النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة الأحزاب: الآيتان ٥٢ - ٥٣
السابعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِئُكُ﴾ اختلف العلماء في إحلالِ الأُمَة
الكافرة للنبيِّ # على قولين:
أحدهما: تَحِلُّ؛ لعموم قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكْ﴾. قاله مجاهدٌ وسعيد بنُ
جبير وعطاءٌ والحكم؛ قالوا: قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: لا تَحِلُّ
لك النساءُ من غير المسلمات، فأمَّا اليهودياتُ والنّصرانياتُ والمشركاتُ فحرامٌ
عليك، أي: لا يَحِلُّ لك أن تتزوَّج كافرةً فتكونَ أُمَّا للمؤمنين ولو أعجبك حُسْنُها،
إلَّا ما مَلَكَتْ يمينك، فإنَّ له أن يتسرَّى بها(١).
القولُ الثاني: لا تَحِلُّ؛ تنزيهاً لقَدْرِه عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى:
[الممتحنة: ١٠]، فكيف به ﴿؟!
أفر﴾
تَمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَّـ
و ((ما)) في قوله: ((إلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ)) في موضعٍ رفع بدلٍ من ((النساء)». ويجوزُ
أن تكون في موضعٍ نصبٍ على الاستثناء، وفيه ضَعْفٌ. ويجوز أن تكون مصدريةً،
والتقدير: إلَّا مِلْكَ يمينِك، ومِلك بمعنى مملوك، وهو في موضع نصبٍ لأنه استثناءٌ
من غير الجنس الأول(٢).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ
إِلَى طَعَاءٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَلَهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَنَّشِرُواْ وَلَا
مُسْتَعْنِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَخِ، مِنكُمْ وَاللّهُ لَا يَسْتَغِىء
مِنَ الْحَّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنُّ وَمَا كَانَ لَحِكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَن تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ
بَعْدِهِ أَبَدَأْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللّهِ عَظِيمًا
فيه ستَّ عَشْرةَ مسألة:
(١) معاني القرآن للنحاس ٣٦٩/٥ - ٣٧٠.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٤/٤. وتُعقّب بأنه إذا كان بمعنى مملوك صار من جملة النساء، فلا يكون منقطعاً،
ويكون الرفع أرجح. ينظر البحر ٧/ ٢٤٥ ، والدر المصون ١٣٨/٩ .

٢٠٢
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ((أنْ)) في موضعٍ
نصبٍ على معنى: إلَّا بأن يؤذَنَ لكم، ويكون الاستثناء ليس من الأول. ﴿إِلَى طَعَارٍ
غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنهُ﴾ نصبٌ على الحال، أي: لا تدخلوا في هذه الحال. ولا يجوزُ في
(غَيْر)) الخفضُ على النَّعت للطعام؛ لأنَّه لو كان نعتاً لم يكن بدٌّ من إظهار الفاعِلِينَ،
وكان يقول: غير ناظرين إناه أنتم. ونظيرُ هذا من النحو: هذا رجلٌ مع رجلٍ مُلازِمٌ
له، وإن شئتَ قلت: هذا رجلٌ مع رجلٍ ملازمٍ له هو (١).
وهذه الآيةُ تضمَّنَتْ قصَّتين(٢): إحداهما: الأدبُ في أمر الطعام والجلوس.
والثانية: أمرُ الحجاب. وقال حماد بن زيد: هذه الآيةُ نزلت في النُّقلاءِ(٣).
فأمَّا القصةُ الأولى فالجمهورُ من المفسّرين على أنَّ سببها: أنَّ رسول اللـه ﴿ لمَّا
تزوَّج زينبَ بنتَ جحش امرأةً زيد أَوْلَمَ عليها، فدعا الناس، فلمَّا طَعِموا جلس
طوائفُ منهم يتحدَّثون في بيت رسول الله ﴿ وزوجتُه موَلِّيةٌ وجهها إلى الحائط،
فَثَقُلُوا على رسول اللـه ﴾. قال أنس: فما أدري أأنا أخبرتُ النبيَّ # أنَّ القوم قد
خرجوا، أو أخبرني. قال: فانطلَقَ حتى دخل البيت، فذهبتُ أَدخلُ معه، فَأَلْقَى السُّتْرَ
بيني وبينَه ونزل الحجاب. قال: ووُعِظَ القومُ بما وُعظوا به، وأنزل الله عزَّ وجلَّ:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ
عَظِيمًا﴾ أخرجه الصحيح(٤).
وقال قتادةُ ومقاتلٌ في كتاب الثعلبيِّ: إنَّ هذا السببَ جرى في بيت أمِّ سلمة(٥).
والأوّلُ الصحيح، كما رواه الصحيح.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٣/٣.
(٢) في (ظ): قضيتين.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢١٤/٥ عن سليمان بن أرقم.
(٤) صحيح البخاري (٤٧٩١)، وصحيح مسلم (١٤٢٨)، وهو عند أحمد (١٢٠٢٣).
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٥/٤، وأخرجه عن قتادة الطبري ١٦٦/١٩.

٢٠٣
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
وقال ابن عباس: نزلت في ناسٍ من المؤمنين كانوا يتحيَّئُون طعامَ النبيِّ ﴾،
فيدخلون قبل أن يُدْرِكَ الطعامُ، فيقعدون إلى أن يدرِك، ثم يأكلون ولا يخرجون(١).
وقال إسماعيل بن أبي حكيم(٢): وهذا أدبٌ أدَّبَ الله به الثُّقلاء. وقال ابن أبي
عائشةَ في كتاب الثعلبيِّ: حَسْبُكَ من الثُّقلاءِ أنَّ الشَّرِعَ لم يَحْتَمِلْهم(٣).
وأمَّا قصةُ الحجابِ فقال أنس بن مالك وجماعةٌ: سببُها أمرُ القعودِ في بيتٍ
زينَب، القصةُ المذكورةُ آنفاً. وقالت عائشةُ رضي الله عنها وجماعةٌ: سببُها أنَّ عمر
قال: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ نساءك يَدْخِلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فلو أمرتَهنَّ أن
يَحتجِبْنَ، فنزلت الآية (٤). وروى الصحيح عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقتُ ربِّي
في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر(٥).
هذا أصحُّ ما قيل في أمر الحجاب، وما عدا هذين القولين من الأقوال
والرواياتِ فواهيةٌ، لا يقوم شيءٌ منها على ساق، وأضعفُها ما روي عن ابن مسعود:
أنَّ عمر أمر نساء النبيِّ# بالحجاب، فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب،
إنك تَغَارُ علينا والوحيُّ ينزل في بيوتنا! فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا
فَسْشَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(٦) وهذا باطلٌ؛ لأنَّ الحجاب نزل يومَ البناء بزينب، كما
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٥/٤ .
(٢) القُرشيُّ مولاهم، المدني، كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز، توفّ سنة (١٣٠هـ). التهذيب ١٤٦/١.
و قوله في المحرر الوجيز ٣٩٥/٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٥/٤، وابن أبي عائشة هو موسى.
(٤) هو قطعة من حديث أنس ﴾ عند أحمد (١٥٧)، والبخاري (٤٠٢)، وسيأتي في المسألة الثامنة.
وأخرجه عن عائشة بمعناه أحمد (٢٥٨٦٦)، والبخاري (١٤٦)، ومسلم (٢١٧٠)، وسيأتي حديث
عائشة رضي الله عنها في المسألة السادسة عشرة.
(٥) صحيح مسلم (٢٣٩٩).
(٦) أخرجه أحمد (٤٣٦٢) مطولاً، والطبري ١٦٥/١٩ و١٦٩. والكلام من أحكام القرآن لابن العربي
٠١٥٦٣/٣

