النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
الثاني: لا يَحِلُّ لك منهنَّ إلَّا مَن هاجر إلى المدينة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا
وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] ومَن لم يُهاجِرْ لم
يَكْمُل، ومَن لم يَكْمُل لم يَصْلُحْ للنبيِّ :﴿ الذي كَمُل وشَرُف وعَظُمْ ﴾(١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿مَعَكَ﴾ المَعِيَّةُ هنا: الاشتراكُ في الهجرة؛ لا في
الصُّحبة فيها، فَمَن هاجَرَ حَلَّ له(٢)، كان في صُحبته إذ هاجرَ أو لم يكن. يقال: دخل
فلانٌ معي وخرج معي، أي: كان عملُه كعملي، وإن لم يقترن فيه عَمَلُكما. ولو قلت:
خرجنا معاً لاقتضَى ذلك المعنيين جميعاً: الاشتراك في الفعل، والاقتران [فيه].
السابعة: ذكر الله تبارك وتعالى العمَّ فَرْداً والعمَّات جَمْعاً. وكذلك قال:
((خالِكَ))، و((خالاتِكَ))، والحكمةُ في ذلك: أنَّ العمَّ والخالَ في الإطلاق اسمُ جنسٍ
كالشاعر والرَّاجِز؛ وليس كذلك العمةُ والخالة. وهذا عُرْفٌ لغويّ، فجاء الكلامُ عليه
بغايةِ البيانِ لرفع الإشكال، وهذا دقيقٌ فتأمَّلوه؛ قاله ابن العربيّ(٣).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَقْرَةً مُؤْمِنَةً﴾ عطف على ((أَحْلَلْنا)). المعنى: وأَحْللنا لك
امرأةً تَهَبُ نفسَها من غير صَدَاق. وقد اختلف في هذا المعنى؛ فروي عن ابن عباس
أنه قال: لم تكن عند رسول اللـه # امرأةٌ إلَّا بعقدِ نكاح، أو مِلْكِ يمين. فأمَّا بالهبة
فلم يكن عنده منهنَّ أحد(٤).
وقال قومٌ: كانت عنده موهوبةٌ.
قلت: والذي في الصحيحين يقوِّي هذا القولَ ويَعْضُدُه؛ روى مسلم عن عائشةً
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٤/٣.
(٢) في (ظ): فمن هاجرت حلت له، والمثبت من باقي النسخ، وأحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٤/٣،
والكلام وما سیرد بین حاصرتين منه.
(٣) في أحكام القرآن ١٥٤٤/٣ - ١٥٤٥.
(٤) المحرر الوجيز ٣٩١/٤ - ٣٩٢، وأخرجه مختصراً الطبري ١٣٤/١٩، والطحاوي في شرح مشكل
الآثار (٦٠٦٦).

١٨٢
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
رضي الله عنها أنها قالت: كنتُ أغار على اللَّتي وَهَبْنَ أنفسهنَّ لرسول الله ﴾
وأقول: أَمَا تستحي امرأةٌ تَهَبُ نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ
مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَةٌ﴾ فقلتُ: واللهِ ما أرى رَبَّكَ إلَّا يُسارِعُ في هواك(١). وروى
البخاريُّ عن عائشةَ أنَّها قالت: كانت خَوْلة بنتُ حكيم من اللائي وهبنَ أنفسهنَّ
لرسول الله﴾(٢). فدلَّ هذا على أنهنَّ كنَّ غيرَ واحدةٍ. والله تعالى أعلم.
الزَّمَخْشَريُّ(٣): وقيل: الموهوباتُ أربعٌ: ميمونة بنتُ الحارث، وزينب بنت
خُزيمة أمُّ المساكين الأنصاريةُ، وأمُّ شَرَيكِ بنتُ جابر، وخَوْلة بنتُ حكيم.
قلت: وفي بعض هذا اختلافٌ. قال قتادةُ: هي ميمونةُ بنتُ الحارث (٤). وقال
الشعبيُّ: هي زينب بنتُ خزيمةً أمُّ المساكين، امرأةٌ من الأنصار(٥). وقال عليّ بن
الحسين والضخّاك ومقاتل: هي أمّ شريكٍ بنتُ جابر الأَسْدية(٦). وقال عروة بن
الزبير: أمُّ حكيم بنتُ الأَوْقَص السُّلَمية(٧).
التاسعة: وقد اختلف في اسم الواهبةِ نَفْسَها؛ فقيل: هي أمُّ شَريكِ الأنصاريةُ،
(١) صحيح مسلم (١٤٦٤)، وأخرجه أحمد (٢٥٠٢٦)، والبخاري (٤٧٨٨).
(٢) رواه البخاري بإثر الحديث (٥١١٣) عن عائشة تعليقاً، وأخرجه (بالرقم السابق) عن عروة قوله. ثم
قال عروة: فقالت عائشة: أما تستحي المرأة ... الخ بمثل ما سلف. والكلام في التعريف والإعلام
للسهيلي ص ١٤١ .
(٣) في الكشاف ٢٦٨/٣ .
(٤) ذكره عن قتادة البغوي ٣/ ٥٣٧.
(٥) النكت والعيون ٤١٥/٤. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٢٣/٨: وأما حكاية الماوردي عن الشعبي
أن زينب بنت خزيمة أمَّ المساكين أنصاريةٌ فليس بجيد؛ فإنها هلالية بلا خلاف. اهـ وقد ذكره البغوي
٥٣٧/٣ عن الشعبي فقال: الهلالية. وينظر ما سلف ص١٢٢ من هذا الجزء.
(٦) تفسير البغوي ٥٣٧/٣، وأخرجه عن علي بن الحسين الطبري ١٣٥/١٩ - ١٣٦. ويقال: الأَسْدية
والأَزْدية، وقد سلف ذكرها ص١٢٥ من هذا الجزء، وينظر ما سيأتي في المسألة التي بعدها.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٢٦٨)، والطبري ١٣٦/١٩ وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز
٣٩٢/٤، وسمَّوْها: خولة بنت حكيم بن الأوقص. وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٩٦/١٣ أن أم
حكيم هذه هي خولة بنت حكيم.

