النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥ -- يُصْطفَوْا بحمد الله، ولا اصْطُفيَ دينُهم، وهذا قولُ ستةٍ من الصحابة، وحَسْبُك. وسَنَزِيدُه بياناً وإيضاحاً في باقي الآية. الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ﴾ أي: أَعْطَينا. والميراثُ عطاءٌ حقيقةً أو مَجازاً؛ فإنَّه يقال فيما صار للإنسان بعد موتٍ آخَرَ. و((الكتابَ)) هاهنا يريد به معانيَ الكتابِ وعِلْمَه وأحكامَه وعقائدَه، وكأنَّ الله تعالى لمَّا أعْطَى أمةَ محمدٍ ﴿ القرآنَ، وهو قد تضمَّنَ، معانيَ الكتبِ المنزلة، فكأنه وَرَّثَ أمَّةَ محمدٍ عليه الصلاة والسلام الكتابَ الذي كان في الأمم قَبْلَها(١). ﴿أَصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخْتَرْنا. واشتقاقُه من الصَّفْو، وهو الخلوصُ من شوائب الكَدَر. وأصلُه: اصْتَفَوْنا، فأُبْدِلَت التاءُ طاءً والواوُ ياءً. ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ قيل: المرادُ أمةُ محمدٍ ﴿؛ قاله ابنُ عباسٍ وغيرُه. وكأن اللَّفظَ يَحْتَمِلُ جميعَ المؤمنين من كلِّ أمةٍ، إلاَّ أنَّ عبارةَ توريثِ الكتابِ لم تكن إلاَّ لأمةٍ محمدٍ ﴿، والأُوَلُ لم يَرِثُوهُ(٢). وقيل: المصطفَوْن الأنبياء، تَوَارَثوا الكتابَ، بمعنى: أنَّه انتقل عن(٣) بعضهم إلى آخَر، قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌ﴾ [النمل: ١٦]، وقال: ﴿يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالٍ يَعْقُوبِ﴾ [مريم: ٦]. فإذا جاز أن تكون النبوّةُ موروثةً فكذلك الكتابُ، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ مَن وَقَعَ في صغيرةٍ. قال ابن عطية(٤): وهذا قولٌ مردودٌ من غير ما وَجْهٍ. قال الضحاك: معنى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من ذرِّيَّتهم ظالمٌ لنفسه، وهو المُشْرِكُ. الحسن: من أُمَمِهم، على ما تقدَّم ذِكْرُه من الخلاف في الظالم. والآيةُ في أمَّةِ محمدٍ ﴾. (١) في النسخ عدا (ظ): قبلنا، والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز ٤٣٨/٤، والكلام منه. (٢) المحرر الوجيز ٤٣٨/٤، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٣٦٨/١٩، والبيهقي في البعث والنشور (٧٣). (٣) في (ظ): من. (٤) في المحرر الوجيز ٤٣٩/٤ . ٣٨٢ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥ وقد اختلفت عبارات أربابِ القلوبِ في الظالم والمُقْتَصِدِ والسَّابِقِ، فقال سهل ابن عبد الله: السابِقُ العالم، والمقتصِدُ المتعلِّم، والظالمُ الجاهل. وقال: ذو النون المصريُّ: الظالم الذَّاكِرُ اللهَ بلسانه فقط، والمقتصدُ الذاكرُ بقلبه، والسابقُ الذي لا ينساه. وقال الأنطاكيُّ: الظالمُ صاحبُ الأقوال، والمقتصدُ صاحبُ الأفعال، والسابقُ صاحبُ الأحوال(١). وقال ابن عطاء: الظالمُ الذي يحبُّ اللهَ من أَجْلِ الدنيا، والمقتصدُ الذي يحبُّه من أجل العُقْبَى، والسابقُ الذي أسقط مُرادَه بمراد الحقِّ(٢). وقيل: الظالم الذي يعبدُ اللهَ خوفاً من النار، والمقتصد الذي يعبدُ الله طمعاً في الجنة، والسابقُ الذي يعبدُ الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم الزاهدُ في الدنيا؛ لأنَّه ظلم نَفْسَه فترك لها حظّاً وهي المعرفةُ والمحبة، والمقتصِدُ العارِفُ، والسابقُ المحِبُّ. وقيل: الظالمُ الذي يَجزعُ عند البلاء، والمقتصدُ الصابرُ على البلاء، والسابقُ المتلذِّذُ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبدُ الله على الغَفْلةِ والعادة، والمقتصدُ الذي يعبدُه على الرَّغْبةِ والرَّهْبة، والسابقُ الذي يعبدُه على الهَيْبة. وقيل: الظالمُ الذي أُعْطِيَ فمَنَعَ، والمقتصدُ الذي أُعْطِيَ فبذَل، والسابقُ الذي مُنع فشَكَر وآثرَ. ويروَى أنَّ عابِدَين التقيا، فقال: كيف حالُ إخوانِكم بالبصرة؟ قال: بخير، إنْ أُعْطُوا شَكروا، وإن مُنعوا صبروا. فقال: هذه حالةُ الكلابِ عندنا ببَلْخ! عُبَّادُنا إنْ (١) ذكر هذه الأقوال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٩/٤ . (٢) في (ظ): بمراد الله. ٣٨٣ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥ مُنِعِوا شَكروا، وإن أُعطوا آثَروا (١). وقيل: الظالمُ مَن استغنَى بماله، والمقتصدُ من استغنَى بدينه، والسابقُ مَن استغنَی بربِّه. وقيل: الظالمُ التالي للقرآن ولا يعملُ به، والمقتصِدُ التالي للقرآن ويعملُ به، والسابقُ القارئُ للقرآن العاملُ به والعالِم به. وقيل: السابقُ الذي يدخل المسجدَ قبل تأذين المؤذِّن، والمقتصدُ الذي يدخل المسجدَ وقد أذن، والظالم الذي يدخل المسجدَ وقد أُقيمت الصلاة؛ لأنه ظَلَم نفسَه الأجرَ فلم يحصِّل لها ما حصَّله غيرُه(٢). وقال بعضُ أهلِ العلمِ في هذا: بل السابقُ الذي يدركُ الوقتَ والجماعةَ فيُدْرِكُ الفضيلتين، والمقتصد الذي إنْ فاتَتْه الجماعةُ لم يُفرِّط في الوقت، والظالمُ الغافِلُ عن الصلاة حتى يفوتَ الوقتُ والجماعةُ، فهو أَوْلَى بالظُلم. وقيل: الظالمُ الذي يحبُّ نفسَه، والمقتصدُ الذي يحبُّ دِينَه، والسابقُ الذي يحبُّ ربَّه. وقيل: الظالمُ الذي ينتصِفُ ولا يُنصِفُ، والمقتصدُ الذي يَنتصِفُ ويُنصِفُ، والسابقُ الذي يُنصِفُ ولا ينتصِفُ. وقالت عائشةُ رضي الله عنها: السابقُ الذي أسْلَم قبلَ الهجرة، والمقتصدُ مَن أسْلَم بعدَ الهجرة، والظالمُ مَن لم يُسْلِم إلَّا بالسيف، وهم كلُّهم مغفورٌ لهم(٣). (١) ذكره أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٧ عن إبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي. (٢) في (ظ): فلم يحصل له ما حصل لغيره. (٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٩/٤ وعزاه للثعلبي، إلا أنه قال في آخره: والظالم نحن، بدل: والظالم من لم يسلم ... ، وأخرجه بنحوه الطيالسي (١٤٨٩)، والحاكم ٤٢٦/٢ وصححه، وتعقبه الذهبي بأن فيه الصلت بن دينار، قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بالقوي. وقولها رضي الله عنها: والظالم نحن، (كما في رواية ابن عطية، وبنحوه عند الطيالسي والحاكم) هو من باب التواضع = ٣٨٤ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥ قلت: ذكر هذه الأقوالَ وزيادةً عليها الثعلبيُّ في ((تفسيره)). وبالجملة فَهُمْ طَرَفانٍ وواسِطَةٌ، وهو المقتصدُ الملازِمُ للقَصْدِ، وهو تَرْكُ الميل، ومنه قولُ جابر بن حُنَيٍّ التَّغْلبيِّ: نُعاطي الملوكَ السِّلْمَ ما قَصَدْوا لنا وليس علينا قَتْلُهم بمحَرَّمِ(١) أي: نُعاطيهم(٢) الصُّلْحَ ما ركبوا بنا القَصْدَ، أي: ما لم يجوروا، وليس قَتْلُهم بمحرَّمِ علينا إنْ جاروا، فلذلك(٣) كان المقتصِدُ منزلةً بين المنزلتين، فهو فوقَ الظالمِ لنفسه ودون السابقِ بالخيرات. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ يعني إتياننا (٤) الكتابَ لهم. وقيل: ذلك الاصطفاءُ مع عِلْمِنا بعيوبهم هو الفضلُ الكبير. وقيل: وعْدُ الجنةِ لهؤلاء الثلاثةِ فضلٌ کبیر. الثالثة: وتكلّم الناسُ في تقديم الظالم على المقتصِدِ والسابِقِ؛ فقيل: التقديمُ في الذِّكر لا يقتضي تشريفاً، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَعْخَبُ النَّارِ وَأَعْمَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. وقيل: قدَّم الظالمَ لكثرةِ الفاسقين منهم وغَلَبتِهم، وأنَّ المقتصدين قليلٌ بالإضافة إليهم، والسابقون أقلُّ من القليل؛ ذَكَره الزَّمخشري(٥)، ولم يَذْكُرْه غيرُه. وقيل: قدَّم الظالم لتأكيدِ الرجاءِ في حقِّه؛ إذ ليس له شيءٌ يتَّكِلُ عليه إلاَّ رحمةُ = كما ذكر ابن كثير في تفسيره، وقال: وهي من أكبر السابقين بالخيرات؛ لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. (١) المفضليات ص٢١١، ومنتهى الطلب ٤٩/٤. (٢) في (ظ): نعطيهم. (٣) في (ظ): فكذلك. (٤) في (ظ): ايتاؤنا. (٥) في الكشاف ٣٠٩/٣ . ٣٨٥ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥ ربِّه. واتَّكَلَ المقتصدُ على حُسْنٍ ظنِّه، والسابقُ على طاعته. وقيل: قدَّم الظالمَ لئلاَّ ييئسَ من رحمة الله، وأخَر السابقَ لئلّا يُعجب بعمله. وقال جعفر بنُ محمد بن عليٍّ الصادقُ ﴾: قدَّم الظالمَ ليُخْبِرَ أنه لا يُتَقرَّبُ إليه إلا بصِرْفٍ رحمته وكرمه، وأنَّ الظلم لا يؤثِّر في الاصطفائيةِ إذا كانت ثَمَّ عنايةٌ، ثم ثَتَّى بالمقتصدينَ لأنَّهم بين الخوفِ والرجاء، ثم خَتَم بالسابقين لئلّا يَأمنَ أحدٌ مَكْرَ الله، وكلُّهم في الجنة بحُرْمةِ كلمةِ الإخلاص: لا إلهَ إلَّا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ(١). وقال محمد بن عليٍّ الترمذيُّ: جَمَعَهم في الاصطفاءِ إزالةً للعللِ عن العطاء؛ لأنَّ الاصطفاءَ يوجبُ الإرْثَ، لا الإرث يوجبُ الاصطفاءَ، ولذلك قيل في الحكمة: صحِّح النِّسْبةَ ثم اذَّعِ في الميراث(٢). وقيل: أخَّر السابقَ ليكون أقربَ إلى الجناتِ والثواب، كما قدَّم الصوامعَ والبَيّعَ في سورة الحج على المساجد، لتكون الصوامعُ أقربَ إلى الهدمِ والخراب، وتكون المساجدُ أقربَ إلی ذکر الله. وقيل: إنَّ الملوك إذا أرادوا الجمعَ بين الأشياءِ بالذِّكْر (٣) قدَّموا الأَدْنَى؛ كقوله تعالى: ﴿لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَشْئًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾ [الشورى: ٤٩]، وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ آلْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. قلت: ولقد أَحْسَنَ مَن قال: وغايةُ هذا الجودِ أنتَ وإنَّما يُوَافَى إلى الغايات في آخِرِ الأمْرِ الرابعة: قولُه: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَ﴾ جَمَعَهم في الدخول لأنَّه ميراثٌ، والعاقُّ (١) ذكره بنحوه البغوي ٣/ ٥٧٢ . (٢) في (ظ): ثم ادعى للميراث، وفي (خ) و (د) و (ز): ثم ادعى في الميراث، والمثبت من (م). (٣) في (ظ): في الذكر. ٣٨٦ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٥ والبارُّ في الميراثِ سواءٌ إذا كانوا مُعتَرِفِينَ بالنَّسَب، فالعاصي والمطيعُ مُقِرُّون بالرَّبِّ. وقرئ: ((جَنَّهُ عَدْنٍ)) على الإفراد، كأنَّها جنةٌ مُختصَّةٌ بالسابقين لقلَّتهم، على ما تقدَّم(١). و(جَنَّاتِ عَدْنٍ)) بالنصب على إضمارٍ فعلٍ يفسِّرُه الظاهِرُ، أي: يَدخُلون جناتٍ عَدْنٍ يَدْخُلونها(٢). وهذا للجميع، وهو الصحيحُ إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو عمرو: ﴿يُدْخَلونها﴾ بضمِّ الياءِ وفتح الخاء(٣). قال: لقوله: ((يُحَلَّوْن)). وقد مضى في ((الحجّ)) الكلامُ في قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلْلُواْ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الَْزَّنِّ﴾ قال أبو ثابت: دخل رجلٌ المسجدَ فقال: اللهمَّ ارْحَمْ غُرْبتي، وآنِسْ وَحْدتي، ويَسِّرْ لي جليساً صالحاً. فقال أبو الدَّرْداءِ: لئن كنتَ صادقاً فَلأنَا أسْعَدُ بذلك منكَ، سمعتُ النبيَّ ﴾ يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمِ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ قال: فيجيءُ هذا السابِقُ فيدخل الجنةَ بغير حساب، وأمَّا المقتصدُ فيُحاسَبُ حساباً يسيراً، وأمَّا الظالمُ لنفسِه فيُحبَس في المقام ويُوَبَّخ ويقرَّعُ، ثم يدخل الجنة، فهم الذين قالوا: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ (٤). وفي لَفْظِ آخَر: ((وأمَّا الذين ظلموا أنفسَهم فأولئك يُحبَسون في طولِ المَحْشَرِ، (١) في المسألة السابقة، والقراءة في الكشاف ٣٠٩/٣، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٤٤٠ لزر ابنِ حُبَيْش. (٢) الكشاف ٣٠٩/٣. والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٢٣ عن الجحدري. (٣) السبعة ص٥٣٤، والتيسير ص ١٨٢ . (٤) أخرجه بنحوه أحمد (٢١٦٩٧)، والطبري ٣٧٥/١٩، والبغوي ٣/ ٥٧١، من طريق الأعمش عن أبي ثابت. وأبو ثابت - أو ثابت كما وقع على الشك عند أحمد - غير منسوب، وفي إسناد الحديث اختلاف على الأعمش. ٣٨٧ سورة فاطر: الآيات ٣٢ - ٣٧ ثم هم الذين يَتَلافاهم (١) الله برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا اْحَزَنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾))(٢). وقيل: هو الذي يُؤْخَذُ منه في مُقامه، يعني يُكفَّر عنه بما يُصيبُه من الهمِّ والحزن، ومنه قولُه تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] يعني: في الدنيا. قال الثعلبيُّ: وهذا التأويلُ أَشْبهُ بالظاهر؛ لأنه قال: ﴿جَنَّكُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَ﴾، ولقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، والكافرُ والمنافقُ لم يُصْطَّفوا. قلت: وهذا هو الصحيحُ، وقد قال﴾: ((ومَثلُ المنافقِ الذي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الرَّيحانة، رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها مرٍ)(٣). فأخبر أنَّ المنافق يقرؤُه، وأخبر الحقُّ سبحانه وتعالى أنَّ المنافق في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار، وكثيرٌ من الكفارِ اليهودِ(٤) والنصارى يقرؤونه في زماننا هذا. وقال مالكٌ: قد يَقْرأُ القرآن مَن لا خيرَ فيه(٥). والنَّصَب: التعب. واللُّغوب: الإعياء. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ﴾ وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيهَا رَبََّآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلَّكِمِينَ مِن نَصِيرٍ قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ لمَّا ذَكَر أهلَ الجنةِ وأحوالهم ومَقَالَتَهم، ذَكَر أهلَ النارِ وأحوالَهم ومقالتَهم، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ مثل: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ مثل: ﴿كَُّا نَضِمَتْ جُلُودُهُم (١) في (م): يتلقاهم. (٢) أخرجه أحمد (٢١٧٢٧)، وفي إسناده انقطاع. (٣) قطعة من حديث أبي موسى الأشعري ﴾ أخرجه البخاري (٥٠٥٩) ومسلم (٧٩٧)، وسلف ١٣/١. (٤) في (م): وكثير من الكفار واليهود، وفي (ظ): وكثير من اليهود. (٥) سلف ١٦٦/٢ . ٣٨٨ سورة فاطر: الآيتان ٣٦ - ٣٧ ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابٌ﴾ [النساء: ٥٦ کافٍ بالله ورسوله. وقرأ الحسن: ((فيموتون)) بالنون، ولا يكونُ للنفي حينئذٍ جوابٌ، ويكون ((فيموتون)) عطفاً على ((يُقْضَى))، تقديرُه: لا يُقضَى عليهم ولا يموتون(١)، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَّذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] قال الكسائيُّ: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَمْ فَيَغَنَذِرُونَ﴾ بالنون في المصحف لأنَّه رأسُ آيَةٍ، و﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُونُوا﴾ [بغير نون] لأنه ليس رأسَ آيَةٍ. ويجوزُ في كلِّ واحدٍ منهما ما جاز في صاحبه(٢). ﴿وَهُمْ يَصْطَرِيُونَ فِيَهَا﴾ أي: يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصُّراخُ: الصوتُ العالي، والصارخُ: المستغيثُ، والمُصْرِخُ: المُغِيثُ؛ قال: كنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فَزِعٌ كان الصراعُ له قرعَ الَّنابيبِ(٣) ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ أي: يقولون: ربَّنا أخْرِجْنا من جهنّم، ورُدَّنا إلى الدنيا. ﴿نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ قال ابن عباس: نَقُلْ: لا إله إلا الله (٤). وهو معنى(٥) قولهم: ﴿غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّاً نَعْمَلٌ﴾ أي: من الشرك، أي: نؤمنُ بَدَلَ الكفر، ونطيعُ بدلَ المعصية، ونمتثلُ أمرَ الرُّسل. ﴿أَوَلَمْ نُعَمَِّّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ هذا جوابُ دعائِهم، أي: فيقالُ لهم، فالقولُ مضمَر. وترجم البخاريُّ: بابُ مَن بَلَغ ستِّين سنةً فقد أَعْذَرَ اللهُ إليه في العمر، (١) المحتسب ٢٠٢/٢، قال ابن جني: والمفعول محذوف، أي: لا يقضى عليهم الموت. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٧/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) البيت لسلامة بن جندل، وهو في ديوانه ص١٢٥، والصحاح (ظنب). قال الجوهري: الظُّنْبوب: العظم اليابس من قدم الساق، عنى به سرعة الإجابة، وجعل قرع السوط على ساق الخفّ في زجر الفرس قرعاً للظُّنبوب. وقال الأصمعي في شرح الديوان: يقال: ضَرب لهذا الأمر ظنبوبه: إذا هو جَدَّ فیه. (٤) الوسيط ٥٠٦/٣ . (٥) في (د) و (ظ): ومعنى، بدل: وهو معنى. : ٣٨٩ سورة فاطر: الآيتان ٣٦ - ٣٧ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَمَ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ﴾ يعني الشيب. حذَّثنا عبد السلام بن مُظَهَّر قال: حدَّثنا عمر بنُ علي قال: حدَّثنا مَعْن بنُّ محمد الغِفاريُّ، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ﴾ قال: «أغْذَرَ اللهُ إلى امرئٍ أَخَّرَ أجَلَه حتى بلَّغه ستِّين سنةً))(١). قال الخَطَّابِيّ (٢): أَعْذَرَ إليه، أي: بلَغ به أقْصَى العُذْرِ، ومنه قولُهم: قد أعْذَرَ مَن أَنْذَر، أي: أَقام عُذْرَ نَفْسِه في تقديم نِذارتِه. والمعنى: أنَّ مَن عمَّره الله ستِّين سنةً لم يَيْقَ له عذرٌ؛ لأنَّ الستِين قريبٌ من مُعتَركِ المنايا، وهو سنُّ الإنابةِ والخشوعِ، وترقُّبِ المنيَّة ولقاءِ الله تعالى، ففيه إعذارٌ بعد إعذار(٣)، الأوّلُ بالنبيِّ ﴾، والمُؤْتان(٤) في الأربعين والستين(٥). قال عليٍّ وابن عباس وأبو هريرةَ في تأويلٍ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ﴾: إنَّه سِتُّون سنة(٦). وقد روي عن النبيِّ ﴿ أنه قال في موعظته: ((ولقد أبْلَغَ في الإعذارِ مَن تقدَّم في الإنذار، وإنه لينادي مُنادٍ من قِبَلِ الله تعالى أبناءَ الستين: ﴿أَوَلَمْ نُعَمَِّّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَءَكُمُ النَّذِيِّ﴾))(٧). (١) صحيح البخاري (٦٤١٩)، وهو عند أحمد (٧٧١٣)، وقوله: يعني الشيب، هو في بعض روايات البخاري دون بعض كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٣٩/١١. (٢) بنحوه في غريب الحديث له ٣٥٩/٢ . (٣) في (د): إنذار، وفي (ظ): إنذاره. (٤) أي: الموت الكثير الوقوع. معجم متن اللغة (موت). ووقع في (ز) و(ظ): والمرتان، بدل: والموتان وينظر التعليق التالي. (٥) سلف نحو هذا الكلام ٩/ ٣٢٢، وفيه: ففيه إعذار بعد إعذار، الأول بالنبي#، والثاني بالشيب، وذلك عند كمال الأربعين. (٦) أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما عبد الرزاق ١٣٨/٢، والطبري ٣٨٥/١٩. وأخرجه عن علي ﴾ الطبري ٣٨٦/١٩ . أما أبو هريرة # فقد سلف الحديث عنه مرفوعاً: ((أعذر الله إلى امرئ ... )) وقد أخرجه بنحوه الرامهر مزي في الأمثال ص٩٨ وزاد بعده: يريد: ﴿أَوْلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَكُمُ النَّذِّ﴾. (٧) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وروي نحوه عن ابن عباس على ما يأتي. ٣٩٠ سورة فاطر: الآيتان ٣٦ - ٣٧ وذكر الترمذيُّ الحكيم من حديثٍ عطاء بنِ أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: ((إذا كان يومُ القيامةِ نُوديَ أبناءُ السِّين، وهو العمرُ الذي قال الله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِزَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرُ﴾))(١). وعن ابن عباس أيضاً: أنه أربعون سنةً. وعن الحسن البصريِّ ومسروقٍ مثلُه(٢). ولهذا القولِ أيضاً وجهٌ، وهو صحيحٌ؛ والحجةُ له قولُه تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَيَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً﴾ الآية [الأحقاف: ١٥]. ففي الأربعين تَنَاهي العقلِ، وما قبلَ ذلك وما بعده مُنْتِقِصٌ عنه، والله أعلم. وقال مالك: أدركتُ أهلَ العلمِ ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلمَ ويُخالِطون الناسَ، حتى يأتيَ لأحدهم أربعون سنةً، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناسَ واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيَهم الموتُ. وقد مضى هذا المعنى في سورة الأعراف(٣). وخرَّج ابن ماجه عن أبي هريرةَ أنَّ رسول الله :﴿ قال: ((أعمارُ أمَّتي ما بين الستِين إلى السبعين، وأَقلُّهم مَن يُجاوِزُ ذلك))(٤). قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾، وقرئ: ((وجاءتكم النُّذُرُ))(٥) واختُلفَ فیه؛ فقيل: القرآن. وقيل: الرسول؛ قاله زيد بنُ عليٍّ وابن زيد(٦). وقال ابنُ عباس وعكرمةُ وسفيان ووكِيعٌ والحسين بن الفضل والفرَّاء والطبريُّ: هو الشيب(٧). (١) نوادر الأصول ص ١٧٧، وأخرجه الطبري ٣٨٥/١٩، والطبراني في الكبير (١١٤١٥)، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل، قال الحافظ في التقريب: متروك. (٢) أخرجه الطبري ٣٨٤/١٩ عن ابن عباس ومسروق. وذكره عن الحسن البغوي ٣/ ٥٧٣. (٣) ٣٢٢/٩. (٤) سنن ابن ماجه (٤٢٣٦)، وسلف ٢١٨/٥. (٥) الكشاف ٣١١/٣ . (٦) أخرجه الطبري ١٩/ ٣٨٧ عن ابن زيد. (٧) أخرجه عن ابن عباس البيهقي ٣/ ٣٧٠، وسلف ٣٢٢/٩ ، وذكره عن عكرمة وسفيان ووكيع البغويُّ = ٣٩١ سورة فاطر: الآيتان ٣٦ -٣٧ وقيل: النذيرُ الحُمَّى. وقيل: موتُ الأهلِ والأقارب. وقيل: كمالُ العقلِ(١). والنذير بمعنى الإنذار. قلت: فالشيبُ والحُمَّى وموتُ الأهلِ كلُّه إنذارٌ بالموت؛ قال﴾: ((الحُمَّى رائدٌ الموت))(٢). قال الأزهريُّ: معناه: أنَّ الحمَّى رسولُ الموت(٣)، أي: كأنَّها تُشعِرُ بقدومه وتُنْذرُ بمجيئه. والشيبُ نذيرٌ أيضاً؛ لأنه يأتي في سنِّ الاكتهال، وهو علامةٌ المفارقةِ سنِّ الصِّبَا الذي هو سِنُّ اللَّهِ واللَّعِب، قال: رأيتُ الشيب من نُذُرِ المنايا وقال آخرُ : لصاحبه وحَسْبَك مِن نذير فقلتُ لها المَشيبُ نذيرُ عمري ولستُ مُسَوِّداً وَجْهَ النَّذِيرِ(٤) وأمَّا موتُ الأهلِ والأقاربِ والأصحابِ والإخوانِ؛ فإنذارٌ بالرحيل في كلِّ وقتٍ وأوان، وحینٍ وزمان، قال: وأراكَ تحملُهم ولستَ تَردُّهم فكأنَّني بك قد حُمِلتَ فلم تُرَدّ وقال آخَرُ : الموتُ في كلِّ حينٍ ينشُر الكَفَنَا ونحن في غفلةٍ عمَّا يُرادُ بنا(٥) = ٥٧٣/٣. وذكره عن الفراء والطبري الماورديُّ في النكت والعيون ٤٧٦/٤، وسلف في ترجمة عند البخاري قريباً. (١) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٤٧٦/٤ . (٢) قطعة من حديث أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ١٦٤، والطبراني كما في مجمع الزوائد ٩٤/٥-٩٥ من حديث عبد الرحمن بن المرقع ﴾. قال الهيثمي: فيه المحبر بن هارون، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ا هـ وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٨٧٠) عن الحسن مرسلاً. (٣) تهذيب اللغة ١٤/ ١٦٣. (٤) نسبه المبرِّد في الكامل ٧٠٣/٢ للعُتْبي، وهو بلا نسبة في عيون الأخبار ٥١/٤، والعقد الفريد ٥١/٣ . : (٥) البيت لمحمد بن عبد الله بن عيسى المعروف بابن أبي زمنين، كما في جذوة المقتبس ص ٥٧ ، والصلة لابن بشكوال ص ٤٨٤ . ٣٩٢ سورة فاطر: الآيات ٣٦ - ٣٩ وأمَّا كمالُ العقلِ فِهِ تُعرفُ حقائقُ الأمور، ويُفْصَلُ بين الحسناتِ والسيئات، فالعاقلُ یَعملُ لآخِرته ویَرغَبُ فیما عندَ ربِّه، فهو نذير. وأمَّا محمدٌ ﴿ فبعثَه الله بشيراً ونذيراً إلى عباده قَطْعاً لحججهم؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ﴾ يريدُ عذابَ جهنَّم؛ لأنَّكم ما اعتبرتُم ولا اتَّعَظْتُم (١). ﴿فَمَا لِلَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ أي: مانعٍ من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِّمُ غَيْبِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ عَلِيْهٌٌ بِذَاتٍ الصُّدُورِ ٣٨ تقدَّم معناه في غير موضع. والمعنى: عَلِمَ أنه لو ردَّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. و﴿عَلِمُ﴾ إذا كان بغيرِ تنوينٍ صلح أن يكون للماضي والمستقبل [والحال]، وإذا كان منوَّناً لم يَجُزْ أن يكون (٢) للماضي(٢). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ فِىِ الْأَرْضِّ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ اَلْكَفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّ مَقْنًا وَلَا يَزِيدُ الْكَفِينَ كُفْرُهُ إِلَّ خَسَارًا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَفَ فِ الْأَرْضِّ﴾ قال قتادةُ: خَلَفَاً بعد خَلَفٍ، وقَرْناً بعد قرن (٣). والخَلَفُ هو التالي للمتقدِّم، ولذلك قيل لأبي بكر: يا خليفةَ الله، فقال: لستُ بخليفةِ الله، ولكنِّي خليفةُ رسولِ الله ﴾، وأنا راضٍ بذلك(٤). (١) في (ظ): ما آمنتم ولا أطعتم. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٧٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) النكت والعيون ٤٧٧/٤، وأخرجه عبد الرزاق ١٣٧/٢، والطبري ٣٨٨/١٩-٣٨٩. (٤) أخرجه أحمد (٥٩) من طريق ابن أبي مليكة قال: قيل: لأبي بكر ... ، وابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر ﴾. ٣٩٣ سورة فاطر: الآيتان ٣٩ - ٤٠ ﴿فَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٌُ﴾ أي: جزاءُ كُفْرِهِ، وهو العقابُ والعذاب. ﴿وَلَا يَزِيدُ اُلْكَفِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ إِلَّ مَقْنًا﴾ أي: بغضاً وغضباً. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَفِرِينَ كُفْرُمْ إِلَّ خَسَارًا﴾ أي: هلاكاً وضلالاً. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَّكََّكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِى السَّمَوَتِ أَمْ ءَيْنَهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضَّا إِلَّا غُرُورًا ()﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَكُمُ الَّذِينَ تَّدْعُونَ﴾ ((شركاءَكم)) منصوبٌ بالرؤية، ولا يجوزُ رَفْعُه، وقد يجوز الرفعُ عند سيبويه في قولهم: قد علمتُ زيداً أبو مَن هو؟ لأنَّ زيداً في المعنى مُسْتَفْهَمٌ عنه. ولو قلتَ: أرأيتَ زيداً أبو مَن هو؟ لم يَجُزِ الرفعُ. والفرقُ بينهما أنَّ معنى هذا: أخْبِرني عنه، وكذا معنى هذا: أخْبِروني عن شركائكم الذين تَدْعون من دون الله، أعَبَدْتُموهم لأنَّ لهم شَرِكةً في خَلْقِ السماوات، أم خَلَقوا من الأرض شيئاً؟! ﴿أَمْ ءَاتَيْتَهُمْ كِنَبًا﴾ أي: أم عندَهم كتابٌ أنزلناه إليهم بالشَّرِكَة. وكان في هذا رَدِّ على مَن عَبَدَ غيرَ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّهم لا يجدون في كتابٍ من الكتب أنَّ الله عزَّ وجلَّ أَمر أن يُعْبَد غيرُه(١). ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِنَتٍ مِّنْهُ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزةُ وحفص عن عاصم: ﴿عَلَى بَيْنَتٍ﴾ بالتوحيد، وجَمَعَ الباقون(٢). والمَعْنَيان مُتقاربان إلَّا أنَّ قراءةَ الجمع أوْلَى؛ لأنَّه لا يخلو مَن قرأه: ﴿عَلَى بَيِّنَتٍ﴾ من أن يكون خالَفَ السوادَ الأعظمَ، أو يكون جاء به على لغةٍ مَن قال: جاءني طلحت(٣)، فوقف بالتاء، وهذه لغةٌ شاذَّةٌ قليلة؛ (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٥/٣-٣٧٦. (٢) السبعة ص ٥٣٥، والتيسير ص ١٨٢ . (٣) في (د) و (ظ): طلحة. وهو موافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣٧٦/٣ والكلام منه. ٣٩٤ سورة فاطر: الآيتان ٤٠ - ٤١ قاله النحاس(١). وقال أبو حاتم وأبو عبيد: الجمعُ أَوْلَى لموافقته الخطّ، لأنَّها في مصحفٍ عثمانَ: ((بَيِّناتٍ)) بالألف والتاء. ﴿بَّ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: أباطيلَ تَغرُّ، وهو قولُ السادةِ للسِّفْلة: إنَّ هذه الآلهةَ تَنْفعُكم وتقرِّبكم. وقيل: إنَّ الشيطان يَعِدُ المشركين ذلك. وقيل: وَعَدَهم بأنَّهم يُنصَرون عليهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَيْنِ زَالَتَآَ إِنْ ٤١ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهَّةَ إِنَُّ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ( قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولًا﴾ لمَّا بَيَّنَ أنَّ آلهتَهم لا تَقْدِرُ على خَلْقِ شيءٍ من السماوات والأرض بيَّن أنَّ خالقَهما ومُمْسِكَهما هو الله، فلا يوجد حادثٌ إلَّا بإيجاده، ولا يبقى إلَّا ببقائه. و((أنَّ) في موضع نصبٍ بمعنى: كراهةَ أنْ تَزولا، أو لئلا تزولا، أو يُحملُ على المعنى؛ لأنَّ المعنى: إنَّ الله يَمنعُ السماواتِ والأرضَ مِن(٢) أنْ تزولا، فلا حاجةَ على هذا إلى إضمارٍ، وهذا قولُ الزجَّاج(٣). ﴿وَلَيِنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِّ﴾ قال الفرَّاء(٤): أي: ولو زالتا ما أمسكهما مِن أحدٍ، و((إنْ)) بمعنى ما. قال: وهو مثلُ قوله: ﴿وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًا أَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]. وقيل: المرادُ زوالُهما يومَ القيامة(٥). (١) في إعراب القرآن ٣٧٦/٣ . (٢) قوله: من، من (ظ)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للزجاج ٢٧٣/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٦/٣ ، والكلام منه. (٣) في معاني القرآن ٢٧٣/٤ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ٣٧٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٧٦/٣. (٥) معاني القرآن للزجاج ٢٧٣/٤-٢٧٤ . ٣٩٥ سورة فاطر: الآية ٤١ وعن إبراهيمَ قال: دخل رجلٌ من أصحاب ابنِ مسعودٍ إلى كعب الأحبارِ يتعلّم منه العلمَ، فلمَّا رجع قال له ابن مسعود: ما الذي أصبتَ من كعب؟ قال: سمعتُ كعباً يقول: إنَّ السماء تدورُ على قُظْبٍ مثلٍ قُظْبِ الرَّحَى، في عمودٍ على منکبٍ مَلَكِ، فقال له عبد الله: وددتُ أنك انقلبتَ براحلتك ورَحْلِها، كَذَبَ كعبٌ، ما ترك يهوديَّته! إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ إِنَّ السماواتِ لا تدورُ، ولو كانت تدورُ لكانت قد زالت(١). وعن ابن عباس نحوُه، وأنه قال لرجلٍ مُقْبِلٍ من الشام: مَن لَقِيتَ به؟ قال: كعباً. قال: وما سمعتَه يقول؟ قال: سمعتُه يقول: إنَّ السماوات على منكبٍ مَلَكِ. قال: كَذَبَ كعب، أمَا ترك يهوديَّته بعدُ! إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولاً﴾(٢). والسماواتُ سبعٌ والأرضونَ سبعٌ، ولكن لمّا نگرهما أجراهما مجری شیئین، فعادت الكنايةُ إليهما، وهو كقوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتَّقَا فَفَتَّقْتَهُمَّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ثم ختم الآيةَ بقوله: ﴿إِنَُّ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لأنَّ المعنى فيما ذكره بعضُ أهلِ التأويلِ: إنَّ الله يمسكُ السماواتِ والأرضَ أنْ تزولا مِن كُفْرِ الكافرين، وقولِهم: اتّخذ الله ولداً. قال الكلبيُّ: لمَّا قالت اليهودُ: عزيرٌ ابنُ اللهِ، وقالت النصارى المسيحُ ابنُ الله، كادت السماوات والأرضُ أنْ تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية فيه، وهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًّا. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٨٩ -٩٠]. (١) أخرجه بنحوه الطبري ٣٩٢/١٩، وأخرجه أيضاً ٣٩١/١٩ من طريق أبي وائل عن ابن مسعود ﴾. (٢) الكشاف ٣١٢/٣ . ٣٩٦ سورة فاطر: الآيتان ٤٠ - ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَإِنِ جَهُمْ نَذِيرٌ لَيْكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَِّّ فَلَّا جَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٨ اسْتِكْبَارًا فِ اَلْأَرْضِ وَمَكْرَ السَِّّ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّ بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ سُنَّتَ الْأَوَِّينَّ فَلَنْ تَجِدَ ◌ِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا قوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَيِنِ جَهُمْ نَذِيرٌ﴾ هم قريشٌ؛ أقسموا قبل أنْ يبعث الله رسوله محمداً ﴾، حين بَلَغهم أنَّ أهل الكتابِ كذَّبوا رسلَهم، فلَعنوا مَن كذَّب نبيَّه منهم، وأَقسموا بالله جلَّ اسمُه: ﴿لَيْنِ جَهُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: نبيٌّ ﴿لَيْكُنُنَّ أَهْدَى مِنْ إِعْدَى الْأُمَمِّ﴾ يعني ممَّن كذَّب الرسلَ من أهلِ الكتاب(١). وكانت العربُ تتمنَّى أن يكون منهم رسولٌ كما كانت الرسلُ من بني إسرائيلَ، فلمَّا جاءهم ما تَمنَّوْه - وهو النذيرُ من أنفسهم - نَفَروا عنه ولم يؤمنوا به. ﴿أَسْتِكْبَارً﴾ أي: عُتُوَّا عن الإيمان ﴿وَمَكَّرَ السَِّّ﴾ أي: مَكْرَ العملِ السَِّّئ، وهو الكفرُ وخَدْعُ الضعفاء، وصدُّهم عن الإيمان ليكثُر أتباعُهم. وأنَّث ((مِن إحدى الأمم)) التأنيثِ أُمَّة؛ قاله الأخفش(٢). وقرأ حمزةُ والأعمش: ﴿ومكرَ السيِّئُ ولا يَحِيقِ المَكْرُ السيئُ﴾(٣) فحذف الإعرابَ من الأول وأثبته في الثاني. قال الزجَّاج: وهو لحن(٤)، وإنَّما صار لحناً لأنَّه حَذَفَ الإعراب منه. وزعم المبرِّدُ أنه لا يجوزُ في كلامٍ ولا في شعر؛ لأنَّ حركاتٍ الإعرابِ لا يجوز حَذْفُها، لأنها دخلت للفرق بين المعاني. وقد أغْظَم بعضُ النحويين أن يكون الأعمشُ على جلالته ومحلِّه يقرأ بهذا، وقال: إنَّما كان يقف عليه، فغلط (١) النكت والعيون ٤ /٤٧٨ . (٢) في معاني القرآن ٦٦٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٧٧/٣ . (٣) السبعة ص٥٣٥-٥٣٦، والتيسير ص١٨٢، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٧٧/٣ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٢٧٥/٤ ، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٧٧/٣ ، وما سيأتي هو من كلام النحاس. ٣٩٧ سورة فاطر: الآيتان ٤٢ - ٤٣ مَن أدَّى(١) عنه، قال: والدليلُ على هذا أنه تمامُ الكلام، وأنَّ الثاني لمَّا لم يكن تمامَ الكلام أُعرِبَ باتِّفاق، والحركةُ في الثاني أَثْقَلُ منها في الأوّل لأنها ضمةٌ بين كسرتين. وقد احتجَّ بعض النحويين لحمزةً في هذا بقولٍ سيبويه، وأنه أنشد هو وغيرُه : إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوِّمِ(٢) وقال الآخر: فاليومَ أشْرَبْ غيرَ مُسَتَحْقِبٍ إِثْماً مِن اللهِ ولا واغِلٍ(٣) وهذا لا حجةً فيه؛ لأنَّ سیبویه لم يُچِزْه، وإنَّما حكاه عن بعض النحویین، والحديثُ إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجةٌ، فكيف وإنَّما جاء به على الشُّذوذِ ولضرورةِ الشعر. وقد خُولفَ فيه، وزعم الزجَّاج أنَّ أبا العباس أنشده: إذا اعْوجَجْنَ قلتُ صاحِ قَوِّمِ وأنه أنشد: فاليومَ فاشْرَبْ (٤) غیرَ مُسْتَحْقِبٍ ذَگر جمیعَه النحاس(٥). الزمخشريُّ: وقرأ حمزةُ: ((ومكر السيِّئُ)) بسكون الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات [مع الياء والهمزة]، ولعله اخْتَلَسَ فُنَّ سكوناً، أو وَقَفَ وقفةً خفيفةً ثم (١) في (د): ادعى. (٢) الكتاب ٢٠٣/٤، وسلف ١١٢/٢، وعجزه: بالدَّوِّ أمثالَ السَّفينِ العُوَّمِ. (٣) الكتاب ٢٠٤/٤ ، والبيت لامرئ القيس، وسلف ١١٢/٢، وجاء في رواية الأصمعي للديوان ص١٢٢ : فاليوم أسقى. وفي رواية الطوسي ص٢٥٨: فاليوم فاشرب، وستأتي. (٤) في النسخ: اشرب، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٢٧٥/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٣ والكلام منه، قال النحاس: فاليوم فاشرب بالفاء. اهـ. وهذا موافق لرواية الطوسي للديوان ص٢٥٨ . (٥) في إعراب القرآن ٣٧٧/٣-٣٧٨، ووقع في (د) و (م) قبل قوله ذكر جميعه النحاس: بوصل الألف على الأمر. ٣٩٨ سورة فاطر: الآيتان ٤٢ - ٤٣ ابتدأ: ((ولا يحِيق)). وقرأ ابن مسعود: ((ومَكْراً سيئاً))(١). وقال المهدويُّ: ومَن سكَّن الهمزةَ من قوله: ((ومكر السيِّئ)) فهو على تقدير الوقفِ عليه، ثم أجرى الوصلَ مُجرى الوقفِ، أو على أنه أَسكن الهمزةَ لتَوالي الكَسْراتِ(٢) والياءات، كما قال: فاليومَ أشربْ غيرَ مستحقبٍ قال القُشَيريُّ: وقرأ حمزة: ((ومكر السيِّئ)) بسكون الهمزة، وخطَّأه أقوامٌ. وقال قومٌ: لعله وقف عليه لأنه تمامُ الكلام، فغَلِطَ الراوي ورَوَى ذلك عنه في الإدراج. وقد سبق الكلامُ في أمثالِ هذا، وقلنا: ما ثبت بالاستفاضةِ أو التواتُرِ أنَّ النبيَّ ﴾ قرأه فلابدَّ من جوازِهِ، ولا يجوزُ أن يقال: إنه لحنٌ(٣). ولعلَّ مُرادَ مَن صار إلى التخطئةِ أنَّ غيره أفصحُ منه، وإنْ كان هو فصيحاً. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ أي: لا تَنْزِلُ عاقبةُ الشركِ إلَّ بمَن أَشْرَكَ. وقيل: هذا إشارةٌ إلى قتلهم بیدر. وقال الشاعر: وقد دفعوا المنيةَ فاستقلَّتْ ذراعاً بعدما كانت تحيقُ(٤) (١) الكشاف ٣١٢/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وقراءة ابن مسعود في المحتسب ٢٠٢/٢ . (٢) في (ظ): الحركات. (٣) ينظر ص ١٤٠ من هذا الجزء. (٤) النكت والعيون ٤٧٩/٤، والبيتُ للمفضَّل التُّكْري كما في الأصمعيات ص ٢٠٠ ، والمعاني الكبير ٩٤٥/٢، ومنتهى الطلب ٢٣٩/٨، ونسبه الأخفش في الاختيارين ص٢٤٥ لعامر بن معشر. وذكر السيوطي في شرح شواهد المغني ١٧١/١ أن المفضل هو عارم بن معشر، وإنما سمي مفضلاً لهذه القصيدة. ووقع في المصادر: وهم، بدل: وقد. ودراكاً: بدل: ذراعاً. وفي بعضها: رفعوا، بدل: دفعوا. وكادت، بدل: كانت. قال الأخفش: المنية: الحرب، ويروى: رفعوا، بالراء، أي: رفعوا الراية، وتحتها الموت. دراكاً، أي: مُدارَكة. ٣٩٩ سورة فاطر: الآيتان ٤٢ - ٤٣ أي: تنزل، وهذا قولُ قُظْرُب. وقال الكلبيُّ: ((يَحيق)) بمعنى يُحيط(١). والحَوْق: الإحاطة، يقال: حاق به كذا، أي: أحاط به. وعن ابن عباس أنَّ كعباً قال له: إنِّي أَجِدُ في التوراة: مَن حَفَر لأخيه حُفرةً وقع فيها. فقال ابن عباس: فإنِّي أوجِدُكَ في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾(٢). وفي أمثالِ العرب: مَن حفَر لأخيه جُبًّا وقَعَ فيه مُنْكَبًّا(٣). وروى الزُّهرِيُّ أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((لا تَمْكُرْ ولا تُعِنْ ماكراً؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾، ولا تَبْغ ولا تُعِنْ باغياً؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِةٍ﴾ [الفتح: ١٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]))(٤). وقال بعضُ الحكماء: والظُّلْمُ مَردودٌ على مَن ظَلَمْ يا أيها الظالمُ في فِعْلِهِ تُحصي المُصيباتِ وتَنسى النِّعمْ(٥) إلى متى أنت وحتّى متى وفي الحديث: ((المكرُ والخديعةُ في النار))(٦). فقولُه: ((في النار)) يعني: في (١) ذكر القولين الماوردي في النكت والعيون ٤٧٩/٤ . (٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣١٢/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٣/٤ . (٣) المستقصى ٣٥٤/٢، والكشاف ٣١٢/٣. (٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٢٥)، وفيه: ولا تَبْغِ ولا تُعِنْ باغياً؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ولا تنكُث ولا تُعِنْ ناكثاً؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. وهو مرسل. (٥) البيتان لمحمود الوراق كما في الشعب للبيهقي (٤٦٣٠)، والتدوين في أخبار قزوين ١/ ٥٠٠ ، ووقع في (م): المصائب، بدل: المصيبات. وفي المصادر: تشكو، بدل: تحصي. (٦) أخرجه ابن حبان (٥٦٧) والطبراني في الكبير (١٠٢٣٤) من حديث ابن مسعود﴾. وأخرجه الحاكم ٦٠٧/٤ من حديث أنس ﴾. وأخرجه ابن عدي ٥٨٤/٤ من حديث قيس بن سعد ﴾. وأخرجه البزار (١٠٣ - كشف) وابن عدي ٤/ ١٦٣٤ من حديث أبي هريرة ﴾ وأخرجه أبو داود في المراسيل (١٦٥) عن الحسن عن النبي # مرسلاً، وزاد: والخيانة. ٤٠٠ سورة فاطر: الآيات ٤٢ - ٤٤ الآخرة تُدخِلُ أصحابَها في النار؛ لأنَّها من أخلاق الكفَّار لا من أخلاقِ المؤمنين الأخيار؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا الحديث: ((وليس من أخلاق المؤمنِ المكرُ والخديعةُ والخيانة))(١). وفي هذا أُبلغ تحذيرٍ عن التخلُّقِ بهذه الأخلاقِ الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَِّينَّ﴾ أي: إنَّما ينتظرون العذابَ الذي نزل بالكفَّار الأوَّلين. ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلًاٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ أي: أَجْرَى الله العذابَ على الكفار، وجعل(٢) ذلك سُنةً فيهم، فهو يعذِّبُ بمثله مَن استحَقَّه، لا يقدر أحدٌ أن يبدِّل ذلك، ولا أنْ يحوِّل العذابَ عن نفسه إلى غيره. والسُّنّة: الطريقة، والجمعُ سُنَن. وقد مضى في ((آل عمران))(٣). وأضافَها إلى الله عزَّ وجلَّ، وقال في موضع آخرَ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧] فأضافَ إلى القوم؛ لتعلَّق الأمر بالجانبين، وهو كالأجَل، تارةً يضافُ إلى الله، وتارةً إلى القوم؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَأَنٍ﴾ [العنكبوت: ٥] وقال: ﴿فَإِذَا جَآَةَ [النحل: ٦١]. أَجَـ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِمْ وَكَانُوّ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا بَيَّن السُّنَّةَ التي ذَكَرها، أي: أوَلم يَرَوْا إلى ما أنزلنا بعادٍ وثمودَ ومَدْين وأمثالهم لمَّا كذَّبوا الرسلَ، فيتدبَّروا ذلك بنظرهم(٤) إلى مساكنهم ودُورِهم، وبما سمعوا على (١) أخرجه بهذه الزيادة ابن وهب في الجامع ص٧٦ من طريق مجاهد عن النبي # مرسلاً، ولم ترد هذه الزيادة في الأحاديث التي ذكرناها في التعليق السابق. (٢) في النسخ عدا (ظ): ويجعل، والمثبت من (ظ) وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٣، والكلام منه. (٣) ٣٣٢/٥ . (٤) في (د): فتدبروا ذلك بنظركم، وفي (خ) و (م): فتدبروا ذلك بنظرهم.