٢٠٤
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
بيّنَّه. أخرجه البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وغيرهم(١).
وقيل: إنَّ رسول الله ﴿ كان يَطْعَمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابت يَدُ رجلٍ منهم
يدَ عائشةَ، فكره النبيُّ ﴾، فنزلت آيةُ الحجاب(٢).
قال ابن عطية(٣): وكانت سيرةُ القوم إذا كان لهم طعامُ وليمةٍ أو نحوه أن یبگر
مَن شاء إلى الدعوة ينتظرون طَبْخَ الطعام ونُضْجَه. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا
كذلك، فَنَهَى الله المؤمنين عن أمثالِ ذلك في بيت النبيِّ ﴾، ودخل في النَّهي سائرُ
المؤمنين، والتزم الناس أدبَ اللهِ تعالى لهم في ذلك، فَمَنَعهم من الدخول إلَّ بإذنٍ
عند الأكل، لا قَبْلَه لانتظارٍ نُضْجِ الطعام.
الثانية: قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ دليلٌ على أنَّ البيت للرجل، ويُحكّم له به،
فإنَّ الله تعالى أضافه إليه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى
بُيُوتِ كُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَالِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] قلنا: إضافةُ
البيوتِ إلى النبيِّ ◌َ﴿ إضافةُ مِلْكِ، وإضافةُ البيوت إلى الأزواج إضافةُ مَحَلِّ، بدليلٍ أنه
جعل فيها الإذنَ للنبيِّ لَ﴾، والإذنُ إنَّما يكون للمالك(٤).
الثالثة: واختلف العلماء في بيوت النبيِّ # إذ كان يَسْكُن فيها أهلُه بعد موته؛ هل
هي مِلكٌ لهنَّ أم لا؟ على قولين: فقالت طائفةٌ: كانت مِلكاً لهنَّ، بدليلٍ أنهنَّ سَكَنَّ
فيها بعد موتِ النبيِّ# إلى وفاتهنَّ، وذلك أنَّ النبيَّ ﴾ وهب ذلك لهنَّ في حياته.
الثاني: أنَّ ذلك كان إسكاناً كما يُسْكِنُ الرجلُ أهلَه، ولم يكن هبةً، وتَمادى
(١) صحيح البخاري (٤٧٩١)، وصحيح مسلم (١٤٢٨)، وسنن الترمذي (٣٢١٨)، وهو من حديث أنس ﴾،
وسلف قريباً.
(٢) أخرجه الطبري ١٦٧/١٩، والواحدي في أسباب النزول ص٣٧٩ عن مجاهد. وأخرج نحوه البخاري
في الأدب المفرد (١٠٥٣) من طريق مجاهد عن عائشة.
(٣) في المحرر الوجيز ٣٩٥/٤ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٦٣/٣.

٢٠٥
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
سُكْناهنَّ بها إلى الموت(١). وهذا هو الصحيح، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بنُ عبد
البَرِّ وابنُ العربيِّ وغيرهم(٢)، فإنَّ ذلك من مؤونتهنَّ التي كان رسول الله ﴿ استثناها
لهنَّ، كما استثنى لهنَّ نفقاتِهنَّ حين قال: ((لا تَقْتَسِم وَرَثَتِي ديناراً ولا درهماً، ما
تركتُ بعد نفقةِ أهلي ومؤونةٍ عاملي فهو صدقة))(٣). هكذا قال أهلُ العلم، قالوا:
ويدلُّ على ذلك أنَّ مساكنهنَّ لم يَرِثْها عنهنَّ وَرَثَتُهنَّ. قالوا: ولو كان ذلك مِلكاً لهنَّ
كان لا شكَّ قد وَرِثَه عنهنَّ وَرَثَتُهنَّ. قالوا: وفي تَرْكِ وَرَثَتِهِنَّ ذلك دليلٌ على أنَّها لم
تكن لهنَّ مِلكاً، وإنَّما كان لهنَّ سُكْنى حياتَهنَّ، فلمَّا تُوُفِّينَ جُعل ذلك زيادةً في
المسجد الذي يَعمُّ المسلمين نَفْعُه، كما جُعل ذلك [في] الذي كان لهنَّ من النفقات
في تركة رسول الله ﴿ لمَّا مَضَيْنَ لسبيلهنَّ، فزيد إلى أصل المال، فصُرف في منافع
المسلمين ممَّا يعمُّ جميعَهم نفعُه(٤). والله الموفق.
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنْهُ﴾ أي: غيرَ مُنتظِرِين وقتَ نُصْجِه. و((إِنَاهُ)) مقصورٌ،
وفيه لغات: ((إنّى)) بكسر الهمزة؛ قال الشيبانيُّ(٥):
بأسيافٍ كما اقْتُسِم اللِّحامُ
وكِسْرَى إذ تقسَّمه بَنُوه
أنَى ولكلِّ حاملةٍ تمامُ(٦)
تمخَّضَت المَنونُ له بيومٍ
(١) المصدر السابق.
(٢) التمهيد ١٧٣/٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٦٤.
(٣) أخرجه أحمد (٧٣٠٣)، والبخاري (٢٧٧٦)، ومسلم (١٧٦٠) من حديث أبي هريرة ﴾، ووقع
عندهم: نسائي، بدل: أهلي، وينظر ما سيأتي ص٢٢٩ من هذا الجزء. قال الحافظ في الفتح ٤٠٦/٥ :
المراد بالعامل هنا: القيِّمُ على الأرض والأجيرُ وغيرهما، أو الخليفةُ بعدَه.
(٤) التمهيد ١٧٣/٨ - ١٧٤، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) هو خالد بن حقٌّ الشيباني، كما في سيرة ابن هشام ٦٩/١ .
(٦) سيرة ابن هشام ٦٩/١، ونُسب البيتان أيضاً لعمرو بن حسان أحد بني الحارث بن همام، كما في
اللسان (حمل) و(مخض). وذكر صاحب جمهرة أشعار العرب ١٩٩/١ البيت الثاني ضمن قصيدة للنابغة
الذبياني. قوله: أنى، أي: حان، ومصدره: إنّى. واللِّحام جمع اللحم. الصحاح (لحم) و(أنا).