١٨٣
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
اسمُها غُزِيَّة. وقيل: غُزَيلة. وقيل: ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونةُ بنتُ الحارث
حين خطبها النبيُّ #، فجاءها الخاطبُ وهي على بعيرها فقالت: البعيرُ وما عليه
لرسول اللـه﴾. وقيل: هي أمُّ شريكِ العامريةُ، وكانت عند أبي العَكْرِ الأَزْديّ،
وقيل: عند الظُّفيل بن الحارث، فولدت له شريكاً. وقيل: إنَّ رسول الله ﴾ تزوَّجها؛
ولم يَثْبُتْ ذلك. والله تعالى أعلم؛ ذكره أبو عمر بن عبد البر(١). وقال الشعبيُّ
وعروةُ: هي زينب بنتُ خزيمةَ أمُّ المساكين(٢). والله تعالى أعلم.
العاشرة: قرأ جمهور الناس: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ بكَسْرِ الألف، وهذا يقتضي استئنافَ
الأمر، أي: إن وقع فهو حلالٌ له. وقد روي عن ابن عباس ومجاهدٍ أنهما قالا: لم
يكن عند النبيِّ # امرأةٌ موهوبة. وقد دَلَلْنا على خلافه. وروى الأئمة من طريقٍ سهلٍ
وغيرهٍ في الصحاح: أنَّ امرأةً قالت لرسول الله ﴾: جئتُ أَهَبُ لك نفسي، فسكت
حتى قام رجل فقال: زَوِّجْنِيها إن لم يكن لك بها حاجة(٣). فلو كانت هذه الهبةُ غيرَ
جائزةٍ لَمَا سَكَتَ رسول اللـه ﴾؛ لأنه لا يُقِرُّ على الباطل إذا سمعه، غير أنه يحتملُ أن
يكون سكوته منتظراً بياناً، فنزلت الآية بالتحليل والتخيير. فاختار تركها، وزوَّجها من
غيره. ويحتمل أن يكون سكت ناظراً في ذلك حتى قام الرجل لها طالباً(٤).
وقرأ الحسن البصريُّ وأُبَيُّ بن كعب والشعبيُّ: ((أنْ)) بفتح الألف(٥). وقرأ
الأعمش: ((وامرأةً مؤمِنَةً وهَبَتْ)). قال النحاس(٦): وكَسْرُ ((إنْ)) أَجْمعُ للمعاني؛ لأنَّه
(١) في الاستيعاب ٢٤٣/١٣، ونقله المصنف عنه بواسطة السهيلي في التعريف والإعلام ص ١٤١،
والكلام من بداية المسألة منه. قال الحافظ في الإصابة ٢٣٨/١٣: والذي يظهر أن أم شريك واحدة،
اختلف في نسبتها: أنصارية، أو عامرية من قريش، أو أزدية من دوس.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٢/٤ .
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٧٩٨)، والبخاري (٢٣١٠)، ومسلم (١٤٢٥).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٦/٣.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ٢/ ١٨٢، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٤، والكلام منه.
(٦) في معاني القرآن ٣٦٢/٥، وما قبله منه، وذكر ابن خالويه القراءة في القراءات الشاذة ص ١٢٠ عن
ابن مسعود ﴾.

١٨٤
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
قيل: إنَّهن نساء. وإذا فتح كان المعنى على واحدةٍ بعينها؛ لأنَّ الفتح على البدل من
امرأة، أو بمعنى: لِأَنْ.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةً﴾ يدلُّ على أنَّ الكافرة لا تَحِلُّ له. قال إمام
الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرَّة الكافرة عليه. قال ابن العربيٌّ(١): والصحيحُ
عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميّز علينا؛ فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة
فحظّه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبُه عنها أطهر (٢)؛ فَجُوِّزَ لنا نكاح
الحرائر الكتابيات، وقُصِر هو :﴿ لجلالته على المؤمنات. وإذا كان لا يَحِلُّ له مَن لم
تُهاجِرْ لنقصانِ فَضْلِ الهجرة؛ فأخْرَى الَّ تَحِلَّ له الكتابية الكافرة(٣) لنقصان الكفر.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ دليلٌ على أنَّ النكاح عقدُ مُعاوَضةٍ
على صفاتٍ مخصوصة، قد تقدَّمت في ((النساء)) وغيرها(٤). وقال الزجَّاج: معنى ((إِنْ
وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ»: حَلَّتْ. وقرأ الحسن: ((أنْ وَهَبتْ)) بفتح الهمزة. و((أنْ)) في موضعٍ
نصبٍ؛ قال الزجَّاج: أي: لأَنْ. وقال غيرُه: ((أَنْ وهبت)) بدلُ اشْتِمَالٍ من ((امرأة))(٥).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ أي: إذا وهبت المرأة
نفسَها وقَبِلَها النبيُّ ◌َ﴾؛ حَلَّتْ له، وإن لم يقبلها لم يَلْزَم ذلك. كما إذا وَهَبْتَ لرجلٍ
شيئاً فلا يجبُ عليه القبولُ. بَيْدَ أنَّ من مكارِم أخلاقٍ نبيِّنا أن يقبل من الواهب هبتَه،
ويرى الأكارمُ أنَّ ردَّها هُجْنةٌ في العادة، ووصمةٌ على الواهب وإذايةٌ لقلبه؛ فبيَّن الله
ذلك في حقِّ رسوله ﴿، وجعله قرآناً يُتْلَى؛ ليرفع عنه الحرج، ويُبْطِلَ بُظْلَ الناس(٦)
(١) في أحكام القرآن ١٥٤٦/٣، وما قبله منه.
(٢) في (ظ): عنه أظهر.
(٣) في أحكام القرآن: الحرة.
(٤) ينظر ٣٩٤/٤، و٢١٤/٦.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٠/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٣٢/٤ - ٢٣٣، وسلف هذا
الكلام في المسألة العاشرة.
(٦) في أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤١/٣ (والكلام منه): وليبطل ظن الناس.

١٨٥
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
في عادتهم وقولهم.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ﴾ أي: هبةُ النساءِ أنفسهنَّ خالصةٌ
ومَزِيَّةٌ (١)، فلا يجوز أن تَهَب المرأة نفسَها لرجل. ووجهُ الخاصيَّة: أنها لو طلبتْ
فَرْضَ المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك. فأمَّا فيما بيننا فللمفوّضةِ طلبُ المهرِ قبل
الدخول، ومَهْر المِثْلِ بعد الدخول.
الخامسة عشرة: أجمع العلماء على أنَّ هبةَ المرأةِ نفسَها غيرُ جائزٍ، وأنَّ هذا
اللَّفْظُ من الهبة لا يَتمُّ عليه نكاحٌ، إلَّا ما رُوي عن أبي حنيفةَ وصاحبيه فإنهم قالوا:
إذا وَهَبتْ فَأَشْهَدَ هو على نفسه بمهرٍ؛ فذلك جائز. قال ابن عطية (٢): فليس في قولهم
إلّا تجويزُ العبارةِ ولفظةِ الهبة، وإلَّ فالأفعالُ التي اشترطوها هي أفعالُ النكاحِ بعينه،
وقد تقدَّمت هذه المسألة في ((القصص)) مستوفاةً. والحمد لله(٣).
السادسة عشرة: خَصَّ الله تعالى رسولَه في أحكام الشريعة بمعانٍ لم يُشارِكْه فیھا
أحدٌ - في بابِ الفرضِ والتحريم والتحليلِ - مَزِيَّةً على الأمة وهيبةً (٤) له، ومَرْتَبَةً خُصَّ
بها؛ ففُرِضَتْ عليه أشياءُ ما فُرِضَتْ على غيره، وحَرُمت عليه أفعالٌ لم تحرم عليهم،
وحُلِّتْ له أشياءُ لم تُحَلَّل لهم، منها متفقٌ عليه، و[منها] مختلفٌ فيه.
فأمَّا ما فُرض عليه فتسعةٌ: الأوّل: التهجّد بالليل؛ يقال: إنَّ قيام الليل كان واجِباً
عليه إلى أن مات؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ. قُِّ اَلَيْلَ﴾ الآيَة [المزمل: ١-٢].
والمنصوصُ أنه كان واجباً عليه ثم نُسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ أَلَِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً
(١) بعدها في (خ) و(د) و(م): لا تجوز، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في المحرر الوجيز
٣٩٢/٤، والكلام منه.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٩٢/٤، وما قبله منه.
(٣) عند المسألة التاسعة من تفسير الآيات (٢٢ - ٢٨) من سورة القصص.
(٤) في (ظ): وهبة، وفي (خ) و(د) و(م): وُهبت، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٩/٣
(والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه).

١٨٦
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وسيأتي. الثاني: الضُّحى. الثالث: الأَضْحى (١). الرابع: الوتر،
وهو يدخل في قِسْم التهجّد. الخامس: السِّواك. السادس: قضاءُ دَيْنِ مَن مات مُعِْراً.
السابع: مُشاورةُ ذوي الأحلام في غير الشَّرائع. الثامن: تخييرُ النساء. التاسع: إذا
عَمِلَ عملاً أَثْبتَه(٢). زاد غيره: وكان يجبُ عليه إذا رأى منكراً أَنكره وأَظْهَره؛ لأنَّ
إقراره لغيره على ذلك يدلُّ على جوازه؛ ذكره صاحب ((البيان))(٣).
وأمَّا ما حرم عليه فجملتُه عشرة: الأوّل: تحريمُ الزكاة عليه وعلى آله. الثاني:
صدقةُ التطوُّع عليه، وفي آله تفصيلٌ باختلاف. الثالث: خائنةُ الأَعْيُنِ، وهو أنْ يُظْهِرَ
خلافَ ما يُضْمِر، أو ينخدع عمَّا يجب. وقد ذمَّ بعضَ الكفار عند إذنه، ثم أَلانَ له
القولَ عند دخوله(٤). الرابع: حرَّم عليه إذا لبس لَأُمتَه أن يخلعها عنه، أو يحكمَ الله
بينه وبين مُحارِبِهِ. الخامس: الأكلُ متَّكِئاً. السادس: أكلُ الأطعمةِ الكريهةِ الرائحةِ.
السابع: التبدُّل بأزواجه، وسيأتي(٥). الثامن: نكاحُ امرأةٍ تَكْرهُ صُحبته. التاسع: نكاحُ
الحرَّة الكتابية. العاشر: نكاحُ الأَمَةِ (٦).
وحرَّم الله عليه أشياءَ لم يحرِّمها على غيره تنزيهاً له وتطهيراً. فحرَّم عليه الكتابةً
وقولَ الشعر وتعليمَه؛ تأكيداً لحجته وبياناً لمعجزته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ
مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَبٍ وَلَا تَخُلُهُ بِيَمِنِكٌ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. وذكر النقَّاش أنَّ النبيَّ ﴾ ما
(١) يعني الأضحية، وأخرج أحمد (٢٠٨١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أُمِرتُ بالأضحى
والوتر، ولم تُكتب)) وفي رواية عند أحمد (٢٠٥٠): ((ثلاث هن عليَّ فرائض، وهن لكم تطوُّع: الوتر،
والنحر، وصلاة الضحى)). وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١١٨/٣ أن هذا الحديث ضعيف
من جمیع طرقه.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٩/٣ - ١٥٥٠ .
(٣) ١٤٢/٩، وصاحبه هو أبو الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني اليمني.
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٣٢)، ومسلم (٢٥٩١) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٥) ص١٩٧ من هذا الجزء.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٥٠ .

١٨٧
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
مات حتى كَتَب، والأولُ هو المشهور(١). وحرم عليه أن يمدَّ عينيه إلى ما متّع به
الناس؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ الآية [طه: ١٣١].
وأمَّا ما أُحِلَّ له ﴿ فجملتُه ستةَ عَشَرَ: الأوّل: صَفِيُّ المَغْنّم. الثاني: الاستبدادُ
بِخُمسِ الخُمْسِ أو الخُمس. الثالث: الوصال. الرابع: الزيادةُ على أربعٍ نِسْوةٍ.
الخامس: النكاح بلفظ الهبة. السادس: النكاح بغير وليٍّ. السابع: النكاح بغير
صَدَاق. الثامن: نكاحُه في حالة الإحرام. التاسع: سقوطُ القَسْمِ بين الأزواج عنه،
وسيأتي(٢). العاشر: إِذا وقع بصره على امرأةٍ وجب على زوجها طلاقُها؛ وحلَّ له
نكاحُها؛ قال ابن العربيّ(٣): هكذا قال إمامُ الحرمين، وقد مضى ما للعلماء في قصة
زيدٍ من هذا المعنى. الحادي عشر: أنه أَعتق صفيَّة وجعل عِنْقَها صَدَاقَها. الثاني
عشر: دخولُه مكةَ بغير إحرام، وفي حقِّنا فيه اختلافٌ. الثالث عشر: القتالُ بمكة.
الرابع عشر: أنه لا يُؤْرَث. وإنَّما ذُكر هذا في قسم التحليل لأنَّ الرجل إذا قارَبَ
الموتَ بالمرض زال عنه أكثرُ ملكِه، ولم يبق له إلَّا الثلثُ خالصاً، وبقي ملكُ
رسول الله # [بعد موته]، على ما تقرَّر بيانُه في آية المواريث، وفي سورة مريم بيانُه
أيضاً(٤). الخامس عشر: بقاءُ زوجيَّتهِ من بعد الموت. السادس عشر: إذا طلَّق امرأةً
تَبْقَى حرمتُه عليها فلا تُنكح. وهذه الأقسامُ الثلاثةُ تقدَّم مُعْظَمُها مفضَّلاً في مَواضِعِه.
وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وأبيح له عليه الصلاةُ والسلامُ أَخْذُ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن
كان مَن هو معه يخاف على نفسه الهلاك؛ لقوله تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
(١) وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢٦/٣ - ١٢٨ عدداً من العلماء الذين قالوا بهذا
القول والآثار التي استدلُّوا بها.
(٢) ص ١٩٠ من هذا الجزء.
(٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٥٥١، وما قبله وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) ينظر ٦/ ١٠٠ و٤١٥/١٣ .

١٨٨
سورة الأحزاب: الآية ٥٠
أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وعلى كلِّ أحدٍ من المسلمين أن يَقيَ النبيَّ ﴾ بنفسه. وأُبيح له
أن يَحميّ لِنفسه(١).
وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجُعلت الأرضُ له ولأمَّته مسجداً وطهوراً. وكان
من(٢) الأنبياء لا تصحُّ صلاتهم إلَّا في المساجد. ونُصِرَ بالرُّعْب، فكان يخافه العدوُّ
من مَسِيرة شهرٍ. وبُعث إلى كافةِ الخَلْقِ، وقد كان مَن قبلَه من الأنبياء يبعث الواحد
إلى بعض الناس دون بعض(٣).
وجُعلت معجزاته كمعجزاتِ الأنبياءِ قبلَه وزيادة. وكانت معجزةُ موسى عليه
السلام العصا وانفجارَ الماءِ من الصخرة، وقد انشقَّ القمر للنبيِّ #، وخرج الماء من
بين أصابعه #. وكانت معجزةُ عيسى ◌َ﴾ إحياءَ الموتى وإبراءَ الأكْمَهِ والأبرص، وقد
سبَّح الحصى في يد النبيِّ ﴾، وحنَّ الجِذعُ إليه، وهذا أبلغ. وفضَّله الله عليهم بأنْ
جَعَلَ القرآنَ معجزةً له، وجعل معجزتَه فيه باقيةً إلى يوم القيامة، ولهذا جُعلت نبوَّتُه
مؤَّدةً لا تُنسخ إلى يوم القيامة(٤).
السابعة عشر: قوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ أي: ينكِجَها، يقال: نَكَح
واستَنْكَحِ، مثل عَجِب واستَعْجَبَ، وعَجِل واسْتَعْجَلَ. ويجوز أن يَرِد الاستنكاحُ
بمعنى طَلَبِ النكاح، أو طلبِ الوَظْء. و((خَالِصَةً)) نصبٌ على الحال؛ قاله الزجَّاجِ (٥).
(١) لقوله #: ((لا حِمَى إلَّا لله ولرسوله)) أخرجه أحمد (١٦٤٢٢)، والبخاري (٢٣٧٠) من حديث الصَّعب
ابن جَثَّامةَ ﴾. ومعنى الحمى: أن يحمي أرضاً من الموات، يمنع الناس رَغْي ما فيها من الكلأ؛
ليختصَّ بها دونهم، ولكنه لم يحم لنفسه شيئاً، وإنما حَمى للمسلمين. ينظر المغني لابن قدامة
٨/ ١٦٥ - ١٦٦ .
(٢) كذا في النسخ، وحق الكلام أن يكون دون كلمة من.
(٣) يشير إلى حديث النبي ﴾: ((أُعطيت خمساً لم يُعْطَهنَّ أحدٌ قبلي ... )) وقد سلف ٢٥٨/٤، وسيأتي عند
تفسير الآية (٣١) من سورة الأحقاف.
(٤) من قوله: وأبيح له عليه الصلاة والسلام أخذ الطعام والشراب، إلى هذا الموضع ليس في (ظ)، ولعله
ليس من أصل الكتاب، إنما وقع في حواشيه ثم أقحم فيه.
(٥) في معاني القرآن ٤/ ٢٣٣ .

١٨٩
سورة الأحزاب: الآيتان ٥٠ -٥١
وقيل: حالٌ من ضميرٍ متَّصلٍ بفعلٍ مُضْمَرٍ دلَّ عليه المضْمَر، تقديره: أَحْلَلْنَا لك
أزواجَك، وأَحْلَلنا لك امرأةً مؤمنة، أحللناها خالصةً بلفظِ الهبة وبغيرِ صَدَاقٍ وبغير
وليّ.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ﴾ فائدتُه أنَّ الكفار وإن كانوا
مخاطَبين بفروع الشريعة عندنا فليس لهم في ذلك دخولٌ؛ لأنَّ تصريفَ الأحكام إنَّما
يكون فيهم على تقدير الإسلام(١).
قوله تعالى: ﴿قَدّ عَلِيْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىَّ أَزْوَجِهِمْ﴾ أي: ما أَوْجَبْنا على
المؤمنين، وهو ألَّا يتزوَّجوا إلَّا أربعَ نسوةٍ بمهرٍ وبيِّنٍ ووَليّ. قال معناه أُبَيّ بنُ كعب
وقتادةُ وغیرُهما(٢).
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿لِكَيْلًا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ﴾ أي: ضِيقٌ في أمرٍ أنت
فيه محتاجٌ إلى السّعة، أي: بيَّنَّا هذا البيانَ وَشَرَحْنا هذا الشَّرح ((لكَيْلا يكونَ عليكَ
حَرَجٌ)). فـ (لكيلا)) متعلّقٌ بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ أي: فلا يضيق قلبك حتى
يَظْهَرَ منك أنَّك قد أَثْمْتَ عند ربِّك في شيء. ثم آنْس تعالى جميعَ المؤمنين بغفرانه
ورحمته فقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقَوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَْتَ
فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ
كُلُهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا
٥١
فيه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَاءُ﴾ قرئ مهموزاً وغير مهموز(٣)، وهما
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٥٣/٣.
(٢) أخرجه عن قتادة عبد الرزاق ١١٩/٢ - ١٢٠، والطبري ١٣٧/١٩. وأخرجه عن أبيٍّ ﴾ الطبري
١٣٤/١٩، دون ذكر المهر والبينة والولي.
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرى وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ((ترجئ)) مهموزاً، والباقون من السبعة
بغير همز. السبعة ص ٥٢٣، والتيسير ص ١١٩ .

١٩٠
سورة الأحزاب: الآية ٥١
لغتان، يقال: أَرْجَيْتُ الأمرَ وأَرْجَأُته: إذا أخَّرتَه. ﴿وَتْوِىٌ﴾ تَضُمُّ، يقال: آوى إليه
- ممدودةَ الألف - : ضمَّ إليه. وأَوى - مقصورةَ الألف - : انضمَّ إليه.
الثانية: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصحُ ما قيل فيها: التوسعةُ على
النبيِّ# في تَرْكِ القَسْم، فكان لا يجبُ عليه القَسْمُ بين زوجاته. وهذا القولُ هو الذي
يُناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في الصَّحيح عن عائشةَ رضي الله عنها؛
قالت: كنتُ أغار على اللَّائي وَهَبْنَ أنفُسَهُنَّ لرسول اللـه ﴾ وأقولُ: أوتَهَبُ المرأة
نفسَها لرجل؟ فلمَّا أنزل الله عز وجل: ﴿تُرْجِ مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَنْ تَاءُ وَمَنِ
أَبْغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ قالت: قلتُ: واللهِ ما أرى ربَّك إلَّ يُسارِعُ في هواك(١). قال ابن
العربيّ(٢): هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعوَّل عليه. والمعنى
المرادُ: هو أنَّ النبيَّ # كان مخيَّراً في أزواجه، إن شاء أن يَقْسِم قَسَم، وإن شاء أن
يترك القَسْمَ تَرَك. فخُصَّ النبيُّ :﴿ بأنْ جُعِل الأمرُ إليه فيه، لكنه كان يَقْسِمُ من قِبَل نفسه
دون فَرْضٍ ذلك عليه؛ تطبيباً لنفوسهنَّ، وصوناً لهنَّ عن أقوال الغَيْرةِ التي ترقى (٣) إلى
ما لا ينبغي.
وقيل: كان القَسْمُ واجباً على النبيِّ ﴿، ثم نُسِخَ الوجوبُ عنه بهذه الآية. قال أبو
رَزين: كان رسول اللـه ﴿ قد هَّ بطلاق بعض نسائه فقُلْنَ له: اقْسِمْ لنا ما شئتَ. فكان
ممن آوى عائشةُ وحفصةٌ وأمُّ سلمة وزينبُ، فكان قسمتُهنَّ(٤) من نفسه وماله سواءً
بينهنّ. وكان ممن أَرْجَى سودةُ وجُوَيْرِيةُ وأمُّ حبيبةَ وميمونةُ وصفيةٌ؛ فكان يقسِمُ لهنَّ
ما شاء(٥).
(١) سلف ص ١٨٢ من هذا الجزء.
(٢) في أحكام القرآن ١٥٥٦/٣ .
(٣) في (م): التي تؤدي، وفي أحكام القرآن: التي ربما ترقت.
(٤) في (ظ): فكانت قسمته لهن.
(٥) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ١٢٠، والطبري ١٣٩/١٩ و١٤٠ و١٤١ .

