النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة فاطر: الآيتان ٤٤ - ٤٥ التواتُر بما حلَّ بهم، أفليس فيه عبرةٌ وبيانٌ لهم، ليسوا خيراً من أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى، دليلُه قولُه: ﴿وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَمْءٍ فِ الشَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: إذا أراد إنزالَ عذابٍ بقومٍ لم يُعجِزْه ذلك. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ﴾ يعني من الذنوب ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَةٍ﴾ قال ابن مسعود: يريد جميعَ الحيوانِ ممَّا دَبَّ ودَرَج. قال قتادةُ: وقد فُعل ذلك زَمنَ نوح عليه السلامُ. وقال الكلبيُّ: ﴿مِن دَآبَّةٍ﴾ يريد الجنَّ والإنسَ دونَ غيرِهما؛ لأنَّهما مُكَلَّفان بالعقل(١). وقال ابن جُريج(٢) والأخفشُ والحسين بنُ الفضل: أراد بالدابَّة هنا الناسَ وحدَهم دونَ غيرِهم. قلت: والأوّلُ أَظْهَرُ، لأنَّه عن صحابيٍّ كبير. قال ابن مسعود: كاد الجُعَلُ أن يُعذَّب في ◌ُحره بذنبِ ابنِ آدم(٣). وقال يحيى بنُ أبي كثير: أمَر رجلٌ بالمعروف ونَھی عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك؛ فإنَّ الظالم لا يَضُرُّ إلا نَفْسَه. فقال أبو هريرة: كذبتَ؟ والله الذي لا إلهَ إلاَّ هو، ثم قال: والذي نفسي بيده إنَّ الحُبَارَى (١) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٤٧٩/٤، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٩/ ٣٩٧. (٢) ذكره عن ابن جريج الماوردي في النكت والعيون ٤٧٩/٤، ووقع في (م) بدلاً منه: ابن جرير، وهو تصحيف. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠١/١٣، والحاكم ٤٢٨/٢ وصححه. والجُعَل: حيوان كالخنفساء يكثر في المواضع الندية. المعجم الوسيط (جعل). : ٤٠٢ سورة فاطر: الآية ٤٥ لَتَمَوتُ هَزْلاً في وَكْرِها بظلم الظالم(١). وقال الثُّماليُّ ويحيى بنُ سلام في هذه الآية: يحبسُ الله المطرَ، فيهلك كلّ شيء(٢). وقد مضى في ((البقرة)) (٣) نحوُ هذا عن عكرمةَ ومجاهدٍ في تفسير ﴿وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ﴾ [الآية: ١٥٩]: هم الحشراتُ والبهائم يصيبهم الجَدْبُ بذنوبِ علماءِ السوءِ الكاتمين فيلعنونهم. وذكرنا هناك حديثَ البَرَاء بن عازب قال: قال رسول الله ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ﴾ قال: ((دوابُ الأرضِ)). ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّىٌ﴾ قال مقاتل: الأجلُ المسمَّى هو ما وَعَدَهم في اللَّوح المحفوظ. وقال يحيى: هو يومُ القيامة(٤). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ﴾ أي: بمَن يستحقُّ العقابَ منهم ﴿بَصِيرًا﴾. ولا يجوزُ أن يكون العاملُ في ((إذا)) ((بصيراً)) كما لا يجوز: اليومَ إنَّ زيداً خارجٌ. ولكن العامل فيها ((جاء)»؛ لشَبَهها بحروفِ المُجازاة(٥)، والأسماءُ التي يُجازَى بها يَعملُ فيها ما بعدَها. وسيبويه لا يرى المجازاةَ بـ((إذا)) إلَّا في الشعر، كما قال: خُطانا إلى أعدائنا فنُضَارِبٍ(٦) إذا قَصُرتْ أسيافُنا كان وَضْلُها ختمت سورة ((فاطر)) والحمد لله (١) أخرجه بنحوه الطبري ١٤/ ٢٦٠، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٦٩). والحبارى: طائر طويل العنق رمادي اللون على شكل الإوزة، الذكر والأنثى والجمع فيه سواء. المعجم الوسيط (حبر). (٢) ذكره بنحوه عن يحيى بن سلام الماوردي في النكت والعيون ٤٧٩/٤ . والثُّمالي: هو أبو حمزة ثابت ابن أبي صفية، وسلف ذكره ٤٨/٥ . (٣) ٢ /٤٨٣ . (٤) النكت والعيون ٤/ ٤٨٠ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٩/٣ . (٦) البيت لقيس بن الخطيم، وهو في ديوانه ص٨٨، والكتاب ٦٠/٣، وسلف ٣٠٥/١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَىِ الرَّحَمِ سورة يس وهي مكِّيَّةٌ بإجماع، وهي ثلاثٌ وثمانون آيةً، إلَّ أنَّ فرقةً قالت: إنَّ قولَه تعالى ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّعُواْ وَءَاثَرَهُمَّ﴾ [الآية: ١٢] نزلت في بني سَلِمةَ من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوارٍ مسجدِ الرسولِ #، على ما يأتي(١). وفي كتابٍ أبي داودَ عن مَعْقِل بنِ يَسَار قال: قال النبيُّ ﴾: ((اقرؤوا يَس على (٢) موتاكم»(٢). وذكر الآجُرِّيُّ من حديثٍ أمِّ الدَّرْداءِ عن النبيِّ ﴾ قال: ((ما مِن مَيِّتٍ يُقرَأُ عليه سورةُ يس إلَّا هوَّن اللهُ عليه))(٣). وفي ((مسند)) الدَّارِميِّ عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللـه ◌َ﴾: ((مَن قَرأَ سورةَ يس في ليلةٍ ابتغاءَ وَجْهِ اللهِ؛ غُفِرَ له في تلك اللَّيلة))(٤). خرَّجه أبو نعيم الحافظُ أيضاً(٥). (١) ص ٤٢٠-٤٢١ من هذا الجزء، والكلام من المحرر الوجيز ٤٤٥/٤ . (٢) سنن أبي داود (٣١٢١)، وسلف ٤٤٩/٥، وذكرنا ثَمة قول الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث. اهـ. وأورده ابن حبان في صحيحه (٣٠٠٢) وقال: قوله: (اقرؤوا على موتاكم يَس)): أراد به من حَضَرَتْه المنيَّة، لا أنَّ الميتَ يُقرأ عليه، وكذلك قوله :﴿: ((لَقُّنُوا موتاكم لا إله إلا الله)). وأخرج أحمد في المسند (١٦٩٦٩) عن أبي المغيرة، عن صفوان قال: حدثتني المشيخة أنهم حضروا غُضيف بن الحارث الثُّمالي حين اشتدَّ سَوْقُه، فقال: هل منكم أحدٌ يقرأ ((يَس))؟ قال: فقرأها صالح بن شُريح السَّكوني، فلما بلغ أربعين منها قُبض. قال: وكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميّت خفف عنه بها. وحسَّن إسناد هذا الأثر الحافظ ابن حجر في الإصابة (ترجمة غضيف). (٣) سلف ٤٤٩/٥، وينظر الكلام عليه هناك. (٤) سنن الدارمي (٣٤١٧) وهو من طريق الحسن عن أبي هريرة به، والحسن لم يسمع من أبي هريرة، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص٣٨ . وأخرجه ابن حبان (٢٥٧٤) من طريق الحسن عن جندب بن عبد الله عن النبي %. قال أبو حاتم كما في المراسيل ص٤٢: لم يصح للحسن سماع من جندب. اهـ. وسئل الدارقطني عن حديث الحسن عن أبي هريرة فقال: اختلف فيه على الحسن ... وليس فيها شيء ثابت. العلل ١٠/ ٢٦٧ - ٢٦٩. (٥) حلية الأولياء ١٥٩/٢ . ٤٠٤ سورة يس وَرَوَى الترمذيُّ عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللـه ◌َ﴾: ((إنَّ لكلِّ شيءٍ قلباً، وقلبُ القرآنِ يَس، ومَن قَرأ يَس كَتَبَ اللهُ له بقراءتها قراءة القرآنِ عَشْرَ مرَّاتٍ)» قال: هذا حديثٌ غريبٌ، وفي إسنادِه هارونُ أبو محمدٍ شيخٌ مجهولٌ، وفي البابِ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، ولا يصحُّ حديثُ أبي بكرٍ من قِبَلِ إسنادِهِ، وإسناده ضعيف(١). وعن عائشة أنَّ رسولَ اللـه ﴾ قال: ((إنَّ في القرآنِ لَسورةً تَشْفَعُ لقارئها ويُغْفَرُ لمُستَمِعِها، أَلَا وهي سورةُ يَس، تُدْعَى في التوراة: المُعِمَّة)) قيل: يا رسول الله، وما المُعِمَّةُ؟ قال: ((تعمُّ صاحبَها بخيرِ الدُّنيا، وتَدفعُ عنه أهاويلَ الآخرة، وتدعى: الدافعةُ، والقاضية)) قيل: يا رسولَ الله، وكيف ذلك؟ قال: ((تَذْفَعُ عن صاحبها كلَّ سوءٍ، وتَقْضِي له كلَّ حاجةٍ، ومَن قرأها عَدَلَتْ له عشرين حَجَّةً، ومَن سمعها كانت له كألفِ دينارٍ تَصّدَّق بها في سبيل الله، ومَن كَتَبَها وشربها أَدخلتْ جوفَه ألفَ دواءٍ، وألفَ نورٍ، وألف يقينٍ، وألفَ رحمةٍ، وألفَ رأفةٍ، وألفَ هدىّ، ونُزِعَ عنه كلُّ داءٍ وغِلٌّ) ذكره الثعلبيُّ من حديثٍ عائشةً(٢)، والترمذيُّ الحكيمُ في ((نوادر الأصول)) من حديث أبي بكر الصدِّيقِ ﴾ مُسْتَداً(٣). وفي ((مسند)» الدَّارِميِّ عن شَهر بنِ حَوْشَبٍ قال: قال ابن عباس: مَن قرأ ((يس)) حين يُصبحُ؛ أُعطي يُسْرَ يومِه حتى يُمسي، ومَن قرأها في صَدْرٍ ليلةٍ أُعطيَ يُسْرَ ليلتِه حتی یُصبح (٤). وذكر النحاسُ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لكلِّ شيءٍ قلبٌ وقلبُ القرآن (١) سنن الترمذي (٢٨٨٧). وسيأتي حديث أبي بكر ﴾. (٢) وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٥/٤ عن عائشة رضي الله عنها منه إلى قوله: (( ... ألا وهي سورة یس). (٣) نوادر الأصول ص ٣٢٥ وليس في مطبوعه ذكر الإسناد، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب (٢٤٦٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣٥٦)، وأخرجه ابن الجوزي أيضاً (٣٥٥) من حديث أنس ﴾ وقال: هذا الحدیث من جمیع طرقه باطل لا أصل له. (٤) سنن الدارمي (٣٤١٩). وشهر بن حوشب؛ قال الحافظ في التقريب: صدوق كثير الإرسال والأوهام. ٤٠٥ سورة يس (يس))، مَن قرأها نهاراً كُفيَ همَّه، ومَن قرأها ليلاً غُفِرَ ذنبُه. وقال شهر بن حَوْشَب: يقرأ أهلُ الجنةِ ((طه)) و(يس)) فقط (١). رفع هذه الأخبارَ الثلاثةَ الماوَرْديُّ، فقال: روى الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ لكلِّ شيءٍ قلباً وإنَّ قلبَ القرآن (يس))، ومَن قرأها في ليلةٍ أُعطيَ يُسْرَ تلك الليلةِ، ومَن قرأها في يوم أُعطيَ يُسْرَ ذلك اليومِ، وإنَّ أهلَ الجنةِ يُرفَعُ عنهم القرآنُ فلا يقرؤون شيئاً إلَّا (طه) و(يس))(٢). وقال يحيى بنُ أبي كثير: بلغني أنَّ مَن قرأ سورة يس ليلاً لم يَزَلْ في فرحٍ حتى يُصبحَ، ومَن قرأها حين يُصبحُ لم يَزَلْ في فرحٍ حتى يُمسي؛ وقد حدَّثْني مَن جَرَّبها(٣). ذكره الثعلبيُّ وابنُ عطيةً، قال ابن عطية (٤): ويُصَدِّقُ ذلك التجربة. وذكر الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)) عن عبد الأعلى قال: حدَّثنا محمد بن الصَّلت، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر قال: مَن وَجَد في قلبه قساوةً فَلْيَكْتُبْ (يس)) في جامٍ بزَغْفَران ثم يَشْرَبْه(٥). حدَّثني أبي رحمه الله قال: حدَّثنا أَصْرَم بنُ حَوْشَب، عن بقيَّةَ بن الوليد، عن المعتمر بن أشرف، عن محمد بن عليٍّ قال: قال رسول الله ﴾: ((القرآنُ أفضلُ من كلِّ شيءٍ دونَ اللهِ، وفضلُ القرآنِ على سائرِ الكلامِ كَفَضْلِ اللهِ على خَلْقِهِ، فَمَن وَقَّرَ القرآنَ فقد وقَّر اللهَ، ومَن لم يوقِّر القرآنَ لم يوقِّر اللهَ، وحرمةُ القرآنِ عند الله کحرمةِ (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨١/٣. (٢) النكت والعيون ٥/ ٣٥، ولم نقف عليه عن غيره، وسلف بعضه، وسلف كلام الدارقطني: لا يصح في هذا الباب حديث. (٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢١٨). (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٤٥، والخبر فيه دون قوله: ومَن قرأها حين يصبح ... (٥) نوادر الأصول ص٣٣٥، وهو مقطوع على أبي جعفر، وهو محمد بن علي. وأخرجه البيهقي في الشعب (٢٤٦٨) من طريق الحسن بن الحسين العرني عن عمرو بن ثابت به. وعمرو بن ثابت قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال النسائي: متروك. الميزان ٢٤٩/٣ . ٤٠٦ سورة يس: الآيات ١ - ٥ الوالدِ على ولده. القرآنُ شافعٌ مشفَّع، وماحِلٌ (١) مصدَّق، فَمَن شَفَع له القرآنُ شُفِّع، ومَن مَحَل به القرآنُ صُدِّق، ومَن جَعَلَه