٢٠٦
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
وقرأ ابن أبي عبلةَ: ((غيرِ ناظِرِينَ إِنَّاه)) مجروراً صفةً لـ ((طعام)). الزمخشريُّ:
وليس بالوجه؛ لأنَّ جَرى على غيرِ ما هو له، فمِن حقِّ ضميرٍ ما هو له أن يبرز إلى
اللَّفْظِ، فيقال: غيرِ ناظرين إناه أنتم، كقولك: هندٌ زيدٌ ضارِبتُه هي(١).
وأنّى - بفَتْحِها - وأَناءً بفتح الهمزة والمذّ؛ قال الحطيئة:
وأخَرتُ العَشاءَ إلى سُهَيْلٍ أو الشِّعْرَى فطالَ بيَ الأَناءُ(٢)
يعني: إلى طلوع سهيل. وإناه مصدرُ أَنَى الشيءُ يأني: إذا فَرَغَ وحان وأَدْرَكَ.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنّ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانَشِرُوا﴾ فأكَّد المنعَ،
وحَصَر(٣) وقتَ الدخولِ بأنْ يكونَ عند الإذنِ على جهةِ الأدب، وحِفْظِ الحَضْرَةِ
الكريمة من المُبَاسَطَةِ المكروهة. قال ابن العربيّ(٤): وتقديرُ الكلام: ولكنْ إذا دُعيتم
وأُذِنَ لكم في الدخول فادخلوا، وإلّا فَنَفْسُ الدعوةِ لا تكون إذناً كافياً في الدخول.
والفاءُ في جوابٍ ((إذا)) لازمةٌ لما فيها من معنى المجازاة.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا﴾ أَمرَ تعالى بعدَ الطعامِ بأن يتفرَّق
جَمْعُهم وينتشر(٥). والمرادُ إلزامُ الخروج من المنزل عند انقضاءِ المقصودِ من الأكل.
والدليلُ على ذلك أنَّ الدخول حرام، وإنَّما جاز لأَجْلِ الأَكْلِ، فإذا انقضى الأكلُ زالَ
السبب المُبيحُ، وعاد التحريم إلى أصله(٦).
السادسة: في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ الضيف يأكل على مِلْكِ المُضِيف، لا على
(١) الكشاف ٢٧١/٣ ، وسلف نحو هذا الكلام في المسألة الأولى.
(٢) الصحاح وأساس البلاغة (أني) وفيه: وآنيت، بدل: وأخرت. وهو في الديوان ص٥٤ برواية: وآنيت
العشاء ... فطال بي العشاء.
(٣) في (د) و(ز) و(م): وخص.
(٤) في أحكام القرآن ١٥٦٥/٣ ، وما قبله منه.
(٥) في (د) و(م): بأن يتفرق جميعهم وينتشروا.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٦٦/٣ .

٢٠٧
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
مِلك نَفْسِه؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا﴾ فلم يَجعل له أكثرَ من الأكل، ولا
أضاف إليهم (١) سواه، وبقي الملكُ على أصله.
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا مُسْتَئِنِينَ لِحَدِيثٍ﴾ عطفٌ على قوله: ((غيرَ ناظِرِينَ))
و(غَيْرَ)) منصوبةٌ على الحال من الكاف والميم في ((لكم))، أي: غيرَ ناظرين ولا
مستأنسين(٢). والمعنى المقصودُ: لا تَمكُّثوا مُسْتَأنِسين بالحديث كما فعل أصحابُ
رسول اللـه ﴾ في وليمة زينب. ﴿إِنَّ وَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَحْي، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا
يَسْتَغِ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يَمتنعُ من بيانه وإظهاره. ولمَّا كان ذلك يقع من البشر لِعِلَّةِ
الاستحياء نفَى عن الله تعالى العلةَ الموجِبةَ لذلك في البشر. وفي الصحيح عن أمِّ
سلمةً قالت: جاءت أمُّ سُليم إلى النبيِّ ﴾ فقالت: يا رسول الله، إنَّ الله لا يستحيي
من الحقّ، فهل على المرأة من غُسْلٍ إذا احْتَلَمَتْ؟ فقال رسول الله ﴾: ((إذا رَأَتِ
الماءَ))(٣).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا﴾ الآيةَ. روى أبو داودَ الطَّيَالِسيُّ عن
أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقتُ ربي في أربع ... ، الحديثَ. وفيه: قلتُ يا
رسول الله: لو ضَرَبْتَ على نسائك الحجابَ؛ فإنَّه يَدْخُلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فأنزل
الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(٤).
واختُلف في المتاع؛ فقيل: ما يُتَمتَعُ به من العَوَاريِّ(٥). وقيل: فَتْوَى. وقيل:
صُحفُ القرآن. والصوابُ أنه عامٌّ في جميع ما يمكن أن يُظْلَب من المَوَاعين وسائرٍ
(١) في (م): إليه، والمثبت من النسخ الخطية وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٦٥، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٦/٤، وسلف الكلام على ((غير)) أيضاً في المسألة الأولى والثالثة.
(٣) صحيح البخاري (١٣٠)، وصحيح مسلم (٣١٣)، وهو عند أحمد (٢٦٥٠٣).
(٤) مسند الطيالسي ص٩- ١٠، وأخرجه أحمد (١٥٧)، والبخاري (٤٠٢) عن أنس بلفظ: وافقت ربي في
ثلاث، فذكر ثلاثاً مما في حديث الطيالسي، منها ما ذكره المصنف في سبب نزول آيات الحجاب،
وقد سلف نحوه في المسألة الأولى من حديث عمر ﴾.
(٥) العواريُّ: مشدّدة ومخففة جمع العاريَّة مشددة وقد تخفف: ما تداولوه بينهم. القاموس (عور).

٢٠٨
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
المرافق الدِّين والدنيا.
التاسعة: في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ الله تعالى أَذِنَ في مَسْأَلتهنَّ من وراء حجابٍ
في حاجةٍ تَعْرِضُ، أو مسألةٍ يُستفتينَ فيها، ويَدخُلُ في ذلك جميعُ النساء بالمعنى،
وبما تَضمَّنَتْه أصولُ الشريعةِ من أنَّ المرأةَ كلَّها عورةٌ، بدنَها وصوتَها، كما تقدَّم(١)،
فلا يجوز كَشْفُ ذلك إلَّا لحاجةٍ، كالشهادة عليها، أو داءٍ يكون ببدنها، أو سؤالها
عمَّا يَعْرِضُ وتعين عندها(٢).
العاشرة: استدلَّ بعضُ العلماء بأخذِ الناس عن أزواج النبيِّ /# من وراء حجابٍ
على جوازٍ شهادةِ الأعمى، وبأنَّ الأعمى يطأ زوجته بمعرفته بكلامها، وعلى إجازة
شهادته أكثرُ العلماء، ولم يُجِزْها أبو حنيفة والشافعيُّ وغيرهما؛ قال أبو حنيفة: تجوز
في الأنساب(٣). وقال الشافعيُّ: لا تجوز إلَّا فيما رآه قبل ذهابٍ بَصَرِهِ.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يريد: من
الخواطر التي تَعْرِضُ للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال(٤)، أي: ذلك
أَنْفَى للريبةِ وأَبْعَدُ للتُّهمة وأقوى في الحماية. وهذا يدلُّ على أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يثقَ
بنفسه في الخلوة مع مَن لا تَحِلُّ له؛ فإنَّ مُجانبةَ ذلك أحسنُ لحاله، وأَحْصَنُ لنفسه،
وأَتمُّ لِعِضْمَتِه(٥).
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيةَ، هذا
تكرارٌ للعلَّة وتأكيدٌ لحكمِها، وتأكيدُ العللِ أقوى في الأحكام.
(١) ١٨٣/٧، و٢٣٧/١٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٦٧/٣، وفيه: ويعن، بدل: وتعين.
(٣) قال ابن حزم في المحلى ٩/ ٤٣٣: ولا يعرف أصحابه هذه الرواية. وذكر أن هذا هو قول زفر، ثم ذكر
عن أبي حنيفة أنه قال في شهادة الأعمى: لا تقبل في شيء أصلاً. وهذا القول هو الذي ذكره الجصاص
في أحكام القرآن ٤٩٨/١ عن أبي حنيفة ومحمد.
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٦/٤ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٦٧/٣ .