١٩١
سورة الأحزاب: الآية ٥١
وقيل: المرادُ الواهبات؛ روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة في قوله:
﴿تُرْجِى مَنْ تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: هذا في الواهبات أنفسَهنَّ(١). قال الشعبيُّ: هنَّ
الواهباتُ أنفسَهنَّ؛ تَزوَّج رسول الله ﴿ منهنَّ وتَرك منهنّ(٢).
وقال الزُّهْريُّ: ما علمنا أنَّ رسول اللـه ﴿ أَرْجأَ أحداً من أزواجه، بل آواهنَّ
كلَّهن(٣).
وقال ابن عباس وغيره: المعنى في طلاق مَن شاء ممن حَصَّلَ في عصمته،
وإمساكِ مَن شاء(٤). وقيل غيرُ هذا. وعلى كلِّ معنًى؛ فالآيةُ معناها التَّوسِعةُ على
رسول الله ﴾ والإباحةُ. وما اخترناه أصحُّ، والله أعلم.
الثالثة: ذهب هبةُ الله في الناسخ والمنسوخ إلى أنَّ قوله: ﴿تُرْجِ مَن تَشَاءُ﴾ الآيةَ،
ناسخٌ لقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ُ الآيَةَ. وقال: ليس في كتاب الله ناسخٌ تقدَّم
المنسوخَ سوى هذا. وكلامُه يُضغَّفُ من جهات(٥). وفي «البقرة)) عِدَّةُ المتوفَّى عنها
أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ، وهو ناسخٌ للحَوْل وقد تقدَّم عليه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَلْتَ﴾ ((ابْتَغَيْتَ)): طَلبتَ، والابتغاء:
الطَّلب، و((عَزَلْتَ)): أَزْتَ، والعُزْلة: الإزالة، أي: إن أردتَ أنْ تُؤْويَ إليك امرأةً
ممن عزلتهنَّ من القسمة وتضمَّها إليك؛ فلا بأسَ عليك في ذلك. وكذلك حكمٌ
الإرجاء، فدَلَّ أحدُ الطرفين على الثاني.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي: لا ميلَ، يقال: جَنَحَت
السفينةُ، أي: مالت إلى الأرض. أي: لا ميلَ عليك باللّوْم والتوبيخ.
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وسلف بنحوه مطولاً ص ١٨٢ من هذا الجزء، وفي بداية هذه المسألة.
(٢) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٥٤ - ١٥٥، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال ١٤٣/١.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٢١١/٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٣/٤، وأخرجه بنحوه الطبري ١٤٠/١٩ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٣/٤ . وهبة الله هو ابن سلامة البغدادي أبو القاسم الضرير المفسّر.

١٩٢
سورة الأحزاب: الآية ٥١
السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَةَ أَن تَقَرَّ أَعْيُبُهُنَّ﴾ قال قتادةُ وغيره: أي: ذلك
التخييرُ الذي خيَّرناك في صحبتهنَّ أدنى إلى رِضَاهُنَّ إذ كان من عندنا؛ لأنهنَّ إذا
عَلِمْنَ أنَّ الفعل(١) من الله قَرَّت أَعيُنُهنَّ بذلك ورَضِيْنَ(٢)؛ لأنَّ المرء إذا علم أنه لا
حقَّ له في شيءٍ، كان راضياً بما أوتيَ منه وإنْ قلَّ. وإن عَلِمَ أنَّ له حقًّا، لم يُقْنِعْه ما
أوتيَ منه، واشتدَّتْ غَيْرِتُه عليه وعَظُمَ حِرْصُه فيه. فكان ما فَعَل الله لرسوله من تفويض
الأمر إليه في أحوالٍ أزواجه أقربَ إلى رضاهنَّ معه، وإلى استقرار أَعْيُنِهِنَّ بما يسمح
به لهنَّ، دون أن تتعلَّق قلوبهنَّ بأكثر منه(٣).
وقرئ: (تُقِرَّ أعينَهن)) بضمِّ التاء ونصبِ الأعين. ((وتُقَرَّ أعينُهن)) على البناء
للمفعول (٤).
وكان عليه الصلاةُ والسلام مع هذا يشدِّد على نفسه في رعاية التَّسْويةِ بينهنَّ،
تطبيباً لقلوبهنَّ(٥) - كما قدَّمناه - ويقول: ((اللهمَّ هذه قُدْرَتِي فيما أَمْلِكُ، فلا تَلُمْني فيما
تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ))(٦) يعني قلبَه؛ لإيثاره عائشةَ رضي الله عنها دون أن يكون يظهر ذلك
في شيء من فِعْلِه. وكان في مرضه الذي تُوفِّيَ فيه يُطافُ به محمولاً على بيوت
أزواجه، إلى أن استأذنهنَّ أن يقيم في بيت عائشة؛ قالت عائشةُ: أوَّلُ ما اشتكى
رسول اللـه﴾ في بيت ميمونةَ، فاستأذنَ أزواجَه أن يُمرَّض في بيتها - يعني بيت عائشةً
- فأذِنَّ له ... الحديثَ، خرجه الصحيح(٧). وفي الصحيح أيضاً عن عائشةَ رضي الله
(١) في (د) و(ز) و(ظ): العدل.
(٢) أخرجه الطبري ١٤٥/١٩ بنحوه.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٥٧ .
(٤) قراءتان شاذتان، وقد ذكرهما الزمخشري في الكشاف ٢٦٩/٣، وذكر الأولى ابن خالويه في القراءات
الشاذة ص ١٢٠ عن ابن محیصن.
(٥) في (خ): تطميناً لنفوسهن، وفي (ظ): تطيباً لنفوسهن.
(٦) أخرجه أحمد (٢٥١١١)، والترمذي (١١٤٠)، وأبو داود (٢١٣٤)، والنسائي في المجتبى
٦٣/٧-٦٤، وابن ماجه (١٩٧١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وسلف ٧/ ١٦٧ - ١٦٨ .
(٧) صحيح البخاري (١٩٨)، وصحيح مسلم (٤١٨) واللفظ له، وهو عند أحمد (٢٥٩١٤).