أمامَه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خَلْفَه ساقه إلى النار. وحَمَلةُ القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبسون نورَ الله، المعلَّمون كلامَ الله، مَن والاهم فقد والَى اللهَ، ومَن عاداهم فقد عادَى اللهَ، يقول الله تعالى: يا حَملةَ القرآنِ استجيبوا لربّكم بتوقیر کتابِهِ يَزِدْكم حبّاً ويحبِّبكم إلى عباده، يدفعُ عن مستمِعِ القرآن بَلْوَى الدنيا، و[يدفع عن تالي القرآنِ] بَلْوَى الآخرة، ومَن استمع آيةً من كتاب الله كان له أفضلَ ممَّا تحت العرشِ إلى التُّخوم، وإنَّ في كتابِ اللهِ لسورةً تُدْعَى العزيزة، ويُدْعَى صاحبُها الشريف، يومَ القيامةِ تَشْفَع لصاحبها في أكثرَ من ربيعةً ومُضَرَ، وهي سورة يَس))(٢). وذكر الثعلبيُّ عن أبي هريرةَ أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((مَن قرأ سورةَ يَس ليلةً الجمعةِ أَصبح مغفوراً له))(٣). وعن أنس أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((مَن دخل المقابرَ فقرأ سورةَ يَس خفَّف الله عنهم يومئذٍ، وكان له بعددٍ حُروفِها حسناتٌ)) (٤). عَلَى صِرط قوله تعالى: ﴿يَسّ ﴾ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ٥ تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قوله تعالى: ﴿يَسّ﴾ في ((يس)) أَوْجُهٌ من القراءات: قرأ أهلُ المدينة والكسائيُّ: ﴿يَسّ وَاَلْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾ بإدغام النونِ في الواو. وقرأ أبو عمرو والأعمشُ وحمزةُ: (١) أي: خصم مجادل. النهاية (محل). (٢) نوادر الأصول ص٣٣٥ - ٣٣٦، وما سلف بين حاصرتين منه، وأصرم بن حوشب قال فيه يحيى: كذاب خبيث، وقال البخاري ومسلم والنسائي: متروك. الميزان ١/ ٢٧٢ . (٣) وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب (٢٤٧٧) بلفظ: ((من قرأ ليلة الجمعة ((حم)) الدخان و((يس)) أصبح ... )) وقال: تفرد به هشام (وهو ابن زياد) وهو ضعيف. اهـ. وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. الميزان ٢٩٨/٤ . (٤) أخرجه الثعلبي في تفسيره ١١٩/٨، وفي إسناده ضعفاء ومجاهيل. ٤٠٧ سورة يس: الآيات ١ - ٥ (يَس)) بإظهارِ النون(١). وقرأ عيسى بنُ عمر: ((يَس)) بنصبِ النون. وقرأ ابنُ عباس وابنُ أبي إسحاقَ ونصر بنُ عاصم: ((يَس)) بالكسر. وقرأ هارونُ الأعورُ ومحمد بنُ السَّمَيْفَعِ: ((يَس)) بضمِّ النون، فهذه خمسُ قراءاتٍ(٢). القراءةُ الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية؛ لأنَّ النونَ تُدغَم في الواو. ومَن بَيَّن قال: سبيلُ حروفِ الهجاءِ أن يُوقَفَ عليها، وإنَّما يكونُ الإدغامُ في الإدراج. وذَكَر سيبويه النصبَ وجعله من جِهَتَين: إحداهما: أنْ يكون مفعولاً، ولا يَصْرِفُه؛ لأنَّه عنده اسمٌ أعجميٌّ بمنزلةِ هابيلَ، والتقدير: اذكُر يَس، وجعله سيبويه اسماً للسورة. وقولُه الآخَرُ: أنْ يكونَ مبنيًّ على الفتح، مثل: كيفَ وأينَ. وأمَّا الكَسْرُ فَزَعَم الفرَّاءُ أنه مشبّهٌ بقول العرب: جَيرٍ لا أَفعلُ(٣)، فعلى هذا يكون ((يَس)) قَسَماً. وقاله ابن عباس(٤). وقيل: مشبّهُ بأمسٍ وحَذَامِ وهؤلاءِ ورَقاشٍ. وأمَّا الضمُّ فمشبّهٌ بمنذُ وحيثُ وقظُ، وبالمنادى المُفْرَدِ إذا قلتَ: يا رجلُ، لِمَن يقف عليه. قال ابنُ السَّمَيْفَع وهارونُ: وقد جاء في تفسيرها: يا رجلٌ، فالأوْلَى بها الضمُّ. قال ابن الأنباريِّ: ((يس)) وقفٌ حَسْنٌ لمَن قال: هو افتتاحٌ للسورة. ومَن قال: معنى (يس)): يا رجلُ، لم يقف عليه(٥). ورُويَ عن ابن عباسٍ وابن مسعود وغيرِهما أنَّ معناه: يا إنسان(٦)، وقالوا في (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٨١، وقد قرأ بإدغام النون ورش وأبو بكر وابن عامر والكسائي والباقون من السبعة بإظهارها. التيسير ص١٨٣، وينظر السبعة ص٥٣٨ . (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص١٢٤، والمحتسب ٢٠٣/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٨١/٣ - ٣٨٢، وقول سيبويه في الكتاب ٢٥٨/٣، وقول الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٧١ . وجَيرٍ بكسر الراء، وقد ينوَّن، وكأيْنَ: يمين، أي: حقّاً. القاموس (جير). (٤) أخرجه الطبري ٣٩٨/١٩ . (٥) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٥٢ . (٦) أخرجه الطبري ٣٩٨/١٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم نقف عليه عن ابن مسعود. ووقع في (ظ): وروي عن ابن عباس وغيره أن ... ٤٠٨ سورة يس: الآيات ١ - ٥ قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] أي: على آلِ محمدٍ. وقال سعيد بن جبير: هو اسمٌ من أسماءِ محمدٍ #، ودليلُه: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال السيدُ الحميريُّ: يا نفسُ لا تَمحَضي بالنُّصْح جاهدةٌ عَلَى المودَّةِ إِلَّ آلَ ياسينَ(١) وقال أبو بكرِ الورَّاقُ: معناه: يا سيدَ البشر(٢). وقيل: إنَّه اسمٌ من أسماء الله؛ قاله مالك. روى عنه أشهبُ قال: سألته هل ينبغي لأحدٍ أنْ يَتَسمَّى بـ ((يس))؟ قال: ما أُراه ينبغي؛ لقول الله: ﴿يَسّ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾ يقول: هذا اسمي ((يس)). قال ابن العربيِّ(٣): هذا كلامٌ بديعٌ، وذلك أنَّ العبد يجوزُ له أنْ يَتَسمَّى باسمِ الربِّ إذا كان فيه معنىً منه، كقوله: عالم وقادر ومريد ومتكلِّم. وإنَّما مَنَع مالكٌ من التسمية بـ (يس))؛ لأنَّه اسمٌ من أسماء الله لا يُذْرَى معناه، فربَّما كان معناه ينفردُ به الربُّ فلا يجوزُ أن يُقْدِمَ عليه العبدُ. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] قلنا: ذلك مكتوبٌ بهجاءٍ فتجوزُ التسميةُ به، وهذا الذي ليس بمُتَهجَّى هو الذي تكلّم مالكٌ عليه؛ لِمَا فيه من الإشكال، والله أعلم. وقال بعضُ العلماء: افتتحَ الله هذه السورةَ بالياء والسِّينِ وفيهما مَجمعُ الخير، ودلَّ المُفْتَتَحُ على أنَّه قلبٌ، والقلبُ أميرٌ على الجسد، وكذلك ((يس)) أميرٌ على سائر السور، مُشتمِلٌ على جميع القرآن. ثم اختلفوا فيه أيضاً (٤)؛ فقال سعيد بنُ جُبير وعكرمةُ: هو بلُغةِ الحبشة. وقال الشَّعبيُّ: هو بلُغةِ طّئ. (١) المحرر الوجيز ٤٤٥/٤. والسيد الحميري هو إسماعيل بن محمد بن يزيد، أبو هاشم، من فحول الشعراء، توفي سنة (١٧٣ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٤٤/٨ . (٢) تفسير البغوي ٥/٤ . (٣) في أحكام القرآن ١٥٩٦/٤، وما قبله منه. (٤) قوله: اختلفوا، يعني به الذين قالوا: معناه: يا إنسان، وهو مروي عن الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير كما ذكر الماوردي في النكت والعيون ٥/٥ ، والكلام الذي سيأتي منه. ٤٠٩ سورة يس: الآيات ١ - ٥ الحسن: بلُغةِ كَلْبِ. الكلبيُّ: هو بالسريانيَّة، فتكلَّمتْ به العربُ، فصار من لغتهم. وقد مضى هذا المعنى في ((طه))(١)، وفي مقدِّمة الكتاب مستوفىّ(٢). وقد سَرَدَ القاضي عياضٌ أقوالَ المفسِّرين في معنى ((يس))، فحكى أبو محمدٍ مكِّي أنه رُويَ عن النبيِّ # قال: ((لي عند ربِّي عشرةُ أسماءٍ)) ذَكَر أنَّ منها: طه ويس اسمان له (٣) قلت: وذَكَر الماورديُّ عن عليٍّ﴾ قال: سمعتُ رسولَ الله﴾ يقول: ((إنَّ الله تعالى سمَّاني في القرآن سبعةً أسماءٍ: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزَّمِّل، والمدثِّر، وعبد الله))(٤) قاله القاضي(٥). وحَكَى أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ عن جعفر الصادقِ أنه أراد: يا سيد (٦)، مُخاطَبَةً لَبِّهِ﴾. وعن ابن عباس: (يس)): يا إنسانُ، أراد محمداً ﴾(٧)، وقال: هو قَسَمٌ، وهو من أسماء الله سبحانه(٨). وقال الزجَّاج: قيل: معناه: يا محمدُ، وقيل: يا رجلُ، وقيل: يا إنسان (٩). وعن ابن الحنفية: (يس)): يا محمد (١٠). (١) ٨/١٤ وما بعدها. (٢) ١٠٩/١ . (٣) الشفا ٤٤٨/١، وقد سلف الكلام على هذا الحديث ٩/١٤ . (٤) النكت والعيون ٥/٥، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٥٩٦/٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: وهذا حديث لا يصح. قال النووي في تهذيب الأسماء ٤/ ٢٠٠ بعد أن ذكر الحديث عن الماوردي: قوله: سماني عبد الله، يعني في قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ الَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. (٥) في الشفا ١ / ٤٥٠، ووقع في (خ) و(ظ): قال القاضي. (٦) ذكره القاضي عياض في الشفا ١/ ٤٤٩ . (٧) الوسيط ٥٠٩/٣، وأخرج الطبري ٣٩٨/١٩ عنه في قوله تعالى: ((يس)) قال: يا إنسان، بالحبشية. (٨) أخرجه الطبري ٣٩٨/١٩ . (٩) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٧٧ . (١٠) النكت والعيون ٥/٥. ٤١٠ سورة يس: الآيات ١ - ٥ وعن كعبٍ: ((يس)) قَسَم أَقسم الله به قبل أن يخلق السماءَ والأرضَ بألفَيْ عام: يا محمد ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾(١). ثم قال: ﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾ فإنْ قدِّر أنه من أسمائه ،﴾، وصحَّ فيه أنه قَسَمٌ، كان فيه من التعظيم ما تقدَّم، ويؤكِّدُ فيه القَسَمَ عَظْفُ القَسَمِ الآخَرِ عليه. وإن كان بمعنى النداءِ؛ فقد جاء قَسَمٌ آخَرُ بعده لتحقيقِ رسالته والشهادةِ بهدايته. أَقْسَم الله تعالى باسمه وكتابِهِ إِنه لَمِن المرسلين بوَحْيِه إلى عباده، وعلى صراطٍ مستقيم من إيمانه، أي: طريقٍ لا اعوجاجَ فيه، ولا عدولَ عن الحقّ. قال النّقَّاش: لم يُقْسِم الله تعالى لأحدٍ من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلَّا له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل مَن قال: إنه يا سيِّد، ما فيه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا سيدُ وَلَدِ آدمَ))(٢). انتهى كلامُه. وحكى القُشيريُّ: قال ابن عباس: قالت كفَّارُ قريشٍ: لستَ مُرْسَلاً، وما أَرْسَلكَ الله إلينا، فأقسمَ الله بالقرآن المُحكّم: إنَّ محمداً من المرسلين. و ((الحكيم)): المُحْكُم حتى لا يتعرَّض لبطلانٍ وتَناقُض، كما قال: ﴿أُشْكِمَتْ ءَتُهُ﴾ [هود: ١]. وكذلك أُحْكِمَ في نَظْمِه ومعانيه، فلا يَلْحَقُه خَلَل. وقد يكونُ ((الحكيم)) في حقِّ الله بمعنى المُحكِم بكّسْرِ الكافِ، كالأليم بمعنى المؤلم. ﴿عَلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ أي: دينٍ مستقيم وهو الإِسلام. وقال الزجَّاج (٣): على طريق الأنبياءِ الذين تَقَدَّموك، وقال: ((إِنَّكَ لَّمِن المُرْسَلينَ)) خبرُ إنَّ، و((على صراطٍ مُسْتَقِيمٍ)) خبرٌ ثانٍ، أي: إِنَّك لَمِنَ المرسلين، وإنك على صراطٍ مستقيم. وقيل: المعنى: لَمِنَ المرسلين على استقامة، فيكونُ قولُه: ((على صراطٍ مُسْتَقيم)) (١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٢٥٨/٥ . (٢) سلف ٤/ ٢٥٤ . (٣) في معاني القرآن ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨. ٤١١ سورة يس: الآيات ١ - ٨ من صِلَةِ المرسلين، أي: إنك لَمِنَ المرسلين الذين أُرْسِلوا على طريقةٍ مستقيمة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَّطِ اَللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢-٥٣] أي: الصِّراطِ الذي أمر اللهُ به. قوله تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ وحفصٌ والأعمشُ ويحيى وحمزةٌ والكسائيُّ وخَلَفٌ: ﴿نَزِيلَ﴾ بنَصْبِ اللامِ على المصدر (١)، أي: نزّل الله ذلك تنزيلاً. وأضاف المصدرَ فصار معرفةً كقوله: ﴿فَضَرَّبَ الْرِقَابٍ﴾ [محمد: ٤] أي: فضَرْباً للرِّقاب. الباقون: ﴿تنزيلُ﴾ بالرفع على خبرِ ابتداءٍ محذوفٍ، أي: هو تنزيلُ، أو: الذي أُنزل إليك تنزيلُ العزيزِ الرحيم. هذا وقُرئ: (تَنْزِيلِ)) بالجرِّ على البَدَل من ((القرآن)(٢). والتنزيلُ يَرجعُ إلى القرآن. وقيل: إلى النبيِّ ﴾، أي: إنَّك لَمِن المرسَلين، وإِنَّك تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيم. فالتنزيلُ على هذا بمعنى الإرسال؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رَسُولًا يَنْلُوا﴾ [الطلاق: ١٠-١١] ويقال: أَرْسَلَ الله المطرَ وأنزله بمعنى. ومحمدٌ﴾ رحمةُ الله أنزلها(٣) من السماء. ومَن نَصَبَ قال: إنَّك لَمِن المرسلين إرسالاً من العَزيز الرحيم. و ((العزِيز)): المنتقم ممَّن خالفه، ((الرَّحِيم)) بأهل طاعته. قوله تعالى: ﴿لِنُنْذِرَ قَوْمَا مَّا أُنْذِرَ ءَبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴿ لَقَدْ حَقَ الْقَوْلُ عَلَىّ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُقْمَحُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ﴾ ((ما)) لا موضعَ لها من الإعراب عند (١) السبعة ص٥٣٩، والتيسير ص ١٨٣، والنشر ٣٥٣/٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٨٣، والكشاف ٣١٤/٣، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢٤ للیزیدي. (٣) في (خ): رحمة الله أرسلها. وفي (ظ): رحمة أنزلها الله. ٤١٢ سورة يس: الآيات ٦ - ٨ أكثرِ أهلِ التفسير(١)، منهم قتادة(٢)؛ لأنَّها نفيٌ، والمعنى: لتُنْذِرَ قوماً ما أَتَى آباءَهم قبلك نذير. وقيل: هي بمعنى الذي، فالمعنى: لتنذرهم مثلَ ما أُنذر آباؤهم؛ قاله ابن عباس وعكرمةُ وقتادةُ أيضاً(٣). وقيل: إنَّ((ما)) والفعلَ مصدرٌ، أي: لتنذر قوماً إنذارَ آبَائِهم. ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتُرِ أخبارُ الأنبياء، فالمعنى: لم يُنْذَروا برسولٍ من أنفسهم. ويجوز أن يكون بَلَغهم الخبرُ ولكنْ غَفِلوا وأَعْرَضوا ونَسُوا. ويجوز أن يكون هذا خطاباً لقوم لم يبلغهم خبرُ نبيٍّ، وقد قال الله: ﴿وَمَآ ءَانَيْئَهُم مِنِ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن ◌َّذِيِرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] وقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمَا مَّآ أَتَنَّهُم مِّن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] أي: لم يأتهم نبيٌّ. وعلى قولٍ مَن قال: بلغهم خبرُ الأنبياء، فالمعنى: فهم مُعْرِضون الآن مُتَغافلون عن ذلك، ويقال للمُعْرِضِ عن الشيء: إنه غافلٌ عنه. وقيل: ﴿فَهُمْ غَفِلُونَ﴾ عن عقاب الله. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَّ أَكْثَرِمْ﴾ أي: وَجَب العذابُ على أكثرهم ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بإنذارك. وهذا فيمَن سَبَقَ في علم الله أنه يموتُ على كفره. ثم بيَّن سببَ تَرْكِهم الإيمانَ فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِ أَعْتَقِهِمْ أَغْلَلًا﴾. قيل: نزلت في أبي جهل بن هشام وصاحِبَيْه المخزوميَّيْنِ، وذلك أنَّ أبا جهلٍ حلف لئن رأى محمداً يُصلِّي لَيَرضَخنَّ رأسَه بحجر، فلمَّا رآه ذهب فرفع حجراً ليرميه، فلمَّا أَوْماً إليه رَجَعتْ يدُه إلى عنقه، والتَصَقَ الحجر بيده؛ قاله ابن عباس وعكرمةُ وغيرُهما، فهو على هذا تمثيلٌ، أي: هو بمنزلةٍ مَن غُلَّتْ يدُه إلى عنقه. فلمَّا عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بنُ المغيرة: أنا أَرْضَخُ رأسَه. فأتاه وهو يصلِّي (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/٣. (٢) أخرجه الطبري ١٩ / ٤٠١ - ٤٠٢ . (٣) أخرجه عن عكرمة الطبري ٤٠١/١٩، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٦/٤، ولم نقف عليه عن ابن عباس وقتادة. ٤١٣ سورة يس: الآيات ٦ - ٨ على حالته ليرميَه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يَرَهُم حتى نادَوْه، فقال: واللهِ ما رأيتُه، ولقد سمعتُ صوتَه! فقال الثالث: واللهِ لأَشْدَخَنَّ أنا رأسَه. ثم أخذ الحجر وانطلق، فرجع القَهْقَرَى ينكُصُ على عَقِبَيْه حتى خَرَّ على قَفَاه مَغْشِيّاً عليه. فقيل له: ما شأنُك؟ قال: عظيم (١)! رأيتُ الرجلَ، فلمَّا دنوتُ منه، وإذا فَحْلٌ يَخْطِرُ بذَنَبِه؛ ما رأيتُ فحلاً قظُ أعظمَ منه؛ حالَ بيني وبينَه، فَوَاللَّاتِ والعُزَّى لو دنوتُ منه لَأَكَلَني! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ﴾(٢) . وقرأ ابن عباس: ((إنَّا جَعَلْنَا في أيمانِهِم)). وقال الزجَّاج: وقُرئَ: ((إنَّا جَعَلْنا في أيديهِم)). قال النحاس(٣): وهذه القراءةُ تفسيرٌ، ولا يُقرأ بما خالفَ المصحَفَ. وفي الكلام حذفٌ على قراءةِ الجماعة، التقدير: إنَّا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فهي كنايةٌ عن الأيدي لا عن الأعناق، والعربُ تَحذفُ مثلَ هذا، ونظيره: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١] وتقديرُه: وسرابيل تقيكم البرد، فحذف؛ لأنَّ ما وَقَى من الحرِّ وَقَى من البرد؛ لأنَّ الغُلَّ إذا كان في العنق فلا بدَّ أن يكون في اليد، ولاسيَّما وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ فقد عُلم أنَّه يُراد به الأيدي (٤) ﴿فَهُمْ تُقْمَحُونَ﴾ أي: رافِعو رؤوسِهِم لا يستطيعون الإطراقَ؛ لأنَّ مَن غُلَّتْ يدُه إلى ذَقْنِه ارتَفَعَ رأسُه. روى عبد الله بن يحيى: أنَّ علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماحَ، فجعل يديهِ تحت لحيته وأَلْصَقَهما ورفع رأسه. قال النحاس(٥): وهذا أَجَلُّ ما رُوي فيه، وهو مأخوذٌ ممَّا حكاه الأصمعيُّ؛ قال: يقال: (١) في (م): قال شأني عظيم. (٢) بنحوه في سيرة ابن هشام ٢٩٨/١ - ٢٩٩، وتفسير الطبري ٤٠٦/١٩ - ٤٠٧، ودلائل النبوة لأبي نعيم (١٥٢) و(١٥٣) و(١٥٦)، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/٣ - ٣٨٤، وتفسير البغوي ٦/٤. (٣) في إعراب القرآن ٣٨٤/٣، وما قبله منه، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٧٩/٤ . (٤) في إعراب القرآن: فقد أعلم الله عز وجل أنها يراد بها الأيدي. (٥) في إعراب القرآن ٣٨٤/٣، وما قبله منه، وخبر علي ﴾ أخرجه مطولاً الطبراني في الأوسط (٣٩٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣١/٩: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. ٤١٤ سورة يس: الآيات ٦ - ٨ أَقْمَحْتُ (١) الدابةَ: إذا جَذَبْتَ لِجامَها لترفع رأسها. قال النحاس: والقافُ مُبْدَلةٌ من الكاف لقُرْبِها منها. كما يقال: قَهَرْتُه وگَهَرْتُه. قال الأصمعِيُّ: يقال: أَكْمَحْتُ الدابَّةَ: إذا جَذَبْتَ عِنانَها حتى يَنْتَصِبَ رأسُها، ومنه قول الشاعر: ... والرأسُ مُكمَحُ(٢) ويقال: أَكْمحتُها وأَكْفَحْتُها وكَبَحْتُها، هذه وحدَها بلا ألفٍ عن الأصمعيِّ (٣). وقَمَح البعيرُ قُمُوحاً: إذا رفع رأسَه عند الحوضِ وامتنع من الشُّرْب، فهو بعيرٌ قامِحٌ و[الجمع]: قُمَّح؛ يقال: شَرِب فتَقَمَّحَ وانْقَمَحَ بمعنىَ: إذا رفع رأسَه وترك الشُّرب رِيّاً. وقد قامَحَتْ إبلُك: إذا وَرَدَتْ ولم تشرب، ورَفَعتْ رأسَها من داءٍ يكونُ بها أو بردٍ، وهي إبلٌ مُقامِحَةٌ، وبعيرٌ مُقامِحٌ، وناقةٌ مُقامحٌ أيضاً، والجمع قِمَاحٌ على غير قياس؛ قال بشرٌ يصفُ سفينةً: ونحن على جوانبها قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبلِ القِمَّاحِ (٤) والإقماح: رفعُ الرأسِ وغضُّ البصر؛ يقال: أَقْمَحه الغُلُّ: إذا ترك رأسَه مرفوعاً مِن ضِيقِه. وشَهْرَا قماح(٥): أشدُّ ما يكون من البرد، وهما الكانونان، سمِّيا بذلك لأنَّ (١) في إعراب القرآن: أكمحت. وكذا نقله الجوهري في الصحاح (كمح) عن الأصمعي على ما يأتي. (٢) البيت لذي الرُّمَّة، وهو في ديوانه ١٢٢١/٢، والكلام من الصحاح (كمح)، ورواية البيت في حِذاراً من الإيعاد والرأسُ مُكَفَحُ الديوان: تموجُ ذراعاها وترمي بجوزها قال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: جَوْزُها: وَسَطُها. وقوله: تموج ذراعاها، يقول: ليست بلازقتين بالجنب. ومُكْفَح: مرفوع. وفي اللسان (كمح): وأراد الشاعر بقوله: الإِيعاد، ضربُه لها بالسوط، فهي تجتهد في عدوها لخوفها من سوطه. (٣) الصحاح (كبح). قوله: أكفحت، يقال: أكفحتُ الدابة: إذا تلقيتَ فاه باللجام تضربه به ليلتقمه. وكبحت الدابة: إذا جذبتَها إليك باللجام لكي تقف ولا تجري. الصحاح (كفح) و(كبح). (٤) ديوان بشر بن أبي خازم ص٩١، والصحاح (قمح)، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) كِكتاب وغُراب. القاموس (قمح). ٤١٥ سورة يس: الآيات ٦ - ٨ الإبلَ إذا وردت آذاها بردُ الماءِ فقامَحتْ رؤوسَها(١)، ومنه قَمِحْتُ السَّوِيقِ(٢). وقيل: هو مَثَلُ ضَرَبَه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناعِ المغلولِ [من التصرُّف]؛ قاله يحيى بن سلام وأبو عبيدة(٣). وكما يقال: فلانٌ حمار، أي: لا يُبْصِرُ الهُدَى. وكما قال: لهم عن الرُّشْدِ أغلالٌ وأقيادُ(٤) وفي الخبر: أنَّ أبا ذؤيبٍ كان يَهْوَى امرأةً في الجاهلية، فلمَّا أسلم راوَدَتْه، فَأَبَى وأنشأ يقول: ولكن أحاطت بالرقاب السَّلاسِلُ فليس كعهدِ الدارٍ يا أُمَّ مَالكِ سِوى العدلِ شيئاً فاستراحَ العَوازِلُ(٥) وعاد الفتى كالكَهْلِ ليس بقائلٍ أراد: مُنِعْنَا بموانعِ الإسلامِ عن تَّعَاطي الزِّنى والفسق. وقال الفراء أيضاً (٦): هذا ضَرْبُ مَثَلٍ، أي: حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، (١) الصحاح (قمح) دون قوله: رؤوسها. (٢) قمح السَّرِيق (كسمع): رفع رأسه لسفّه، والسَّرِيق: طعام يُتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق. (المعجم الوسيط). (٣) النكت والعيون ٧/٥، وما سلف بين حاصرتين منه، ولم يذكر أبا عبيدة، ولم نقف على هذا القول في مجاز القرآن لأبي عبيدة. (٤) البيت للأَفْوَه الأَوْديّ صلاءة بن عمرو بن الحارث، كما في الحماسة البصرية ٦٩/٢،، وصدره: كيف الرشاد إذا ما كنت من نفر، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٨٥/٣. (٥) البيتان في ديوان الهذليين ٢/ ١٥٠، وشرح أشعار الهذليين ١٢٢٣/٣ وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٧٣ ، والكامل ٢/ ٥٦٥، والبيت الثاني في العمدة لابن رشيق ص٢٧٨، وقائلهما أبو خراش وليس أبا ذؤيب كما ذكر المصنف، وقد سلف الأول منهما ١٩٩/٦ . قوله: فاستراح العواذل، أي: لأنهن لا يجدن ما يعذِلْنَ فيه سوى العدل، أي: سوى الحق. وقصة البيتين كما ذكر في المصادر السالفة أن جميل بن معمر الجمحي قتل قريباً