٢٠٩
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَآ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُم مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًا﴾ روی إسماعيل
ابن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عبید قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن
قتادة، أنَّ رجلاً قال: لو قُبض رسول الله * تَزوَّجتُ عائشةَ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا
• [الأحزاب: ٦](١).
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ الَّهِ﴾ الآيةَ، ونزلت: ﴿وَأَزْوَجُ: أ
وقال القُشَيْرِيُّ أبو نصرٍ عبدُ الرحيم: قال ابن عباس: قال رجلٌ من سادات قريشٍ
- من العشرة الذين كانوا مع رسول الله﴾ على حِراء - في نفسه: لو تُوفِّي رسول الله ﴾
لتزوَّجتُ عائشةَ، وهي بنتُ عمِّي(٢). قال مقاتلٌ: هو طلحةُ بن عبيد الله(٣). قال ابن
عباس: وندم هذا الرجلُ على ما حدَّث به في نفسه، فمشى إلى مكةَ على رجليه،
وحَملَ على عشرة أَفْراسٍ في سبيل الله، وأَعْتقَ رقيقاً، فكفَّر الله عنه(٤).
وقال ابن عطية(٥): روي أنَّها نزلت بسبب أنَّ بعض الصحابة قال: لو مات
رسول الله ﴿ لتزوَّجتُ عائشةَ، فبلغ ذلك رسولَ الله ﴾﴾ فتأذَّى به، هكذا کَنَی عنه ابنُ
عباس ببعض الصحابة. وحكى مكِّي عن معمر أنه قال: هو طلحةُ بن عبيدُ الله.
قلت: وكذا حكى النحاس(٦) عن معمرٍ أنه طلحة. ولا يصحُّ؛ قال ابن عطية(٧):
لله دَرُّ ابنِ عباس! وهذا عندي لا يصحُّ على طلحةَ بنِ عبيد الله.
قال شيخنا الإمامُ أبو العباس(٨): وقد حُكي هذا القولُ عن بعض فُضَلاءٍ
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٢٢ عن معمر به، دون قوله: ونزلت ﴿وَأَزْوَبُهُ، أُ
مُ﴾.
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٧٩ مختصراً وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن
کثیر عند هذه الآية.
(٣) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٤٨٠ .
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢١٤/٥ - ٢١٥ بنحوه مطولاً وعزاه للطبري، ولم نقف عليه في تفسير
الطبري.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٩٦/٤ .
(٦) في معاني القرآن ٥/ ٣٧٣ .
(٧) في المحرر الوجيز ٣٩٦/٤ .
(٨) في المفهم ١٤٩/٤ .

٢١٠
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
الصحابة، وحاشاهم عن مثله! وإنَّما الكذبُ (١) في نَقْلِه، وإنَّما يليقُ مثلُ هذا القولِ
بالمنافقين الجُمَّال.
يُروى أنَّ رجلاً من المنافقين قال حين تزوَّج رسول اللـه # أمَّ سلمةَ بعد أبي
سلمةً، وحفصةً بعد خُنيس بن حذافة: ما بال محمدٍ یتزوَّج نساءنا! والله لو قد مات
لأَجَلْنا(٢) السهامَ على نسائه، فنزلت الآيةُ في هذا، فحرَّم الله نكاحَ أزواجِهِ مِن بَعْدِه،
وجَعَلَ لهنَّ حُكْمَ الأمَّهات(٣). وهذا من خصائصه تمييزاً لشرفه وتنبيهاً على مرتبته لق﴾.
قال الشافعيُّ رحمه الله: وأزواجهُ﴿ اللاتي مات عنهنَّ لا يَحِلُّ لأحدٍ نكاحُهنَّ، ومَن
اسْتَحَلَّ ذلك كان كافراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ
تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُم مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدَأَ﴾.
وقد قيل: إنَّما مَنع من التزوُّجِ بزوجاته؛ لأنَّهنَّ أزواجُه في الجنة، وأنَّ المرأة في
الجنة لآخِرِ أزواجِها؛ قال حذيفةُ لامرأته: إنْ سَرَّكِ أن تكوني زوجتي في الجنة إنْ
جَمَعَنا الله فيها فلا تَزوَّجي من بعدي؛ فإنَّ المرأة لآخِرِ أزواجِها(٤). وقد ذكرنا ما
للعلماء في هذا في ((كتاب التذكرة)) من أبواب الجنة(٥).
الرابعة عشرة: اختلف العلماء في أزواج النبيِّ # بعد موته؛ هل بَقِيْنَ أزواجاً أم
زالَ النكاحُ بالموت، وإذا زال النكاحُ بالموت فهل عليهنَّ عِدةٌ أم لا؟ فقيل: عليهنَّ
العِدَّةُ؛ لأنه تُؤُفِّيَ عنهنَّ، والعِدَّةُ عبادةٌ. وقيل: لا عِدَّةَ عليهنَّ؛ لأنَّها مدةُ تربُّصٍ لا
يُنتظَر بها الإباحة. وهو الصحيح؛ لقوله عليه الصلاةُ والسلام: ((ما تركتُ بعد نفقةٍ
(١) في (ظ): وإنما الوهم والكذب.
(٢) الإجالةُ: الإدارة، يقال في الميسر: أَجِلِ السهام، وأجال السهامَ بين القوم: حرَّكها وأفضى بها في
القسمة. اللسان. (جول).
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٦/٤ .
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦٩/٧ .
(٥) ص٤٨١ - ٤٨٢ .