١٩٣
سورة الأحزاب: الآية ٥١
عنها قالت: إن كان رسول الله ﴾ ليتفقد، يقول: ((أين أنا اليوم، أين أنا غداً))
استبطاءً ليوم عائشةَ رضي الله عنها. قالت: فلمَّا كان يومي قَبَضَه الله تعالى بين
سَخْرِي وَنَحْرِي، ﴾﴾(١).
السابعة: على الرجل أن يعدِل بين نسائه، لكلِّ واحدةٍ منهنَّ يومٌ (٢) وليلةٌ؛ هذا
قولُ عامَّةِ العلماء. وذهب بعضُهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار. ولا يُسقِطُ
حقَّ الزوجة مرضُها ولا حَيضُها، ويلزمه المُقامُ عندها في يومها وليلتها. وعليه أن
يعدل بينهنَّ في مرضه كما يفعل في صحته، إلّا أن يَعْجِز عن الحركة، فيقيم حيث
غَلبَ عليه المرض، فإذا صحَّ استأنف القَسْم. والإماءُ والحرائرُ والكتابيَّات
والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك: للحُرَّة ليلتان وللأَمَةِ ليلة. وأمَّا السَّراري
فلا قَسْمَ بينهنَّ وبين الحرائر، ولا حظّ لهنَّ فيه.
الثامنة: ولا يجمع بينهنَّ في منزلٍ واحدٍ إلَّا بِرِضَاهُنَّ، ولا يدخل لإحداهُنَّ في
يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة. واختلف في دخوله لحاجةٍ وضرورة، فالأكثرون على
جوازه؛ مالكٌ وغيره. وفي كتاب ابن حبيب مَنْعُه(٣). وروى ابن بُكَيْر عن مالك عن
يحيى بن سعيد: أنَّ معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يومُ هذه لم يشرب من
بيت الأخرى الماءَ(٤). قال ابن بُكير: وحدَّثنا مالك عن يحيى بن سعيد: أنَّ معاذ بن
جبل كانت له امرأتان ماتتا في الطاعون. فَأَسْهَم بينهما أيهما تُدلَّى أوَّل(٥).
التاسعة: قال مالك: ويعدلُ بينهنَّ في النفقة والكسوةِ إذا كنَّ معتدلاتِ الحال،
(١) صحيح البخاري (١٣٨٩) وصحيح مسلم (٢٤٤٣) واللفظ له. قولها: سَخْري ونحري، السَّحْر: الرئة،
والنحر: أعلى الصدر. المفهم ٣٢٨/٦ .
(٢) في النسخ: يوماً، والمثبت من الكافي ٢/ ٥٦١ ، والكلام منه.
(٣) المفهم ٤/ ٢٠٥ .
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد للإمام أحمد ص ٢٢٨، وأبو نعيم في الحلية ٢٣٤/١.
(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٣٤ من طريق الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد به.

١٩٤
سورة الأحزاب: الآية ٥١
ولا يلزم ذلك في المختلفاتِ المناصبِ. وأجاز مالك أن يفضِّل إحداهما في الكسوة
على غيرِ وجهِ الميل. فأمَّا الحُبُّ والبغضُ فخارجان عن الكَسْبِ، فلا يتأتَّى العدلُ
فيهما، وهو المعنيُّ بقوله :﴿ فِي قَسْمِه: ((اللهمَّ هذا فِعْلي فيما أَمْلكُ، فلا تَلُمْني فيما
تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ)). أخرجه النَّسائيُّ وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها. وفي كتاب
أبي داود: يعني القلبَ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ
اَلْنِسَآِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩](١)، وقولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وهذا
هو وجهُ تخصيصِه بالذِّكر هنا؛ تنبيهاً منه لنا على أنه يعلم ما في قلوبنا من ميل بعضِنا
إلى بعضٍ مَن عِنْدَنا من النساء دون بعض، وهو العالِمُ بكلِّ شيءٍ ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ
اَلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَةِ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿يَعْلَمُ اُلِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] لكنه سَمَح في ذلك؛
إذ لا يستطيعُ العبدُ أن يَصْرِفَ قلبَه عن ذلك الميلِ، وإلى ذلك يعودُ قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ
غَفُورًا زَّحِيمًا﴾.
وقد قيل في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْفَةَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُلُهُنَّ﴾ وهي:
العاشرة: أي: ذلك أقربُ ألَّا يَحزنَّ إذا لم تجتمع إحداهنَّ مع الأخرى وتُعاين
الأثَرَةَ والميل(٢). وروى أبو داود عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ# قال: ((مَن كانت له
امرأتان فمالَ إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقُه مائل))(٣).
﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُهُنَّ﴾ توكيدٌ للضمير، أي: وَيَرْضَيْنَ كلُّهن. وأجاز أبو
حاتم والزجَّاج: ((وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلَّهُنَّ)) على التوكيد للمضمَر الذي في (آتيتهنَّ)).
والفرَّاءُ لا يُجيزُه؛ لأنَّ المعنى ليس عليه؛ إذ كان المعنى: وترضى كلُّ واحدةٍ منهنَّ،
وليس المعنى: بما أعطيتهنَّ كلَّهنَّ. النحاس: والذي قاله حَسَنَ(٤).
(١) المفهم ٢٠٥/٤ - ٢٠٦، وسلف الحديث في المسألة السادسة.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/٣.
(٣) سنن أبي داود (٢١٣٣)، وسلف ١٦٨/٧ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/٣ - ٣٢٢، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٣٣/٤ ، وقول الفراء =

١٩٥
سورة الأحزاب: الآيتان ٥١ - ٥٢
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾ خبرٌ عامٌّ، والإشارةُ إلى
ما في قلبٍ رسول الله # من مَحبَّةٍ شخصٍ دون شخص. وكذلك يَدْخلُ في المعنى
أيضاً المؤمنون(١). وفي البخاريِّ عن عمرو بن العاص: أنَّ النبيَّ# بعثه على جيشٍ
ذاتِ السلاسل، فأتيتُه فقلت: أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ فقال: ((عائشة)) فقلتُ: من
الرجال؟ قال: ((أبوها)) قلتُ: ثم مَن؟ قال: ((عمر بن الخطاب ... )) فعدَّ رجالاً(٢). وقد
تقدَّم القولُ في القلب بما فيه كفايةٌ في أوَّل ((البقرة))(٣)، وفي أول هذه السورة(٤).
يروى أنَّ لقمان الحكيم كان عبداً نجاراً قال له سيِّده: اذبَحْ شاةً وائتني بأَظْيَبِها
بَضْعَتَيْن، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاةٍ أخرى فقال له: أَلْقِ أَخْبَثَهَا
بَضْعَتين، فألقى اللسانَ والقلبَ، فقال: أَمَرْتُكَ أن تأتيَني بأَظْيَبِها بَضْعتين، فأتيتني
باللسان والقلب، وأَمَرْتُكَ أن تُلقيَ بأخبثها بَضْعَتين، فألقيتَ اللسانَ والقلب! فقال:
ليس شيءٌ أطيبَ منهما إذا طابا، ولا أخبثَ منهما إذا خَبُنا(٥).
قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ
أَعْجَبَكَ حُسْبُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِبًا
فيه سبع مسائل :
الأولى: اختلف العلماء في تأويل قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ على أقوالٍ
سبعةٍ :
= في معاني القرآن له ٣٤٦/٢. وقرأ: ((كلَّهن)) بالنصب أبو إياس جُؤية بن عائذ، كما في القراءات
الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ١٨٢/٢.
(١) المحرر الوجيز ٣٩٣/٤.
(٢) صحيح البخاري (٣٦٦٢)، وهو عند أحمد (١٧٨١١)، ومسلم (٢٣٨٤).
(٣) ٢٨٦/١.
(٤) ص٥٤ من هذا الجزء.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢١٤/١٣، وأحمد في الزهد ص ٦٥، والطبري ٥٤٨/١٨، وابن حبان في
روضة العقلاء ص ٢٩ عن خالد الرَّبَعي قوله. ووقع في جميع المصادر: مضغتين، بدل: بضعتين.

١٩٦
سورة الأحزاب: الآية ٥٢
الأول: أنَّها منسوخةٌ بالسُّنّة، والناسخُ لها حديثُ عائشةً؛ قالت: ما مات
رسول الله ﴿ حتى أُحِلَّ له النساء. وقد تقدَّم (١).
الثاني: أنَّها منسوخةٌ بآيةٍ أخرى؛ روى الطَّحَاويُّ عن أمِّ سلمةً قالت: لم يَمُتْ
رسولُ الله # حتى أَحَلَّ الله له أن يتزوَّج مِن النساء مَن شاء(٢)، إلَّا ذاتَ مَحْرَم،
وذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُحْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٍ﴾(٣). قال النَّحاس(٤):
وهذا - واللهُ أعلم - أوْلى ما قيل في الآية، وهو وقولُ عائشةَ واحدٌ في النَّسْخ. وقد
يجوز أن تكون عائشةُ أرادت: أُحِلَّ له ذلك بالقرآن. وهو مع هذا قولُ عليّ بنِ أبي
طالب وابنِ عباس وعليّ بن الحسين والضخَّاك. وقد عارض بعضُ الفقهاءِ الكوفيين
فقال: مُحالٌ أن تَنْسَخَ هذه الآيةُ - يعني ﴿تُرْجِى مَن تَشَآَهُ مِنْهُنَ﴾ - ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ
بَعْدُ﴾، وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون، ورجّح قولَ مَن قال:
نُسِخَتْ بالسُّنّة.
قال النخَّاس(٥): وهذه المعارضةُ لا تَلْزَمُ، وقائلُها غالِطٌ؛ لأنَّ القرآن بمنزلةٍ
سورةٍ واحدةٍ، كما صحَّ عن ابن عباس: أنزل الله القرآنَ جملةً واحدةً إلى السماء
الدنيا في شهر رمضان(٦). ويبيِّن لك أنَّ اعتراضَ هذا لا يلزمُ قوله عز وجل: ﴿ وَلَّذِينَ
يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾
(١) ص ١٨٠ من هذا الجزء.
(٢) في (ظ): ما شاء.
(٣) شرح مشكل الآثار (٥٢٤)، وأخرجه أيضاً النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٨٧ ، وابن أبي حاتم كما
في تفسير ابن كثير عند هذه الآية. وفي إسناده عمر بن أبي بكر الموصلي، قال فيه أبو حاتم كما في
العلل لابنه ١٠٠/٦: ذاهب الحديث، متروك الحديث. اهـ. وأخرجه ابن سعد ١٩٤/٨ بإسناد آخر فيه
الواقدي.
(٤) في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨ .
(٥) في الناسخ والمنسوخ ٥٨٨/٢
(٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٢، وابن أبي شيبة ٥٣٣/١٠ .

١٩٧
سورة الأحزاب: الآية ٥٢
[البقرة: ٢٤٠] منسوخةٌ على قولِ أهلِ التأويل - لا نَعْلَم بينهم خلافاً - بالآية التي قبلها
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَا يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
الثالث: أنَّه # حُظِرَ عليه أن يتزوَّج على نسائه؛ لأنهنَّ اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار
الآخرة؛ هذا قولُ الحسن وابنٍ سيرين وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام. قال النحاس(١): وهذا القولُ يجوز أن يكون هكذا ثم نُسخ.
الرابع: أنه لمَّا حرَّم عليهنَّ أن يتزوَّجْنَ بعده حرِّم عليه أن يتزوَّج غيرهنَّ؛ قاله أبو
أمامة بنُ سهل بن حُنَيف(٢).
الخامس: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد الأصناف التي سُمِّيت؛ قاله
أُبَيّ بن كعب وعكرمةُ وأبو رَزين، وهو اختيارُ محمد بن جرير(٣).
ومَن قال: إنَّ الإباحةَ كانت له مُظْلَقةٌ، قال هنا: ((لا يَحِلُّ لك النساءُ)) معناه: لا
تَحِلُّ لك اليهوديَّاتُ ولا النَّصْرانياتُ. وهذا تأويلٌ فيه بُعْدٌ (٤)، ورويَ عن مجاهدٍ
وسعيد بن جُبير وعكرمَة أيضاً. وهو القولُ السادس؛ قال مجاهد: لئلا تكون كافرةٌ
أُمَّا للمؤمنين. وهذا القولُ يَبْعُد؛ لأنه يقدِّره: مِن بَعْدِ المسلمات، ولم يَجْرِ للمسلمات
ذِكْرٌ(٥). وكذلك قدَّر: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ أي: ولا أن تطلِّق مُسْلِمةٌ لتستبدل بها
ــ (٦)
كتابيّة (١).
(١) في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٩٠، وما قبله منه.
(٢) الناسخ والمنسوخ ٥٩٠/٢ .
(٣) في التفسير ١٥٠/١٩، والكلام من الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٩٠/٢ - ٥٩١. وأخرجه عن أبي
ابن كعب ابن سعد ١٩٦/٨، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١٢٠٨)، والطبري
١٩/ ١٤٧ - ١٤٨. وأخرجه عن أبي رزين ابن سعد ١٩٦/٨. وعن عكرمة الطبري ١٤٩/١٩.
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٤/٤ .
(٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٩١/٢ .
(٦) أخرجه بنحوه عن مجاهد ابن سعد ١٩٥/٨ - ١٩٦، والطبري ١٥١/١٩، وذكره ابن العربي في
أحكام القرآن ١٥٥٩/٣ .

١٩٨
سورة الأحزاب: الآية ٥٢
السابع: أنَّ النبيَّ:﴿ كان له حلالٌ أن يتزوَّج مَن شاء ثم نُسخ ذلك. قال: وكذلك
كانت الأنبياء قبله#؛ قاله محمد بن كعب القُرَظِيّ(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجْ﴾ قال ابن زيد: هذا شيءٌ كانت
العرب تفعلُه؛ يقول أحدُهم: خُذْ زوجتي وأعطني زوجتَك(٢)، روى الدَّارَقُظْنِيُّ عن
أبي هريرةً قال: كان البَدَلُ في الجاهلية أنْ يقول الرجل للرجل: تَنْزِلُ لي عن
امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي وأزيدُك، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ
أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قال: فدخل عُيينةُ بن حِصْن الفَزَاريُّ على رسول الله ◌ِ﴾
وعنده عائشةُ، فدخل بغير إذنٍ، فقال له رسول اللـه ﴾: ((يا عُيينةُ، فأين الاستئذانُ؟»
فقال: يا رسول الله، ما استأذنتُ على رجلٍ من مُضَرَ منذ أدركت. قال: مَن هذه
الحُميراء إلى جنبك؟ فقال رسول اللـه ﴾: ((هذه عائشةُ أمُّ المؤمنين)) قال: أفلا أنزل
لك عن أحسن الخَلْق. فقال: ((يا عُيينةُ، إنَّ الله قد حرَّم ذلك)). قال: فلمَّا خرج قالت
عائشة: يا رسول الله، مَن هذا؟ قال: ((أحمقُ مطاعٌ، وإنَّه على ما تَرَيْنَ لَسيِّدُ
قومِه))(٣).
وقد أنكر الطبريُّ والنخَّاس وغيرُهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من أنَّها كانت
تُبادِلُ بأزواجها(٤). قال الطبريّ(٥): وما فعلتِ العربُ قظُ هذا، وما رُوي من حديث
عيينة بن حصن من أنَّه دخل على رسول اللـه {﴾ وعنده عائشة ... الحديث، فلیس
بتبديلٍ، ولا أراد ذلك، وإنَّما احتقر عائشةَ لأنَّها كانت صبيةً، فقال هذا القول.
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٩٢/٢ .
(٢) أخرجه الطبري ١٥٢/١٩، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٩١/٢ - ٥٩٢ .
(٣) سنن الدارقطني (٣٥١٣)، وأخرجه أيضاً البزار (٢٢٥١ - كشف). وهو من طريق إسحاق بن عبد الله
ابن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٩٢ :
فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك. اهـ. وكذا قال فيه الحافظ ابن حجر في تقريب
التهذيب، وتنظر أقوال الأئمة في تكذيبه وتركه في تهذيب التهذيب ١٢٣/١.
(٤) تفسير الطبري ١٥٣/١٩، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٩٢/٢.
(٥) هذا قول ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٤/٤، وليس قول الطبري.

