، وما قبله منه.
(٥) في الكشاف ٣٤٢/٣ .
(٦) في معاني القرآن ٣٥/٦ .

٤٥
سورة الصافات: الآيات ٦٧ - ٧٤
الخلط، والشَّوْب والشُّوب لغتان(١)، كالفَقْر والفُفْر، والفتح أشهر. قال الفراء (٢):
شابَ طعامَه وشرابَه إذا خلطهما بشيء، يشوبهما شَوْباً وشيابة. فأخبر أنه يُشاب لهم.
والحميم: الماءُ الحار، ليكونَ أشنع؛ قال الله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَّمَهُمْ﴾
[محمد: ١٥] .
السّدي: يُشاب لهم الحميم بغسّاق أعينهم وصديدٍ من قيحهم ودمائهم(٣). وقيل:
يُمزَج لهم الزقُّوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارةِ الزقُّوم وحرارةٍ الحميم؛ تغليظاً
لِعذابهم وتحديداً (٤) لبلائهم.
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قيل: إنَّ هذا يدلُّ على أنهم كانوا حين أكلوا الزقُوم
في عذابٍ في غيرِ النار، ثم يُرَدُّون إليها. وقال مقاتل: الحميم خارجُ الجحيم، فهم
يُوردون الحميم لِشُربه، ثم يُرَدُّون إلى الجحيم؛ لقوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمٌ أَلَّتِ يُكَذِّبُ
بِهَا الْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمٍ مَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٣-٤٤].
وقرأ ابن مسعود: ((ثُمَّ إِنَّ مُنْقَلَبَهُم لإلى الجحيم)»(٥) وقال أبو عبيدة: يجوز أن
تكون ((ثم)) بمعنى الواو. القشيري: ولعلَّ الحميمَ في موضع من جهنم على طَرَفٍ
منها.
وَلَقَدْ
(٤) فَهُمْ عَلَى مَاتَرِهِ يُهْرَعُونَ (٥)
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِيْنَ
ضَلَ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ٨ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنْذِرِينَ (٧) فَأَنْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآَةَ هُمْ ضَآلِينَ﴾ أي: صادفوهم كذلك فاقتَدَوا بهم ﴿فَهُمْ
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٠٧/٤، وقال: الشَّوب المصدر، والشُّوب الاسم.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٣٨٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٢٥/٣ .
(٣) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٥٥ عن ابن زید.
(٤) في النكت والعيون ٥/ ٥٢ (والكلام منه): وتشديداً.
(٥) تفسير الطبري ٥٥٦/١٩، والمحرر الوجيز ٤٧٦/٤، وتفسير البغوي ٢٩/٤.

٤٦
سورة الصافات: الآيات ٧٠ - ٨٢
عَلَى ءَاثَرِهِ يُهْرَعُونَ﴾ أي: يُسرعون؛ عن قتادة. وقال مجاهد: كهيئة الهرولة(١). قال
الفراء (٢): الإهراعُ الإسراعِ برِعْدة. وقال أبو عُبيدة (٣): ((يُهْرَعُونَ)) يُستحَثُّون من
خَلْفهم. ونحوه قول المبرّد. قال: المُهرَع المُستحثّ؛ يقال: جاء فلان يُهْرَع إلى النار
إذا استحثَّه البردُ إليها(٤). وقيل: يُزعَجون من شِدَّة الإسراع؛ قاله الفضل(٥).
الزجاج (٦): يقال: هُرِع وأُهْرِع، إذا استحثَّ وأزعج.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ﴾ أي: من الأُمم الماضية. ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنذِرِينَ﴾ أي: رُسُلاً أنذروهم العذاب فكفروا. ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْمُنذَرِينَ﴾ أي: آخر أمرِهم. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين استخلصهم اللهُ من
الكفر. وقد تقدَّم(٧). ثم قيل: هو استثناء من ((المُنْذَرِينَ)). وقيل: هو من قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ﴾ (٨).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَثَنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٢٥) وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِينَ (٨) سَلَمُ عَلَى نُوچ فِى
اُلْعَظِيمِ
اُلْعَلَمِينَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
اُلَخَرِینَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُوعُ﴾ من النداء الذي هو الاستغاثة؛ ودعا، قيل:
بمسألة هلاك قومه. فقال: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾(٩) [نوح: ٢٦].
(١) أخرجهما الطبري ١٩ / ٥٥٧ .
(٢) في معاني القرآن ٣٨٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٢٥/٣ .
(٣) في مجاز القرآن ٢/ ١٧١ .
(٤) إعراب القرآن ٤٢٥/٣ .
(٥) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣٦/٦ دون نسبة.
(٦) في معاني القرآن ٣٠٧/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٢٦/٣.
(٧) ٣١٨/١١ و٢١٢/١٢.
(٨) تفسير الرازي ١٤٥/٢٦.
(٩) تفسير الطبري ٥٥٩/١٩ .

