النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة سبأ: الآيات ٣٤ - ٣٨ أغنياؤها ورؤساؤها وجبَابِرَتُها وقادةُ الشّرِّ للرسل: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾(١). ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَنْوَلًا وَأَوْلَدًا﴾ أي: فُضِلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربُّكم راضياً بما نحن عليه من الدِّين والفضل لم يخوِّلنا ذلك. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لأنَّ مَن أَحْسَنَ إليه فلا يُعذِّبُه. فردّ الله عليهم قولَهم وما احتجُّوا به من الغِنَى فقال النبيِّهِ ﴾: ﴿قُلّ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: يوسِّعُه ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يقتِّر، أي: إنّ الله هو الذي يُفاضِلُ بين عبادِه في الأرزاق امتحاناً لهم، فلا يدلُّ شيءٌ من ذلك على ما في العواقب، فَسَعَةُ الرزق في الدنيا لا تدلُّ على سعادة الآخرة، فلا تظنُّوا أموالكم وأولادكم تُغني عنكم غدًا شيئًا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذا؛ لأنَّهم لا يتأمّلون. ثم قال تأكيداً: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيْكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ﴾ قال مجاهد: أي: قُرْبَى. والزُّلْفةُ: القُرْبة(٢). وقال الأخفش(٣): أي: إزلافاً، وهو اسمُ المصدر، فيكون موضعُ ((قُرْبَى)) نصبًا، كأنه قال: بالتي تقرِّبكم عندنا تقريباً. وزعم الفراء أنَّ ((التي)) تكون للأموال والأولاد جميعاً. وله قولٌ آخَرُ - وهو مذهبُ أبي إسحاقَ الزجَّاج - يكون المعنى: وما أموالُكم بالتي تقرِّبكم عندنا زُلْفَى، ولا أولادكم بالتي تقرِّبكم عندنا زُلْفَى، ثم حذفَ خبر الأولِ لدلالة الثاني عليه، وأنشد الفراء: نحن بما عندنا وأنتَ بما عندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ (٤) (١) أخرجه الطبري ٣٥٢/١٩، وذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٥١/٣. (٢) النكت والعيون ٢٩٧/٤ . وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٩٦/١٩. (٣) في معاني القرآن ٦٦٣/٢ . (٤) معاني القرآن للفراء ٣٦٣/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥١/٣ وعنه نقل المصنف قول الفراء والزجاج، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٥٥/٤. وسلف البيت ١٨٨/١٠. ٣٢٢ سورة سبأ: الآيات ٣٤ - ٣٨ ويجوز في غير القرآن: باللَّتين وباللَّاتي وباللَّواتي وباللَّذَيْنِ، وبالَّذينَ للأولاد ـة (١) خاصة أي: لا تَزيدُكم الأموالُ عندنا رِفعةً ودرجةً، ولا تقرِّبكم تقريباً. ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ قال سعيد بن جبير: المعنى: إلَّا من آمَنَ وعَمِلَ صالحاً فلن يَضُرَّه مالُه وولدُه في الدنيا(٢). وروى ليثٌ عن طاوسٍ أنه كان يقول: اللهمَّ ارزقني الإيمانَ والعمل، وجنِّبني المالَ والولد، فإنِّي سمعتُ فيما أوْحيتَ: ﴿وَمَآَ أَوْلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَِّى تُقَرِيَكُرْ عِنْدَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾(٣). قلت: قولُ طاوسٍ فيه نظر، والمعنى والله أعلم: وجنِّبني المالَ والولدَ المُطْغِيَيْن، أو اللَّذَينِ لا خيرَ فيهما، فأمَّا المالُ الصالح والولدُ الصالح للرجل الصالحِ فنِعْمَ هذا! وقد مضى هذا في ((آل عمران، ومريم، والفرقان))(٤). و ((مَن)) في موضعِ نصبٍ على الاستثناء المنقطع، أي: لكنْ مَن آمَنَ وعمل صالحاً فإيمانُه وعملُه يقرِّبانِه منِّي. وزعم الزجَّاج أنه في موضع نصبٍ بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في ((تقرِّبكم)). النحاس: وهذا القولُ غلطٌ؛ لأنَّ الكافَ والميمَ للمخاطَب، فلا يجوزُ البدلُ، ولو جاز هذا لجاز: رأيتُك زيداً. وقولُ أبي إسحاقَ هذا هو قولُ الفرَّاء، إلَّا أنَّ الفراء لا يقول: بدل، لأنَّه ليس من لفظِ الكوفيين، ولكنَّ قولَه يَؤولُ إلى ذلك، وزعم أنَّ مثله: ﴿إِلَّا مَنْ أَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] يكون منصوباً عنده بـ ((ينفع)). وأجاز الفرَّاء أن يكون ((مَن)) في موضع رفعٍ بمعنى: ما هو إلّا مَن آمَنَ، كذا قال: ولستُ أحصِّلُ معناه(٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٢/٣، وبنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٥٥/٤ . (٢) أخرج نحوه الطبري ٢٩٧/١٩ عن ابن زيد، ولم نقف عليه عن سعيد بن جبير. (٣) النكت والعيون ٤٥٣/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٣٨/٥ . (٤) ٥/ ١١٠ و٤١٤/١٣ و٤٨٨/١٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٢/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٥٥/٤، وقول الفراء في معاني القرآن ٣٦٣/٢ . ٣٢٣ سورة سبأ: الآيات ٣٤ - ٣٨ ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَّهُ الشِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ﴾ يعني قوله: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فالضِّعْفُ: الزيادة، أي: لهم جزاءُ التضعيف. وهو من باب إضافةٍ المصدرِ إلى المفعول. وقيل: لهم جزاءُ الأضعافِ، فالضِّعفُ في معنى الجمع. وإضافةُ الضعفِ إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نَفْسِه، نحو: حقّ اليقين، وصلاة الأُولى. أي: لهم الجزاءُ المضغَّف؛ للواحد عشرةٌ إلى ما يُريد