النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ اسمك يا غلام؟ قال: زيد، قال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ حارثة. قال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شَراحيل الكلبيِّ. قال: فما اسمُ أمِّك؟ قال: سُعْدَى، وكنت في أخوالي طَيِّئ. فضمَّه إلى صدره، وأرسل إلى أخيه وقومِه، فحضروا وأرادوا منه أن يُقيم معهم، فقالوا : لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد الله. فأَتَوْه وقالوا: هذا ابنُنا فَرُدَّه علينا. فقال: ((أَعْرِضُ عليه، فإن اختارَكم فخذوا بيده)). فبعث إلى زيد وقال: ((هل تَعْرِفُ هؤلاء؟)) قال: نعم! هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمِّي. فقال له النبيُّ ﴾: ((فأيَّ صاحبٍ كنتُ لك؟)) فبكى وقال: لِمَ سألتني عن ذلك؟ قال: ((أُخيِّرك، فإنْ أَحْببتَ أن تَلْحق بهم فالحقْ، وإن أردتَ أن تُقيم فأنَا مَن قد عَرَفْت))، فقال: ما أَختارُ عليك أحداً. فجذَبه عمّه وقال: يا زيد، اخْتَرتَ العبوديَّة على أبيك وعمِّك! فقال: إيْ واللهِ، العبوديةُ عند محمدٍ أحبُّ إليَّ من أن أكون عندكم. فقال رسول الله﴾: ((اشهدوا أنِّي وارِثٌ ومَوْروث)). فلم يزل يقال: زيد بن محمد، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿آدّعُوهُمْ الَّبَائِهِمْ﴾ ونزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾(١). السادسة: قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السُّهَيْلِيُّ ﴾(٢): كان يقال: زيدُ بنُ محمد حتى نزل: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ﴾ فقال: أنا زيد بن حارثة. وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلمَّا نُزع عنه هذا الشرفُ وهذا الفخرُ(٣)، وعَلِم اللهُ وحشتَه من ذلك، شرَّفه بِخَصِيصةٍ لم (٤) يَخُصَّ بها أحداً من أصحاب النبيِّ ﴾، وهي أنه سمَّاه في القرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني: من زينب. ومَن ذَكَره الله تعالى باسمه في الذِّكر الحكيم حتى صار اسمُه قرآناً يُتْلَى في المحاريب، [فقد] نوَّه به (١) أخرجه بنحوه ابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، كما في الدر المنثور ١٨١/٥. وأخرجه بنحوه مختصراً الترمذي (٣٨١٥) عن جَبّلة بن حارثة أخي زيد، وقال: حديث حسن غريب. وسلف الخبر بنحوه ١١٨/١٤. (٢) في التعريف والإعلام ص ١٣٩ - ١٤٠، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) بعدها في النسخ: منه، والمثبت من التعريف والإعلام. (٤) في النسخ: لم يكن، والمثبت من التعريف والإعلام. ١٦٢ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ غايةَ التَّنْويه، فكان في هذا تأنيسٌ له، وعِوَضٌ من الفخر بأبوَّة محمدٍ ﴿ له. أَلَا ترى إلى قولٍ أُبَيّ بن كعب حين قال له النبيُّ ﴾: ((إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك سورةَ كذا)) فبكى وقال: أوَذُكِرَتُ هنالك(١)؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أُخبر أنَّ الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآناً يُتلى، مخلَّداً لا يَبِيد(٢)، يَتْلوه أهلُ الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهلُ الجنةِ كذلك أبداً، لا يزال على ألسنةِ المؤمنين، كما لم يَزَلْ مذكوراً على الخصوص عند ربِّ العالمين؛ إذ القرآنُ كلامُ الله القديم، وهو باقٍ لا يَبِيد، فاسمُ زَيْدٍ هذا في الصُّحُف المكرّمة المرفوعةِ المطهّرة، تَذْكُره في التلاوة السَّفَرةُ الكرامُ البَرَرَة. وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلَّا لنبيٍّ من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضاً من الله تعالى له ممَّا نُزع عنه. وزاد في الآية أنْ قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإيمان؛ فدلَّ على أنه من أهل الجنة، عَلِم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلةٌ أخرى. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَطَرًا﴾ الوَطَر: كلُّ حاجةٍ للمرء له فيها هِمَّةٌ، والجمعُ: الأوطار. قال ابن عباس: أي: بلغ ما أراد من حاجته، يعني الجماع(٣). وفيه إضمارٌ، أي: لمَّا قضى وَطَرَهُ منها وطلَّقها، زوَّجْناكَها. وقراءةُ أهل البيت: (زَوَّجْتُكها))(٤). وقيل: الوَطَرُ عبارةٌ عن الطلاق؛ قاله قتادة(٥). الثامنة: ذهب بعضُ الناس من هذه الآية، ومِن قولٍ شعيب: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِمَكَ﴾ إلى أنَّ ترتيب هذا المعنى في المهورِ ينبغي أن يكون: ((أُنْكِحُه إياها)) فيقدَّم (١) أخرجه أحمد (١٢٣٢٠)، والبخاري (٤٩٦٠)، ومسلم (٧٩٩) من حديث أنس ﴾، وعندهم: الله سمَّاني لك، بدل: أوذكرت هنالك. (٢) في (ظ): لا يبلى. (٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٧ دون نسبة. (٤) الكشاف ٢٦٣/٣، وسلفت هذه القراءة في المسألة الرابعة، وهي قراءة شاذة. (٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١١٧، والطبري ١١٨/١٩. ١٦٣ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ ضمير الزوج كما في الآيتين (١). وكذلك قولهُ عليه الصلاةُ والسلام لصاحب الرداء: ((اذهَبْ فقد أَنْكَحْتُكها بما معك من القرآن))(٢). قال ابنُ عطية(٣): وهذا [عندي] غیرُ لازم؛ لأنَّ الزوجَ في الآية مخاطَبٌ؛ فحسُنَ تقديمُه، وفي المهور يستوي الزوجان، فقدِّم(٤) مَن شِئْتَ، ولم يبقَ ترجيحٌ إلَّ بدرجةِ الرجال، وأنَّهم القوَّامون. التاسعة: قوله تعالى: ﴿زَوَّحْنَكَهَا﴾ دليلٌ على ثبوت الوليّ في النكاح، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك(٥). رُويَ أنَّ عائشةَ وزينب تَفاخَرَتا، فقالت عائشة: أنا التي جاء بي المَلَكُ إلى النبيِّ ﴾ في سَرَقةٍ من حرير فيقول: ((هذه امرأتُك)) خرَّجه الصحيح. وقالت زينب: أنا التي زوَّجني الله من فوق سبع سماوات(٦). وقال الشعبيُّ: كانت زينب تقول لرسول الله ﴾: إنّ لأَدِلُّ عليك بثلاثٍ؛ ما مِن نسائك امرأةٌ تَدِلُّ بهنَّ: أَنَّ جَدِّي وجدَّك واحدٌ، وأنَّ الله أنكحك إِيَّاي من السماء، وأنَّ السَّفير في ذلك جبريل(٧). وروي عن زينبَ أنَّها قالت: لمَّا وقعتُ في قلب رسول اللـه ﴿ لم يَسْتَطِعْني زيد، (١) المحرر الوجيز ٣٨٧/٤، وفيه: لِمَا في الآيتين. (٢) قطعة من حديث سهل بن سعد ﴾ أخرجه أحمد (٢٢٨٥٠)، والبخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥)، وسلف بنحوه ٦/ ٢٢٣. (٣) في المحرر الوجيز ٣٨٧/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) قوله: يستوي، من (ظ)، واللفظ عند ابن عطية: وفي المهور الزوجان غائبان فقدم ... (٥) ٤٦٢/٣. (٦) كذا ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٧/٤، وأخرجه الطبري ١٧/ ١٩٤-١٩٥، والطبراني ٢٤/ (١٢٢) عن محمد بن عبد الله بن جحش، وفيه قول عائشة: ((أنا التي نزل عذري من السماء)) بدلاً من قولها أعلاه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٤٠: وفيه المعلَّى بن زياد، وهو متروك. اهـ. غير أن قول عائشة وقول زینب أعلاه كلاهما في الصحیح ولکن في خبرین منفصلین، وقد سلف حديث زينب رضي الله عنها في المسألة الرابعة، أما حديث عائشة رضي الله عنها فهو في صحيح البخاري (٥١٢٥)، وصحيح مسلم (٢٤٣٨)، وأخرجه أحمد (٢٤١٤٢). قولها: سرقة من حرير، أي: في قطعة من جيد الحرير، وجمعها: سَرَق. النهاية (سرق). (٧) أخرجه الطبري ١١٨/١٩ . ١٦٤ سورة الأحزاب: الآيات ٣٧ - ٤٠ وما أمتنع منه غير ما يمنعه الله تعالى منِّي فلا يقدرُ عليّ (١). قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِّ مِنْ حَرَجِ فِيمَا فَرَضَ اَللَّهُ لَهُّ سُنَّةَ اللَّهِ فِىِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّفُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَهُ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلَّ﴾ هذه مخاطبةٌ من الله تعالى لجميع الأمة؛ أعْلَمهم أنَّ هذا ونحوَه هو السَّننُ الأَقدمُ في الأنبياء، أنْ ينالوا ما أحلّه لهم(٢)، أي: سَنَّ لمحمدٍ ﴿ التوسعةَ عليه في النكاح سُنَّةَ الأنبياء الماضية كداودَ وسليمان. فكان لداودَ مئةُ امرأةٍ وثلاثُ مئة سُرِّيَّة، ولسليمان ثلاثُ مئة امرأة وسبعُ مئة سُرِّية(٣). وذكر الثعلبيُّ عن مقاتل وابن الكلبيِّ أنَّ الإشارة إلى داود عليه السلام، حيث جمع الله بينه وبين مَن فُتن بها (٤). و((سُنَّةَ)) نصبٌ على المصدر، أي: سَنَّ الله له سُنةً واسعة. و((الذين خَلَوْا)) هم الأنبياء، بدليلٍ وَصْفِهم بعدُ بقوله: ﴿ الَِّينَ يُلِّفُونَ رِسَتِ اللَّهِ﴾. قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبْنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾﴾ فيه ثلاث مسائل: (١) سلف في المسألة الأولى. (٢) المحرر الوجيز ٣٨٧/٤. (٣) الكشاف ٢٦٤/٣، وسلف ٤١٨/٦. وما ذكره عن عدد النساء لداود وسليمان عليهما السلام ليس فيه نص صحيح، ويرجع ذلك إلى الإسرائيليات. والأليق في تفسير الآية ما نقله المصنف عن ابن عطية قبل هذا الكلام. وقال ابن كثير في معنى الآية: أي: هذا حكم الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على مَن توهّم من المنافقين نقصاً في تزويجه امرأة زيد مولاه الذي کان قد تبنّاه . (٤) كذا نقل المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٧/٤، وهو كلام باطل، لا يليق بمقام الأنبياء. قال الألوسي في روح المعاني ٢٧/٢٢: هذا مما لا يُلتفت إليه، والقصة عند المحققين لا أصل لها. اهـ. وسلف الردّ على من زعم أن النبي # رأى زينب، فوقعت في نفسه، وسيرد الكلام على بطلان قصة افتتان داود عليه السلام بالمرأة عند تفسير الآية (٢٤) من سورة ص. ١٦٥ سورة الأحزاب: الآية ٤٠ الأولى: لمَّا تَزوَّجَ زينبَ قال الناس: تَزَوَّجَ امرأةَ ابنِه؛ فنزلت الآيةُ، أي: ليس هو بأبيه حتى تَحْرُمَ عليه حَليلتُه، ولكنَّه أبو أمَّته في التبجيل والتعظيم، وأنَّ نساءه عليهم حرام. فَأَذْهبَ الله بهذه الآيةِ ما وَقَعَ في نفوسِ المنافقين وغيرِهم، وأَعْلَم أنَّ محمداً لم يكن أبا أحدٍ من الرجال المعاصرين له في الحقيقة. ولم يقصد بهذه الآية أنَّ النبيَّ :﴿ لم يكن له ولد، فقد وُلِدَ له ذكورٌ: إبراهيم، والقاسم، والطيِّب، والمطهّر(١)؛ ولكنْ لم يعش له ابنٌّ حتى يصير رجلاً. وأمَّا الحسنُ والحسين فكانا طِفْلَین، ولم یکونا رجلین مُعاصِرَیْن له. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ﴾ قال الأخفش والفرَّاء(٢): أي: ولكنْ كان رسولَ الله. وأجاز(٣): ((ولكنْ رسولُ الله وخاتمُ)) بالرفع. وكذلك قرأ ابن أبي عَبْلة وبعضُ الناس: ((ولكِنْ رسولُ اللهِ)) بالرفع، على معنى: هو رسولُ الله وخاتمُ النبيين(٤). وقرأت فرقة: ((ولكنَّ)) بتشديد النون ونصبٍ ((رسول الله)) على أنه اسمُ (لكنَّ)، والخبرُ محذوف(٥). ﴿وَتَرَ﴾ قرأ عاصمٌ وحده بفتح التاء(٦)، بمعنى: أنَّهم به خُتِموا، فهو كالخاتم والطابَعِ لهم. وقرأ الجمهورُ بكَسْرِ التاءِ، بمعنى أنه خَتَمهم، أي: جاء آخِرَهم(٧). (١) أخرجه الطبري ١٢٢/١٩ عن قتادة، وسيرد الكلام عن أولاده # ٢٤١/١٤. (٢) معاني القرآن للأخفش ٦٦٠/٢، ومعاني القرآن للفراء ٣٤٤/٢، ونقله المصنف عنهما بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٧/٣ . (٣) في (خ) و(ظ) و(م): وأجازا، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في إعراب القرآن للنحاس، والكلام عن الفراء، وهو في معاني القرآن له ٣٤٤/٣ . (٤) المحرر الوجيز ٣٨٨/٤، والقراءة في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٤، والقراءات الشاذة ص ١٢٠ دون نسبة. (٥) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ١٨١/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٨/٤، والكلام منه. (٦) السبعة ص ٥٢٢ ، والتيسير ص ١٧٩. (٧) المحرر الوجيز ٣٨٨/٤ . ١٦٦ سورة الأحزاب: الآية ٤٠ وقيل: الخاتم والخاتِم لغتان، مثل طابَع وطابع، ودائَق ودانِق، وطابَق من اللحم وطابِقٍ(١). الثالثة: قال ابن عطية(٢): هذه الألفاظُ عند جماعةِ علماءِ الأمةِ خَلَفَاً وسَلَفَاً متلقَّاةٌ على العموم التامِّ، مقتضيةٌ نصًّا أنَّه لا نبيَّ بعده﴾. وما ذكره القاضي ابنُ الطيِّب في كتابه المسمَّى بـ «الهداية (٣)) من تَجْويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية، ضعيفٌ. وما ذكره الغزاليُّ في هذه الآية وهذا المعنى في كتابه الذي سمَّاه بـ ((الاقتصاد))(٤) إلحادٌ عندي، وتَطرُّقُ خبيثٌ إلى تشويشٍ عقيدةِ المسلمين في خَتْمٍ محمدٍ # النبوّةً، فالحذَرَ الحذرَ منه! واللهُ الهادي برحمته. قلت: وقد روي عن النبيِّ# أنه قال: ((لا نبوّةَ بعدي إلَّا ما شاء الله))(٥). قال أبو عمر: يعني الرؤيا - والله أعلم - التي هي جزءٌ منها، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس يبقى بعدي من النبوّة إلَّا الرؤيا الصالحة))(٦). وقرأ ابن مسعود: ((من رجالكم ولكنْ نبيًّ خَتَمَ النبيِّين)». قال الرُّمَّاني: خُتم به عليه الصلاة والسلام الاستصلاح، فَمَن لم يَضْلُحْ به فميئوسٌ من صلاحه(٧). (١) في اللسان (طبق): الطابق والطابِق: ظرف يطبخ فيه، فارسي معرب. (٢) في المحرر الوجيز ٣٨٨/٤ . (٣) واسمه: هداية المسترشدين في الكلام، والقاضي ابن الطيب هو أبو بكر الباقلاني. ينظر كشف الظنون ٢/ ٢٠٤٢ . (٤) واسمه: الاقتصاد في الاعتقاد، وذكر فيه ص٢٢٦ أن منكر قوله : ((لا نبيَّ بعدي)) إنما هو مُنِكرٌ لإجماع الأمة على أنه لا نبيَّ ولا رسولَ بعده﴾. وفي الكلام تفصيل؛ ينظر ثمة. (٥) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٣١٥) عن أنس ، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٥٥/٥ عن المغيرة بن شعبة ، وقد سلف ١٢٣/١ . قال ابن الجوزي: هذا الاستثناء موضوع. اهـ وقد سلف دون الاستثناء ٣٩٨/١ و٣٢٣/٩ و٣٤١/٣. (٦) التمهيد ٣١٤/١ و٥٥/٥. والحديث أخرجه بهذا اللفظ مالك في الموطأ ٩٥٦/٢، وبنحوه البخاري (٦٩٩٠) عن أبي هريرة ، وسلف ٢٥٦/١١. (٧) المحرر الوجيز ٣٨٨/٤، وقراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص ١٢٠. ١٦٧ سورة الأحزاب: الآيات ٤٠ - ٤٢ قلت: ومن هذا المعنى قولُه عليه الصلاة والسلام: ((بُعِثْتُ لأتمِّم مَكارمَ الأخلاق)»(١). وفي ((صحيح)) مسلم عن جابر قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء كمَثَل رجلٍ بَنَى داراً فأتمَّها وأَكْمَلَها إلَّا موضعَ لَبِنَةٍ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجَّبون منها ويقولون: لولا مَوْضِعُ اللَّبِنة!)) قال رسولُ اللـه لَ﴾: ((فأنا مَوْضِعُ اللَِّنة؛ جئتُ فختمتُ الأنبياء))(٢). ونحوه عن أبي هريرة، غير أنه قال: ((فأنا اللَّبِنَة وأنا خائَم النَّبيِّين))(٣). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا. أَمَر الله تعالى عبادَه بأنْ یذکروه ويشكُروه، ويُكْثِروا من ذلك على ما أنْعَمَ به عليهم. وجعل تعالى ذلك دون حدٍّ؛ لسهولته على العبد، ولِعظَم الأَجْرِ فيه؛ قال ابن عباس: لم يُعْذَر أحدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ الله إلَّا مَن غُلب على عقله. وروى أبو سعيد عن النبيِّ#: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حتى يقولوا مجنون)»(٤). وقيل: الذكرُ الكثير: ما جرى على الإخلاص من القلب، والقليل: ما يقع على حُكْم النفاق كالذِّكر باللسان. قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا ٤٢ أي: اشغلوا ألسنتكم في مُعْظَم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير. قال مجاهد: وهذه كلماتٌ يقولهنَّ الطاهِرُ والمحدِث والجُنُب(٥). (١) سلف ٩/ ٤٢٠ . (٢) صحيح مسلم (٢٢٨٧)، وهو عند أحمد (١٤٨٨٨)، والبخاري (٣٥٣٤). (٣) صحيح مسلم (٢٢٨٦): (٢٢)، وهو عند أحمد (٩١٦٧)، والبخاري (٣٥٣٥). (٤) المحرر الوجيز ٣٨٨/٤، وخبر ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ١٢٤/١٩. وخبر أبي سعيد ﴾ أخرجه أحمد (١١٦٥٣)، وابن عدي في الكامل ٩٨٠/٣ ، وفي إسناده درَّاج أبو السمح؛ ضعَّفه أحمد والنسائي وأبو حاتم، وساق له ابن عدي ٩٧٩/٣-٩٨٠ أحاديث؛ منها هذا الحديث، وقال: عامَّتُها لا يتابعُ عليها، وينظر ميزان الاعتدال ٢٤/٢-٢٥ . (٥) الكشاف ٣/ ٢٦٥ . ١٦٨ سورة الأحزاب: الآيتان ٤٢ - ٤٣ وقيل: ادعوه؛ قال جرير: فلا تَنْسَ تسبيحَ الضُّحى إنَّ يوسفاً دَعَا ربَّه فاختاره حين سبَّحا(١) وقيل: المرادُ: صَلُّوا لله بكرةً وأصِيلاً، والصلاةُ تسمَّى تسبيحاً. وخصَّ الفجر والمغرب والعشاء بالذكر لأنها أحقُّ بالتحريض عليها؛ لاتِّصالها بأطراف الليل. وقال قتادة والطبريُّ: الإشارةُ إلى صلاة الغداة وصلاة العصر(٢). والأصِيل: العشيُّ، وجمعُه: أصائل. والأُصُلُ بمعنى الأصيل، وجمعُه: آصال؛ قاله المبرِّد. وقال غيره: أُصُل جمعُ أصيل، كرغيف ورُغُف. وقد تقدَّم(٣). مسألة: هذه الآيةُ مدنيّة، فلا تعلُّقَ بها لِمَن زعم أنَّ الصلاة إنَّما فُرضت أولاً صلاتين في طرفي النهار. والروايةُ بذلك ضعيفة(٤)، فلا التفاتَ إليها ولا معوّل عليها. وقد مضى الكلامُ في كيفية فَرْضٍ الصلاة وما للعلماء في ذلك في ((سبحان))(٥)، والحمد لله. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ (٤٣) ﴾ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: لمَّا نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىُّ﴾ قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصَّةً، وليس لنا فيه شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٦). (١) النكت والعيون ٤١٠/٤، وفيه :... إن يونساً ... فانتاشه حين سبحا، ولم نقف عليه في ديوان جرير. قوله: انتاشه، أي: أنقذه. (٢) تفسير الطبري ١٩/ ١٢٣، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق ١١٩/٢، والطبري ١٩/ ١٢٤. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١٨/٣، وتقدم ٤٣٤/٩ . (٤) المحرر الوجيز ٣٨٨/٤. وأخرج البيهقي في السنن الكبرى ٣٥٩/١ عن قتادة قال: كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي. (٥) ١٢/١٣ - ١٣ . (٦) أخرجه بنحوه عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد، كما في الدر المنثور ٢٠٦/٥، وذكره بنحوه أيضاً البغوي ٥٣٤/٣ عن أنس، ولم نقف عليه عن ابن عباس. ١٦٩ سورة الأحزاب: الآيتان ٤٣ - ٤٤ قلت: وهذه نعمةٌ من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم، ودليلٌ على فضلها على سائر الأمم، وقد قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والصلاةُ من الله على العبد هي رحمتُه له وبركتُه لديه. وصلاةُ الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارُهم لهم، كما قال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧] وسيأتي. وفي الحديث: أنَّ بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أيُصَلِّي ربُّك جلَّ وعزّ؟ فَأَغْظَم ذلك، فأوحى الله جلَّ وعزَّ إليه: إنَّ صلاتي بأنَّ رحمتي سَبَقَّتْ غَضَبِي. ذكره النحاس(١). وقال ابن عطية: ورَوَتْ فرقةٌ أنَّ النبيَّ ﴾ قيل له: يا رسول الله، كيف صلاةُ الله على عباده؟ قال: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رحمتي سَبَقَتْ غضبي)). واختُلف في تأويل هذا القول، فقيل: إنه كلُّه(٢) من كلام الله تعالى، وهي صلاتُه على عباده. وقيل: سُبُّوحٌ قُدُّوس من كلام محمدٍ ﴾، وقدَّمه بين يدي نُطْقِه باللفظ الذي هو صلاةُ الله، وهو: ((رحمتي سبقت غضبي)) من حيث فَهِمَ من السائل أنه تَوَهَّم في صلاة الله على عباده وجهاً لا يَليقُ بالله عزَّ وجلَّ؛ فقدَّم التنزيهَ والتعظيمَ بين يَدَيْ إخبارِهِ (٣). قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِسَكُمْ مِنَ القُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ أي: من الضلالةِ إلى الهُدَى، ومعنى هذا: التثبيتُ على الهداية؛ لأنَّهم كانوا في وقتِ الخطابِ على الهداية. ثم أَخْبَرَ تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لهم فقال: ﴿وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿فَِّيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ وَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ٤٤ اختلف في الضمير الذي في ((يَلْقَوْنَهُ)) على مَن يعود؛ فقيل: على الله تعالى، (١) في إعراب القرآن ٣١٨/٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٩/٢ عن الحسن قوله. (٢) في (د): كلام، وفي (م): كلمة. (٣) المحرر الوجيز ٣٨٩/٤ . والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٤٣) عن أبي هريرة ﴾. وأخرجه عبد الرزاق (٢٨٩٨) ضمن خبر طويل عن عطاء، وذكره الدارقطني في العلل ٢٨٧/٨ عن أبي هريرة، وعن جابر ، وعن عطاء عن بعض أصحاب النبي #، قال الدارقطني: وهذا أصح. اهـ. وفي جميع هذه الروايات أن النبي # هو السائل، وأن المسؤول هو جبريل عليه السلام. ١٧٠ سورة الأحزاب: الآيات ٤٤ - ٤٦ أي: كان بالمؤمنين رحيماً، فهو يؤمِّنُهم من عذاب الله يومَ القيامة، وفي ذلك اليوم يَلْقَوْنه. و﴿يَمِّئُهُمْ﴾ أي: تحيةُ بعضِهم لبعض. ﴿سَلَمّ﴾ أي: سلامةٌ لنا ولكم من عذاب الله. وقيل: هذه التحيةُ من الله تعالى، المعنى: فيسلِّمهم من الآفات، أو يبشِّرهم بالأمن من المخافات. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي: يومَ القيامة بعد دخول الجنة. قال معناه الزجَّاج(١)؛ واستشهد بقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَغَمِيِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ﴾ [يونس: ١٠]. وقيل: ((يومَ يَلْقَوْنَه)) أي: يومَ يَلْقَون مَلَك الموت؛ وقد ورد أنه لا یقبض روحَ مؤمنٍ إلَّا سلَّم عليه؛ روي عن البراء بن عازِب قال: ﴿يََِّّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ﴾ فيسلِّم ملكُ الموت على المؤمن عند قَبْضٍ روحِه، لا يقبضُ روحَه حتى يسلِّم عليه(٢). وَدَاعِيًّا إِلَى قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴾ ٤٦ اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا. هذه الآيةُ فيها تأنيسٌ للنبيِّ﴾ وللمؤمنين، وتكريمٌ لجميعهم. وهذه الآيةُ تَضَمَّنَتْ من أسمائه # ستةَ أسماء، ولنبيِّنا * أسماءٌ كثيرةٌ وسماتٌ جليلة ورد ذكرها في الكتاب والسنّة والكتبِ المتقدِّمة. وقد سمّاه الله في كتابه محمداً وأحمد. وقال آێ فيما رَوَى عنه الثِّقاتُ العُدولُ: ((لِي خمسةُ أسماءٍ: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ الناسُ على قدمي، وأنا العاقب))(٣). وفي ((صحيح) مسلم من حديث جُبير بن مُطْعِم: وقد سمَّاه الله رَؤُوفاً رحيماً (٤). (١) في معاني القرآن ٢٣١/٤ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١٩/٣، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٦٧/١٣. (٣) أخرجه أحمد (١٦٧٣٤)، والبخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤) من حديث جبير بن مطعم ﴾، وسلف ٤٥١/١٠. قوله: على قدمي، قيل: على سابقتي، وقيل: على سنتي، وقيل: بعدي، أي يتبعوني إلى يوم القيامة. المفهم ٦/ ١٤٦ . (٤) صحيح مسلم (٢٣٥٤): (١٢٥). ١٧١ سورة الأحزاب: الآيتان ٤٥ - ٤٦ وفيه أيضاً عن أبي موسى الأشعريِّ قال: كان رسول اللـه # يسمِّي لنا نفسَه أسماءً، فقال: ((أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشِرُ، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة))(١). وقد تتبّع القاضي أبو الفضل عِياض في كتابه المسمَّى بـ ((الشِّفا))(٢) ما جاء في كتاب الله وفي سنَّة رسول اللـه ﴾، وممَّا نُقِل في الكتب القديمة(٣) وإطلاق الأمة أسماءً كثيرةً وصفاتٍ عديدة، قد صَدَقتْ عليه ﴿ مُسَمَّياتها، ووُجِدَتْ فيه معانيها. وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربيّ في ((أحكامه)) (٤) في هذه الآية من أسماء النبيِّ# سبعةً وستين اسماً. وذكر صاحبُ ((وسيلة المتعبِّدين إلى مُتابعةِ سيِّدِ المرسَلين))(٥) عن ابن عباس: أنَّ لمحمدٍ﴾ مئة وثمانين اسماً، مَن أرادها وجدها هناك. وقال ابن عباس: لمّا نزلت هذه الآيةُ دعا رسول اللـه عليًّا ومعاذاً، فبعثهما إلى اليمن، وقال: ((اذهبا، فبشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويسِّرا ولا تُعَسِّرا، فإنَّه قد أُنزل عليَّ ... )) وقرأ الآية(٦). (١) صحيح مسلم (٢٣٥٥)، وهو عند أحمد (١٩٥٢٥). (٢) ٤٤٤/١ وما بعدها. (٣) في (م): المتقدمة. (٤) ١٥٣٤/٣. (٥) صاحبه عمر بن محمد بن خضر الأردبيلي الصوفي، نزيل دمشق، المتوفّى سنة (٥٧٠هـ). ينظر كشف الظنون ٢/ ٢١٠، وإيضاح المكنون ٧٠٨/٢ . (٦) المحرر الوجيز ٣٨٩/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية. وأخرجه أيضاً النحاس في معاني القرآن ٣٥٨/٥، والطبراني في الكبير (١١٨٤١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٩٢ : رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف. أهـ. وسيذكره المصنف بأطول مما هنا. والذي أخرجه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) عن أبي موسى الأشعري ، أن رسول الله # بعثه ومعاذاً إلى اليمن، فقال: ((يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفّرا، وتَطاوَعا ولا تختلفا)). وليس فيه ذكر الآية. وخبر إرسال علي ﴾ إلى اليمن ثابت في الصحيح أيضاً. ١٧٢ سورة الأحزاب: الآيتان ٤٥ - ٤٦ قوله تعالى: ﴿شَهِدًا﴾ قال سعيد عن قتادة: ((شاهدًا)) على أمَّته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم، ونحو ذلك. ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ معناه: للمؤمنين برحمة الله وبالجنة ﴿وَنَذِيراً﴾ معناه: للعصاة والمكذّبين من النار وعذابِ الخُلْد. ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ﴾ الدعاءُ إلى الله هو تبليغُ التوحيدِ والأخذُ به، ومكافحةُ الكَفَرة. و﴿ بِإِذْنِهِ﴾ معناه هنا: بأمره إياك وتقديرِه ذلك في وقته وأوانه. ﴿وَمِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ استعارة للنور الذي يتضمَّنه شَرْعُهُ(١). وقيل: ((وَسِرَاجًا)) أي: هادِياً من ظلم الضلالة، وأنت كالمصباح المضيء. وَوَصَفَه بالإنارة لأنَّ من السُّرُج ما لا يُضيء، إذا قَلَّ سلِيطه(٢) ودَقَّت فَتيلتُه. وفي كلام بعضهم: ثلاثةٌ تُضْني: رسولٌ بطيء، وسِراجٌ لا يُضيءُ، ومائدةٌ يُنتظَر لها مَن يَجيء. وسُئل بعضهُم عن المُؤْحِشَيْن فقال: ظلامٌ ساتِر، وسِراجٌ فاتِر (٣). وأسند النخَّاس(٤) قال: حذَّثنا محمد بن إبراهيم الرازي، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن صالح الأَزْديُّ، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن محمد المُحاربيُّ(٥)، عن شَيبان النَّحْويِّ قال: حدَّثنا قتادةُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى الَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ دعا رسولُ الله ﴿ عليًّا ومُعاذاً فقال: ((انْطَلِقا، فيسِّرا ولا تُعَسِّرَا، فإنَّه قد نزل عليَّ الليلةَ آيَةُ: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشْرًا وَنَذِيرًا﴾ من النار ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اَللَّهِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿بِإذْنِهِ﴾ بأمره ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ قال: بالقرآن)). وقال (١) المحرر الوجيز ٣٨٩/٤، وأخرج خبر قتادة بنحوه الطبري ١٢٦/١٩. (٢) أي: زيته. القاموس (سلط). (٣) الكشاف ٢٦٦/٣. (٤) في معاني القرآن ٣٥٨/٥ . (٥) سلف الخبر مختصراً قريباً، وسلف تخريجه. وجاء عند الطبراني وابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، بدل: عبد الرحمن ابن محمد المحاربي، وعبد الرحمن العرزمي ضعيف، كما ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٨٥/٢. ١٧٣ سورة الأحزاب: الآيات ٤٥ - ٤٨ الزَّجاج (١): ((وِرَاجاً)) أي: وذا سِراجٍ مُنير، أي: كتابٍ نَيِّرٍ(٢). وأجاز أيضاً أن يكون بمعنى: وتالياً كتابَ الله. وَلَا نُطِعِ قوله تعالى: ﴿وَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٧) اَلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهُّ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الواوُ عاطفةٌ جملةً على جملةٍ، والمعنى منقطِعٌ من الذي قَبْلَه. أَمَره تعالى أن يبشِّر المؤمنين بالفضل الكبير من الله تعالى. وعلى قول الزَّجَّاج: ذا سراج منير، أو: وتالياً سراجاً منيراً، يكون معطوفاً على الكاف في ((أَرْسَلْنَاكَ))(٣). قال ابن عطية(٤): قال لنا أَبي ﴾: هذه مِن أَرْجَى آيةٍ عندي في كتاب الله تعالى؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أمر نبيَّه أن يبشِّر المؤمنين بأنَّ لهم عنده فضلاً كبيراً؛ وقد بيَّن تعالى الفضلَ الكبير في قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَاتِّ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]. فالآيةُ التي في هذه السورةِ خبرٌ، والتي في ﴿حَمَّ عَسَقَ﴾ تفسيرٌ لها . ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ أي: لا تُطِعْهم فيما يُشيرون عليك من المُداهنة في الدِّين ولا تُمالئهم. والكافِرون: أبو سفيان، وعكرمةُ، وأبو الأغْوَر السُّلَميُّ؛ قالوا: يا محمد، لا تَذْكُرْ آلهتنا بسوءِ نتَّبِعْك. والمنافقون: عبد الله بن أُبَيِّ، وعبد الله بن سعد، وطُعْمةُ بن أُبَيْرِق، حَثُوا النبيَّ :﴿ على إجابتهم بتَعِلَّة المصلحة(٥). (١) في معاني القرآن ٢٣١/٤. (٢) في معاني القرآن: بين . (٣) الكشاف ٢٦٦/٣. قال السمين في الدر المصون ٩/ ١٣٠: وفيه نظر؛ لأن السراج هو القرآن، ولا يوصف بالإرسال ، بل الإنزال، إلا أن يقال : إنه حُمل على المعنى كقوله : علفتها تبناً وماءً بارداً ... (٤) في المحرر الوجيز ٣٨٩/٤. (٥) سلف خبرهم ص ٥٠ من هذا الجزء. ١٧٤ سورة الأحزاب: الآيات ٤٧ - ٤٩ ﴿وَدَعْ أَذَئُهُمْ﴾ أي: دَعْ أنْ تُؤذيَهم مجازاةً على أذِيَّتهم إياك. فأمره تبارك وتعالى بتَرْكِ معاقبتهم، والصَّفْحِ عن زَلَلِهم، فالمصدرُ على هذا مضافٌ إلى المفعول. ونُسخ من الآية على هذا التأويل ما يَخُصُّ الكافرين، وناسخُه آيَةُ السيف. وفيه معنَى ثانٍ : أي: أَعْرِضْ عن أقوالهم وما يؤذونك، ولا تَشْتَغِلْ به، فالمصدرُ على هذا التأويلِ مضافٌ إلى الفاعل. وهذا تأويلُ مجاهدٍ (١)، والآيةُ منسوخةٌ بآيَةِ السيف. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أَمرَه بالتوكُّل عليه وآنَسَه بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. وفي قوَّة الكلامِ وعدٌّ بنَصْرٍ. والوكيلُ: الحافظُ القائمُ على الأمر (٢). قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَشُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا ◌َجَميلًا @) فيه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ لمَّا جرت قصةُ زيدٍ وتطليقه زينب، وكانت مدخولاً بها، وخطبها النبيُّ # بعد انقضاء عِدَّتها - كما بيَّنَّه - خاطَبَ الله المؤمنين بحُكْم الزوجة تُطلَّق قبل البناء، وبيَّن ذلك الحكمَ للأمة، فالمطلّقةُ إذا لم تكن ممسوسةً لا عِدَّةَ عليها بنصِّ الكتاب وإجماعِ الأمَّة على ذلك. فإنْ دخل بها فعليها العدَّة إجماعاً(٣). الثانية: النكاح: الوطء(٤)، وتسميةُ العَقْدِ نكاحاً لمُلابَسَتهِ له من حيث إنه طريقٌ (١) المحرر الوجيز ٣٩٠/٤، وخبر مجاهد أخرجه الطبري ١٢٧/١٩ بلفظ: ﴿وَدَعْ أَذَنْهُمْ﴾ قال: أعرض عنهم. (٢) المحرر الوجيز ٣٩٠/٤ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٣٩/٣ - ١٥٤٠. (٤) في (ظ) و(م): النكاح حقيقة في الوطء، والمثبت من باقي النسخ والكشاف ٢٦٧/٣، والكلام وما سیرد بین حاصرتین منه. ١٧٥ سورة الأحزاب: الآية ٤٩ إليه. ونظيرهُ تسميتهم الخمرَ إثماً؛ لأنه سببٌ في اقتراف الإثم. ولم يَرِدْ لفظُ النكاحِ في كتاب الله إلَّ في معنى العقد؛ لأنه في معنى الوَظْءِ [من باب التصريح به]، ومن(١) آداب القرآن الكنايةُ عنه بلفظ: الملامسة والمماسَّة والقُرْبان والتَّغَشِّي والإتيان. الثالثة: استدلَّ بعضُ العلماء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبمهلةِ (ثُمَّ)) على أنَّ الطلاق لا يكون إلَّا بعد نكاح، وأنَّ مَن طلَّق المرأة قبل نكاحِها - وإن عَيَّنها - فإنَّ ذلك لا يَلْزمه. وقال هذا نَيِّفٌ على ثلاثين مِن صاحبٍ وتابعٍ وإمامٍ، سَمَّى البخاريُّ منهم اثنين وعشرين(٢). وقد رُويَ عن النبيِّ﴾: ((لا طلاقَ قبل نكاح)) (٣) ومعناه: أنَّ الطلاق لا يقع حتى يحصل النكاح. قال حبيب بن أبي ثابت: سُئل عليّ بن الحسين رضي الله عنهما عن رجلٍ قال لا مرأةٍ: إن تزوَّجتُكِ فأنتِ طالقٌ؟ فقال: ليس بشيء؛ ذَكَر الله عز وجل النكاحَ قبل الطلاق(٤). وقالت طائفةٌ من أهل العلم: إنَّ طلاقَ المعيَّنةِ الشَّخْصِ أو القبيلةِ أو البلدِ لازمٌ قبل النكاح(٥)؛ منهم مالكٌ وجميعُ أصحابه، وجَمْعٌ عظيم من علماء الأمة. وقد مضى في ((براءة)) الكلامُ فيها ودليلُ الفريقين. والحمد لله (٦). فإذا قال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجها (١) في النسخ: وهو من، والمثبت من الكشاف. (٢) المحرر الوجيز ٣٩٠/٤، والذين سماهم البخاري في كتاب الطلاق، باب: لا طلاق قبل النكاح، هم خمس وعشرون. قال البخاري: وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويُروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب ... الخ، وذكرهم. قال الحافظ في الفتح ٣٨٦/٩: وقد تجوّز البخاري في نسبة جميع من ذكر عنهم إلى القول بعدم الوقوع مطلقاً، مع أن بعضهم يفصّل، وبعضهم يُختلف عليه، ولعل ذلك هو النكتة في تصديره النقل عنهم بصيغة التمريض. (٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٨) من حديث المسور بن مخرمة ﴾. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/٥ - ١٦، والبيهقي ٣١٨/٧، وابن عبد البر في الاستذكار ١٢٤/١٨ من حديث عبد الله بن عمرو ﴾. وأخرجه الترمذي (١١٨١)، وأبو داود (٢١٩٠)، وابن ماجه (٢٠٤٧) بلفظ: ((لا طلاق فيما لا يملك)) وقد سلف بهذا اللفظ ١٠/ ٣١١ . (٤) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٣٣) بنحوه. ونقله المصنف من معاني القرآن للنحاس ٣٥٩/٥ - ٣٦٠. (٥) ينظر المنتقى للباجي ١١٥/٤ . (٦) ٣١٠/١٠ - ٣١١، وينظر قول مالك وغيره من الأئمة في الإشراف ١٨٥/٤، والاستذكار ١١٤/١٨. ١٧٦ سورة الأحزاب: الآية ٤٩ [طالقٌ](١)، وكلُّ عبدٍ أشتريه حرٍّ، لم يَلْزَمْه شيءٌ. وإن قال: كلُّ امرأةٍ أَتزوَّجُها إلى عشرين سنةً، أو: إن تزوَّجتُ من بلدٍ فلان، أو من بني فلان، فهي طالِقٌ، لَزِمَه الطلاقُ ما لم يَخَفِ العَنَتَ على نفسه في طول السِّنين، أو يكون عمرُه في الغالب لا يَبلغُ ذلك، فله أن يتزوَّج. وإنَّما لم يَلْزَمْه الطلاقُ إذا عمَّم لأنه ضيَّق على نفسه المَناكح، فلو منعناه ألَّا يتزوَّج لَحَرِجَ وخِيفَ عليه العَنَتُ. وقد قال بعض أصحابنا: إنَّه إن وُجد ما يتسرَّر به لم ينكِح، وليس بشيء، وذلك أنَّ الضَّروراتِ والأعذارَ ترفع الأحكام، فيصير هذا من حيث الضرورةُ كَمَن لم يحلف؛ قاله ابن خُوَیْزِمَنْدَاد. الرابعة: استدلَّ داودُ ومَن قال بقوله: أنَّ المطلّقة الرجعيةَ إذا راجعها زوجُها قبل أن تنقضي عِدَّتُها، ثم فارَقَها قبل أن يَمَسَّها، أنه ليس عليها أن تُتِمَّ عِدَّتها ولا عِدَّةً مستقبلةٌ؛ لأنَّها مطلَّقةٌ قبلَ الدخولِ بها. وقال عطاء بن أبي رباح وفرقةٌ: تَمضي في عِدَّتها من طلاقها الأوّل ــ وهو أحدُ قولي الشافعيِّ - لأنَّ طلاقه لها إذا لم يمسَّها في حكم مَن طلَّقها في عِدَّتها قبل أن يُراجعها. ومَن طلَّق امرأتَه في كلِّ ظُهرٍ مرَّةً بَنَتْ ولم تستأنف. وقال مالك إذا فارقَها قبل أن يمسَّها: إنَّها لا تبني على ما مضى من عِدَّتها، وإنَّها تُنشئُ من يومٍ طلَّقها عِدَّةً مستقبلَةً. وقد ظَلَم زوجُها نفسَه وأخطأ إنْ كان ارتَجَعها ولا حاجةً له بها. وعلى هذا أكثرُ أهل العلم؛ لأنها في حكم الزَّوْجات المدخولِ بهنَّ في النفقة والسُّكنى وغير ذلك؛ ولذلك تستأنفُ العِدَّة من يوم طُلِّقت، وهو قولُ جمهورٍ فقهاءِ البَصْرةِ والكوفةِ ومكةَ والمدينة والشام. وقال الثوريُّ: أَجْمَعَ الفقهاءُ عندنا على ذلك. الخامسة: فلو كانت بائنةً غيرَ مبتوتةٍ فتزوَّجها في العِدَّة، ثم طلَّقها قبل الدخول؛ فقد اختلفوا في ذلك أيضاً، فقال مالك والشافعيُّ وزُفَر وعثمان البَتِّيُّ: لها نصفُ (١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، وينظر عقد الجواهر الثمينة ١٧٧/٢ . ١٧٧ سورة الأحزاب: الآية ٤٩ الصَّدَاقِ وتُتُمُّ بقيةَ العِدَّة الأولى. وهو قول الحسن وعطاء وعكرمةَ وابن شهاب. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثَّوريُّ والأوزاعيُّ: لها مهرٌ كاملٌ للنكاح الثاني وعِدَّةٌ مستقبلة. جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه. وقال داود: لها نصفُ الصَّداق، وليس عليها بقيةُ العِدَّة الأولى ولا عِدَّةٌ مستقبلة(١). والأَوْلى ما قاله مالك والشافعيُّ، والله أعلم. السادسة: هذه الآيةُ مخصّصةٌ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةً ـم ج [البقرة: ٢٢٨] ولقوله: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْبَّبْتُمُّ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وقد مضى في ((البقرة))، ومضى فيها الكلامُ في المُتعة(٢)، فأَغنَى عن الإعادة هنا. ﴿وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه دَفْعُ المتعةِ بِحَسَبِ المَيْسَرَةِ والعُسْرة؛ قاله ابن عباس. الثاني: أنه طلاقُها طاهراً من غير جماع؛ قاله قتادة(٣). وقيل: فسرِّحوهنَّ بعد الطلاق إلى أهلهنَّ، فلا يجتمع الرجلُ والمطلّقة في موضعٍ واحد. السابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَتِعُوهُنَّ﴾ قال سعيد: هي منسوخةٌ بالآية التي في ((البقرة))، وهي قوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَشُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ [الآية: ٢٣٧] أي: فلم يذكر المتعة(٤). وقد مضى الكلام في هذا في ((البقرة)) مستوفى(٥). وقوله: ﴿وَسَرِجُوهُنَّ﴾: طلّقوهنَّ. والتسريحُ كنايةٌ عن الطَّلاق عند أبي حنيفة؛ لأنه (١) ذكر المصنف هذه المسألة والتي قبلها عن الاستذكار ١٠٥/١٨ - ١٠٦ . (٢) ينظر ٣٥/٤ و١٦٢ وما بعدها. (٣) النكت والعيون ٤١٣/٤، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٩/ ١٢٨. (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٦٠/٥، وأخرجه الطبري ٢٩٦/٤ - ٢٩٧ و١٢٩/١٩. (٥) ١٦٧/٤ . ١٧٨ سورة الأحزاب: الآيتان ٤٩ - ٥٠ يُستعمل في غيره فيحتاج إلى النية. وعند الشافعيِّ صريحٌ. وقد مضى في ((البقرة)) القولُ فيه(١)، فلا معنى للإعادة. ﴿حَيلًا﴾ سُنَّة، غير بِذْعة. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ اَلَِّىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُرَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِئُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّنْتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأَمَّْةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ إِنْ أَرَادَ النَِّىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ قَدْ عَلِّمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيَ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ وَكَانَ اللَّهُ ٥٠ غَفُورًا رَحِيمًا فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: روى السُّدِّيُّ عن أبي صالح، عن أمِّ هانئ بنتٍ أبي طالب قالت: خَطَبني رسولُ اللـه :﴿، فاعْتَذَرتُ إليه فعذَرَنِي، ثم أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ اَلَِّىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِئُكَ مِنَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتٍ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أكن أَحِلُّ له؛ لأنِّي لم أهاجر، كنتُ من الظُّلَقاء. خرَّجه أبو عيسى وقال: هذا حديثٌ حسنٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه (٢). قال ابن العربيّ(٣): وهو ضعيفٌ جدًّا، ولم يأتِ هذا الحديثُ من طريقٍ صحيحٍ يُحتجُّ بها. الثانية: لمَّا خَيَّر رسولُ الله ﴾ نساءَه فاختَرْنَه، حَرُم عليه التزوُجُ بغيرهنَّ والاستبدالُ بهنَّ، مكافأةً لهنَّ على فِعْلهنَّ، والدليلُ على ذلك قولُه تعالى: ﴿لَا يَحِلُ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٢]. وهل كان يَحِلُّ له أن يطلِّق واحدةً منهنَّ بعد (١) ٤ / ٦٧ . (٢) سنن الترمذي (٣٢١٤)، ووقع في المطبوع: حسن صحيح .. ، وما ذكره المصنف موافق لما في تحفة الأشراف ٤٥٠/١٢ . (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٥٤١. ١٧٩ سورة الأحزاب: الآية ٥٠ ذلك؟ فقيل: لا يَحِلُّ له ذلك جزاءً لهنَّ على اختيارهنَّ له. وقيل: كان يَحِلُّ له ذلك كغيره من الناس ولكن لا يتزوَّج بَدَلَهَا. ثم نسخَ هذا التحريم فأباح(١) له أن يتزوَّج بمن شاء عليهنَّ من النساء، والدليلُ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَمْلَلْنَا لَّكَ أَزْوَجَكَ﴾ والإحلالُ يقتضي تَقَدُّم حَظْرٍ، وزوجاتُه اللَّتي في حياته لم يكنَّ محرَّماتٍ عليه، وإنَّما كان حرم عليه التزويجُ بالأجنبيَّات، فانصرف الإحلالُ إليهنَّ. ولأنَّه قال في سياق الآية: ﴿وَيَنَاتِ عَمِّكَ وَيَنَاتٍ عَمَّتِكَ﴾ الآية، ومعلومٌ أنه لم يكن تحته أحدٌ من بنات عمِّه ولا من بناتِ عمَّاته، ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحلَّ له التزويج بهذا ابتداء. وهذه الآيةُ وإن كانت متقدِّمةً في التلاوة فهي متأخِّرةُ النزولِ عن الآيةِ المنسوخةِ بها، كآيتي الوفاة في ((البقرة))(٢). وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَهْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ فقيل: المرادُ بها أنَّ الله تعالى أحلَّ له أن يتزوَّج كلَّ امرأةٍ يؤتيها مَهْرَها؛ قاله ابن زيد والضحَّاك(٣). فعلى هذا تكونُ الآيةُ مبيحةً جميعَ النساء حاشا ذوات المحارِم. وقيل: المراد: أحلَلْنا لك أزواجَك الكائنات(٤) عندك؛ لأنهنَّ قد اختَرْنكَ على الدنيا والآخرة؛ قاله الجمهور من العلماء. وهو الظاهر؛ لأنَّ قوله: ((آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)) ماضٍ، ولا يكون الفعلُ الماضي بمعنى الاستقبال إلَّا بشروط. ويجيءُ الأمر على هذا التأويل ضيِّقًا على النبيِّ﴾. ويؤيِّد هذا التأويلَ ما قاله ابن عباس: كان رسول اللـه * يتزوَّج في أيِّ الناس شاء، وكان يَشُقُّ ذلك على نسائه، فلمَّا نزلت هذه الآيةُ وحرم عليه بها النساءُ إلَّا من سُمِّيَ، سُرَّ نساؤه بذلك(٥). (١) في (ظ): فأبيح. (٢) يعني الآية (٢٣٤) والآية (٢٤٠). (٣) أخرج قولهما الطبري ١٣٠/١٩ . (٤) قبلها في (خ) و(د) و(م): أي، والمثبت من باقي النسخ وهو موافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤١/٣، والكلام منه. (٥) أخرجه الطبري ١٣٤/١٩. ١٨٠ سورة الأحزاب: الآية ٥٠ قلت: والقولُ الأوّلُ أصح لما ذكرناه. ويدلُّ أيضًا على صحّته ما خرَّجه الترمذيُّ عن عطاء قال: قالت عائشةُ رضي الله عنها: ما مات رسولُ الله ﴾ حتى أَحلَّ الله تعالى له النساءَ. قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أَحَلَّ الله تعالى السَّراري لنبيِّهِ ﴾ ولأمَّته مطلقاً، وأَحَلَّ الأزواجَ لنبيِّه عليه الصلاة والسلام مُظْلَقًّا، وأحلَّه للخَلْقِ بعددٍ(٢). وقولُه: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: ردَّه عليك من الكفار. والغنيمةُ قد تسمَّى فيئاً، أي: ممَّا أفاء الله عليك من النساء المأخوذِ على وجه القَهْرِ والغلبة. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَبِئَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ﴾ أي: أَخْلَلْنا لك ذلك زائداً [إلى ما عندَكَ] من الأزواج اللَّتي آتيتَ أجورهنَّ وما مَلَكَتْ يمينُك، على قول الجمهور؛ لأنه لو أراد: أحللنا لك كلَّ امرأةٍ تزوَّجْتَ وآتيتَ أَجْرَها، لَمَا قال بعد ذلك: ﴿وَبَنَاتٍ عَمْكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ﴾ لأنَّ ذلك داخلٌ فيما تقدَّم(٣). قلت: وهذا لا يلزمُ، وإنَّما خصَّ هؤلاء بالذِّكر تشريفًا، كما قال تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلُ وَرَكَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿اَلَِّ هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فيه قولان: الأوّل: لا يَحِلُّ لك من قَرابتك - كبنات عمِّك العباسِ وغيرهِ من أولاد عبد المطّلب، وبناتِ أولادِ بناتِ عبد المطّلب، وبنات الخال من وَلَد بنات عبد مناف بن زُهْرة - إلَّا من أَسْلَم؛ لقوله ﴾: («المسلمُ مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجِرُ مَن هَجَر ما نَهى الله تعالی عنه))(٤). (١) سنن الترمذي (٣٢١٦)، وهو عند أحمد (٢٤١٣٧)، وضعَّفه ابن العربي في أحكام القرآن ١٥٥٩/٣. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٢/٣. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٤٣/٣ ، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) أخرجه أحمد (٦٥١٥)، والبخاري (١٠)، وسلف ٥٠٦/٦ ، وذكر هذا القول ابن العربي في أحكام القرآن ١٥٤٣/٣.