٤٧
سورة الصافات: الآيات ٧٥ - ٨٢
﴿فَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال الكسائي: أي: فَلَنِعْمَ الِمُّجِيُبُونِاللّه كنَّا(١). ﴿فَنَجَّيْنَاهُ
وَأَهْلَه﴾ يعني أهلَ دِينه؛ وهم مَن آمن معه؛ وكانوا ثمانينَ على ما تقدَّم(٢). ﴿مِنَ
اَلْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وهو الغَرَق .
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيََّهُ هُ اَلْبَاقِينَ﴾ قال ابن عباس: لمَّا خرج نوحٌ من السفينة مات مَن معه
من الرجال والنساء إلا ولدَه ونساءه؛ فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾(٣). وقال
سعيد بن المسيَّب: كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلَّهم من ولد نوح: فسام أبو العرب
وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب:
السِّند والهند والنوب والزنج والحبشة والقِبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة
والترك والأبر(٤) والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك. وقال قوم: كان لغير ولد نوح
أيضاً نسل(٥)؛ بدليل قوله: ﴿ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ﴾ [الإسراء: ٣]. وقوله: ﴿قِيلَ
يَنُوحُ أَهِْطْ بِسَلٍَ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَى أُمَمٍ مِّمَّن ◌َّعَكَتْ وَأُمٌَّ سَنُمَتِعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] فعلى هذا معنى الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ دون ذرية مَن
كَفَر؛ فإنَّا أَغْرقنا أولئك.
قوله تعالى: ﴿وَرَكِنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ﴾ أي: تركنا عليه ثناءً حسناً في كل أمة، فإنه
مُحَبَّب إلى الجميع؛ حتى إنَّ في المجوس من يقول: إنه أفريدون(٦). رُوي معناه عن
مجاهد وغيره .
وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما: ﴿وَرَكِّنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِينَ﴾ يقال: ﴿سَلَهُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٦/٣.
(٢) ١١٧/١١.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥٣/٥، والبغوي في تفسيره ٤/ ٣٠.
(٤) كذا في النسخ: الأبر، ولم نقف على من ذكر أُمة بهذا الاسم من أبناء يافث. وقول سعيد بن المسيَّب
هذا ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٠ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٧٧/٤ بمعناه، وقال ابن عطية: والأول أشهر عند علماء الأمة.
(٦) نسبه الطبري في تاريخه ٢١١/١ لبعض نسابي الفرس.

٤٨
سورة الصافات: الآيات ٧٨ - ٨٢
عَلَى نُوج﴾ أي: تركنا عليه هذا الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس المبرّد(١). أي:
ترکنا عليه هذه الكلمة باقية؛ يعني: يُسلِّمون علیه تسليماً ويدعون له؛ وهو من الكلام
المَحْكي؛ كقوله تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا﴾ [النور: ١](٢) .
والقول الآخر: أن يكون المعنى: وأَبقينا عليه؛ وتمَّ الكلام، ثم ابتدأ فقال:
(سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ)) أي: سلامة له من أن يُذكر بسوء ((في الآخِرِين)). قال الكسائي: وفي
قراءة ابن مسعود: ((سلاماً)) منصوب بـ ((تركنا)) أي: تركنا عليه ثناءً حسناً سلاماً(٣) .
وقيل: ((فِي الآخِرِينَ)) أي: في أمة محمد ﴾(٤). وقيل: في الأنبياء إذْ لم يُبعث
بعده نبيٌّ إلا أُمر بالاقتداء به؛ قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾
[الشورى: ١٣] .
وقال سعيد بن المسيَّب: وبلغني أنه مَن قال حين يُمسي: ﴿سَلَمُ عَلَى نُوچ فِى
الْعَلَمِينَ﴾ لم تَلْدغه عقرب. ذكره أبو عمر في ((التمهيد)»(٥). وفي «الموطأ)»: عن خولة
بنت حكيم أن رسولَ الله ﴿ قال: ((مَنْ نزلَ مَنزِلاً فليقل: أعوذُ بكلمات الله التامَّاتِ
مِن شرِّ ما خَلَقَ، فإنه لن يضرَّه شيء حتى يَرتَحِلَ))(٦). وفيه: عن أبي هريرة أن رجلاً
مِن أَسلم قال: ما نمتُ هذه الليلة؛ فقال رسول الله﴾: ((مِن أيّ شيء)) فقال: لَدغتني
عقرب؛ فقال رسولُ اللـه ﴾: ((أَمَا إنَّك لو قلتَ حين أَمسيتَ: أعوذُ بكلماتِ اللـه
التامّات من شرِّ ما خَلَق لم تضرَّك))(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٢٧ .
(٢) يعني كقولك: قرأت: ((سورةٌ أنزلناها)). الكشاف ٣٤٣/٣، والدر المصون ٣١٧/٩.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/٣، وقراءة ابن مسعود ﴾ ذكرها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز
٤/ ٤٧٧ .
(٤) مجمع البيان ٢٣/ ٦٥ .
(٥) ٢٤١/٢١.
(٦) الموطأ ٩٧٨/٢، وأخرجه أحمد (٢٧١٢٢)، ومسلم (٢٧٠٨).
(٧) الموطأ ٩٥١/٢، وأخرجه أحمد (٨٨٨٠)، ومسلم (٢٧٠٩).