٢١١
سورة الأحزاب: الآية ٥٣
عيالي)) وروي: (أهلي))(١)، وهذا اسمٌ خاصٌّ بالزوجيّة، فأَبْقَى عليهنَّ النفقةَ والسُّكنى
مدةً حياتِهِنَّ لكونهنَّ نساءَه، وحرمنَ على غيره، وهذا هو معنى بقاءِ النكاح. وإنَّما
جُعل الموتُ في حقٌّه عليه الصلاة والسلام لهنَّ بمنزلةِ المغيَّبِ في حقِّ غيره؛ لكونهنَّ
أزواجاً له في الآخرة قطعاً بخلافٍ سائرِ الناس؛ لأنَّ الرجل لا يُعلَم كونُه مع أهله في
الدار الآخرة (٢) في دارٍ واحدة، فربَّما كان أحدُهما في الجنة والآخَرُ في النار، فبهذا
انقطع السببُ في حقِّ الخَلْقِ وبقي في حقِّ النبيِّ ﴾، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((زوجاتي في الدنيا هنَّ زوجاتي في الآخرة))(٣). وقال عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ
سببٍ ونَسَبٍ ينقطع إلَّا سبي ونسبي، فإنَّه باقٍ إلى يوم القيامة))(٤).
فرع: فأمَّا زوجاتُه عليه الصلاة والسلام اللاتي فارَقَهنَّ في حياته مثلَ الكَلْبية
وغيرها؛ فهل كان يَحلُّ لغيره نكاحُهن؟ فيه خلاف. والصحيح جوازُ ذلك؛ لِمَا روي
أنَّ الكلبيةَ التي فارقها رسول الله ﴿ تزوَّجها عكرمة بنُ أبي جهل على ما تقدَّم(٥).
وقيل: إنَّ الذي تزوَّجها الأشعثُ بن قيس الكِنْديّ. قال القاضي أبو الطيِّب: الذي
تزوَّجها مُهاجِر بنُ أبي أمّيَّةٍ (٦)، ولم ينكر ذلك أحدٌ، فدلَّ على أنه إجماع.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ يعني أَذِيَّةً
رسولِ الله ﴾، أو نكاحَ أزواجه، فجعل ذلك من جملة الكبائر ولا ذنبَ أعظمُ منه.
السادسة عشرة: قد بيَّنَّا سببَ نزولِ الحجاب من حديث أنس وقولِ عمر، وكان
(١) أخرجه بالرواية الأولى ابن حبان (٦٦٠٩)، وبالثانية الشافعي في المسند ٢/ ١٩٠. وأخرجه أحمد
(٧٣٠٣)، والبخاري (٢٧٧٦)، ومسلم (١٧٦٠) بلفظ: نفقة نسائي، وسلف ص ٢٠٥ من هذا الجزء.
والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٦٧ .
(٢) قوله: في الدار الآخرة، من (ظ).
(٣) سلف ص٦٦ من هذا الجزء.
(٤) سلف ١٥٩/٥ .
(٥) ص١٢٥ من هذا الجزء.
(٦) القرشيُّ المخزوميُّ، أخو أمِّ سلمةَ زوجٍ النبيِّ ﴾، ولَّاه النبيُّ ﴾ على صدقات صنعاء، ثم ولَّه أبو بكر ﴾،
وقاتل أهلَ الردَّة. الإصابة ٢٩٤/٩ .

٢١٢
سورة الأحزاب: الآيات ٥٣ _ ٥٥
يقول لسَوْدةَ إذا خرجت - وكانت امرأةً طويلة -: قد رأيناكٍ يا سودةُ، حرصاً على أن
ينزل الحجاب، فأنزل الله آيةَ الحجاب(١). ولا بُعْدَ في نزول الآية عند هذه الأسباب
كلِّها، والله أعلم. بَيْدَ أنه لمَّا ماتت زينب بنت جحش قال: لا يشهد جنازَتها إلَّا ذو
مَحْرَمِ منها؛ مُراعاةً للحجاب الذي نزل بسببها. فدلَّته أسماء بنت عُميس على سترها
في النَّعْش في القُبَّة، وأَعْلَمَتْه أنَّها رأَتْ ذلك في بلاد الحبشة، فصَنعَه عمر(٢). وروي
أنَّ ذلك صُنع في جنازةٍ فاطمةَ بنتِ النّبِيِّ ﴾(٣).
قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
٥٤
البارئُ سبحانه وتعالى عالمٌ بما بدا وما خَفي، وما كان وما لم يكن، لا يَخْفَى
عليه ماضٍ تَقَضَّى، ولا مستقبلٌ يأتي. وهذا على العموم تمدُّحٌ به، وهو أهلُ المَذْحِ
والحمد. والمرادُ به هاهنا التوبيخُ والوعيدُ لمن تقدَّم التعريضُ به في الآية قَبْلَها، ممَّن
أُشيرَ إليه بقوله: ﴿ذَلِِكُمْ أَْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنٌ﴾، ومَن أُشيرَ إليه في قوله: ﴿وَمَا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ فقيل لهم في
هذه الآيةِ: إنَّ الله تعالى يَعْلَم ما تُخفونه من هذه المعتقدات والخواطِرِ المكروهةِ
ويُجازيكم عليها (٤). فصارت هذه الآيةُ مُنْعَطِفَةً على ما قَبْلَها مبيِّنَةً لها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَِنَّ فِيَّ ءَبَآِنَّ وَلَّ أَبْنَاِهِنَّ وَلَآَ إِخْوَنِنَّ وَلَا أَنَِّ إِخْوَنِنَّ
وَلَّ أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآءِهِنَّ وَلَ مَا مَكَتْ أَيْمَانُهُنُّ وَأَنَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَنَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
فيه ثلاث مسائل :
(١) أخرجه أحمد (٢٥٨٦٦)، والبخاري (١٤٦)، ومسلم (٢١٧٠) من حديث عائشة رضي الله عنها. وينظر
ما سلف في المسألة الأولى في سبب نزول الحجاب.
(٢) بنحوه في السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٧٢، وتهذيب الأسماء للنووي. ٣٤٥/٢ - ٣٤٦.
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٨/٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤/٤ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٩٦/٤ - ٢٩٧ .

٢١٣
سورة الأحزاب: الآيتان ٥٥ - ٥٦
الأولى: لمَّا نزلت آيةُ الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله ﴾:
ونحن أيضاً نكلِّمهنَّ من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية(١).
الثانية: ذكر الله تعالى في هذه الآية مَن يَحِلُّ للمرأة البُروزُ له، ولم يذكر العمَّ
والخال لأنهما يَجريان مجرى الوالدين. وقد يسمَّى العمُّ أباً؛ قال الله تعالى: ﴿نَعْبُدُ
إِلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وإسماعيلُ كان العمَّ(٢).
قال الزجَّاج: العمُّ والخال ربَّما يَصِفَان المرأةَ لولديهما، فإنَّ المرأة تَحِلُّ
لابن العمِّ وابن الخال، فكُره لهما الرؤية(٣)؛ وقد كَرِه الشعبيُّ وعكرمةُ أن تضع
المرأة خمارَها عند عمِّها أو خالها (٤). وقد ذُكر في هذه الآيةِ بعضُ المحارِم وذُكر
الجميعُ في سورة النور، فهذه الآيةُ بعضُ تلك، وقد مضى الكلامُ هناك مستوفّى(٥)،
والحمد لله.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَتَّقِينَ اَللَّهَ﴾ لمَّا ذكر الله تعالى الرخصةَ في هذه الأصناف
وانجزمت الإباحةُ، عَطَفَ بأمرهنَّ بالتقوى عَظْفَ جملةٍ. وهذا في غاية البلاغة
والإيجاز، كأنه قال: اقْتَصِرْنَ على هذا واتَّقِيْنَ اللهَ فيه أنْ تتعدَّيْنَه إلى غيره. وخَصَّ
النساءَ بالذِّكر وعيّنهنَّ في هذا الأمر؛ لقلَّةٍ تَحقُّظهِنَّ وكَثْرةِ استرسالهنَّ. والله أعلم. ثم
توَّد تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَتْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ
عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾﴾
هذه الآيةُ شرَّف الله بها رسوله عليه الصلاة والسلام حياتَه وموته، وذَكر منزلته
منه، وطهَّر بها سوءَ فِعْلٍ مَن استَصْحَبَ في جهته فكرةً سوءٍ، أو في أمر زوجاتِه ونحوِ
(١) الوسيط ٣/ ٤٨٠، والكشاف ٢٧٢/٣، وذكر نحوه الفراء في معاني القرآن ٣٤٩/٢.
(٢) الكشاف ٢٧٢/٣ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٣٦/٤ .
(٤) أخرجه عنهما الطبري ١٧٣/١٩، وقوله: تضع المرأةُ خِمارَها، أي: تخلعه.
(٥) ٢٠٨/١٥.