١٩٩
سورة الأحزاب: الآية ٥٢
قلت: وما ذكرناه من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرةَ، من
أَنَّ البَدَلَ كان في الجاهلية، يدلُّ على خلافٍ ما أنكرا من ذلك، والله أعلم(١).
قال المبرِّد: وقرئ: ((لا يَحِلُّ)) بالياء والتاء. فَمَن قرأ بالتاء؛ فعلى معنى جماعةٍ
النساء، وبالياء من تحت على معنى جميع النساء. وزعم الفرَّاء قال: اجتمعت القُرَّاء
على القراءة بالياء. وهذا غلطٌ، وكيف يقال: اجتمعت القراء، وقد قرأ أبو عمرو
بالتاء بلا اختلافٍ عنه؟!(٢)
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قال ابن عباس: نزل ذلك بسبب
أسماءً بنتِ عُمَيس؛ أَعجب رسولَ الله ﴾ - حين مات عنها جعفر بن أبي طالبٍ
- حُسنُها، فأراد أن يتزوَّجها، فنزلت الآية. وهذا حديثٌ ضعيفٌ؛ قاله ابن العربيّ(٣).
الرابعة: في هذه الآية دليلٌ على جواز أن ينظر الرجل إلى مَن يريد زواجَها. وقد
أراد المغيرة بنُ شُعبةَ زواجَ امرأةٍ، فقال له النبيُّ ﴾: ((انظر إليها، فإنه أَجْدَرُ أن يُؤْدَمَ
بينكما))(٤). وقال عليه الصلاة والسلام لآخَرَ: ((انظُرْ إليها، فإنَّ في أعين الأنصار
شيئاً)) أخرجه الصحيح(٥). قال الحميديُّ وأبو الفرج الجوزيُّ: يعني صِغَراً أو زَرَقاً.
وقيل: رَمَصاً (٦)
الخامسة: الأمرُ بالنظر إلى المخطوبة إنَّما هو على جهةِ الإرشادِ إلى المصلحة؛
(١) لا حجة للمصنف في قوله هذا، فإن راوي الحديث عن زيد هو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو
متروك كما سلف ذكره.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٢/٣، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٣٤٦/٢ . وقراءة أبي عمرو في
السبعة ص٥٢٣ ، والتيسير ص١١٩ .
(٣) في أحكام القرآن ١٥٥٨/٣°، وقد ذكر ابن العربي الخبر دون نسبة، وأورده عن ابن عباس البغوي
٥٣٩/٣ .
(٤) أخرجه أحمد (١٨١٣٧)، والترمذي (١٠٨٧)، والنسائي في المجتبى ٦٩/٦ - ٧٠، وابن ماجه
(١٨٦٦) من حديث أنس ﴾. قال الترمذي: هذا حديث حسن. قوله: أن يؤدم بينكما، أي: يوفّق
ويؤلَّف. شرح سنن ابن ماجه للسندي ١/ ٥٧٥ .
(٥) صحيح مسلم (١٤٢٤)، وهو عند أحمد (٧٨٤٢)، وهو من حديث أبي هريرة ﴾.
(٦) المفهم ١٢٧/٤، دون ذكر الحميدي، وقول الحميدي في مسنده إثر الحديث (١١٧٢). والرَّمَص:
وسخ أبيض يجتمع في المُوق. القاموس (رمص).

٢٠٠
سورة الأحزاب: الآية ٥٢
فإنه إذا نظر إليها فلعلَّه يرى منها ما يرغِّبه في نكاحها. ومما يدلُّ على أنَّ الأمر على
جهةِ الإرشادِ، ما ذكره أبو داود من حديث جابرٍ عن النبيِّ# أنه قال: ((إذا خَطَبَ
أحدُكم المرأة، فإن استطاعَ أنْ ينْظُرَ منها إلى ما يَدْعوهُ إلى نِكَاحِها فَلْيَفْعَلْ)) (١). فقوله:
((فإن استطاعَ فَلْيَفْعَلْ)) لا يقالُ مثلُه في الواجب. وبهذا قال جمهورُ الفقهاءِ مالكٌ
والشافعيُّ والكوفيُّون وغيرُهم وأهلُ الظاهر. وقد كره ذلك قومٌ لا مبالاةً بقولهم؛
الأحاديث الصحيحة(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ﴾. قال سهل بن أبي حَثْمَةَ: رأيتُ محمد بنَ
مَسْلَمَةَ يطارد تُبَيْتَةَ(٣) بنتَ الضحاك على إجَّارٍ من أجاجير المدينة، فقلتُ له: أتفعلُ
هذا؟ فقال: نعم، قال النبيُّ﴾: ((إذا أَلْقَى اللـه في قلبٍ أَحَدِكُم خِظْبةَ امرأةٍ فلا بأسَ
أنْ ينظُرَ إليها)) (٤). الإجَّار: السَّطْح بلُغةِ أهلِ الشَّام والحجاز. قال أبو عبيد(٥): وجمعُ
الإجَّارِ : أجاجيرُ وأَجَاجِرةٌ.
السادسة: اختُلف فيما يجوز أن ينظر منها؛ فقال مالكٌ: ينظر إلى وجهها
وكفّيها، ولا ينظر إلَّ بإذنها. وقال الشافعيُّ وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا كانت
مستترةً(٦). وقال الأوزاعيُّ: ينظر إليها ويجتهد وينظر مَواضِعَ اللحم منها. وقال داود:
ينظر إلى سائر جسدها؛ تمسُّكاً بظاهر اللفظ. وأصولُ الشريعةِ تردُّ عليه في تحريم
الاطلاع على العَوْرةِ(٧). والله أعلم.
(١) سنن أبي داود (٢٠٨٢)، وهو عند أحمد (١٤٥٨٦)، والكلام من المفهم ١٢٥/٤ .
(٢) المفهم ١٢٥/٤ - ١٢٦.
(٣) في (د) بثينة، وفي (ظ): ببثينة. قال الحافظ في الإصابة ١٩٩/١٢: المشهور أنها بالمثلثة. قاله أبو
موسی.
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٤/٤، وأخرجه بهذا اللفظ المزي في تهذيب الكمال ٣٠٢/٢٥ (في ترجمة محمد
ابن سليمان بن أبي حثمة)، وبنحوه أحمد (١٦٠٢٨) وابن حبان (٤٠٤٢)، وإسناده ضعيف، غير أن
مرفوعہ یصحّ بشواهده.
(٥) في غريب الحديث ٢٧٦/١ .
(٦) في (ظ): متسترة.
(٧) المفهم ٤/ ١٢٦.