٤٩
سورة الصافات: الآيات ٨٠ - ٩٠
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: نُبقي عليهم الثَّناء الحسن. والكاف
في موضع نصب؛ أي: جزاء كذلك. ﴿إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا بيانُ إحسانه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ أي: مَن كَفر. وجمعه آخر(١). والأصلُ فيه أن
يكون معه ((مِن)) إلا أنها حُذفت؛ لأن المعنى معروف، ولا يكون آخر إلا وقبلَه شيء
من جِنسه. و((ثمّ)) ليس للتراخي هاهنا، بل هو لتعديد النِّعم؛ كقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا
مَنَْكِ ثُنَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البلد: ١٦-١٧] أي: ثم أُخبركم أني قد أغرقتُ الآخرين،
وهم الذين تأخّروا عن الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيَعَيْهِ، لَإِتَهِيمَ (٨٧) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ إِذْ قَالَ
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥ أَبِفِكا ءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿﴿ فَمَا ◌َنُّكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
فَظَرَ نَظَرَةً فِ النُّجُومِ ﴿٨ فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ ﴿َ﴾ فَنَوَلَّوْ عَنْهُ مُدْبِينَ (٥)
A
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَيْهِ، لَّإِتَهِيمَ﴾ قال ابن عباس: أي: من أهل دينه. وقال
مجاهد: أي: على مِنهاجه وسُنَّته(٢). قال الأصمعي: الشّيعة الأعوان، وهو مأخوذٌ
من الشِّياعِ، وهو الحَطَبُ الصِّغار الذي يُوقَد مع الكبار حتى يستوقد. وقال الكلبي
والفراء(٣): المعنى: وإنَّ من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء في ((شيعته)) على هذا
لمحمد عليه الصلاة والسلام(٤). وعلى الأوّل لنوح، وهو أظهرُ؛ لأنه هو المذكور
أوَّلاً، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيَّان: هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم
ألفان وستُّ مئة وأربعون سنة؛ حكاه الزمخشري(٥).
قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَُّ بِقَْدٍ سَلِيمٍ﴾ أي: مُخلص من الشِّرك والشَّك. وقال
(١) كذا في النسخ، والصواب: الآخَرين جمع آخَر. والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/٣ .
(٢) أخرجهما الطبري ١٩/ ٥٦٤ .
(٣) في معاني القرآن ٣٨٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٥٤/٥، وما
قبله منه.
(٤) قال الشوكاني في فتح القدير ٤٠١/٤: ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق.
(٥) في الكشاف ٣/ ٣٤٤.

٥٠
سورة الصافات: الآيات ٨٤ - ٩٠
عوف الأعرابي: سألتُ محمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ فقال: الناصحُ لله عز
وجل في خلقه(١) .
وذكر الطبري عن غالب القطّان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين أنه كان
يقول للحجَّاج: مسكين أبو محمد، إن عذَّبه الله فبذنبه، وإنْ غَفَرَ له فهنيئاً له، وإن
كان قلبه سليماً فقد أصاب الذنوبَ من هو خير منه. قال عوف: فقلتُ لمحمد: ما
القلب السليم؟ قال: أن يعلمَ أن الله حقٌّ، وأن الساعةَ قائمة، وأن الله يبعثُ مَن في
القبور(٢). وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول لنا: يا بَنيّ، لا تكونوا لَغَّانِين، ألم
تَرَوْا إلى إبراهيم لم يلعن شيئاً قطّ، فقال تعالى: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَُّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(٣).
ويَحتمِل مجيئه إلى ربِّه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني:
عند إلقائه في النار (٤).
﴿إِذْ قَالَ لِأَيْهِ﴾ وهو آزر، وقد مضى الكلام فيه(٥). ﴿وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ تكون
((ما)) في موضع رفع بالابتداء و((ذا)) خبره. ويجوز أن تكون ((ما)) و((ذا)) في موضع
نصب بـ (تعبدون)). ﴿أَبِفْكًا﴾ نصب على المفعول به؛ بمعنى: أَتُريدون إِفْكاً. قال
المبرّد: والإفك أسوأُ الكذب، وهو الذي لا يثبتُ ويضطرب، ومنه ائتفكّتْ بهم
الأرض. ﴿وَالِهَةٌ﴾ بدل من إفك (٦).
﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أي: تعبدون. ويجوز أن يكون حالاً بمعنى: أَتريدون آلهةً من
دون الله آفكين (٧). ﴿فَمَا ◌َنُّكُ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: ما ظنُّكم به إذا لَقِيتموه وقد عَبَذْتم
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/٣ .
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩٠/١٢.
(٣) أخرجه الطبري ٥٦٥/١٩ .
(٤) النكت والعيون ٥٥/٥ .
(٥) ٤٣٢/٨ وما بعدها.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٣ .
(٧) الكشاف ٣/ ٣٤٤ .

٥١
سورة الصافات: الآيات ٨٧ - ٩٠
غيرَهُ(١)؟ فهو تحذير، مثل قوله: ﴿مَا غَرِّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] وقيل: المعنى:
أي شيء توهَّمتموه(٢) حتى أشركتُم به غيره؟.
قوله تعالى: ﴿فَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ فَقَالَ إِّ سَقِيمٌ﴾ قال ابن زيد عن أبيه: أُرسل
إليه مَلِكُهم: إنَّ غداً عيدُنا فاخرُج معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إنَّ هذا يطلُع مع
سقمي(٣).
وكان علمُ النجوم مستعملاً عندهم منظوراً فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة،
وأَراهم من مُعتقدهم عُذراً لنفسه؛ وذلك أنهم كانوا أهلَ رِعاية وفلاحة، وهاتان
المعيشتان يُحتاج فيهما إلى نظرٍ في النجوم(٤) .
وقال ابن عباس: كان علمُ النجوم من النبوّة، فلما حَبَسَ الله تعالى الشمسَ على
يوشع بن نون أَبطل ذلك، فكان نظرُ إبراهيم فيها علماً نبويّاً. وحكى جُوَيبر عن
الضحاك: كان عِلمُ النجوم باقياً إلى زمن عيسى عليه السلام، حتى دخلوا عليه في
موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم: من أين عَلِمتم بموضعه؟ قالوا: من
النجوم. فدعا ربَّه عند ذلك فقال: اللهم لا تُفهمهم في عِلْمها، فلا يعلم علمَ النجوم
أحدٌ؛ فصار حكمها في الشَّرع محظوراً، وعِلْمها في الناس مجهولاً .
قال الكلبي: وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لها: هرمزجرد، وكانوا
ينظرون في النجوم(٥). فهذا قول .
وقال الحسن: المعنى: أنهم لما كلَّفوه الخُروجَ معهم تفكّر فيما يعمل. فالمعنى
على هذا: أنه نظرَ فيما نَجَمَ له من الرأي، أي: فيما طَلَع له منه، فعلم أن كلَّ حيٍّ
(١) تفسير الطبري ١٩/ ٥٦٦ .
(٢) في (خ) و(ظ): توهموه، وفي (م): أوهمتموه، والمثبت من (د) و(ز) و(ف).
(٣) أخرجه الطبري ١٩ / ٥٦٧ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٧٨/٤ .
(٥) قول ابن عباس رضي الله عنهما وقول الضحاك وقول الكلبي في النكت والعيون ٥٥/٥ - ٥٦ .

٥٢
سورة الصافات: الآيات ٨٩ - ٩٠
يَسْقَم فقال: ((إِنِّي سَقِيم))(١).
الخليل والمبرّد: يقال للرجل إذا فكّر في الشيء يدبِّرِه: نظرَ في النجوم. وقيل:
كانت الساعةُ التي دَعَوْه إلى الخروج معهم فيها ساعةً تغشاه فها الحُمَّى. وقيل:
المعنى: فنظر فيما نَجَمَ من الأشياء، فعلم أنَّ لها خالقاً ومُدبِّراً، وأنه يتغير كتغيرها
فقال: ((إِنِّي سَقِيمٌ)) (٢). وقال الضحاك: معنى ((سَقِيمٌ)): سَأَسْقَم سَقَم الموت؛ لأنَّ من
كُتب عليه الموت يَسْقَم في الغالب، ثم يموت، وهذا توريةٌ وتعريضٌ(٣)؛ كما قال
للمَلِك لما سأله عن سارَّة: هي أختي؛ يعني أُخوَّةَ الدين(٤). وقال ابن عباس وابن
جُبير والضحاك أيضاً: أشار لهم إلى مرضٍ وسَقَّمٍ يُعدي كالطاعون، وكانو يهربون من
الطاعون(٥)، فلذلك ((تَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ)) أي: فارّين منه خوفاً من العَدْوى .
وروى الترمذيّ الحكيم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن
أسباط، عن السّديّ، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن سَمُرةً عن
الهَمْداني، عن ابن مسعود قال: قال أبو إبراهيم: إنَّ لنا عيداً، لو خرجتَ معنا
لأَعجبكَ دِينُنا. فلما كان يومُ العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق
ألقى بنفسه، وقال: إني سقيمٌ أشتكى رجلي، فوطئوا رِجْلَه وهو صريعٌ، فلما مضَوا
نادى في آخرهم: ﴿وَتَلَِّ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُ﴾. قال أبو عبد الله: وهذا ليس بمعارِضٍ
لما قال ابن عباس وابن جُبير؛ لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران.
قلت: وفي الصحيح عن النبي #: «لم يكذبْ إبراهيمُ النبيُّ عليه السلام إلا
ثلاثَ كَذَبات)) الحديث. وقد مضى في سورة ((الأنبياء)»(٦). وهو يدلُّ على أنه لم يكن
(١) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٠ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٣ بنحوه.
(٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١) من حديث أبي هريرة ﴾ وأوله: ((لم
يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات .. )) وسلف ١٤/ ٢٢٢ .
(٥) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٦٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك بنحوه.
(٦) ١٤ / ٢٢٢، وينظر التعليق قبل السابق.