٢١٤
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
ذلك(١). والصلاةُ من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاءُ والاستغفار، ومن
الأمَّة الدعاءُ والتعظيمُ لأمره.
مسألة: واختلف العلماء في الضمير في قوله: ((يُصَلُّونَ)) فقالت فرقةٌ: الضميرُ فيه
لله والملائكة، وهذا قولٌ من الله تعالی شرَّف به ملائكته، فلا يَصْحَبُه الاعتراضُ
الذي جاء في قول الخطيب: مَن يُطِع اللهَ ورسولَه فقد رَشَد، ومَن يَعْصِهِما فقد غَوَى.
فقال له رسول الله ﴾: ((بئسَ الخطيبُ أنتَ، قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورسوله)) أخرجه
الصحيح(٢). قالوا: لأنَّه ليس لأحدٍ أن يجمع ذِكْرَ اللهِ تعالى مع غيره في ضمير، ولله
أن يفعل في ذلك ما يشاء.
وقالت فرقة: في الكلام حَذْفٌ، تقدیرُه: إنَّ الله یصلِّي وملائكته یصلُّون، ولیس
في الآية اجتماعٌ في ضمير.
[وقالت فرقة: بل جَمَعَ الله تعالى الملائكةَ مع نَفْسِه في ضمير] وذلك جائزٌ للبشرِ
فِعْلُه. ولم يَقُلْ رسول اللـه ﴾: ((بئس الخطيبُ أنت)) لهذا المعنى، وإنَّما قاله لأنَّ
الخطيب وقف على: ومَن يَعْصِهما، وسَكَت سكتة(٣). واستدلُّوا بما رواه أبو داود عن
عديّ بن حاتم: أنَّ خطيباً خَطَبَ عند النبيِّ :﴿ فقال: مَن يُطِع الله ورسوله ومَن
يَعْصِهما. فقال: ((قُم - أو اذهب - بئس الخطيبُ أنت))(٤). إلَّا أنه يحتمل أن يكون لمّا
خطَّأه في وَقْفِه وقال له: ((بئس الخطيبُ)). أَضْلَح له بعد ذلك جميعَ كلامه، فقال:
(قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورسولَه)) كما في كتاب مسلم. وهو يؤيِّد القولَ الأوّلَ بأنَّه لم
(١) المحرر الوجيز ٣٩٧/٤ .
(٢) صحيح مسلم (٨٧٠)، وهو عند أحمد (١٨٢٤٧)، وهو من حديث عدي بن حاتم ﴾. والكلام من
المحرر الوجيز ٤/ ٣٩٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٧/٤ - ٣٩٨، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) سنن أبي داود (١٠٩٩) و(٤٩٨١)، وهو عند أحمد (١٩٣٨٣). وقد ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز
٣٩٨/٤، وأبو العباس في المفهم ٢/ ٥١٠ دليلاً آخر، وهو حديث ابن مسعود ﴾ عند أبي داود
(١٠٩٧) و(٢١١٩): أن النبي # خطب فقال: ((مَنْ يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصهما فإنه لا
یضر إلا نفسه ... » فجمع ذکر الله تعالى مع رسوله في ضمير واحد ..

٢١٥
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
يقف على ((ومَن يَعْصِهِما)).
وقرأ ابن عباس: ((وملائكتُه)) بالرفع على موضعِ اسم اللهِ قبلَ دخولٍ ((إنَّ).
والجمهورُ بالنصب عطفاً على المكتوبة(١).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ فيه خمسُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أَمَر الله
تعالى عبادَه بالصلاة على نبيِّه محمدٍ ﴿ دون أنبيائه تشريفاً له، ولا خلافَ في أنَّ
الصلاةَ عليه فرضٌ في العمرِ مرةً، وفي كلِّ حينٍ من الواجبات وجوبَ السُّنَنِ المؤكّدةِ
التي لا يسعُ تَرْكُها ولا يُغْفِلُها إلَّا مَن لا خيرَ فيه. الزَّمَخْشَريُّ(٢): فَإن قلتَ: الصلاةُ
على رسول الله ﴿ واجبةٌ، أم مندوبٌ إليها؟ قلتُ: بل واجبةٌ. وقد اختلفوا في حال
وجوبِها؛ فمنهم مَن أَوْجَبَها كلَّما جرى ذكره. وفي الحديث: ((مَن ذُكِرْتُ عنده فلم
يُصَلِّ عَليَّ فدخل النار، فَأَبْعَده الله))(٣).
ويُروى أنه قيل له: يا رسول الله، أرأيتَ قولَ الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَتِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ فقال النبيُّ﴾: ((هذا من العلم المكنون، ولولا أنَّكم سألتُموني عنه
ما أخبرتُكم به، إنَّ الله تعالى وَل بي مَلَكين فلا أُذْكَر عند مسلم فيصلِّي عليَّ إلَّ قال
ذانك المَلَكَان: غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته جواباً لِذَّيْنِك المَلَكين: آمين.
ولا أُذْكَر عند عبدٍ مسلم فلا يصلّي عليَّ إلَّا قال ذانك المَلكَان: لا غَفَرَ الله لك،
وقال الله تعالى وملائكته لذَيْنِك المَلَكّين: آمين))(٤).
ومنهم مَن قال: تجب في كلِّ مجلسٍ مرةً وإِنْ تَكَرَّر ذِكْره، كما قيل(٥) في آية
(١) المحرر الوجيز ٣٩٨/٤، وقراءة الرفع في القراءات الشاذة ص ١٢٠.
(٢) في الكشاف ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣ .
(٣) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه ابن حبان (٩٠٧)، وفيه: ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليك ....
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٧٥٣) من حديث الحسن بن علي ﴾. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٩٣/٧ : فيه الحكم بن عبد الله بن خطاف، وهو كذاب.
(٥) في (خ) و(د) و(م): قال، وليست في باقي النسخ، والمثبت من الكشاف.