اللهُ من الزِّيادة. وبهذه الآية استدلَّ مَن فضَّل الغِنَى على الفقر. وقال محمد بن كعب: إنَّ المؤمن إذا كان غنيًّا تقيًّا آتاه الله أَجْرَه مرَّتين بهذه الآية (١). ﴿وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾. قراءةُ العامةِ: ((جَزَاءُ الضِّعْفِ)) بالإضافة. وقرأ الزُّهرِيُّ ويعقوبُ ونصر بن عاصم: ((جزاءً)) منوَّناً منصوباً ((الضعفُ)) رفعاً (٢)، أي: فأولئك لهم الضِّعفُ جزاءً، على التقديم والتأخير. ((وَجَزَاءٌ الضِّعْفَ)) على أن يجازَوا الضعفَ. و((جزاءٌ الضُّعفُ)) مرفوعان، الضِّعفُ بدل من جزاء(٣). وقَرأَ الجمهور أيضاً: ﴿فِ الْغُرُوَتِ﴾ على الجمع، وهو اختيارُ أبي عبيد؛ لقوله: ﴿لَنْبَوْتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]. الزمخشريُّ: وقرئ ((في الغرفات)) بضمِّ الراء وفَتْحِها وسكونها(٤). وقرأ الأعمش ويحيى بن وَثَّاب وحمزةُ وخلف: ﴿في الغرفة﴾ على التوحيد (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ اُلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥]. والغرفةُ قد يُرادُ بها اسمُ (١) النكت والعيون ٤٥٣/٤ . (٢) النشر ٣٥١/٢. و((جزاءً)) في هذه القراءة منصوب على الحال، كما ذكر أبو حيان في البحر ٢٨٦/٧. (٣) الكشاف ٢٩٢/٣. وقراءة: ((جزاء الضعفُ)) - برفعهما - ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٢/٤ عن قتادة. وقراءة: ((جزاء)» بالرفع والتنوين «الضعفَ)) بالنصب ذكرها الألوسي في روح المعاني ١٤٩/٢٢ . (٤) الكشاف ٢٩٢/٣، والقراءة بفتح الراء وسكونها في القراءات الشاذة ص ١٢٢ . (٥) السبعة ص ٥٣٠ ، والتيسير ص ١٨١ عن حمزة. وأما قراءة خلف المشهورة عنه فكقراءة الجمهور. ٣٢٤ سورة سبأ: الآيات ٣٤ - ٣٩ الجمعِ واسم الجنس. قال ابن عباس: هي غرفٌ من ياقوتٍ وزبرجد ودُرِّ. وقد مضى بیانُ ذلك(١). ﴿مَامِنُونَ﴾ أي: من العذاب والموت والأسقام والأحزان. ﴿وَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي ءَايَكِنَا﴾ في إبطال أدلَّتِنا وحُجَجنا وكتابنا. ﴿مُعَجِزِينَ﴾: معانِدين، يحسبون أنَّهم يفوتوننا بأنفسهم. ﴿أُوْلَكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في جهنّم؛ تُحضِرُهم الزبانيةُ فيها. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِنَ ◌َا﴾ قوله تعالى: ﴿قُلٌ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ اَلْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ كرَّر تأكيدًا. ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهٌ﴾ أي: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المغترِّين بالأموال والأولاد: إنَّ الله يوسِّع على مَن يشاء ويضيّق على مَن يشاء، فلا تغترُّوا بالأموال والأولاد، بل أَنْفِقوها في طاعة الله، فإنَّ ما أَنفقتُم في طاعة الله فهو يُخْلِفُه. وفيه إضمارٌ، أي: فهو يُخْلِفُه عليكم؛ يقال: أَخْلَفَ له وأَخْلَفَ عليه، أي: يعطيكم خَلَفَه وبَدَلَه، وذلك البَدَلُ إِمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة. وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((ما مِن يومٍ يصبحُ العبادُ فيه إلَّا ومَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، و[يقول الآخَر: اللهم] أَعْطِ مُمْسِكاً تَلفَا)(٢). وفيه أيضاً عن أبي هريرةَ، عن رسول الله ﴿ قال: ((إنَّ الله قال لي: أَنفِقْ أُنْفِقْ عليك ... )) الحديث(٣). وهذه إشارةٌ إلى الخَلَف في الدنيا بِمِثْلِ المنفَق فيها إذا كانت (١) ينظر ٢٩٩/١٠ و٤٩١/١٥. وخبر ابن عباس سيأتي عند تفسير الآية (٢٠) من سورة الزمر. (٢) صحيح مسلم (١٠١٠)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٨٠٥٤)، والبخاري (١٤٤٢). (٣) صحيح مسلم (٩٩٣)، وهو عند أحمد (٧٢٩٨)، والبخاري (٤٦٨٤). ٣٢٥ سورة سبأ: الآية ٣٩ النفقةُ في طاعة الله. وقد لا يكون الخَلَفُ في الدنيا، فيكون كالدعاء - كما تقدَّم(١) - سواءً في الإجابة أو التكفير أو الادِّخار، والادِّخارُ ها هنا مثله في الأجر (٢). مسألة: روى الدَّارِ قُطْنيُّ وأبو أحمد بنُ عَدِيٍّ عن عبد الحميد الهلاليّ، عن محمد ابن المُنْكَدِر، عن جابر قال: قال رسول اللـه ﴾: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ، وما أَنْفقَ الرجلُ على نفسه وأهله كُتب له صدقة، وما وَقَى به الرجلُ عِرضَه فهو صدقةٌ، وما أَنْفَقَ الرجل من نفقةٍ فعَلَى الله خَلَفُها، إلَّا ما كان من نفقةٍ في بنيانٍ أو معصية)). قال عبد الحميد: قلتُ لابن المنكدر: ما ((وَقَى الرجلُ عِرضَه))؟ قال: يعطي الشاعرَ وذا اللسان(٣). عبد الحميد وثَّقه ابن معين(٤). قلت: أمَّا ما أنفق في معصيةٍ فلا خلافَ أنه غيرُ مثابٍ عليه ولا مخلوفٍ له. وأمَّا البنيانُ فما كان منه ضروريًّا يُكِنُّ الإنسانَ ويحفظُه، فذلك مخلوفٌ علیه وماجورٌ ببنيانه، وذلك لِحِفْظِ(٥) بنيته وسترٍ عورته؛ قال ◌َ﴾: ((ليس لابن آدمَ حقٌّ في سِوى هذه الخصالِ: بيتٍ يسكنُه، وثوبٍ يوارِي عورته، وجِلْفِ الخبز، والماء)) (٦). وقد مضى هذا المعنى في ((الأعراف)) مستوفّى(٧). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ لمَّا كان يقال في الإنسان: إنَّه يَرْزُقُ عيالَه، والأمير جندَه، قال: ((وهو خيرُ الرَّازِقِينَ)) والرزاقُ من الخَلْقِ يَرزقُ، لكنَّ ذلك من (١) ١٨٠/٣. (٢) في (ظ): الآخرة، وكذلك وقع في أحكام القرآن لابن العربي ١٥٩٢/٣، والكلام فيه بنحوه. (٣) سنن الدارقطني (٢٨٩٥)، والكامل ١٩٥٩/٥. وسلف ٢٦٨/٩ - ٢٦٩. (٤) الكامل ١٩٥٨/٥، وعبد الحميد هو ابن الحسن الهلالي، وقال فيه أبو حاتم: شيخ، وضعفه ابن المديني وأبو زرعة والدار قطني. ميزان الاعتدال ٥٣٩/٢ . (٥) في (د) و(م): وكذلك كحفظ، وفي (خ): وذلك كحفظ. (٦) أخرجه أحمد (٤٤٠)، والترمذي (٢٣٤١) من حديث عثمان ، وهو حديث لا يصح كما سلف الكلام ٥٧/٥. قوله: جلف الخبز، أي: وحدّه ليس معه إدام، أو: الخبز الغليظ اليابس. (٧) ٢٦٧/٩ - ٢٦٩ . ٣٢٦ سورة سبأ: الآيات ٣٩ - ٤١ مالٍ يُملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يَرزقُ من خزائنَ لا تفنَى ولا تتناهَى. ومَن أَخْرِجَ من العدم إلى الوجود فهو الرَّازقُ على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ (١) قوله تعالى: ﴿ويوم نَحشرهم جميعاً﴾ هذا متَّصلٌ بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ﴾ [الآية: ٣١] أي: لو تَراهم في هذه الحالةِ لرأيتَ أمراً فظيعاً. والخطابُ للنبيٍّ ﴾، والمرادُ هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضاً يومَ نَحْشرُهم جميعاً، العابِدِينَ والمعبودينَ، أي: نجمعهم للحساب (ثُمَّ نَقُولُ (١) لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءٍ إِنَّكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾. قال سعيد عن قتادة: هذا استفهامٌ، كقوله عزَّ وجلَّ لعيسى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الشَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] قال النحاس(٢): فالمعنى: أنَّ الملائكةَ صلواتُ الله عليهم إذا أكْذَبَتْهم؛ كان في ذلك تبكيتٌ لهم، فهو استفهامُ توبيخٍ للعابِدِين. ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك ﴿أَنْتَ وَلِتُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: أنت ربُّنا الذي نَتَوَلَّاه ونطيعُه ونعبده ونُخْلِصُ في العبادة له. ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ﴾ أي: يُطيعون إبليسَ وأعوانه. وفي التفاسير(٣): أنَّ حَيًّا يقال لهم: بنو مُلَيح من خُزاعةً؛ كانوا يعبدون الجنَّ، ويزعمون أنَّ الجنَّ تتراءى لهم، وأنَّهم ملائكةٌ، وأنَّهم بناتُ اللـه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِْنَّةِ فَسَبًّا﴾ [الصافات: ١٥٨]. (١) قرأ حفص: ((يحشرهم)) و((يقول)) بالياء، والباقون بالنون، وهو ما وقع في النسخ. السبعة ص ٥٣٠، والتيسير ص١٠٧ . (٢) في إعراب القرآن ٣٥٣/٣ - ٣٥٤، وما قبله منه. وقول قتادة قبله أخرجه الطبري ٢٩٩/١٩ - ٣٠٠. (٣) في (ظ): وفي التفسير. ٣٢٧ سورة سبأ: الآيات ٤٢ - ٤٥ قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُرْ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ (@ عَذَابَ النَّارِ الَّتِىِ كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ قوله تعالى: ﴿فَلْمَ لَا يَعْلِكُ بَعْضُكُرْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا﴾ أي: شفاعةً ونَجاةً ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: عذاباً وهَلاكاً. وقيل: أي: لا تملك الملائكةُ دفعَ ضرِّ عن عابِدِيهم، فحذف المضاف. ﴿وَتَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ يجوزُ أن يقول الله لهم أو الملائكة: ذوقوا. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَِّاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُرُ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَآ إِلَّ إِنْكٌ مُّفْتَّىَّ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَا ٤٣ جَآءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُنَا بََّاتٍ﴾ يعني القرآن ﴿قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ يَعنون محمداً ﴿ ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمُ عَنَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ﴾ أي: أَسْلافُكم من الآلهة التي كانوا يعبدونها. ﴿وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِنٌْ مُفْتَرَى﴾ يعنون القرآن، أي: ما هو إلَّا كذبٌ مُخْتَلَق. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ فتارةً قالوا: سحرٌ، وتارةً قالوا: إفك. ويحتمل أن يكون منهم مَنْ قال: سحر، ومنهم مَن قال: إنك. قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيْنَهُم مِّن كُتٍُ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيَّهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبِلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِىٌّ فَكَّفَ كَانَ ٤٤ نکیرِ ٤٥ قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانِيْنَهُمْ مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ أي: لم يقرؤوا في كتابٍ أُوتُوه بطلانَ ما جئتَ به، ولا سَمِعوه من رسولٍ بُعث إليهم، كما قال: ﴿أَمْ ءَانِيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١]. فليس لتكذيبهم وجهٌ يُتَشَبَّثُ به ولا شبهةٌ يُتَعَلَّقُ بها (١) كما يقول أهلُ الكتاب - وإنْ كانوا مُبْطِلينَ - : نحن أهلُ كتابٍ وشرائعَ (١) في (ظ): وجه متشبث به ولا شبهة متعلقٌ بها، وفي الكشاف ٢٩٣/٣ (والكلام منه): وجه متشبث ولا شبهة متعلق. ٣٢٨ سورة سبأ: الآيات ٤٤ - ٤٦ ومُستَنِدون إلی رسلٍ من رسل الله. ثم توَّدَهم على تكذيبهم بقوله