٥٣
سورة الصافات: الآيات ٩٠ - ٩٦
سقيماً، وإنما عَرَّضَ لهم. وقد قال جلّ وعزّ: ﴿إِنَّكَ مَّيِّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
فالمعنى: إني سقيمٌ فيما أستقبل، فتوهَّموا هم أنه سقيمٌ الساعة. وهذا من مَعاريض
الكلام على ما ذكرنا (١)، ومنه المثل السائر: ((كَفَى بالسلامة داءً))(٢)، وقول لَبید:
فدعوتُ ربِّي بالسَّلامةِ جاهِداً لِيُصحّنِي فإِذا السَّلامَةُ داءُ(٣)
وقد مات رجلٌ فجأة فالتفَّ عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابي:
أصحيح مَنِ الموت في عنقه (٤)؟ .
فإبراهيمُ صادق، لكن لما كان الأنبياءُ لِقُرب محلّهم واصطفائهم عُدَّ هذا ذنباً؛
ولهذا قال: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَقِ يَوْمَ الذِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وقد مضَى هذا
كلُّه مبيّناً، والحمد لله .
وقيل: أراد: سقيم النفس لِكُفرهم(٥).
والنجوم يكون جمع نَجْم، ويكون واحداً مصدراً (٦).
فَاغَ
٩٢
قوله تعالى: ﴿فَرَغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿ مَا لَكُمْ لَا نَنطِقُونَ
عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِالْيَمِينِ
٩٣
فَأَقْبَلُوَاْ إِلَيْهِ یَزِقُونَ
٩٤
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ
وَاللَّهُ
٩٦
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ﴾ قال السّدي: ذهبَ إليهم. وقال أبو مالك: جاء
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٣.
(٢) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٤٠٩) من حديث أنس ﴾
(٣) لم نقف عليه في ديوان لبيد، وقد نسبه له الزمخشري في الكشاف (والكلام منه) ٣/ ٣٤٤، ونسبه
القيرواني في زهر الآداب ٢٢٣/١ لعمرو بن قميئة، ونسبه البغدادي في الخزانة ٢/ ٢١٧ لبعض شعراء
الجاهلية.
(٤) الكشاف ٣/ ٣٤٤ .
(٥) المصدر السابق.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٣.

٥٤
سورة الصافات: الآيات ٩١ - ٩٦
إليهم. وقال قتادة: مال إليهم. وقال الكلبي: أقبل عليهم. وقيل: عَدَل(١). والمعنى
مُتقارب. فراغ يَرُوغ رَوْغاً ورَوَغاناً، إذا مال. وطريقٌ رائغ، أي: مائل(٢). وقال
الشاعر :
ويُرِيكَ مِن طَرَفِ اللسانِ حَلاوةً ويَروغ عنك كما يَرُوغ الثعلبُ(٣)
فقال: ﴿أَلَا تَأْكُونَ﴾ فخاطَبها كما يُخاطب مَن يعقِل؛ لأنهم أنزلوها بتلك
المنزلة. وكذا ﴿مَا لَكُنْ لَا نَطِقُونَ﴾(٤) .
قيل: كان بين يدي الأصنام طعامٌ تركوه ليأكلوه إذا رجَعوا من العيد، وإنما تركوه
لِتُصيبه بركةُ أصنامهم بزعمهم(٥). وقيل: تركوه لِلسَّدَنة. وقيل: قرَّب هو إليها طعاماً
على جهة الاستهزاء؛ فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا نَطِقُونَ﴾(٦).
﴿فَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِالْيَمِينِ﴾ خصَّ الضَّرب باليمين لأنها أقوى والضربُ بها أشدُّ؛
قاله الضحاك والربيع بن أنس. وقيل: المراد باليمين اليمين التي حَلَفها حين قال:
﴿وَثَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُمْ﴾(٧) .
وقال الفراء وثعلب: ضرباً بالقوة، واليمين القوة (٨).
وقيل: بالعَدْل، واليمين هاهنا العَدْل. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِآلْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٥] أي: بالعَدْل، فالعَدْل لليمين؛ والجَوْر للشمال. ألا
(١) هذه الأقوال في معاني القرآن للنحاس ٤٢/٦ - ٤٣، والنكت والعيون ٥٧/٥، وقولا السدي وقتادة
أخرجهما الطبري ١٩/ ٥٧٠ .
(٢) الصحاح (روغ).
(٣) لم نهتد إلى قائله.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٩/٣ .
(٥) النكت والعيون ٥٧/٥ .
(٦) تفسير الطبري ١٩/ ٥٧٠ - ٥٧١ بنحوه.
(٧) النكت والعيون ٥٧/٥، ومجمع البيان ٦٩/٢٣.
(٨) قول الفراء في زاد المسير ٦٩/٧، وقول ثعلب في النكت والعيون ٥٧/٥ .

