النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة الأحزاب: الآية ٣٣ الحديث يدلُّ على أنه من الأول، كما روي: أنَّ عماراً قال لعائشةَ رضي الله عنها: إنَّ الله قد أمرك أن تَقَرِّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليَقْظان، ما زلتَ قوَّالاً بالحقِّ! فقال: الحمدُ للهِ الذي جعلني كذلك على لسانك(١). وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ: ((واقْرِرْنَ)) بألِفٍ وَصْلٍ وراءَيْنِ الأُولى مكسورة(٢). الثانية: معنى هذه الآية: الأمرُ بلزوم البيت، وإن كان الخطابُ لنساء النبيِّ * فقد دخل غيرُهنّ فيه بالمعنى. هذا لو لم يَرِدْ دليلٌ يخصُّ جميع النساء، كيف والشريعةُ طافحةٌ بلزومِ النساءِ بيوتَهنّ، والانكفافِ عن الخروج منها إلَّا لضرورة، على ما تقدَّم في غير موضع(٣). فأمر الله تعالى نساء النبيِّ﴾ بملازمة بيوتهنَّ، وخاطبهنَّ بذلك تشريفاً لهنَّ، ونهاهنَّ عن التِبرُّج، وأَعْلَمَ أنه فعلُ الجاهلية الأولى فقال: ﴿وَلَا تَبَّغْنَ تَبُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. وقد تقدَّم معنى التبرّج في ((النور)) (٤). وحقيقتُه: إظهارُ ما سَتْرُه أَحْسَنُ، وهو مأخوذٌ من السَّعة؛ يقال: في أسنانه بَرَج: إذا كانت متفرِّقةً؛ قاله المبرِّد(٥). واختلف الناس في ((الجاهليَّة الأُولَى))؛ فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام، كانت المرأةُ تلبس الدِّرع من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تَعرِضُ نفسَها على الرجال(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/٣، وأخرجه بنحوه الطبري في التاريخ ٤/ ٥٤٥. (٢) المحرر الوجيز ٣٨٣/٤. (٣) ينظر ٢٩٢/١ و١٤٨/٦ و٢٩٣/١٥. (٤) ٣٤٠/١٥. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/٣ . (٦) تفسير البغوي ٥٢٨/٣ عن الكلبي، وذكره بنحوه الفراء في معاني القرآن ٣٤٢/٢، والماوردي في النكت والعيون ٤٠٠/٤ . ١٤٢ سورة الأحزاب: الآية ٣٣ وقال الحَكَم بن عُتيبة: ما بين آدم ونوحٍ، وهي ثمان مئة سنةٍ، وحُكيتْ لهم سِيرٌ ذميمة. وقال ابن عباس: ما بين نوحٍ وإدريس. الكلبيُّ: ما بين نوحٍ وإبراهيم. قيل: إنَّ المرأة كانت تلبسُ الدِّرع من اللؤلؤ غيرَ مَخِيطِ الجانبين، وتلبسُ الثيابَ الرقاقَ ولا تواري بَدَنَها. وقالت فرقة: ما بين موسى وعيسى. الشعبيُّ: ما بين عيسى ومحمدٍ ﴾. أبو العالية: هي زمانُ داود وسليمانَ؛ كان فيه للمرأة قميصٌ من الدرِّ غير مخيطٍ الجانبين(١). وقال أبو العباس المبرِّدُ: والجاهليةُ الأولى كما تقول: الجاهليةُ الجَهْلَاءُ، قال: وكان النساء في الجاهلية الجهلاءِ يُظْهِرْنَ ما يَقْبُحُ إظهارُهُ، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلْمِها(٢)، فينفرد خِلْمُها بما فوقَ الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، وربَّما سأل أحدهما صاحبه البَدَلَ. وقال مجاهد: كان النساء يتمشَّينَ بين الرجال، فذلك التبرُّج(٣). قال ابن عطيةً(٤): والذي يَظْهَرُ عندي أنه أشار للجاهلية التي لَحِقْنَها، فأُمِرْن بالنُّقلةِ عن سيرتهنَّ فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكَفَرة؛ لأنهم كانوا لا غَيْرَة عندهم، فكان أمرُ النساء دون حجبةٍ، وجعلها أُولى بالنسبة إلى ما كُنَّ عليه(٥)، (١) المحرر الوجيز ٣٨٣/٤، دون قوله: إن المرأة كانت تلبس ... الخ. وأخرج الطبري أقوال الحكم وابن عباس والشعبي ٩٨/٩ - ٩٩ . (٢) في (د) و(م): وخلها، وفي (ظ): وخدنها، وكذا في الموضع الثاني، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/٣، والكلام منه، وذكره أيضاً الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٤٠٠ وقال: والخِلْم: الصاحب. (٣) النكت والعيون ٣٩٩/٤ . (٤) في المحرر الوجيز ٣٨٤/٤. (٥) في المحرر الوجيز: وجعلها أولى بالإضافة إلى حالة الإسلام. ١٤٣ سورة الأحزاب: الآية ٣٣ وليس المعنى أنَّ ثَمَّ جاهليةً أخرى. وقد أُوْقِعَ اسم الجاهلية على تلك المدَّة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهليُّ في الشعراء. وقال ابن عباس في البخاريٌّ(١): سمعتُ أبي في الجاهلية يقول، إلى غيرِ هذا. قلت: وهذا قولٌ حسن. ويُعتَرضُ بأنَّ العرب كانت أهلَ قَشَفٍ وضَنْكٍ في الغالب، وأنَّ التنعُم وإظهارَ الزينة إنَّما جرى في الأزمان السابقة، وهي المرادُ بالجاهلية الأولى، وأنَّ المقصود من الآية مخالفةُ مَن قَبْلَهنَّ من المِشية على تَغْنِيجِ وتكسيرٍ وإظهارِ المحاسن للرجال، إلى غير ذلك ممَّا لا يجوز شرعاً. وذلك يشملُ الأقوالَ كلَّها ويَعمُّها، فيَلْزَمنَ البيوت، فإنْ مسَّت الحاجةُ إلى الخروج فَلْيَكُن على تَبَذُّلٍ(٢) وتستُّرٍ تامّ. والله الموفّق. الثالثة: ذكر الثعلبيُّ وغيره: أنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - كانت إذا قرأت هذه الآيةَ تبكي حتى تَّبُلَّ خِمارها. وذكر أنَّ سَوْدةً قيل لها: لم لا تَحُجِّين ولا تَعْتَمرين كما يفعل أَخَواتُك؟ فقالت: قد حَجَجْتُ واعتمرتُ، وأمرني الله أنْ أقرَّ في بيتي. قال الراوي: فواللهِ ما خرجتْ من باب حجرتها حتى أُخرجَتْ جنازتُها. رضوان الله عليها(٣). قال ابن العربيّ(٤): لقد دخلتُ نَيِّفاً على ألف قريةٍ، فما رأيتُ(٥) أَضْوَنَ عيالاً ولا أَعَفَّ نساءً من نساء نابلس، التي رُمي بها الخليلُ # بالنار؛ فإِنِّي أَقَمتُ فيها فما رأيتُ امرأةً في طريقٍ نهاراً، إلَّا يومَ الجمعة؛ فإنَّهنَّ يخرجن إليها حتى يَمتلئَ المسجدُ (١) برقم (٣٨٤٠). (٢) التبذُّل: تَرْكُ التَّزَيُّن. اللسان (بذل). (٣) المحرر الوحيز ٣٨٣/٤، وخبر عائشة أخرجه ابن سعد ٨/ ٨١، وأحمد في الزهد ص ٢٠٥ . وخبر سودة أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ١٩٦/٥ . (٤) في أحكام القرآن ١٥٢٣/٣. (٥) بعدها في النسخ عدا (ظ): نساء، والمثبت من (ظ) وأحكام القرآن لابن العربي. ١٤٤ سورة الأحزاب: الآية ٣٣ منهنَّ، فإذا قُضِيَت الصلاةُ وانقلَبْنَ إلى منازلهنَّ لم تقع عيني على واحدةٍ منهنَّ إلى الجمعة الأخرى. وقد رأيتُ بالمسجد الأقصى عفائفَ ما خَرجْنَ من مُعْتَكَفِهنَّ حتی استُشْهِدْنَ فیه. الرابعة: قال ابن عطية: بكاءُ عائشةَ رضي الله عنها إنَّما كان بسبب سَفَرِها أيامَ الجمل، وحينئذٍ قال لها عمَّار: إنَّ الله قد أمرك أن تَقْرِّي في بيتك(١). قال ابن العربيّ(٢): تعلَّق الرافضةُ بهذه الآيةِ على أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها؛ إذ قالوا: إنَّها خالفت أمرَ رسول الله ﴾ حين خرجت تقودُ الجيوش، وتُباشِرُ الحروب، وتقتحم مَأْزِقَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ فيما لم يُفرَضْ عليها ولا يجوز لها. قالوا : ولقد حُصِرَ عثمان، فلمَّا رأت ذلك أَمرت برواحِلِها فقُرِّبت لتخرج إلى مكة، فقال لها مَرْوان: أَقيمي هنا يا أمَّ المؤمنين، ورُدِّي هؤلاء الرَّعَاعِ؛ فإنَّ الإصلاح بين الناس خيرٌ من حَجِّك. قال ابن العربيّ: قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: إنَّ عائشةَ رضي الله عنها [كانت] نَذَرت الحجَّ قبل الفتنة، فلم تَرَ التخلُّفَ عن نَذْرِها، ولو خرجت في(٣) تلك الثائرة لكان ذلك صواباً لها. وأمَّا خروجُها إلى حربِ الجمل فما خَرَجَتْ لحربٍ، ولكنْ تعلَّق الناسُ بها ، وشكّوْا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتَهارُج الناس، ورجَوْا بركتَها، وطمِعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخَلْق، وظنَّت هي ذلك، [فخرجت] مقتديةً بالله في قوله: ﴿لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن ◌َجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وقوله: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. والأمرُ بالإصلاح مُخاطَبٌ به جميعُ الناس من ذكر أو أنثى، حُرٍّ أو عبد. فلم يُرِدِ الله تعالى بسابِقٍ قضائه ونافِذٍ حُكْمِه أن يقع إصلاح، ولكن جرت (١) المحرر الوجيز ٣٨٣/٤، وقول عمار * سلف في المسألة الأولى. (٢) في أحكام القرآن ١٥٢٣/٣ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في أحكام القرآن: عن. ١٤٥ سورة الأحزاب: الآيتان ٣٣ - ٣٤ مطاعناتٌ وجراحاتٌ حتى كاد يَفْنَى الفريقان، فعمَدَ بعضهم إلى الجمل فعَرْقَبه، فلمّا سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشةَ رضي الله تعالى عنها، فاحْتَمَلَها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأةً، قَرَنَهُنَّ عليٍّ بها حتى أوصلوها إلى المدينة بَرَّةً تقيَّةً، مجتهدةً مصيبةً، مثابةً فيما تأوَّلَتْ، مأجورةً فيما فعلت؛ إذ كلُّ مجتهدٍ في الأحكام مصيبٌ. وقد تقدَّم في ((النحل)) اسمُ هذا الجمل(١)، وبه يُعْرَفُ ذلك اليوم. قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الضَّلَوَةَ وَءَاتِنَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ؟﴾ أي: فيما أَمر ونَهى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال الزَّجَّاج(٢): قيل: يراد به نساءُ النبيِّ ﴾. وقيل: يراد به نساؤه وأهلُه الذين هم أهلُ بيته؛ على ما يأتي بيانُه بعدُ. و((أهلَ البيتِ)) نصبٌ على المدح. قال: وإن شئتَ على النداء(٣). قال: ويجوز الرفع والخفض. قال النحاس(٤): إنْ خُفِضَ على أنه بدلٌ من الكاف والميم لم يَجُزْ عند أبي العباس محمد بن يزيد؛ قال: لا يُبْدَلُ من المخاطبة(٥) ولا من المخاطَب؛ لأنَّهما لا يحتاجان إلى تبيين . ﴿وَيُطِرگُ تَطْهِبًا﴾ مصدرٌ فيه معنى التوكيد. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (َ﴾ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ (١) لم نقف عليه عند المصنف، وقد ذكره السهيلي في التعريف والإعلام ص ٩٤ عند قوله تعالى: ﴿وَأَخَلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]، فذكر أن اسمه: عسكر. (٢) في معاني القرآن ٢٢٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٤/٣ . (٣) في النسخ: على البدل، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٢٢٦/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٠٣١٥/٣ (٤) في إعراب القرآن ٣/ ٣١٥، وما قبله منه. (٥) في إعراب القرآن: المخاطب. ١٤٦ سورة الأحزاب: الآية ٣٤ هذه الألفاظُ تعطي أنَّ أهل البيت نساؤه. وقد اختلف أهلُ العلم في أهل البيت؛ مَن هم؟ فقال عطاء وعِكرمةُ وابن عباس: هم زوجاتُه خاصَّةً، لا رجلَ معهنَّ. وذهبوا إلى أنَّ البيت أريدَ به مساكنُ النبيِّ﴾(١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ﴾. وقالت فرقةٌ مِنهُم الكَلْبِيُّ: هم عليٍّ وفاطمةُ والحسنُ والحسين خاصةً، وفي هذا أحاديثُ عن النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام(٢)، واحتجُوا بقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُ﴾ بالميم، ولو كان للنساء خاصةً لكان: عنكنَّ ويطهّر كنَّ. إلَّا أنه يَحتمِلُ أن يكون خَرَجَ على لفظِ الأهل، كما يقولُ الرجلُ لصاحبه: كيف أهلُك؟ أي: امرأتُكَ ونساؤك، فيقول: هم بخيرٍ، قال الله تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَّكَتُمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]. والذي يَظْهَر من الآية أنَّها عامةٌ في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم. وإنَّما قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ لأنَّ رسول اللـهِ ﴾﴿ وعَليًّا وحسَناً وحُسَيْناً كان فيهم، وإذا اجتمع المذكّر والمؤنَّثُ غُلِّبَ المذكَّر، فاقتضت الآيةُ أنَّ الزوجات من أهل البيت؛ لأنَّ الآية فيهنَّ، والمخاطبة لهنَّ، يدلُّ عليه سياقُ الكلام. والله أعلم. أما إنَّ أمَّ سلمةَ قالت: نزلت هذه الآيةُ في بيتي، فدعا رسول الله﴿ عليًّا وفاطمةَ وحَسَنًّا وحُسَيْناً، فدخل (١) المحرر الوجيز ٣٨٤/٤، إلا أن فيه: مقاتل، بدل: عطاء. وأخرجه عن ابن عباس الواحدي في أسباب النزول ص ٣٧٤، وابن عساكر في تاريخه ١٥٠/٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١٩٨/٥ لابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرجه عن عكرمة الطبري ١٩/ ١٠٧ - ١٠٨. (٢) منها حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم (٢٤٢٤) والطبري ١٠٢/١٩، قالت: خرج النبيُّ# غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَخَّل من شعرٍ أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُ تَظْهِيرًا﴾. ومنها حديث سعد بن أبي وقاص ﴾ عند أحمد (١٦٠٨)، ومسلم (٢٤٠٤)، والطبري ١٠٦/١٩. وحديث أبي سعيد الخدري عند الطبري ١٠١/١٩ - ١٠٢ . وحديث أنس ﴾ عند أحمد (١٣٧٢٨)، والطبري ١٠٢/١٩. وحديث واثلة بن الأسقع ﴾ عند أحمد (١٦٩٨٨)، والطبري ١٠٣/١٩ - ١٠٤ . وحديث أم سلمة رضي الله عنها وسيأتي. وقد ذكرها جميعاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية. ١٤٧ سورة الأحزاب: الآية ٣٤ معهم تحت كساءٍ خَيْبَريٍّ وقال: ((هؤلاء أهلُ بيتي)) وقرأ الآيةَ وقال: «اللهمَّ أَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطهِّرهُم تطهيراً)) فقالت أمُّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: ((أنتِ على مكانك وأنتِ على خير)) أخرجه الترمذيُّ وغيره وقال: هذا حديثٌ غريب(١). وقال القُشيريُّ: وقالت أمُّ سلمةَ: أَدْخَلْتُ رأسي في الكساء وقلتُ: أنا منهم يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم))(٢). وقال الثعلبيُّ: [قيل:] هم بنو هاشم، فهذا يدلُّ على أنَّ البيتَ يرادُ به بيت النَّسَب، فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم. وروي نحوُه عن زيد بن أرقم ﴾ أجمعين(٣). وعلى قول الكَلْبِيِّ يكون قولُه: ﴿وَأَذْكُرْنَ﴾ ابتداءَ مُخاطَبةِ (٤) أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ أزواجَ النبيِّ ﴾، على جهة الموعظة وتعديدِ النعمة بِذِكْرِ ما يُتلى في بيوتهنَّ من آيات الله تعالى والحكمة. قال أهلُ العلم بالتأويل: ((آيات الله)): القرآن. ((والحكمة)): السُّنة. والصحيحُ أنَّ قوله: ((واذكُرْنَ)) مَنْسوقٌ على ما قَبْلَه، وقال: ((عنكم))؛ لقوله: ((أهل))، فالأهلُ مذكَّرٌ، فسمَّاهنَّ - وإِنْ كُنَّ إناثاً - باسم التذكير، فلذلك صار: ((عنكم)). ولا اعتبارَ بقول الكلبيِّ وأشباهِه، فإنَّه توجد له أشياءُ في هذا التفسيرِ ما لو كان(٥) في زمن السَّلَف الصالح لَمَنَعوه من ذلك وحَجَروا عليه. فالآياتُ كلُّها من (١) سنن الترمذي (٣٢٠٥) بنحوه، ونقله المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٤/٤ عدا آخره، وهو قوله: ((أنت على مكانك ... )) فهو من سنن الترمذي. ووقع في المحرر بدلاً منه: ((أنت من أزواج النبي، وأنت إلى خير)) وأخرجه بنحوه أحمد (٢٦٥٠٨)، وهو في تفسير الطبري ١٠٤/١٩ - ١٠٥. (٢) أخرج نحو هذه الرواية أحمد (٢٦٥٤٠) و(٢٦٥٥٠)، والبغوي في التفسير ٥٢٩/٣ . (٣) المحرر الوجيز ٣٨٤/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. وحديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم (٢٤٠٨). (٤) في (د) و(م): ابتداء مخاطبة الله تعالى أي مخاطبة، والمثبت من باقي النسخ. (٥) في (ظ): كانت. ١٤٨ سورة الأحزاب: الآية ٣٤ قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَيِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَيْرًا﴾ منسوقٌ بعضُها على بعض، فكيف صار في الوسط كلاماً مُنْفصِلاً لغيرهنَّ! وإنَّما(١) هذا شيءٌ جرى في الأخبار أنَّ النبيِّ عليه الصلاة والسلام لمَّا نزلت عليه هذه الآيةُ دعا عليًّا وفاطمةَ والحسن والحسين، فعمَد النبيُّ ﴾ إلى كساءٍ فلفَّها عليهم، ثم أَلْوَى بيده إلى السماء فقال: (اللّهُمَّ هؤلاء أهلُ بيتي، اللَّهمَّ أَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطَهِّرْهُم تَظْهيراً)). فهذه دعوةٌ من النبيِّ :﴿ لهم بعد نزول الآية، أحبَّ أن يُدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبيُّ ومَن وافقه فصيَّرها لهم خاصَّةً، وهي دعوةٌ لهم خارجةٌ من التنزيل. الثانية: لفظُ الذِّكْر يحتمِلُ ثلاثةَ مَعَانٍ: أحدها: أي: اذْكُرْنَ موضعَ النعمة؛ إذ صيَّركُنَّ الله في بيوتٍ تُتْلِى فيها آياتُ الله والحكمة. الثاني: اذْكُرْنَ آيَاتِ الله، واقْدِرْنَ قَدْرَها، وفكِّرنَ فيها حتى تكون منكنّ على بالٍ لشَّعِظْنَ بمواعظِ الله تعالى، ومَن كان هذا حالُه ينبغي أن تَحْسُنَ أفعالُه. الثالث: ((اذْكُرْنَ)) بمعنى: احْفَظْنَ واقْرَأُنَ وأَلْزِمْنَه الألسنةَ، فكأنه يقول: احفَظْنَ أوامر الله تعالى ونَواهِيَهُ، وذلك هو الذي يُتلى في بيوتكنَّ من آيات الله(٢). فأمر الله سبحانه وتعالى أن يُخْبِرْنَ بما ينزل من القرآن في بيوتهنَّ، وما يَرَيْنَ مِن أفعال النبيِّ عليه الصلاة والسلام ويَسمعنَ من أقواله، حتى يبلِّغنّ ذلك إلى الناس، فيعملوا ويقتدوا. وهذا يدلُّ على جواز قبولِ خبرِ الواحد من الرجال والنساء في الدِّين. الثالثة: قال ابن العربيّ(٣): في هذه الآيةِ مسألةٌ بديعةٌ، وهي أنَّ الله تعالى أمر (١) في (ظ): فكيف صار في الوسط كلام منفصل وإنما ... (٢) المحرر الوجيز ٣٨٥/٤ . (٣) في أحكام القرآن ١٥٢٦/٣، وما قبله منه. ١٤٩ سورة الأحزاب: الآيتان ٣٤ - ٣٥ نبيِّه عليه الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن، وتعليم ما علمه من الدِّين، فكان إذا قرأ على واحدٍ - أو ما اتَّفق - سقط عنه الفرض، وكان على مَن سمعه أن يبلِّغه إلى غيره، ولا يلزمُه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان عليه إذا علَّم ذلك أزواجَه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم: نزل كذا، ولا: كان كذا. ولهذا قلنا: يجوز العملُ بخبرٍ بُسْرةَ في إيجابِ الوضوء مِن مسِّ الذَّكَر (١)؛ لأنَّها رَوَتْ ما سمعتْ، وبلَّغت ما وَعَت. ولا يلزم أن يبلّغ ذلك الرجال، كما قال أبو حنيفة، على أنه قد نُقل عن سعد بن أبي وقّاص وابنٍ عمر (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَاَلْقَلِنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ وَالصَِّينَ وَالصَّمَتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْخَفِظَاتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرً (٣٥) وَالَّكِرَتِّ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا فيه مسألتان: الأولى: روى الترمذيُّ(٣) عن أمِّ عُمَارةَ الأنصاريةِ أنَّها أتت النبيَّ # فقالت: ما أرى كلَّ شيءٍ إلَّا للرجال، وما أرى النساءَ يُذْكَّرنَ بشيء! فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اُلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآيَة. هذا حديثٌ حسنٌ غريب. و((المسلمين)) اسمُ ((إنَّ)). ((والمسلمات)) عطفٌ عليه. ويجوز رَفْعُهنَّ عند البصريين، فأمَّا الفرَّاءُ فلا يجوز عنده إلَّا فيما لا يتبيّن فيه الإعراب (٤). (١) أخرجه أحمد (٢٧٢٩٣)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي في المجتبى ١٠٠/١، وابن ماجه (٤٧٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وبُسْرةُ هي بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية، بنت أخي ورقة بن نوفل، لها سابقة قديمة وهجرة. الإصابة ١٥٨/١٢. (٢) أخرجه عنهما مالك في الموطأ ٤٢/١، وابن المنذر في الأوسط ١٩٤/١. (٣) في سننه (٣٢١١). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣١٥/٣. ١٥٠ سورة الأحزاب: الآية ٣٥ الثانية: بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعمُّ الإيمانَ وعَمَلَ الجوارح، ثم ذكر الإيمانَ تخصيصاً له وتنبيهاً على أنه عُظُمُ الإسلام ودِعامتُه. والقانت: العابِدُ المطيع. والصادق معناه: فيما عوهِدَ عليه أن يفيّ به. والصابرُ: عن الشهوات وعلى الطاعات في المَكْره والمَنْشَط. والخاشعُ: الخائفُ للهِ. والمتصدِّق: بالفرض والنَّفْل. وقيل: بالفرض خاصَّةً، والأوّل أَمْدَحُ. والصائم كذلك(١). ﴿وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْخَفِظَتِ﴾ أي: عمَّا لا يَحِلُّ من الزِّنى وغيره. وفي قوله: ((والحافظات)) حذفٌ يدلُّ عليه المتقدِّم، تقديرُه: والحافِظاتِها، فاكتفى بما تقدَّم. وفي ((الذَّاكرات)) أيضاً مثلُهُ(٢)، ونظيرُه قولُ الشاعر: وكُمْتَاً مُدَقَّاةً كأنَّ مُتونَها جرى فوقها واستشعرتْ لَوْنُ مُذْهَبٍ(٣) وروى سيبويه: (لَوْنَ مُذْهَبٍ)) بالنصب. وإنَّما يجوز الرفع على حذف الهاء، كأنه قال: واستشعرته، فيمَن رَفَع لوناً (٤). والذاكِر قيل: في أدبار الصلوات، وغُدُوًّا وعَشِيًّا، وفي المضاجع، وعند الانتباه من النوم. وقد تقدَّم هذا كلُّه مفضَّلاً في مواضعه، وما يترتَّب عليه من الفوائد (١) المحرر الوجيز ٣٨٥/٤ . (٢) المحرر الوجيز ٣٨٥/٤، وبنحوه في معاني القرآن للزجاج ٢٢٧/٤. (٣) قائله طفيل الغنوي كما في الكتاب ٧٦/١، والإنصاف لأبي البركات الأنباري ٨٨/١ ، والحلل للبطليوسي ص ١٤٦، وهو في معاني القرآن للزجاج ٢٢٧/٤ دون نسبة، وذكره الزمخشري في أساس البلاغة (شعر) برواية: وِراداً مُدمَّاةً وكمتاً كأنما ... والكُمت جمع كُميت، وهو لونٌ بين الحمرة والسواد. والمُذْهَب هنا اسمٌ للذهب، وَصَف خيلاً كُمتاً مُشْرَبَةٌ حُمرةً وهي المدمَّاة، وشبّه ما أُشربت كُمتَتُها من الحمرة بالذهب. ينظر شرح الشواهد للشنتمري ص١٠٠ . وقال البطليوسي: معنى استشعرت: لبسته شعاراً، والشعار: ما ولي الجسد، والدثار فوقه. والمتون: الظهور. قال الزجاج: المعنى: جرى فوقها لونُ مُذهبٍ واستشعرته. (٤) يعني إذا أُعمل فيها الفعل الثاني وهو ((استشعرت)) نُصبت، وهو ما استشهد به سيبويه. وإذا أعمل فيها الفعل الأول وهو ((جرى)) رُفعت. ينظر شرح الشواهد للشنتمري ص ١٠٠ . والكلام من معاني القرآن للنحاس ٣٥٠/٥ . ١٥١ سورة الأحزاب: الآيتان ٣٥ - ٣٦ والأحكام، فأغنى عن الإعادة، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً لله تعالى كثيراً حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً(١). وقال أبو سعيد الخدريُّ ﴾: مَن أَيقظَ أهله بالليل وصلَّيا أربعَ ركعاتٍ، كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُ اْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُمْ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُِّينًا ٣٦) فيه أربع مسائل : الأولى: روى قتادة وابن عباس ومجاهدٌ في سبب نزول هذه الآية: أنَّ رسول اللـه ﴾ خطب زينب بنت جحش، وكانت بنتَ عمَّتِه، فظنَّت أنَّ الخطبة لنفسه، فلمّا تبيَّن أنه يريدها لزيد، كرهت وأَبَتْ وامتنعت، فنزلت الآية. فأذعنت زينبُ حينئذٍ وتزوَّجته(٣). في رواية: فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش، وأنَّ زيداً كان بالأمس عبداً، إلى أن نزلت هذه الآية، فقال له أخوها: مُرْني بما شئتَ فزوَّجها من زید(٤). وقيل: إنَّها نزلت في أمِّ كلثوم بنتِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْط، وكانت وَهَبَتْ نَفْسَها (١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٧/٢ . (٢) أخرجه أبو داود (١٣٠٩). وأخرجه أيضاً أبو داود (١٣٠٩) و(١٤٥١)، والنسائي في الكبرى (١٣١٢) و(١١٣٤٢)، وابن ماجه (١٣٣٥) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعاً. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٨/٤، وأخرج قولهم الطبري ١١٢/١٩ - ١١٣، وأخرجه عن قتادة أيضاً عبد الرزاق ٢/ ١١٧ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٢٧/٣ - ١٥٢٨، وذكر هذه الرواية أيضاً الماوردي في النكت والعيون ٤٠٤/٤، والواحدي في الوسيط ٤٧١/٣، والزمخشري في الكشاف ٢٦١/٣ . ١٥٢ سورة الأحزاب: الآية ٣٦ للنبيِّ *، فزوَّجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها وقالا: إنَّما أَرَدْنا رسولَ الله﴿ فزوَّجَنَا غيره(١)؛ فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد؛ قاله ابن زيد(٢). وقال الحسن: ليس لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا أمر الله عزَّ وجلَّ ورسولُهُ ﴾ بأمرٍ أن يعصياه(٣). الثانية: لفظة: ((ما كان)) و ((ما ينبغي)) ونحوهما، معناها: الحظرُ والمنع. فتجيء لحظْرِ الشيءٍ والحكم بأنه لا يكون، كما في هذه الآية، وربَّما كان امتناع ذلك الشيء عقلاً كقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُنْبِئُواْ شَجَرَمَأْ﴾ [النمل: ٦٠]. وربما كان العلم بامتناعه شرعاً كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّهُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآَمٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. وربَّما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل، ونحو هذا (٤). الثالثة: في هذه الآية دليلٌ بل نصٌّ في أنَّ الكفاءة لا تُعتبر في الأحساب، وإنَّما تُعتبر في الأديان، خلافاً لمالكٍ والشافعيِّ والمغيرة وسُحْنون. وذلك أنَّ المواليّ تزوَّجَتْ في (٥) قريش؛ تزوَّجَ زيدٌ زينب بنتَ جحش. وتزوَّج المقداد بنُ الأسود ضباعةً بنت الزبير. وزوَّج أبو حذيفةَ سالماً من هند بنتِ الوليد بن عُتبة (٦). وتزوَّج بلالٌ أختَ (١) في (د): فزوجها، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المحرر الوجيز والكلام منه. وفي تفسير الطبري: فَزَوَّجَنا عبده. (٢) المحرر الوجيز ٣٨٦/٤. وأخرجه بنحوه الطبري ١١٤/١٩. وأم كلثوم رضي الله عنها كانت ممن أسلم قديماً، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة، تزوجها زيد بن حارثة، ثم الزبير، ثم عبد الرحمن بن عوف، ثم عمرو بن العاص فماتت عنده. الإصابة ٢٧٨/١٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/٣. (٤) المحرر الوجيز ٣٨٥/٤ . (٥) في (د): من. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٢٨/٣، وخبر تزويج أبي حذيفة لسالم مولاه من هند بنت الوليد بن عتبة، وهي بنت أخي أبي حذيفة، أخرجه البخاري (٤٠٠٠) من حديث عائشة رضي الله عنها. ١٥٣ سورة الأحزاب: الآيتان ٣٦ - ٣٧ عبد الرحمن بن عوف(١). وقد تقدَّم هذا المعنى في غير موضع(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قرأ الكوفيون: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ بالياء. وهو اختيارُ أبي عبيد؛ لأنه قد فرقَ بين المؤنَّث وبين فعله. الباقون بالتاء؛ لأنَّ اللفظ مؤنثٌ، فتأنيثُ فِعْلِه حَسَنٌ. والتذكيرُ على أنَّ الخِيَرة بمعنى التخيّر (٣)، فالخِيَرةُ مصدرٌ بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ((الخِيرة)) بإسكان الياء(٤). وهذه الآية في ضِمْنٍ قوله تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَ بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾. ثم توغَّد تعالى وأخبر أنَّ مَن يَعْصِ اللهَ ورسولهَ فقد ضَلّ. وهذا أدلُّ دليلٍ على ما ذهب إليه الجمهورُ من فقهائنا وفقهاءِ أصحاب الإمام الشافعيِّ وبعض الأصوليين؛ من أنَّ صيغةَ ((افْعَلْ)) للوجوب في أَصْلِ وَضْعِها؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى نَفَى خِيَرَةَ المكلَّفِ عند سماع أَمْرِه وأمرِ رسوله ﴿، ثم أَظْلَقَ على مَن بقيتْ له خِيَرةٌ عند صدورٍ الأمر اسمَ المعصية، ثم علَّق على المعصية بذلك الضلالَ، فَلَزِمَ حملُ الأمرِ على الوجوب. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّةٌ فَلَمَا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِينَ حَرَجٌ فِىّ أَزْوَجِ أَدْعِيَآيِهِمْ ٣٧ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فيه تسع مسائل : (١) أخرجه الدارقطني (٣٧٩٧) من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن أمه. وذُكر ليحيى بن معين فأنكره وقال: هذا باطل، ما كانت أخت عبد الرحمن بن عوف قط تحت بلال. تاريخ يحيى بن معين برواية الدوري ٩٣/١. (٢) ينظر :٣/ ٤٥٨ وعند المسألة التاسعة عشرة من تفسير الآيات (٢٢ - ٢٨) من سورة القصص. (٣) في (د) و(م): التخيير، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/٣، والكلام منه. وقرأ: ((تكون)) بالتاء نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان، والباقون من السبعة بالياء. السبعة ص ٥٢٢ ، والتيسير ص ١٧٩ . (٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١١٩ عن عيسى بن سليمان. ١٥٤ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ الأولى: روى الترمذيُّ(١) قال: حدَّثنا عليّ بن حُجْر قال: حدثنا داود بن الزِّبْرِقان، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيِّ، عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها قالت: لو كان رسولُ الله﴾ كاتماً شيئاً من الوَحْي لَكَتَمَ هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني: بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق فأعتَقْتَه: ﴿أَسِْكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُّبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. وإنَّ رسول اللـه ﴾ لمَّا تزوَّجها قالوا: تَزوَّج حَلِيلةَ ابْنِه، فأنزل الله تعالى: ﴿َمَّا كَانَ يُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنُّ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وکان رسولُ الله ﴾ تبنّاه وهو صغيرٌ، فلبث حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿آَدّعُوهُمْ لِأَبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهُّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَّلِيَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فلانٌ مولى فلانٍ، وفلانٌ أخو فلاٍ، هو أقسط عند الله [يعني أعدل]. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ [غريب] قد روي عن داود بن أبي هند، عن الشعبيِّ، عن مسروق، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لو كان النبيُّ # كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾. هذا الحرفُ لم يُرْوَ بطوله. قلت: هذا القَدْرُ هو الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢) وهو الذي صححه الترمذيُّ في ((جامعه))(٣). وفي البخاريِّ عن أنس بن مالك أنَّ هذه الآية: ﴿وَتُخْفِى فِی نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُّبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحشٍ وزيد بن حارثة(٤). وقال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما أنزل الله على رسوله آيةً أشدَّ عليه (١) في سننه (٣٢٠٧)، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) برقم (١٧٧): (٢٨٨)، وهو عند أحمد (٢٦٠٤١). وأخرجه البخاري (٧٤٢٠) من حديث أنس ﴾. (٣) برقم (٣٢٠٨). (٤) صحيح البخاري (٤٧٨٧). ١٥٥ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ من هذه الآية (١). وقال الحسن وعائشةُ: لو كان رسول الله# كاتماً شيئاً من الوحي لكَتَم هذه الآيةَ لشدَّتها عليه(٢). وروي في الخبر: أنه أمسى زيدٌ فأوى إلى فراشه، قالت زينب: ولم يَسْتَطِعْني زيد، وما أمتنع منه غير ما مَنَعَه الله مِنِّي، فلا يقدِرُ عَلَيَّ(٣). هذه روايةُ أبي عِصْمةً نوح ابنِ أبي مريم، رَفَعَ الحديثَ إلى زينب أنَّها قالت ذلك (٤). وفي بعض الروايات: أنَّ زيداً تورَّم ذلك منه حين أراد أن يقربها(٥)، فهذا قريبٌ من ذلك. وجاء زيدٌ إلى رسول الله ﴿ فقال: إنَّ زينب تؤذيني بلسانها وتفعل وتفعل! وإنِي أريد أن أطلِّقها، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية(٦). فطلَّقها زيدٌ، فنزلت: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية. واختلف الناس في تأويل هذه الآية؛ فذهب قتادةُ وابن زيد وجماعةٌ من المفسِّرين - منهم الطبريُّ وغيره - إلى أنَّ النبيَّ ﴾ وقع منه استحسانٌ لزينبَ بنتٍ جحش وهي في ◌ِضْمةِ زيد، وكان حريصاً على أن يطلِّقها زيدٌ فيتزوَّجها هو، ثم إنَّ زيداً لمَّا أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غِلظةً قولٍ وعصيانَ أمرٍ، وأذّى باللسان، (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٠٦/٤ عن عمر﴾، وذكره البغوي ٥٣٢/٣ عن ابن عمر وابن مسعود وعائشة، وأخرجه عن الحسن عبد الرزاق ٢/ ١١٧، والطبري ١١٥/١٩. (٢) أخرجه عن الحسن عبد الرزاق ١١٧/٢، والطبري ١١٥/١٩، وسلف عن عائشة رضي الله عنها. (٣) نوادر الأصول ص ١٨٩. وذكره الآلوسي في روح المعاني ٥/٢٢، مختصراً بلفظ: ما كنت أمتنع منه غير أن الله عز وجل منعني منه. (٤) ونوح ابن أبي مريم قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. (٥) نوادر الأصول ص١٨٩ . (٦) أخرج نحوه البخاري (٧٤٢٠) عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي # يقول: ((اتَّقِ اللهَ وَأَمْسِكْ عليكَ زَوْجَكَ)». ١٥٦ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ وتعظّماً بالشرف، قال له: ((اتَّقِ الله - أي: فيما تقول عنها - وأَمْسِكْ عليك زوجَك)) وهو يخفي الحرصَ على طلاقٍ زيدٍ إِيَّها. وهذا الذي كان يُخفي في نفسه، ولكنه لَزِمَ ما يجبُ من الأمر بالمعروف(١). وقال مقاتل: زوَّج النبيُّ :﴿ زينبَ بنتَ جحش من زيدٍ، فمكثت عنده حيناً، ثم إنَّه عليه الصلاةُ والسلام أتى زيداً يوماً يطلبه، فأَبصر زينبَ قائمةً، وكانت بيضاءَ جميلةً جسيمةً من أتمِّ نساء قريش، فهَوِيَها وقال: ((سبحان الله مقلِّب القلوب))! فسمعت زينبُ بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطِن زيدٌ فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإنَّ فيها كِبْراً، تعظمُ عليَّ وتؤذيني بلسانها، فقال عليه الصلاةُ والسلام: ((أَمْسِكْ عليك زوجَك واتَّقِ الله)). وقيل: إنَّ الله بعث ريحاً فرفعت الستر وزينبُ مُتَفَضِّلةٌ في منزلها، فرأى زينب فوقعت في نفسه، ووقع في نفس زينب أنَّها وقعت في نفس النبيِّ ﴾، وذلك لمَّا جاء يطلب زيداً، فجاء زيدٌ فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيدٍ أن يطلِّقها. وقال ابن عباس: ﴿وَتُخْفِى فِي نَفْسِكَ﴾ الحبَّ لها(٢). ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: تستحييهم. وقيل: تخافُ وتَكْرهُ لائمةَ المسلمين لو قُلْتَ: (١) المحرر الوجيز ٣٨١/٤، وقول الطبري في تفسيره ١١٥/١٩، وأخرج الطبري خبر قتادة وابن زيد ١١٥/١٩ - ٠١١٦ (٢) ذكر خبر ابن عباس الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ١٨٩، وقد ردّ العلماء هذه الأخبار ونزَّهوا النبي ﴿ عما نُسب إليه فيها، فقد قال ابن العربي في أحكام القرآن ١٥٣١/٣: وهذه الروايات كلُّها ساقطةُ الأسانيد، وقولهم: إن النبي # رآها فوقعت في قلبه. باطل. اهـ وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم ها هنا آثاراً عن بعض السلف أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها. ا هـ وردّها أيضاً القاضي عياض في الشفا ٢/ ٤٢٥، وذكر عن القشيري قوله: وهذا إقدامٌ عظيم من قائله، وقلةُ معرفةٍ بحقِّ النبي # وبفضله، وكيف يقال: رآها فأعجبته، وهي ابنة عمته، ولم يزل يراها منذ وُلدت، ولا كان النساء يحتجبن منه #، وهو زوَّجها لزيد. اهـ وقال أبو العباس في المفهم ٤٠٦/١: قد اجترأ بعض المفسرين في تفسير هذه الآية، ونسب إلى رسول الله # ما لا يليق به، ويستحيل عليه؛ إذ قد عصمه الله منه، ونزَّهه عن مثله. وينظر فتح الباري ٥٢٣/٨ . ١٥٧ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ طلِّقها، ويقولون: أَمَرَ رجلاً بطلاقِ امرأته ثم نكحَها حين طلَّقها. ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ أَخْشَنَةٌ﴾ في كلِّ الأحوال. وقيل: واللهُ أحقُّ أن تستحيَ منه، ولا تأمر زيداً بإمساك زوجته بعد أن أَعْلَمَك الله أنها ستكونُ زوجتَك، فعاتَه الله على جميع هذا. وروي عن عليٍّ بن الحسين: أنَّ النبيَّ ﴾ كان قد أَوحَى الله تعالى إليه أنَّ زيداً يطلِّق زينبَ، وأنه يتزوَّجُها بتزويج اللهِ إياها [له]، فلمَّا تشَكَّى زيدٌ للنبيِّ * خُلُقَ زينبَ، وأنَّها لا تُطيعُه، وأَعْلَمَه أنه يريدُ طلاقَها، قال له رسول اللـه ﴾ على جهةٍ الأدبِ والوصيّةِ: ﴿أَتَّقِ اللَّهَ﴾ [أي: ] في قولك: ﴿وأمسك عليك زوجك﴾ وهو يعلمُ أنه سيفارقُها ويتزوَّجُها، وهذا هو الذي أَخْفَى في نفسه، ولم يُرِدْ أن يأمره بالطَّلاقِ لما عَلِمَ أنه سيتزوَّجُها، وخشيَ رسولُ الله ﴾ أن يلحقه قولٌ من الناس في أن يتزوَّج زينبَ بعد زيدٍ، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتَبَه الله تعالى على هذا القَدْرِ من أنْ خَشِيَ الناسَ في شيءٍ قد أباحه الله له، بأنْ قال: ((أَمْسِكْ))، مع عِلْمِه بأنه يطلِّق. وأَعْلَمَه أنَّ الله أحقُّ بالخشية، أي: في كلِّ حال(١). قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهلُ التحقيق من المفسِّرين والعلماءِ الراسخين، كالزُّهريِّ والقاضي بكر بن العلاء القشيريٌّ(٢)، والقاضي أبي بكر بن العربيّ(٣) وغيرهم. والمرادُ بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنَّما هو: إرجافُ المنافقين بأنه نَهَى عن تزويج نساءِ الأبناءِ وتَزوَّجَ بزوجةِ ابنِه. فأمَّا ما روي أنَّ النبيَّ :﴿ هَوِيَ زينب امرأةً زيد - وربَّما أَظْلَقَ بعضُ المُجَّان لفظَ عَشِق - فهذا إنَّما يَصْدُرُ عن جاهلٍ بعصمةِ النبيِّ :﴿ عن مِثْلِ هذا، أو (١) المحرر الوجيز ٣٨٦/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. وأخرج خبر علي بن الحسين الطبري ١١٦/١٩ - ١١٧، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية، والبيهقي في الدلائل ٤٦٦/٣ . وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن السدي، كما ذكر ابن كثير، وذكره أيضاً الحافظ في الفتح ٥/ ٥٢٣ . (٢) المفهم ٤٠٦/١، وبكر بن العلاء القشيري هو بكر بن محمد بن العلاء، أبو الفضل البصري المالكي، صنف التصانيف في المذهب، وسكن مصر، وتوفي فيها سنة (٣٤٤هـ). السير ١٥/ ٥٣٧. (٣) في أحكام القرآن ١٥٣١/٣. ١٥٨ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ مُسْتَخِفٍّ بِحُرْمَتِهِ (١). قال الترمذيُّ الحكيمُ في ((نوادر الأصول))(٢) - وأَسند إلى عليّ بن الحسين قولَه -: فعليّ بنُ الحسين جاء بهذا من خزانةِ العلمِ جَوْهراً من الجواهر، ودُرًّا من الدُّرَر، أنَّه إنَّما عَتَب اللـه عليه في أنَّه قد أَعْلَمَه أنْ ستكونُ هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيدٍ: ((أَمْسِكْ عليكَ زَوجك)) وَأَخَذَتْهُ(٣) خشيةُ الناسِ أن يقولوا: تَزَوَّجَ امرأة ابنه، والله أحقُّ أن تخشاه. وقال النخَّاس(٤): قال بعض العلماء: ليس هذا من النبيِّ ﴾ خطيئةً؛ أَلا ترى أنَّه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه. وقد يكون الشيءُ ليس بخطيئةٍ إلَّا أنَّ غيره أَحْسَنُ منه، وأَخفى ذلك في نفسه خشيةَ أن يُفْتَن الناس. الثانية: قال ابن العربيَّ(٥): فإن قيل: لأيِّ معنَى قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أخبره الله أنَّها زوجُه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعْلِمْه الله به؛ من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيدٌ من النُّفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن عَلِمَه منه في أمرها. فإن قيل: كيف يأمره بالتمسُّك بها وقد عَلِم أنَّ الفراق لا بدَّ منه؟ وهذا تَنَاقُض. قلنا: بل هو صحيحٌ؛ للمقاصد الصحيحة، كإقامةٍ (٦) الحجةِ ومعرفةِ العاقبة، أَلا ترى أنَّ الله تعالى يأمر العبدَ بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفةٍ مُتَعَلَّقِ الأمرِ المتعلَّقِ(٧) العلم ما يَمنعُ من الأمر به عقلاً وحُكْماً. وهذا من نفيس العلم فتيقَّنوه وتقبلوه. (١) المفهم ٤٠٦/١ . (٢) ص ١٨٩ . (٣) في النسخ عدا (ظ): وأخذتك، والمثبت من (ظ). (٤) في إعراب القرآن ٣١٦/٣. (٥) في أحكام القرآن ١٥٣٢/٣. (٦) في (م) وأحكام القرآن: لإقامة. (٧) في النسخ الخطية: بمتعلق، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. ١٥٩ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ وقوله: ((واتَّقِ الله)) أي: في طلاقها، فلا تطلّقها. وأراد نهيَ تنزيهِ لا نهيَ تحريم؛ لأنَّ الأَوْلَى ألَّا يطلِّق. وقيل: ((اتَّقِ اللهَ)) فلا تَذُمَّها بالنسبة إلى الكِبْر وأذى الزوج. (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ)) قيل: تعلُّقَ قلبه. وقيل: مفارقةَ زيدٍ إياها. وقيل: عِلمَه بأنَّ زيداً سيطلِّقها؛ لأنَّ الله قد أعلمه بذلك. الثالثة: رُويَ عن النبيِّ ◌َ﴾ أنه قال لزيد: «ما أَجِدُ في نفسي أَوْثَقَ منكَ، فاخْطُبْ زينبَ عَلَيَّ)) قال: فذهبتُ وولَّيتها ظهري توقيراً للنبيِّ ◌َ﴾، وخطبتُها، ففرحَتْ وقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أُوامِرَ ربِّي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، فتزوَّجها النبيُّ # ودخل بها(١). قلت: معنى هذا الحديثِ ثابتٌ في الصحيح. وتَرْجَم له النَّسائيُّ: صلاةُ المرأةِ إذا خُطِبَتْ واستخارتُها ربَّها(٢). روى الأئمةُ - واللفظُ لمسلم - عن أنس قال: لمَّا انقضتْ عِدَّةُ زينبَ قال رسول الله ﴿ لزيد: ((فَاذْكُرْها عَلَيَّ)) قال: فانطلق زيدٌ حتى أتاها وهي تُخَمِّر عجينها. قال: فلمَّا رأيتُها عَظُمتْ في صدري حتى ما أستطيع أن أنظرَ إليها أنَّ رسول الله ﴿ ذَكَرها، فولَّيتُها ظهري ونَكَضْتُ على عَقبي، فقلتُ: يا زينب، أُرسل رسولُ اللـه * يَذْكُرك. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أُوامِرَ ربِّي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن. وجاء رسول اللـه # فدخل عليها بغير إذن. قال: فقال: ولقد رأيتُنا أنَّ رسول الله﴾ أطعمنا الخبزَ واللحم حين امتدَّ النهار، الحديثَ(٣). في رواية ((حتى تركوه))(٤). وفي روايةٍ عن أنس أيضاً قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﴿ أَوْلَمَ على (١) المحرر الوجيز ٣٨٧/٤، وأخرجه مطولاً ابن سعد ١٠٤/٨ عن أنس ﴾، وهو في الصحيح - على ما يأتي - دون قوله: ما أجد في نفسي ... الخ. (٢) المجتبى ٧٩/٦ . (٣) صحيح مسلم (١٤٢٨): (٨٩)، وهو عند أحمد (١٣٠٢٥). قوله: فلما رأيتها عظمت ... ، قال النووي في شرح صحيح مسلم ٣٢٨/٩: معناه أنه هابها واستجلَّها من أجل إرادة النبيِّ ﴿ تَزَوُّجَها، فعاملها معاملةَ مَن تَزَوَّجها # في الإعظام والإجلال والمهابة. (٤) صحيح مسلم (١٤٢٨): (٩١) بلفظ: أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه. قال النووي: يعني حتى شبعوا وتر کوه لشبعهم. ١٦٠ سورة الأحزاب: الآية ٣٧ امرأةٍ [من نسائه] ما أوْلَمَ على زينب، فإنَّه ذَبَحَ شاةٍ(١). قال علماؤنا: فقولُه عليه الصلاةُ والسلام لزيد: ((فاذْكُرها عَلَيَّ)) أي: اخطُبْها، كما بيَّنه الحديثُ الأول. وهذا امتحانٌ لزيدٍ واختبارٌ له، حتى يَظْهَرَ صَبْرُه وانقيادهُ وطوعُه(٢). قلت: وقد يُستنبَطُ من هذا: أن يقول الإنسان لصاحبه: اخطبْ عليَّ فلانة، الزوجِه المطلَّقةِ منه، ولا حَرَجَ في ذلك. والله أعلم. الرابعة: لمَّا وَكَلَتْ أمرَها إلى الله وصحَّ تفويضُها إليه؛ تولَّى اللهُ إنكاحَها؛ ولذلك قال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَحْنَكَهَا﴾. وروى الإمام جعفر بنُ محمد عن آبائه عن النبيِّ ﴾: ((وَظَراً زَوَّجْتُكَها))(٣). ولمَّا أَعْلَمه الله بذلك دخل عليها بغير إذنٍ، ولا تجديدِ عقدٍ، ولا تقريرٍ صَداقٍ، ولا شيء ممَّا يكون شرطاً في حقوقنا ومشروعاً لنا. وهذا من خُصوصيَّاته# التي لا يُشاركه فيها أحدٌ بإجماعٍ من المسلمين(٤). ولهذا كانت زينب تُفاخِرُ نساءَ النبيِّ ﴾ وتقول: زَوَّجَكُنَّ آباؤكنَّ وزوَّجني الله تعالى. أخرجه النَّسائيُّ عن أنس بن مالك قال: كانت زينبُ تَفْخَر على نساء النبيِّ # تقول: إنَّ الله عزَّ وجلَّ أَنْكَحَني من السماء. وفيها نزلت آيةُ الحجاب(٥). وسيأتي(٦). الخامسة: المُنْعَمُ عليه في هذه الآيةِ هو زيدُ بنُ حارثة، كما بيَّنَّاه؛ وقد تقدَّم خبرُه في أول السورة(٧). ورُويَ أنَّ عمَّه لقيَه يوماً وكان قد ورد مكةَ في شغلٍ له، فقال: ما (١) صحيح مسلم (١٤٢٨): (٩٠)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (١٣٣٧٨)، والبخاري (٥١٦٨). (٢) المفهم ١٤٦/٤ . (٣) المحرر الوجيز ٢٨٧/٤، والكشاف ٢٦٣/٣، والقراءة شاذة . (٤) المفهم ٤ / ١٤٧ . (٥) سنن النسائي (المجتبى) ٦/ ٨٠، وهو عند أحمد (١٣٣٦١)، والبخاري (٧٤٢١). (٦) ص٢٠٢ من هذا الجزء. (٧) ص٥٥ من هذا الجزء.