لأبي خراش كان في ضمن الأسرى يوم حنين، فقال أبو خراش هذه الأبيات في رثائه، وهذا يخالف ما ذكره المصنف. وقوله: فليس كعهد الدار ... ، شرحوه أيضاً بخلاف ما سيشرحه فقال ابن رشيق: يقول: نحن من عهد الإسلام في مثل السلاسل، وإلا فكنا نقتل قاتله. (٦) في معاني القرآن ٢/ ٣٧٣ . ٤١٦ سورة يس: الآيات ٦ - ١١ وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقاله الضحاك(١). وقيل: إنَّ هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحقِّ كَمَن جُعل في يده غُلٌّ فجمعت إلى عنقه، فبقي رافعاً رأسَه لا يَخفضُه، وغاضّاً بصرَه لا يفتحُه. والمتكبِّرُ يوصف بانتصابٍ العنق. وقال الأزهريُّ(٢): إنَّ أيديهم لمَّا غُلَّت عند أعناقهم؛ رَفعت الأغلالُ أذقانَهم ورؤوسهم صُعداً؛ كالإبل ترفع رؤوسها. وهذا المنعُ بخَلْقِ الكُفْرِ في قلوبِ الكفَّار. وعند قوم: بسَلْبِهِم التوفيقَ عقوبةً لهم على كفرهم. وقيل: الآيةُ إشارةٌ إلى ما يُفْعَل بأقوامِ غداً في النار من وضعِ الأغلالِ في أعناقهم والسلاسلِ، كما قال تعالى: ﴿إِذِ اَلْأَغَْلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ [غافر: ٧١] وأَخْبرَ عنه بَلَفْظِ الماضي. ﴿فَهُمْ تُقْمَحُونَ﴾ تقدَّم تفسيرُه. وقال مجاهد: ((مُقْمَحُونَ)): مُغلَّلون عن كلِّ خير (٣). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ ﴾ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتََّعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبٍ فَبَشْرُهُ بِمَغْفِرَةِ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قال مقاتل: لمَّا عاد أبو جهلٍ إلى أصحابه، ولم يَصِلْ إلى النبيِّ #، وسقط الحجر من يده، أخذ الحجرَ رجلٌ آخَرُ من بني مخزوم وقال: أنا أقتلُه بهذا الحجر. فلمَّا دنا من النبيِّ ﴾؛ طَمَسَ الله على بصره فلم يَرَ النبيَّ ﴾، فرجع إلى أصحابه فلم يُبْصِرهم حتى نادَوْه، فهذا (١) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٦٢). (٢) في تهذيب اللغة ٤ / ٨٢ . (٣) أخرجه عبد الرزاق ١٣٩/٢، والطبري ٤٠٤/١٩ عن قتادة، ولم نقف عليه عن مجاهد. ٤١٧ سورة يس: الآيات ٩ - ١١ معنى الآية(١). وقال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةً، وأبو جهلٍ وأميةٌ ابن خَلَفٍ، يُراصِدون النبيَّ ليبلُغوا مِن أذاه، فخرج عليهم عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ (يس)) وفي يده ترابٌ، فرماهم به وقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلّفِهِمْ سَدًّا﴾ فَأَطرقوا حتى مرَّ عليهم عليه الصلاة والسلام(٢). وقد مضى هذا في سورة سبحان(٣)، ومضى في ((الكهف)) الكلامُ في ((سَدّا)) بضم السين وفتحها(٤)، وهما لغتان. ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ﴾ أي: غطّينا أبصارهم، وقد مضى في أول ((البقرة))(٥). وقرأ ابن عباس وعكرمةُ ويحيى بن يعمر: ((فأعشيناهم)) بالعين غيرِ مُعْجمةٍ (٦) من العَشا في العین، وهو ضعف بصرها حتى لا تُبْصِر بالليل، قال: متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ(٧) وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الآية [الزخرف: ٣٦]، والمعنى متقارِبٌ. والمعنى: أعميناهم، كما قال: ضُرِبَتْ عليَّ الأرضُ بالأَسْدَادِ ومن الحوادثِ لا أَبَالَكَ أنَّني بين العُذَيْبِ وبينَ أرضٍ مُرَادٍ (٨) لا أهتدي فيها لموضعٍ تَلْعَةٍ (١) ذكره عن مقاتل أبو الليث في تفسيره ٩٣/٣ - ٩٤، وسلف مطولاً ص ٤١٢-٤١٣ من هذا الجزء. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٥/٣، وبنحوه في سيرة ابن هشام ٤٨٣/١. (٣) ٩٢/١٣ . (٤) ٣٨٣/١٣. (٥) ٢٩١/١. (٦) القراءات الشاذة ص١٢٤، والمحتسب ٢٠٤/٢ . (٧) صدر بيت للحطيئة، وعجزه: تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُؤْقِدٍ. وهو في ديوانه ص١٦١، وسلف ٤/ ٤٩١ . (٨) البيتان للأسود بن يَعْفُر النهشلي كما في المفضليات ص٢١٦، ومنتهى الطلب من أشعار العرب = ٤١٨ سورة يس: الآيات ٩ - ١١ ﴿فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ أي: الهُدَى؛ قاله قتادة(١). وقيل: محمداً حين اثْتَمروا على قتله؛ قاله السُّدِّي(٢). وقال الضحَّاك: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ أي: الدنيا ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي: الآخرة، أي: عَمُوا عن البعث، وعَمُوا عن قبولِ الشرائع في الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنََّ فَزَيَّنُواْ لَهُمْ مَّا بَيِّنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] أي: زيَّنوا لهم الدنيا، ودَعَوْهم إلى التكذيب بالآخرة، وقيل: على هذا ((مِن بينٍ أيديهم سدّا))، أي: اغتروا(٣) بالدنيا، ((ومِن خَلْفِهِم سدّاً)) أي: كذبوا (٤) بالآخرة. وقيل: ((ما بين أيديهم)): الآخرة، ((وما خَلْفهم))(٥): الدُّنيا. ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تقدَّم في ((البقرة))، والآيةُ ردٌّ على القَدَرية وغيرِهم(٦). وعن ابن شهاب: أنَّ عمر بن عبد العزيز أَحْضَرَ غيلانَ القَدَريَّ فقال: يا غیلانُ، بَلَغني أنَّك تتكلّم بالقَدَر، فقال: يكذبون عليَّ يا أميرَ المؤمنين. ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، أرأيتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِذَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢-٣] فقال: اقرأ يا غيلانُ، فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩] فقال: اقرأ، فقرأ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ فقال: واللهِ يا أميرَ المؤمنين، إنْ شعرتُ أنَّ = ٤١٥/١، والاختيارين ص٥٥٩، وفيه: التَّلْعة: المسيل من الرابية إلى الوادي، والجمع: تِلاع. وقد سلف البيت الأول ٢٢٠/١٣ . (١) أخرجه الطبري ٤٠٦/١٩ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٨/٥. وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٢٥٩/٥ . (٣) في (م): اغترارا. (٤) في (م): تكذيبا. (٥) في (م): من بين أيديهم ... ومن خلفهم. (٦) ينظر ما سلف ٢٨١/١ و٢٨٥ . ٤١٩ سورة يس: الآيات ٩ - ١٢ هذا في كتابِ اللهِ قٌ! فقال له: يا غيلان، اقرأ أوَّلَ سورة يس، فقرأ حتى بلغ: ﴿وَسَوَّهُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَّ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فقال غيلان: والله يا أميرَ المؤمنين، لكأنّي لم أقرأها قٌ قَبْلَ اليوم! اشْهَدْ يا أمير المؤمنين أنّ تائبٌ. فقال عمر: اللهمَّ إن كان صادقاً فتُبْ عليه وثَبِّته، وإن كان كاذباً فسَلِّطْ عليه مَن لا يرحمُه، واجْعَلْه آيةً للمؤمنين. فأخذه هشامٌ فقطع يديه ورجليه وصَلَبه. قال ابنُ عَوْن: فأنا رأيتُه مصلوباً على بابٍ دمشقَ، فقلنا: ما شأنُك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوةُ الرجلِ الصالحِ عمرَ بنِ عبد العزيز(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يعني القرآنَ، وعَمِلَ به ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: ما غاب من عذابه ونارِه؛ قاله قتادة(٢). وقيل: أي: يخشاه في مَغِيبِهِ عن أبصارِ الناسِ وانفرادِه بنفسه. ﴿فَشِّرُهُ بِمَغْفِرَوْ﴾ أي: لذَتْبِهِ ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: الجنة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِيِ الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمَّ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامٍ مُبِينٍ فيه أربعُ مسائلَ: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِ الْمَوْقَى﴾ أَخْبَر تعالى بإحيائه الموتى ردّاً على الكَفَرة. وقال الضخَّاك والحسن: أي: نُحْييهم بالإيمان بعد الجهل(٣). والأولُ أَظْهَر؛ أي: نُحييهم بالبعث للجزاء. (١) بنحوه في السنة لعبد الله بن أحمد ص١٤٥ - ١٤٦، والشريعة للآجري ص٢٢٨ - ٢٢٩، وشرح أصول الاعتقاد ٧٨٨/٤، وتاريخ مدينة دمشق ٢٠٨/٤٨ - ٢٠٩ . وقول ابن عون (وهو عبد الله بن عون) أخرجه أيضاً أحمد (٥٨٨١) مختصراً بذكر الصلب. وغيلان هو ابن أبي غيلان، أبو مروان، كان من بلغاء الكتَّاب، وكان الأوزاعي هو الذي ناظره وأفتى بقتله. لسان الميزان ٤/ ٤٢٤ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٨/٥ . (٣) النكت والعيون ٩/٥ عن الضحاك، وذكر الزمخشري في الكشاف ٣١٦/٣ عن الحسن قوله: إحياؤهم أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان. ٤٢٠ سورة يس: الآية ١٢ ثم توَّدهم بذِكْرِه كَتْبَ الآثارِ - وهي : الثانية - وإحصاءَ كلِّ شيءٍ وكلِّ ما يصنعُه الإنسان. قال قتادةُ: معناه: مِن عَمَلٍ. وقاله مجاهدٌ وابنُ زيد (١). ونظيرُه قولُه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] وقولُه: ﴿يُبَّوْ اَلْإِنَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]. وقال: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدِّ﴾ فَآثَارُ المرءِ التي تَبْقَى وتُذْكَرُ بعد الإنسانِ من خيرٍ أو شرِّ يُجازَى عليها: من أثرٍ حَسَنٍ، كعِلْمٍ عَلَّموه، أو كتابٍ صنَّفوه، أو حبيسٍ احْتَبَسوه، أو بناءٍ بَنَوْه: من مسجدٍ أو رِباطٍ أو قَنْطَرةٍ أو نحوِ ذلك. أو سَيِّئٍ، كوظيفةٍ وَّفها بعضُ الظُّلَام على المسلمين، وسِأَّةٍ أَحْدَثَها فيها تَخْسيرُهُم، أو شيءٍ أَخْدَثَه فیه صدٌّ عن ذِكْرِ اللهِ من ألحانٍ ومَلَاءٍ. وكذلك كلُّ سُنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ يُسْتَنُّ بها. وقيل: هي آثارُ المِشَائين إلى المساجد. وعلى هذا المعنى تَأوَّلَ الآيةَ عمرُ وابن عباس وسعيد بن جُبير(٢). وعن ابن عباسٍ أيضاً أنَّ معنى: ((وَآثَارَهُمْ)): خُطاهم إلى المساجد. قال النحاس(٣): وهذا أَوْلَى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إنَّ الآيةَ نزلت في ذلك؛ لأنَّ الأنصار كانت منازلُهم بعيدةً عن المسجد. وفي الحديث مرفوعاً إلى النبيِّ :﴿ قال: ((يُكتبُ له بِرِجْلٍ حسنةٌ، وتُحظُ عنه بِرِجْلٍ سيئةٌ، ذاهباً وراجعاً إذا خرج إلى المسجد))(٤). قلت: وفي الترمذيِّ عن أبي سعيد الخُذْريِّ قال: كانت بنو سَلِمةَ في ناحيةٍ المدينةِ، فأرادوا النُّقْلَةَ إلى قُرْبِ المسجدِ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِي الْمَوْقَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّعُواْ وَءَاثَرَهُمُّ﴾ فقال رسول اللـه ◌َ﴾: ((إنَّ آثارَكم تُكْتَبُ)) فلم ينتقلوا. قال: (١) أخرج قولهم الطبري ١٩ / ٤٠٨ - ٤٠٩ . (٢) أخرجه عن ابن عباس ابن ماجه (٧٨٥) والطبري ٤٠٩/١٩، ولم نقف عليه عن عمر وسعيد بن جبير. (٣) في إعراب القرآن ٣٨٦/٣، وما قبله منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٦/٣، وأخرجه بنحوه أحمد (٦٥٩٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﴾ عند مسلم (٦٦٦)، وسلف ٢٨٨/١٥ . وآخر من حديث أبي هريرة أيضاً عند البخاري (٦٤٧)، وثالث من حديث عقبة بن عامر عند أحمد (١٧٤٤٠)، والطبراني في الكبير ١٧/ (٨٣١).