٥٥
سورة الصافات: الآيات ٩٣ - ٩٦
ترى أن العدوَّ عن الشمال، والمعاصي عن الشمال، والطاعة عن اليمين؛ ولذلك
قال: ﴿إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي: من قِبل الطاعة. فاليمينُ هو
موضع العَدْل من المسلم، والشّمال موضع الجَوْر. ألا ترى أنه بايع اللهَ بيمينه يومَ
الميثاق، فالبيعةُ باليمين؛ فلذلك يُعطَى كتابَه غداً بيمينه؛ لأنه وفَّى بالبيعة، ويُعطَى
الناكثُ للبيعة الهاربُ برقبته من الله بشماله؛ لأنَّ الجَوْرَ هناك. فقوله: ﴿فَزَاغَ عَيْهِمْ ضَرْبَا
يآلْيَمِينِ﴾ أي: بذلك العَدْل الذي كان بايعَ اللهَ عليه يومَ الميثاق، ثم وفّی له هاهنا.
فجعل تلك الأوثان جُذاذاً، أي: فُتاتاً كالجَذِيدة، وهي السَّوِيق، وليس من قَبيل
القوة؛ قاله الترمذي الحكيم .
﴿فَقْبَلُواْ إِلَّهِ يَزِفُونَ﴾ قرأ حمزة: ((يُزِقُّونَ)) بضم الياء. الباقون بفتحها(١). أي:
يُسرعون؛ قاله ابن زيد(٢). قتادة والسُّدي: يَمشون(٣). وقيل: المعنى: يمشون
بجمعهم على مَهَل آمنين أن يُصيب أحدٌ آلهتَهم بسوء. وقيل: المعنى: يتسلَّلون تسلُّلاً
بين المَشْي والعَذْو؛ ومنه زَفِيف النَّعامة. وقال الضحاك: يسعَوْن. وحكى يحيى بن
سلَّام: يُرْعَدون غَضَباً. وقيل: يختالون، وهو مشيُ الخُيَلاء؛ قاله مجاهد. ومنه أُخِذَ
زِفاف العروس إلى زوجها (٤). وقال الفرزدق:
وجاء قَرِيعُ الشَّولِ قبلَ إِفَالِها يَزِفُّ وجاءتْ خَلْفَه وهي زُفَّفُ(٥)
ومن قرأ: ((يُزِقُّون)) فمعناه: يُزِقُّون غيرهم، أي: يَحملونهم على التزفيف. وعلى
هذا فالمفعول محذوف. قال الأصمعي: أزففت الإبل، أي: حملتُها على أن تَزِفَّ (٦).
وقيل: هما لغتان، يقال: زَفَّ القوم وأزقُوا .
(١) السبعة ص ٥٤٨، والتيسير ص ١٨٦ .
(٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٦٩/٢٣ .
(٣) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٧٤ عن السدي، وذكره النحاس في معاني القرآن ٤٤/٦ عن قتادة.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٥٧ .
(٥) ديوان الفرزدق ص٢٧، وفيه: وراحت، بدل: وجاءت.
(٦) الحجة لأبي علي الفارسي ٥٧/٦، والكشف عن وجوه القراءات ٢٢٥/٢ .

٥٦
سورة الصافات: الآيات ٩٤ - ٩٦
وزفَفتُ العروسَ وأَزففتها وازدففتها بمعنَى، والمِزفّة: المِحَفّة التي تُزَفُّ فيها
العروس؛ حُكي ذلك عن الخليل(١).
النحاس(٢): ((يُزِقُّون)) بضم الياء. زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة، وقد
عَرَفَها جماعةٌ من العلماء منهم الفراء (٣) وشبَّهها بقولهم: أطردتُ الرجل، أي: صيَّرته
إلى ذلك. وطردته نَخَيته؛ وأنشد هو وغيره:
تَمِنَّى حُصينٌ أن يَسودَ جِذَاعَهُ فأمسى حُصينٌ قد أَذَلَّ وأَقْهَرا(٤)
أي: صُیِّر إلی ذلك؛ فكذلك ((یُزِقُون)) يَصیرون على الزفيف. قال محمد بن یزید:
الزفيف الإسراع. وقال أبو إسحاق(٥): الزفيفُ أول عَدْو النَّعام. وقال أبو حاتم:
وزعم الكسائي أن قوماً قرؤوا: ((فَأَقْبَلُوا إليه يَزِفُونَ»(٦) خفيفة؛ من وَزَف يَزِف، مثل:
وَزَن يَزْن .
قال النحاس (٧): فهذه حكايةُ أبي حاتم، وأبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئاً.
وروى الفراء (٨) - وهو صاحبُ الكسائي - عن الكسائي أنه لا يعرف «يَزِفُون)) مخفَّفة.
(١) الصحاح (زفف).
(٢) في إعراب القرآن ٤٢٩/٣ .
(٣) في معاني القرآن ٣٨٩/٢.
(٤) البيت للمخبَّل السعدي يهجو به الزِّبرقان بن بدر - وهو حصين المذكور في البيت - وهو في أدب
الكاتب ص٤٤٧، والخزانة ١٠١/٨ . والجِذاع: هم رهط حُصين. وهذه رواية الأصمعي للبيت
ويروى: أُذِلَّ وأُقهِرا، بالبناء للمجول. ينظر الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ٢٨٠/٣ .
(٥) هو الزجاج، وقوله في معاني القرآن ٣٠٩/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن
٤٢٩/٣، وما قبله وما بعده منه.
(٦) قرأ بها عبد الله بن يزيد كما سيأتي عند المصنف، وذكرها ابن جني في المحتسب ٢٢١/٢، وزاد أبو
حيان في البحر ٣٦٦/٧ نسبتها لمجاهد والضحاك ويحيى بن عبد الرحمن المقرئ وابن أبي عبلة.
(٧) في إعراب القرآن ٤٢٩/٣ .
(٨) في معاني القرآن ٣٨٩/٢ .