الحقّ: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَلِهِمْ﴾ أي: كذَّب قبلَهم أقوامٌ كانوا أشدَّ من هؤلاء بطشًا، وأكثرَ أموالاً وأولاداً، وأَوسعَ عيشاً، فَأَهْلَكْتُهم؛ كثمودَ وعادٍ. ﴿وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ أي: ما بلغ أهلُ مكةَ مِعْشارَ ما آتينا تلك الأمم. والمِعْشارُ والعُشْر سواء، لغتان. وقيل: المِعْشارُ عُشْرُ العُشْرِ (١). الجوهريّ(٢): ومِعْشارُ الشيءِ عُشْرُه، ولا يقولون هذا في شيءٍ سوى العُشْرِ. وقيل: ما بلغ الذين مِن قَبْلِهِم مِعْشارَ شُكْرٍ ما أعطيناهم؛ حكاه النقَّاش. وقيل: ما أعطَى الله تعالى مَن قبلهم مِعْشارَ ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس: فليس أمةٌ أعلمَ من أمته، ولا كتابٌ أبينَ من كتابه(٣). وقيل: المِعْشارُ هو عُشْرُ العشير، والعشيرُ هو عُشْرُ العُشْرِ، فيكون جزءًا من ألفٍ جزء. الماروديُّ(٤): وهو الأَظْهَرُ؛ لأنَّ المراد به المبالغةُ في التقليل. وَفَكَذَّبُواْ رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ أي: عقابي في الأمم، وفيه محذوفٌ وتقديرُه: فأهلكناهم فکیف کان نکيري. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ ٤٦ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّنِ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِطُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ تَمَّمَ الحُجَّةَ على المشركين، أي: قُلْ لهم يا محمدُ: ﴿إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ﴾ أي: أذكِّرُكم وأحذِّركم سوءَ عاقبةِ ما أنتم فيه. ﴿بِوَحِدَةٍ﴾ أي: بكلمةٍ واحدة مشتملةٍ على جميع الكلام، تقتضي نَفْيَ الشِّرْكِ وإثباتَ (١) النكت والعيون ٤ / ٤٥٥ . (٢) في الصحاح (عشر). (٣) النكت والعيون ٤/ ٤٥٥ . (٤) في النكت والعيون ٤/ ٤٥٥ ، وما قبله منه. ٣٢٩ سورة سبأ: الآية ٤٦ الإِله. قال مجاهد: هي لا إله إلا الله(١)، وهذا قولُ ابن عباس والسُّدِّي(٢). وعن مجاهد أيضاً: بطاعة الله(٣). وقيل: بالقرآن؛ لأنه يجمع كلَّ المواعظ (٤). وقيل: تقديرهُ: بخصلةٍ واحدةٍ، ثم بيَّنها بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ فتكون ((أَنْ)) في موضعٍ خفضٍ على البَدَلِ من ((وَاحِدَةٍ))، أو في موضعِ رفعٍ على إضمارِ مبتدأ، أي: هي أنْ تقوموا. ومذهبُ الزجَّاج(٥) أنَّها في موضع نصبٍ بمعنى: لأنْ تقوموا. وهذا القيامُ معناه: القيامُ إلى طلبِ الحقِّ، لا القيامُ الذي هو ضدُّ القعود، وهو كما يقال: قام فلانٌ بأمر كذا. أي: لوجه الله والتقرُّب إليه. وكما قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]. ﴿مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ أي: وُحدانًا ومُجتَمِعين؛ قاله السُّدِّيّ. وقيل: منفردًا برأيه ومُشاوِرًا لغيره، وهذا قولٌ مأثور. وقال القُتَبيُّ: مناظِرًا مع غيره ومفكِّرا في نفسه (٦)، وكلُّه متقارب. ويحتمل رابعاً: أنَّ المَثْنَى عملُ النهار، والفُرادى عملُ الليل؛ لأنه في النهار مُعَانٌ، وفي الليل وحيد؛ قاله الماوَرْديّ(٧). (١) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٢٥٤/٣، وأخرجه الفريابي وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٤٠/٥. (٢) النكت والعيون ٤٥٥/٤ عن السدي، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج، كما في الدر المنثور ٢٤٠/٥، ولم نقف عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أخرجه الطبري ٣٠٤/١٩ . (٤) النكت والعيون ٤ / ٤٥٥ . (٥) في معاني القرآن له ٤/ ٢٥٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٥٤/٣. (٦) النكت والعيون ٤٥٦/٤، وقول ابن قتيبة بنحوه في تفسير غريب القرآن ص ٣٥٨ . ووقع في (ظ): ومتفكراً مع نفسه. (٧) في النكت والعيون ٤/ ٤٥٦ . ٣٣٠ سورة سبأ: الآية ٤٦ وقيل: إنَّما قال: ((مَثْنَى وَفُرَادَى)) لأنَّ الذهنَ حجةُ اللهِ على العباد، وهو العقلُ، فَأَوْفرُهم عقلاً أوفَرُهم حظًّا من الله، فإذا كانوا فُرادى كانت فكرةً واحدة، وإذا كانوا مَثْنَى تَقابَلَ الذهنان، فتراءى من العلم لهما ما أُضْعِفَ على الانفراد، والله أعلم. ﴿َُّ تَتَفَكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّنْ جِنٍَّ﴾ الوقفُ عند أبي حاتم وابنِ الأنباريِّ على: ﴿ثُمَّ نَفَكَّرُواْ﴾(١). وقيل: ليس هو بوقفٍ؛ لأنَّ المعنى: ثم تتفكّروا: هل جرَّبتم على صاحبكم كذباً، أو رأيتم فيه جِنَّةً، أو في أحواله من فسادٍ، أو اخْتَلَفَ إلى أحدٍ ممَّن يدَّعي العلمَ بالسحر، أو تعلّم الأقاصيصَ وقرأ الكتب، أو عَرَفْتُموه بالطمع في أموالكم، أو تَقْدِرون على معارضته في سورةٍ واحدة؟ فإذا عرفتُم بهذا الفِكر صدقَه، فما بالُ هذه المعاندة؟! ﴿إِنْ هُوَ إِلَّ نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ وفي ((صحيح)) مسلم عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ((وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقرَبِينَ. ورَهْطَكَ مِنهم المُخْلِصِين)) خرج رسول الله ﴾ حتى صعِد الصَّفا فهتف: ((يا صباحاه)) فقالوا: مَن هذا الذي يَهْتِفُ؟! قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: ((يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد منافٍ، يا بني عبدِ المطّلبٍ)) فاجتَمَعوا إليه فقال: ((أرأيتُم لو أَخْبَرْتكم أنَّ خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتُم مُصَدِّقيَّ؟)) قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً. قال: ((فإِنِّي نذيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديد)). قال: فقال أبو لهب: تَبَّ لك! أما جمعتَنا إلَّا لهذا؟ ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقد تَبّ﴾ كذا قرأ الأعمش إلى آخِرِ السورة (٢) . (١) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٤٧، وذكره عن أبي حاتم ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٥/٤ . (٢) صحيح مسلم (٢٠٨)، وهو عند أحمد (٢٨٠١)، والبخاري (٤٩٧١). قوله: ورهطك منهم المخلصين، قال أبو العباس في المفهم ٣٨٤/٧ : ظاهر هذا أنه كان قرآناً يُتلى، وأنه نُسخ؛ إذ لم يثبت نَقْلُه في المصحف، ولا تَواتّر. ٣٣١ سورة سبأ: الآيتان ٤٧ - ٤٨ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللّهِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ (ج)﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: جُعْلٍ على تبليغ الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: ذلك الجُعْلُ لكم إنْ كنتُ سألتُكُموه ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَتٍْ شَهِيدٌ﴾ أي: رقيبٌ وعالمٌ وحاضِرٌ لأعمالي وأعمالكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، فهو يجازي الجميع. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبٍِّ يَقْذِفُ بِالِّْ عَلَّمُ الْغُبِ (٤٨) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِالِْ﴾ أي: يبيِّن الحجةَ ويُظْهِرُها. قال قتادة: بالحقِّ: بالوحي. وعنه: الحقُّ القرآن (١). وقال ابن عباس: أي: يقذفُ الباطلَ بالحقِّ علامُ الغيوبِ (٢). وقرأ عيسى بن عمر: ((عَلَّمَ الغيوب))(٣) على أنه بدلٌ، أي: قُلْ: إنَّ ربِّي علَّمَ الغيوبِ يقذفُ بالحقِّ. قال الزجاج(٤): والرفعُ من وجهين: على الموضع؛ لأنَّ الموضعَ موضعُ رفعٍ، أو على البدل ممَّا في ((يقذف)). قال النخَّاس: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبراً بعد خبر، ويكون على إضمارٍ مبتدأ. وزعم الفرَّاء أن الرفع في مثل هذا أكثرُ في كلام العرب إذا أتى بعد خبر ((إنَّ))، ومثلُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَمُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤](٥). (١) أخرجه الطبري ٣٠٧/١٩ بلفظ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِلْمِ﴾ أي: بالوحي ﴿عَلَّمُ اُلْغُبِ. قُلْ جَهَ اَلْمَىُّ﴾ أي: القرآن. وسيرد في الآية التي بعدها . (٢) ذكره الرازي ٢٥/ ٢٧٠ دون نسبة، وربطه بقوله تعالى: ﴿بَلِّ نَقْذِفُ بِاَلْيَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُمُ﴾ [الأنبياء: ١٨] (٣) القراءات الشاذة ص ١٢٢ . (٤) في معاني القرآن ٤/ ٢٥٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٥٤/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٤/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٦٤/٢ . ٣٣٢ سورة سبا: الآيات ٤٨ - ٥٠ وقرئ: ((الغيوبُ)) بالحركات الثلاث، فالغُيوب كالبيوت، والغَيوب كالصَّيود(١)، وهو الأمرُ الذي غاب وخَفِيَ جدًّا. ٤٩ قوله تعالى: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ اَلْبَطِلُ وَمَا يُعِدُ قوله تعالى: ﴿قُلْ جَآءَ الَىُّ﴾ قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. النحاس(٢): والتقديرُ: جاء صاحبُ الحقِّ، أي: الكتاب الذي فيه البراهينُ والحُجج. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ﴾ قال قتادة: الشيطان، أي: ما يخلقُ الشيطانُ أحداً (٣) ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾، فـ ((ما)) نَفْيٌ. ويجوز أن يكون استفهاماً بمعنى: أيّ شيء، أي: جاء الحقُّ؛ فأيُّ شيءٍ بقي للباطل حتى يُعيدَه ويُبْدِثَه، أي: فلم يَبْقَ منه شيءٌ، كقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةِ﴾ [الحاقة: ٨] أي: لا ترى. قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىِّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَّ رَّتَّ إِنَّهُ سَمِعٌ قَرِيبٌ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌ﴾ وذلك أنَّ الكفار قالوا: تركتَ دينَ آبَائِكَ فضَلَلْتَ. فقال له: قل يا محمد: إنْ ضللتُ - كما تزعمون - فإنَّما أَضِلُّ على نفسي. وقراءةُ العامَّة ((ضَلَلْتُ)) بفتح اللام. وقرأ يحيى بن وَثَّاب وغيره: ((قُلْ إِنْ ضَلِلتُ)) بكسر اللام وفتح الضادِ من ((أضَلُّ) (٤). والضلالُ والضلالةُ ضدُّ الرشاد، وقد (١) في (ظ): فالغيوب بالرفع والخفض كالبيوت والبيوت والعُيون والعيون وبالنصب كالصيود. اهـ. والصَّيود كقَبول: الصياد. القاموس (صاد). ووقع في (م): كالصبور، وهو موافق لما في مطبوع الكشاف ٢٩٥/٣ ، والكلام منه. وقرأ بكسر الغين حيث وقع حمزةٌ وأبو بكر، والباقون بضمها. السبعة ص١٧٨-١٧٩ ، والتيسير ص١٠١، والنشر ٢٢٦/٢ . (٢) في إعراب القرآن ٣/ ٣٥٥، وما قبله منه، وأخرج الخبر عن قتادة الطبري ١٠٧/١٩. (٣) أخرجه الطبري ١٠٧/١٩ . (٤) المحرر الوجيز ٤٢٦/٤ . سورة سبأ: الآيتان ٥٠ - ٥١ ٣٣٣ ضَلَلْتُ - بفتح اللام - أضِلُّ بكسر الضاد؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌ﴾ فهذه لغةُ نجدٍ، وهي الفصيحة. وأهلُ العالية يقولون: ((ضَلِلتُ)) بالكسر ((أَضِلُ))(١). أي: إثمُ ضلالتي على نفسي. ﴿وَإِنِ أُهْتَدَيْتُ فَيِّمَا يُوجِىّ إِلَّ رَبِّّ﴾ من الحكمة والبيان ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أي: سميعٌ ممَّن دعاه قريبُ الإجابة. وقيل: وجهُ النَّظْمِ: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ويبيِّنُ الحُجَّةَ، وضلالُ مَن ضلَّ لا يُبْطِلُ الحُجَّة، ولو ضَلَلْتُ لِأَضْرَرْتُ بنفسي، لا أنَّه يُبْطِلُ حجةَ الله، وإذا اهتديتُ فذلك فَضْلُ الله؛ إذ ثُبَّتَني على الحُجَّة، إنَّه سمِيع قِرِيب. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ فَزِعُواْ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ فَرِيعُواْ فَلَا فَوْنَ﴾ ذكر أحوالَ الكفار في وقت(٢) يُضْطَرُّون فيه إلى معرفة الحقِّ. والمعنى: لو ترى إذ فزعوا في الدنيا عند نزولِ الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم؛ روي معناه عن ابن عباس(٣). الحسن: هو فَزَعُهم في القبور من الصيحة (٤). وعنه: أنَّ ذلك الفزعَ إنَّما هو إذا خرجوا من قبورهم(٥). وقاله قتادة(٦). وقال ابن معقل: إذا عاينوا عقابَ اللهِ يومَ القيامة(٧). (١) بالكسر أيضاً كما في مختار الصحاح (ضلل)، والكلام من الصحاح (ضلل). (٢) بعدها في النسخ عدا (ظ): ما، والمثبت من (ظ). (٣) أخرجه الطبري ٣٠٩/١٩ . (٤) النكت والعيون ٤/ ٤٥٨ . (٥) أخرجه عبد الرزاق ١٣٣/٢، والطبري ٣١٢/١٩. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٦/٤: وهذا أرجح الأقوال عندي. (٦) كذا ذكر المصنف، والذي أخرجه عبد الرزاق ١٣٣/٢ عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ فَزِعُواْ﴾ أي: في الدنيا حين رأوا بأس الله. وأخرجه عنه الطبري ٣١٢/١٩ - ٣١٣، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٤٠/٥ . (٧) أخرجه بنحوه الطبري ١٩/ ٣١٣ . ٣٣٤ سورة سبأ: الآية ٥١ السُّدِّيُّ: هو فَزَعُهم يومَ بدرٍ حين ضُربت أعناقُهم بسيوفِ الملائكة، فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة (١). سعيد بن جُبير: هو الجيشُ الذي يُخسَفُ بهم في البيداء، فيبقى منهم رجلٌ، فيخبرُ الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذا هو فَزَعُهم(٢). ﴿فَلَاَ فَوْنَ﴾: فلا نجاةَ؛ قاله ابن عباس(٣). مجاهد: فلا مَهْرَب (٤). ﴿وَأُخِذُواْ مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريبٌ لا يَعْزُبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين ألفاً يغزون في آخِرِ الزمان الكعبةَ لِيَخْرِبوها، فَلَمّا يدخلون(٥) البيداءَ يُخْسفُ بهم، فهو الأخذُ من مكانٍ قريب. قلت: وفي هذا المعنى خبرٌ مرفوعٌ عن حذيفةَ - وقد ذكرناه في كتاب ((التذكِرة))(٦) . قال: قال رسول اللـه ﴿؛ وذَكَر فتنةٌ تكون بين أهلِ المشرق والمغرب: ((فبينما هم كذلك، إذ خرج عليهم السُّفيانيُّ من الوادي اليابس في فَوْرِه ذلك، حتى يَنْزِلَ دمشق، فيبعث جيشين؛ جيشاً إلى المشرق، وجيشاً إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المَشْرِقِ حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعةِ الخبيثة - يعني مدينةً بغداد - قال: فيقتلون أكثرَ من ثلاثةِ آلافٍ، ويفتضُّون أكثرَ من مئة امرأةٍ، ويقتلون بها ثلاثَ مئةٍ كَبْشٍ من وَلَدِ العباس(٧)، ثم يخرجون متوجّهين إلى الشام، فتخرج رايةُ هدِی من (١) النكت والعيون ٤٥٨/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٤٠/٥. (٢) النكت والعيون ٤٥٨/٤، وأخرجه الطبري ٣١٠/١٩ . (٣) أخرجه الطبري ٣١٣/١٩ . (٤) النكت والعيون ٤٥٨/٤ . (٥) في (خ) و(م) وكما يدخلون. وفي (د): فلا يدخلون، والمثبت من (ظ). ووقع في الكشاف ٢٩٦/٣ (والخبر فيه بنحوه): فإذا دخلوا البيداء خسف بهم. (٦) ص٦٠٩ . (٧) في (ظ): بني إسماعيل، بدل: ولد العباس. ٣٣٥ سورة سبأ: الآيتان ٥١ - ٥٢ الكوفة، فتلحَقُ ذلك الجيشَ منها على ليلتين، فيقتلونهم لا يُفْلِتُ منهم مُخْبِرٌ ويَسْتَنِقِذون ما في أيديهم من السَّبْي والغنائم، ويَحُلُّ جيشه الثاني بالمدينة، فينتبهونها ثلاثةَ أيامٍ ولياليها، ثم يخرجون متوجِّهين إلى مكةً، حتى إذا كانوا بالبيداءِ بعث الله جبريل عليه السلام، فيقول: يا جبريلُ، اذهب فأَبِذْهم، فيضربها برجله ضربةً يَخسفُ الله بهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ فَزِيعُواْ فَلَا فَوْنَ وَأُخِذُواْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. فلا يبقى منهم إلَّا رجلان؛ أحدُهما بشيرٌ والآخَرُ نذيرٌ، وهما من جُهَيْنة)). ولذلك جاء القول: وعند جُهينةَ الخبرُ اليقين(١). وقيل: ((أُخِذُوا مِن مكانٍ قريبٍ)) أي: قُبِضَتْ أرواحُهم في أماكنها، فلم يُمْكِنْهم الفرارُ من الموت، وهذا على قولٍ مَن يقولُ: هذا الفزعُ عند النَّزْعِ. ويحتمل(٢) أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة؛ يقال: فَزِع الرجلُ، أي: أجاب الصَّارِخَ الذي يستغيثُ به إذا نزل به خوفٌ. ومنه الخبرُ إذ قال للأنصار: (إنكم لتَقِلُّون عند الطَّمَعِ، وتَكْثُرُون عند الفزع))(٣). ومَن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنیا کیوم بدٍ قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخَذوا في الآخرة. ومَن قال: هو فزعُ يوم القيامة قال: أُخذوا من بطن الأرض إلى ظَهْرِها. وقيل: ((أُخِذُوا مِن مكانٍ قريبٍ)): من جهنّم فألقوا فيها. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوَاْ ءَمَنَّا بِهِ، وَأَّ لَهُمُ التَّنَاؤُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ﴾ أي: بالقرآن. وقال مجاهدٌ: بالله عزَّ وجلَّ. الحسن: بالبعث. قتادةُ: بالرسول ﴿(٤). ﴿وَأَّ لَمُمُ التَّنَاؤُثُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن (١) أخرجه الطبري ٣١٠/١٩ - ٣١١. وذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية أن هذا الحديث موضوع. (٢) في (ظ): ويجوز. (٣) سلف ٦/ ٤٠٩ . (٤) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٤٥٩/٤، وخبر مجاهد أخرجه الطبري ٣١٤/١٩. ٤" ٦ ٣٣٦ سورة سبأ: الآية ٥٢ عباس والضحاك: التناوشُ: الرَّجعة، أي: يطلبون الرجعةَ إلى الدنيا ليؤمنوا، وهيهات من ذلك(١)! ومنه قول الشاعر: تمنّى أن تؤوبَ إليَّ مَيٍّ وليس إلى تَناوُشِها سبيلٌ(٢) وقال السُّدِّي: هي التوبة(٣)، أي: طلبوها وقد بَعُدت؛ لأنه إنَّما تُقْبَلُ التوبةُ في الدنيا. وقيل: التناوشُ: التناول؛ قال ابن السِّكِيت: يقال للرجل إذا تناول رجلاً ليأخذ برأسه ولحيته: ناشَه يَنُوشُه نَوْشاً، وأنشد: فهي تنوشُ الحوضَ نَوْشًا مِن عَلَا نَوْشًا به تَقْطَعُ أَجْوازَ الفَلا(٤) أي: تتناول ماءَ الحوض من فوق، وتشرب شربًا كثيرًا، وتقطعُ بذلك الشُّرْبِ فَلَواتٍ، فلا تحتاج إلى ماءٍ آخَرَ. قال(٥): ومنه المناوشةُ في القتال، وذلك إذا تَدَانَى الفريقان. ورجلٌ نَوُوشٌ، أي: ذو بطش. والتناوشُ: التَّناولُ، والانتياشُ مثلُه. قال الراجز: كانت تَنوشُ العَنَقَ انتياشا (٦) (١) أخرجه عنهما بنحوه الطبري ٣١٧/١٩ و٣١٩. وذكره بهذا اللفظ عن ابن عباس الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٤٥٩ . (٢) النكت والعيون ٤٥٩/٤، والمحرر الوجيز ٤٢٧/٤. ووقع في (ظ): تؤوب إليه، وفي المحرر الوجيز: تؤوب إليك. (٣) النكت والعيون ٤٥٩/٤ . (٤) إصلاح المنطق ص ٤٧٩، والصحاح (نوش)، والكلام منه. وهما في معاني القرآن للفراء ٣٦٥/٢ ، وتفسير الطبري ٣١٥/١٩ - ٣١٦، والمنصف لابن جني ١٢٤/١، والاقتضاب ص ٤٢٧، والخزانة ٩/ ٤٣٧، وذكر سيبويه في الكتاب ٤٥٣/٣ البيت الأول. قال البطليوسي: لا أعلم لمن هذا الرجز. وقال البغدادي: وهذا من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعلم قائلها، وقال ابن بري: هذا الرجز لغيلان ابن حريث الرَّبَعي، ولم أقف على خبر لغيلان. اهـ والضمير في قوله: فهي، للإبل. اللسان (نوش). (٥) يعني ابن السكيت، وكلامه في إصلاح المنطق ص ٤٧٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (نوش)، وما قبله منه. (٦) الصحاح واللسان (نوش)، وهو فيهما برواية: باتت تنوش ... ، والعَنّق: ضَرْبٌ من سير الدابة والإبل. الصحاح (عنق). ٣٣٧ سورة سبأ: الآية ٥٢ وقوله تعالى: ﴿وَأَّ لَمُمُ التَّنَاؤُشُ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يقول: أنَّى لهم تَنَاولُ الإيمانِ في الآخرة وقد كفروا به في الدنيا(١). وقرأ أبو عمرو والكِسائيُّ والأعمشُ وحمزة: ﴿وأنَّى لهم التناؤش﴾ بالهمز(٢). النحاس(٣): وأبو عبيدةَ يستبعدُ هذه القراءة؛ لأنَّ ((التناؤش)) بالهمز: البُعْدُ، فكيف يكون: وأنَّى لهم البعدُ من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءةُ جائزةٌ حسنة، ولها وجهان في كلام العرب، ولا يُتَناوَلُ بها هذا المتناوَلُ (٤) البعيد. فأحدُ الوجهين أن يكون الأصلُ غيرَ مهموز، ثم هُمزت الواو لأنَّ الحركة فيها خَفِيَّة(٥)، وذلك كثيرٌ في كلام العرب. وفي المصحَفِ الذي نقلته الجماعةُ عن الجماعة: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُفِنَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، والأصلُ: ((وُقِّتت))؛ لأنه مشتقٌّ من الوقت. ويقال في جمع دار : أُدْؤُر(٦). والوجهُ الآخَر ذكره أبو إسحاق؛ قال: يكون مشتقًّا من النئيش، وهو الحركةُ في إبطاء، أي: من أين لهم الحركةُ فيما قد بَعُد(٧). يقال: نَأَشْتُ الشيء: أخذته من بُعْدٍ، والنئيشُ: الشيءُ البطيء. قال الجوهريُّ(٨): التناؤشُ - بالهمز -: التأخّر والتباعد. وقد نَأَشْتُ الأمر أَنَأَشُه نأشاً: أَخَّرته، فانْتَأَشَ. ويقال: فَعَلَه نئيشًا، أي: أخيراً. قال الشاعر: (١) الصحاح (نوش). (٢) وقرأ بها أيضاً عاصم في رواية أبي بكر السبعة ص ٥٣٠، والتسير ص ١٨١. (٣) في إعراب القرآن ٣٥٦/٣ . (٤) في (م): ولا يتأول بها هذا المتأول، وفي (ظ): ولا يتناول بهذا هذا التأويل. (٥) في (ظ): خفيفة. (٦) قال الزجاج في معاني القرآن ٢٥٩/٤ : وكلُّ واوٍ مضمومةٍ ضمتُها لازمة؛ إن شئت أَبدلْتّ منها همزة، وإن شئت لم تُبْدِل. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٦/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٥٩/٤. (٨) في الصحاح (نأش). ٣٣٨ سورة سبأ: الآيات ٥٢ - ٥٣ تمثَّى نعيشًا أن يكون أطاعني وقد حَدَثَتْ بعدَ الأمور أمورُ(١) وقال آخر : قعدتَ زماناً عن ◌ِلابِكَ للعُلا وجئتَ نئيشًا بعدَ ما فاتَكَ الخبرُ (٢) وقال الفرَّاء: الهمزُ وتَرْكُ الهمزِ في التناؤش مُتقارِبٌ، مثل: ذِمْتُ الرجلَ وذَأَمْته، أي: عبته. ﴿مِّنِ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من الآخرة. وروى أبو إسحاق عن التميميٍّ عن ابن عباس: ﴿وَأََّ لَمُ﴾ قال: الردّ، سألوه وليس بحينٍ ردٌ(٣). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلٌ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبٍ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ٥٣ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ أي: بالله عزَّ وجلَّ. وقيل: بمحمد ﴾ ﴿مِن قَبْلٌ﴾ يعني في الدنيا ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ العرب تقولُ لكلِّ مَن تكلَّم بما لا يَحُقُّه(٤): هو يقذفُ ويرجُمُ بالغيب . ﴿مِّنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ على جهة التمثيل لمن يَرْجُم ولا يُصيب(٥)، أي: يرمون بالظنِّ فيقولون: لا بعثَ ولا نشورَ ولا جنة ولا نار، رَجْمًا منهم بالظنِّ؛ قاله قتادة(٦). وقيل: ((يقذفون)) أي: يرمون في القرآن فيقولون: سحرٌ وشعرٌ وأساطيرُ الأولين. وقيل: في محمد، فيقولون: ساحرٌ شاعرٌ كاهنٌ مجنون . ﴿مِّنِ تَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: إنَّ (١) معاني القرآن للفراء ٣٦٥/٢، وتفسير الطبري ٣١٥/١٩، والصحاح (نأش)، ونسبه البصري في الحماسة ٣٧/٢، والزمخشري في المستقصى ٣٠٢/١، وصاحب اللسان (نأش) لنَهْشَل بن حَرِّيٍّ. (٢) في (خ) و(د): الخير، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في معاني القرآن للفراء ٣٦٥/٢، وتهذيب اللغة ١١/ ٤١٧ ، واللسان (نوش). (٣) أخرجه الطبري ٣١٧/١٩ ، وسلف بنحوه عن ابن عباس والضحاك. (٤) في (ظ): يحققه، وحقّ الأمرَ يَحُقُّه وأَحقّه: كان منه على يقين. اللسان (حقق). (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٦/٣. (٦) أخرجه الطبري ٣٢٠/١٩ . ٣٣٩ سورة سبأ: الآيتان ٥٣ - ٥٤ الله بَعَّد لهم أن يعلموا صِدْقَ محمد﴾. وقيل: أراد البُعْدَ عن القلب، أي: من مكان بعید عن قلوبهم. وقرأ مجاهد: ((ويُقْذَفون بالغيب)) غير مسمَّى الفاعل، أي: يُرمَون به (١). وقيل: يَقْذِفُ به إليهم مَن يُغويهم ويُضِلُّهم. قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِی سَئِ نُرِبِ قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قيل: حِيل بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل: حِيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهبُ قتادةَ أنَّ المعنى: أنهم كانوا يشتهون لمَّا رأوا العذاب أنْ يُقبَل منهم أن يُطيعوا الله جلَّ وعزَّ، وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله، فحِيلَ بينهم وبين ذلك؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان في الدنيا وقد زالت في ذلك الوقت. والأصلُ: ((حُوِل)»، فقُلبت حركةُ الواو على الحاء فانقلبت ياءً، ثم حُذفت حركتُها لثقلها(٢). ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِمْ﴾ الأشياعُ جمع شِيَع، وشِيَع جمعُ شِيعَة. ﴿مِن قَبْلٌ﴾ أي: بمَن مضى من القرون السالفة الكافرة. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شَّكِ﴾ من أمر الرسل والبعث والجنة والنار. وقيل: في الدين والتوحيد، والمعنى الواحد. ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: يُسترابُ به، يقال: أَرابَ الرجلُ، أي: صار ذا ريبة، فهو مُريب. ومَن قال: هو من الرَّيْب - الذي هو الشَّكُّ والتهمة - قال: يقال: شكٌّ مريب، كما يقال: عَجَبٌ عجيب، وشِعْرٌ شاعر، في التأكيد. خُتمت السورة، والحمد لله ربِّ العالمين. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٢، والمحتسب ١٩٧/٢. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٧/٤: معناه: ويرجمهم الوحي بما يكرهون من السماء. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٧/٣، وقول قتادة أخرجه بنحوه الطبري ٣٢٢/١٩. سورة فاطر مكيةٌ في قولِ الجميع، وهي خمسٌ وأربعون آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّشَرِ الرَّحَمَةِ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَتِكَةِ رُسُلَّا أُوْلٌ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَتُلَكَ وَرُبَعْ يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ يجوز في ((فاطر)) ثلاثةُ أَوْجٍُ: الخفضُ على النعت، والرفعُ على إضمارٍ مبتدأ، والنصبُ على المدح. وحكى سيبويه: الحمدُ للهِ أهل الحمد [مثله]، وكذا ((جاعِلِ الملائكةِ)) (١). والفاطِرُ: الخالق. وقد مضى في ((يوسف))(٢) وغيرِها. والفَظْر: الشَّقُّ عن الشيء؛ يقال: فَطَرتُه فانْفَطَر. ومنه: فَظَرَ نابُ البعير: طَلَعَ، فهو بعيرٌ فاطِرٌ. وتفطّر الشيءُ: تَشَفَّق. وسيفٌ فُطَار، أي: فيه تشقُّقٌ؛ قال عنترة: وسيفي كالعقيقة فهو كِمَعِي سلاحى لا أقلّ ولا فَطارا(٣) والفَظْرُ: الابتداءُ والاختراع؛ قال ابن عباس: كنتُ لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيَّان يختصمان في بئر، فقال أحدُهما: أنا فَطَرَتُها، أي: أنا ابتدأتُها. والفَظْر: حلبُ الناقة بالسبَّابة والإبهام(٤). والمرادُ بِذِكْرِ السماوات والأرض (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٩/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. وقول سيبويه في الكتاب ٦٢/٢ -٦٣. (٢) ١١ / ٤٦٣ . (٣) ديوان عنترة ص٤٣، والمعاني الكبير ١٠٨٢/٢، والصحاح (فطر) والكلام منه. قال ابن قتيبة: العقيقة: لمعة البرق. كِمْعي: ضجيعي، يريد أنه إلى جانبي، أفلَّ: به فُلول، والفُطار: الذي لم يصقل، فهو متشقّق. (٤) الصحاح (فطر)، وخبر ابن عباس أخرجه أبو عبيد في غريب القرآن ٤٧٣/٤، والطبري ٩/ ١٧٥، وأبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧١-٧٢، وابن عبد البر في التمهيد ٧٨/١٨.