٢١٦
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
السجدة وتشميت العاطس. وكذلك في كلِّ دعاءٍ في أوَّله وآخِرِه.
ومنهم مَن أَوْجَبها في العمر. وكذلك قال في إظهار الشهادتين. والذي يقتضيه
الاحتياطُ: الصلاةُ عند كلِّ ذِكْرٍ، لِمَا ورد من الأخبار في ذلك.
الثانية: واختلفت الآثارُ في صفة الصلاة عليه*، فروى مالكٌ عن أبي مسعودٍ
الأنصاريِّ قال: أتانا رسول الله﴾ ونحن في مجلس سعد بنِ عُبادة، فقال له بشير بن
سعد، أَمَرَنا الله أنْ نصلِّيَ عليك يا رسول الله، فكيف نصلِّي عليك؟ قال: فسَكَتَ
رسول اللـه* حتى تمنَّينا أنه لم يَسْأَلْه، ثم قال رسول اللـه﴾: «قولوا: اللهمَّ صلِّ
على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيم، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آل
محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ،
والسلامُ كما قد عَلِمتُم)»(١). ورواه النَّسائيُّ عن طلحةَ مثلَه، بإسقاطِ قوله: ((في
العالمين)) وقوله: ((والسلامُ كما قد علمتم)»(٢). وفي الباب عن كعب بن عُجْرةَ، وأبي
حُميدٍ الساعديِّ، وأبي سعيد الخُذْريِّ، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة، وبُريدةً
الخزاعيِّ، وزيد بن خارجة، ويقال: ابن جارية(٣). أخرجها أئمةُ أهلِ الحديث في
كتبهم(٤). وصحّح الترمذيُّ حديثَ كعب بن عُجْرة. خرَّجه مسلم في ((صحيحه)) مع
(١) الموطأ ١٦٥/١ - ١٦٦، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٢٢٣٥٢)، ومسلم (٤٠٥)، ووقع في جميع
هذه المصادر: (( ... وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين ... )).
قوله: ((والسلام كما قد عَلِمْتُم)) أي: كما علمتم في التشهد، وهو قولهم: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته. وروي: عُلُّمتم، وكلاهما صحيح. شرح النووي لصحيح مسلم ٤/ ١٢٥ .
(٢) المجتبى ٤٨/٣، وهو عند أحمد (١٣٩٦). والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١٥٧١/٣.
(٣) في النسخ: ابن حارثة، والمثبت من سنن الترمذي إثر الحديث (٤٨٣).
(٤) حديث كعب بن عجرة أخرجه أحمد (١٨١٠٤)، والبخاري (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦).
وحديث أبي حميد الساعدي أخرجه أحمد (٢٣٦٠٠)، والبخاري (٦٣٦٠)، ومسلم (٤٠٧).
وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد (١١٤٣٣)، والبخاري (٦٣٥٨).
وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي في الكبرى (٩٧٩٢). وحديث زيد بن خارجة أخرجه أحمد
(١٧١٤)، والنسائي في المجتبى ٤٨/٣ - ٤٩. وحديث بريدة أخرجه أحمد (٢٢٩٨٨)، وفيه أبو داود
الأعمى نفيع بن الحارث، وهو متروك كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية. وحديث علي أخرجه
البيهقي في الشعب (١٥٨٨) وسيأتي.

٢١٧
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
حديث أبي حميد الساعديٌّ(١).
قال أبو عمر (٢): روى شُعبةُ والثوريُّ عن الحكم، عن(٣) عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن كعب بن عُجرة قال: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﴾ فقال: يا رسولَ الله، هذا السلامُ عليك قد
عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: ((قل: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما
صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، وبارك على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم
وعلى آلِ إبراهيم، إنَّك حميد مجيد)) وهذا لفظُ حديثِ الثوريِّ لا حديثٍ شعبةً، وهو
يدخل في التفسير المسْنَدِ(٤) لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَّبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِنِّ يَّأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ فبَّن كيف الصلاةُ عليه، وعلَّمهم في التحيات
كيف السلام عليه، وهو قوله: ((السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه)).
وروى المسعوديُّ عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختةً، عن الأسود، عن عبد
الله أنه قال: إذا صلَّيتُم على النبيِّ ◌َ﴾ فَأَحْسِنُوا الصلاةَ عليه؛ فإنكم لا تدرون لعلَّ
ذلك يُعْرَضُ عليه. قالوا: فعلِّمنا! قال: قولوا: اللهمَّ اجْعَلْ صلواتِك ورحمتك
وبركاتِك على سيِّد المرسلين وإمامِ المثَّقين وخاتم النبيين محمدٍ عبدك ونبيِّك
ورسولِك إمامِ الخيرِ وقائدِ الخير ورسولِ الرحمة. اللهمَّ ابعثه مقاماً محموداً يَغْبِطُه به
الأوَّلون والآخِرون. اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيمَ
وعلى آل إبراهيمَ، إِنَّك حميدٌ مجيد. اللهمَّ بَارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما
باركتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد(٥).
(١) صحيح مسلم (٤٠٦)، (٤٠٧)، وحديث كعب بن عجرة عند الترمذي (٤٨٣) وقد سلف تخريجهما في
التعليق السابق.
(٢) في التمهيد ١٨٥/١٦.
(٣) في النسخ: ابن، وهو تصحيف.
(٤) بعدها في (د) و(م): إليه.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٩٠٦).

٢١٨
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
وروينا بالإسناد المتَّصِل في كتاب ((الشفا)) للقاضي عياض عن عليّ بن أبي طالب ﴾
قال: عَدَّهُنَّ في يَدِي رسولُ اللـه :﴿ وقال: ((عَدَّهُنَّ في يدي جبريلُ وقال: هكذا أُنزلتْ
مِن عندِ ربِّ العزَّةِ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيمَ
وعلى آلِ إبراهيمَ، إنكَ حميدٌ مجيد. اللهمَّ بارِكْ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ كما
باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهمَّ وتَرَحَّمْ على محمدٍ
وعلى آل محمد كما ترخَّمتْ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم
وتحثَّنْ على محمد وعلى آل محمد كما تحتَّنتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك
حميد مجيد))(١).
قال ابن العربيّ(٢): من هذه الروايات صحيحٌ ومنها سقيم، وأصحُّها ما رواه
مالكٌ فاعْتَمِدوه. وروايةُ غيرِ مالكٍ من زيادةِ الرحمةِ مع الصلاةِ وغيرِها لا يَقْوَى. وإنَّما
على الناس أن ينظروا في أديانهم نَظَرَهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع ديناراً
مَعيباً، وإنَّما يختارون السالمَ الطيِّب، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبيِّ ﴿ إِلَّا
ما صحَّ سندُه، لئلا يدخل في حيِّز الكذب على رسول اللـه ﴾، فبينما هو يَطْلبُ
الفضلَ إذا به قد أصاب النَّقْصَ، بل ربَّما أصابَ الخسرانَ المبين.
الثالثة: في فضلِ الصلاةِ على النبيِّ ﴾، ثَبتَ عنه ﴿ أنَّه قال: ((مَن صلَّى عليَّ
صلاةً؛ صلَّى اللهُ عليه بها عَشْراً))(٣). وقال سهلُ بن عبد الله: الصلاةُ على محمدٍ ﴾
أفضلُ العبادات؛ لأنَّ الله تعالى تَوَلَّاها هو وملائكتُهُ، ثم أَمر بها المؤمنين، وسائرُ
العبادات لیس کذلك.
قال أبو سليمان الدَّارانيُّ: مَن أراد أن يَسْأَل اللهَ حاجةً؛ فَلْيَبدأ بالصلاة على
(١) الشفا ٢/ ١٦١ - ١٦٢، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٥٨٨) وقال: وهو إسناد ضعيف.
(٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٥٧٢ .
(٣) أخرجه أحمد (٨٨٥٤)، ومسلم (٤٠٨) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أحمد (٦٥٦٨)، ومسلم
(٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