٥٧
سورة الصافات: الآيات ٩٤ - ٩٦
قال الفراء: وأنا لا أعرفُها. قال أبو إسحاق(١): وقد عَرَفَها غيرهما [أنه يقال] وَزَف
يَزِف إذا أسرعَ. قال النحاس: ولا نعلم أحداً قرأ: ((يَزِفُون)).
قلت: هي قراءةُ عبد الله بن يزيد فيما ذكر المهدوي .
الزمخشري(٢): و((يُزَقُّون)) على البناء للمفعول. و((يَزْفُونَ)) من زَفَاه إذا حَدَاه؛ كأنَّ
بعضَهم يزفو بعضاً لِتسارعهم إليه .
وذكر الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السَّمَيْفع: ((يَرفون)) بالراء [من] رفيف
النعام، وهو ركضٌ بين المَشْي والطيران.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ فيه حذف؛ أي: قالوا: مَن فَعل هذا بآلهتنا؟
فقال مُحتجّاً: ((أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتِونَ)) أي: أَتعبدون أصناماً أنتم تَنْحِتونها بأيديكم
تَنْجُرُونها. والنَّحْت: النَّجْر والبَرْي؛ نَحَتِه يَنْحِتُه - بالكسر - نحتاً، أي: بَراه. والنُّحَاتَةُ
البُرَاية، والمِنْحَت: ما يُنْحَتُ به(٣) .
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ((ما)) في موضع نصب، أي: وخلق ما تعملونه من
الأصنام(٤)، يعني الخشب والحجارة وغيرهما كقوله ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُرُ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الَّذِى فَطَرَهُنَ﴾ [الأنبياء:
وقيل: إن ((ما)) استفهام، ومعناه: التحقير لِعملهم. وقيل: هي نَفْي، والمعنى:
وما تعملون ذلك، لكنَّ اللهَ خالقُه. والأحسنُ أن تكون ((ما)) مع الفعل مصدراً،
والتقديرُ: والله خَلَقَكم وعملكم(٥).
وهذا مذهبُ أهل السنة: أنَّ الأفعالَ خلقٌ لله عز وجل واكتسابٌ للعباد. وفي هذا إبطالُ
(١) هو الزجاج، وقوله في معاني القرآن ٣٠٩/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن
٤٢٩/٣ - ٤٣٠، وما بين حاصرتين الآتي منه.
(٢) في الكشاف ٣٤٥/٣ .
(٣) الصحاح (نحت).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٣٠
(٥) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٥ - ٤٦ .

٥٨
سورة الصافات: الآيات ٩٦ - ٩٨
مذاهب القَدَرية والجَبْرية. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﴾ قال: ((إنَّ الله خالقُ كلِّ صانع
وصَنْعته)) ذكره الثعلبي. وخرَّجه البيهقي من حديث حُذَيفة قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾:
((إنَّ اللهَ عزّ وجلّ صنعَ كلَّ صانع وصَنْعتَه))(١) فهو الخالقُ، وهو الصانع سبحانه، وقد
بيَّاهما في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٢).
﴿ فَرَادُواْ بِهِ، كَيْدَاً لَعَلْنَهُمُ
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَبُواْ لَهُ بُلَيْنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ
اُلْأَسْفَلِینَ
٩٨
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ابُواْ لَهُمْ بُيَنًا﴾ أي: تشاوروا في أمره لمَّا غَلَبهم بالحُجَّة حَسَبَ
ما تقدَّم في ((الأنبياء)) بيانه(٣). فـ ﴿قَالُوا أَبْنُواْ لَهُ بُلَيْئً﴾ تملؤونه حَطَباً فَتُضْرِمونه، ثم أَلقوه
فيه، وهو الجحيم. قال ابن عباس: بَنَوْا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون
ذراعاً، ومَلَؤوه ناراً وطرحوه فيها (٤). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فلما صار
في البُنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل(٥). والألف واللام في ((الجحيم)) تدلُّ على
الكناية؛ أي: في جحيمه؛ أي: في جحيم ذلك البُنيان(٦) .
وذكر الطبري(٧): أنَّ قائلَ ذلك اسمه الهيزن(٨)، رجلٌ من أعراب فارس، وهو
(١) الأسماء والصفات للبيهقي (٣٧)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ٢٥.
(٢) ص٣٣٤ و٣٤٤ .
(٣) ٢٢٦/١٤.
(٤) ذكره الرازي في تفسيره ٢٦/ ١٥٠، والطبرسي في مجمع البيان ٢٣/ ٧٠.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٠/٣.
(٦) تفسير الرازي ٢٦/ ١٥٠.
(٧) في تفسيره ١٦/ ٣٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة السهيلي في التعريف والإعلام ص ١٤٦، وقد
أخرجه الطبري عن ابن عمر رضي الله عنهما ومجاهد وابن جريج. وسلف ٢٢٦/١٤ .
(٨) اضطرب رسمها في النسخ، والمثبت من (م)، وتفسير الطبري والتعريف والإعلام. وقال أبو حيان في
البحر ٣٢٨/٦: وذكروا لهذا القائل اسماً مختلفاً فيه لا يوقف منه على حقيقة لكونه ليس مضبوطاً
بالشكل والنقط، وهكذا تقع أسماء كثيرة أعجمية في التفاسير لا يمكن الوقوف منها على حقيقة لفظ
لعدم الشكل والنقط.