٢١٩
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
النبيِّ*، ثم يَسأل اللهَ حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبيِّ ﴾، فإنَّ الله تعالى يقبل
الصلاتين، وهو أكرمُ مِن أنْ يَردَّ ما بينَهما.
وروى سعيد بن المسيِّب عن عمر بن الخطاب ﴾ أنه قال: الدعاءُ يُحجب دون
السماء حتى يصلَّى على النبيِّ:﴿، فإذا جاءت الصلاةُ على النبيِّ # رُفع الدعاء(١).
وقال النبيُّ ﴾: ((مَن صلَّى عليَّ في كتابٍ لم تَزَل الملائكةُ يصلُّون عليه ما دام
اسمي في ذلك الكتاب))(٢).
الرابعة: واختلف العلماء في الصلاة على النبيِّ # في الصلاة؛ فالذي عليه الجمُّم
الغفير والجمهورُ الكثير: أنَّ ذلك من سُنن الصلاة ومُستَحَبَّاتها. قال ابن المندر:
يُستَحَبُّ ألّا يصلِّي أحدٌ صلاةَ إلَّا صلَّى فيها على رسول اللـه ﴾، فإنْ تَركَ ذلك تارِكٌ
فصلاتُهُ مُجزيةٌ في مذهب مالكِ وأهلِ المدينة وسفيان الثوريِ وأهلِ الكوفة من
أصحاب الرأي وغيرهم. وهو قولُ جُملٍ(٣) أهلِ العلم. وحُكي عن مالكٍ وسفيانَ أنَّها
في التشهُّدِ الأخير مستحَبَّةٌ، وأنَّ تارِكَها في التشهُّد مُسيء. وشدَّ الشافعيُّ فَأَوْجَبَ على
تارِكها في الصلاة الإِعادةَ. وأوجبَ إسحاقُ الإعادةَ مع تعمُّدِ تَرْكِها دون النسيان(٤).
وقال أبو عمر(٥): قال الشافعيُّ: إذا لم يصلِّ على النبيِّ﴾ في التشهُّد الأخيرِ
بعد التشهُّد وقبلَ التسليم أعاد الصلاة. قال: وإن صلَّى عليه قبل ذلك لم تَجْزِه. وهذا
قولٌ حكاه عنه حَرْملةُ بن يحيى، لا يكاد يُوجَدُ هكذا عن الشافعيِّ إلَّا من روايةٍ حَرْملةَ
(١) أخرجه بنحوه الترمذي (٤٨٦). قال ابن العربي في عارضة الأحوذي ٢٧٣/٢: مثل هذا إذ قاله عمر لا
يكون إلا توقيفاً؛ لأنه لا يُدْرَك بنظر.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٥٦) من حديث أبي هريرة﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
١٣٧/١ : فيه بشر بن عبد الله الدارسي، كذَّبه الأزدي وغيره. وقال المنذري في الترغيب والترهيب
١٤٤/١: وروي من كلام جعفر بن محمد موقوفاً عليه، وهو أشبه.
(٣) في (م): جل، والمثبت من النسخ الخطية وهو موافق لما في الشفا ٢/ ١٤٣، والكلام منه.
(٤) الشفا ٢/ ١٤٢ - ١٤٣
(٥) في التمهيد ١٩١/١٦.

٢٢٠
سورة الأحزاب: الآية ٥٦
عنه، وهو من كبارٍ أصحابِه الذين كتبوا كُتُبَه. وقد تقلَّده أصحابُ الشافعيِّ ومالوا إليه
وناظَروا عليه، وهو عندهم تحصيلُ مَذْهَبِهِ.
وزعم الطّحَاويُّ(١) أنه لم يَقُلْ به أحدٌ من أهلِ العلمِ غيرُه. وقال الخطَّابيُّ(٢) وهو
من أصحاب الشافعيِّ: وليست بواجبةٍ في الصلاة، وهو قولُ جماعةِ الفقهاء إلَّا
الشافعيَّ، ولا أَعلمُ له فيها قدوةً.
والدليلُ على أنَّها ليست من فروضِ الصلاةِ عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ قبلَ الشافعيِّ
وإجماعُهم عليه، وقد شُنِّع عليه في هذه المسألة جدًّا. وهذا تَشَهُّدُ ابنٍ مسعودٍ الذي
اختاره الشافعيُّ - وهو الذي علَّمه [له] النبيُّ ﴾ - ليس فيه الصلاةُ على النبيِّ ﴾،
وكذلك كلُّ مَنْ رَوَى التَشْهُّد عنه﴾(٣).
وقال ابن عمر: كان أبو بكر يعلِّمنا التشهُّدَ على المنبر كما تعلِّمون الصبيان في
الكتاب. وعلَّمه أيضاً على المنبر عمرُ، وليس فيه ذِكْرُ الصلاة على النبيِّ﴾(1).
قلت: قد قال بوجوب الصلاة على النبيِّ# في الصلاة محمد بنُ المؤَّاز من
أصحابنا فيما ذَكَر ابنُ القَصَّار وعبدُ الوهَّاب(٥)، واختاره ابن العربيِّ للحديث
الصحيح: إنَّ الله أَمرنا أن نصلِّيَ عليك، فكيف نصليٍّ عليك؟ فعلَّم الصلاةَ ووَقَتَها
فتعيَّنتْ كيفيةً ووقتاً (٦).
(١) قوله في مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢١٩/١ .
(٢) في معالم السنن ٢٢٧/١، ونقله المصنف عنه بواسطة القاضي عياض في الشفا ٢/ ١٤٥ .
(٣) الشفا ١٤٥/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. وتشهُّد ابن مسعود الذي علمه له النبي#: ((التحيات
لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين - فإذا قالها أصابت كلَّ عبدٍ لِلهِ صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله ... )) أخرجه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢).
(٤) الشفا ١٤٦/٢، وخبرا عمر وابن عمر رضي الله عنهما أخرجهما الطحاوي في شرح معاني الآثار
٢٦١/١ و٢٦٤ .
(٥) الشفا ٢ / ١٤٤ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٧٢/٣، والحديث سلف في المسألة الثانية عن أبي مسعود الأنصاري ﴾.