٥٩
سورة الصافات: الآيات ٩٨ - ١٠١
التُّرك(١)، وهو الذي جاء فيه الحديث: ((بينما رجلٌ يمشي في حُلّة له يَتبخترُ فيها
فَخُسِفَ به، فهو يَتجلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة))(٢). والله أعلم.
﴿ فَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا﴾ أي: بإبراهيم. والكَيْدِ المَكْر؛ أي: احتالوا لإهلاكه ﴿فَعَلْنَهُمُ
الْأَسْفَلِينَ﴾ المقهورين المغلوبين إذْ نَفَذَتْ حُجَّته من حيث لم يُمكنهم دَفْعها، ولم يَنفُذْ
فیہ مکرُهم ولا کیدُهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِی سیهْدِنِ
رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِحِينَ
٩٩
١١٠١
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
فيه مسألتان:
الأولى: هذه الآيةُ أصلٌ في الهجرة والعزلة، وأوَّل مَن فَعَلَ ذلك إبراهيمُ عليه
السلام، وذلك حين خلَّصه الله من النار قال: ((إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى رَبِّي)) أي: مُهاجر من
بلدٍ قومي ومولدي إلى حيث أَتمكّن من عبادة ربي، فإنه (سَيَهْدينٍ)) فيما نويتُ إلى
الصواب. قال مقاتل: هو أوُلَ مَن هاجر من الخَلْق مع لوط وسارَّة إلى الأرض
المقدَّسة، وهي أرضُ الشام. وقيل: ذاهبٌ بعملي وعبادتي، وقلبي ونيَّتي(٣). فعلى
هذا ذهابُه بالعمل لا بالبدن. وقد مضى بيانُ هذا في ((الكهف)) مستوفىّ (٤). وعلى
الأوّل بالمهاجرة إلى الشام وبيت المَقْدس. وقيل: خرج إلى حرَّان، فأقام بها مُدَّة. ثم
قيل: قال ذلك لمن فارقه من قومه؛ فيكون ذلك توبيخاً لهم. وقيل: قاله لمن هاجر
معه من أهله؛ فيكون ذلك منه ترغيباً .
وقيل: قال هذا قبلَ إلقائه في النار. وفيه على هذا القول تأويلان: أحدهما: إني
ذاهبٌ إلى ما قضاه عليَّ ربي. الثاني: إني ميِّت؛ كما يقال لمن مات: قد ذهب إلى
(١) كذا في النسخ والتعريف والإعلام: الترك، وفي المصادر: الكرد، وهو الصواب.
(٢) أخرجه أحمد (٩٣٤٦)، ومسلم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) النكت والعيون ٥٩/٥ .
(٤) ٢١٦/١٣ وما بعدها.

٦٠
سورة الصافات: الآيات ٩٩ - ١٠١
الله تعالى؛ لأنه عليه السلام تصوَّر أنه يموت بإلقائه في النار، على المعهود من حالها
في تَلَفِ ما يُلقى فيها، إلى أن قيل لها: ﴿كُونِ بَدًا وَسَلَمًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] فحينئذ سَلِمَ
إبراهيمُ منها .
وفي قوله: (سَيَهْدِينِ)) على هذا القول تأويلان: أحدُهما: (سَيَهْدِينِ)) إلى
الخلاص منها. الثاني: إلى الجنة(١).
وقال سليمان بن صُرَد - وهو ممن أدركَ النبيَّ# -: لما أرادوا إلقاءَ إبراهيم في
النار جعلوا يجمعون له الحَطَب؛ فجعلت المرأةُ العجوز تحملُ على ظهرها وتقول:
أذهبُ به إلى هذا الذي يذكُر آلهتنا؛ فلما ذُهب به لِيُطرح في النار ((قال إِنِّي ذَاهِبٌ إلى
رَبِّي))، فلما طُرح في النار قال: ((حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيل)) فقال الله تعالى: ﴿يَنَارُ
كُنِي بَدًا وَسَلَمًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] فقال أبو لوط - وكان ابنَ عمِّه - : إنَّ النارَ لم تحرِقْه من
أجل قَرابته مني. فأرسل اللهُ عُنقاً من النار فأَحرقه(٢).
الثانية: قول تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَ﴾ لما عرَّفه اللهُ أنه مُخَلِّصه دعا الله
لِيعضُدَه بولدٍ يأنَسُ به في غُرْبته. وقد مضى في ((آل عمران)» القولُ في هذا(٣). وفي
الكلام حذفٌ؛ أي: هَبْ لي ولداً صالحاً من الصالحين، وحذفُ مثل هذا كثيرٌ .
قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ أي: إنه يكون حليماً في كِبَره(٤)، فكأنه
بُشِّر ببقاء ذلك الولد؛ لأنّ الصغيرَ لا يُوصف بذلك، فكانت البُشرى على ألسنة
الملائكةِ كما تقدَّم في ((هود))(٥). ويأتي أيضاً في ((الذاريات))(٦).
(١) هذه الأقوال في النكت والعيون ٥٩/٥ - ٦٠ ,
(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٣٢٢/٤، والطبري ٥٧٧/١٩، وفيه: فقال ابن لوط، أو
ابن أخي لوط.
(٣) ١١٠/٥.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٣٠.
(٥) ١٥٧/١١ .
(٦) في تفسير الآية (٢٨).