النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الأحزاب: الآيات ١٥ - ١٧
قال مقاتل والكَلْبيُّ: هم سبعون رجلاً بايعوا النبيَّ:﴿ ليلةَ العقبة وقالوا: اشْتَرِظ
لنفسك ولربِّك ما شئت. فقال: «أَشْتَرطُ لربِّي أن تعبدوه ولا تُشْرِكوا به شيئاً، وأَشْتَرِطُ
لنفسي أن تَمنعوني مما تمنعون منه نساءَكم وأموالكم وأولادكم)) فقالوا: فما لنا إذا
فَعَلْنا ذلك يا نبيَّ الله؟ قال: ((لكم النَّصْرُ في الدُّنيا، والجنةُ في الآخرة))، فذلك قوله
تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: إنَّ الله لَيَسألُهم عنه يومَ القيامة(١).
قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرَّتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا
تُمَنَعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَرُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ أي: مَن حَضَر
أجلُه مات أو قُتل، فلا ينفع الفِرار. ﴿وَإِذَا لَا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: في الدنيا بعد
الفِرار إلى أن تنقضي آجالُكم، وكلُّ ما هو آتٍ فقريبٌ.
وروى السَّاجيُّ عن يعقوبَ الحضرميِّ: ((وإذاً لايُمثَّعون)) بياء(٢). وفي بعض
الروايات: ((وإذاً لا تُمتَّعوا)) نصبٌ بـ ((إذا)). والرفعُ بمعنى: ولا تمتَّعون، و((إذا)) ملغاةٌ،
ويجوز إعمالُها. فهذا حُكْمُها إذا كان قبلها الواوُ أو الفاء. فإذا كانت مبتدَأةً نَصَبْتَ بها
فقلت: إذاً أُكْرِمَكَ(٣).
قوله تعالى: ﴿قُلّ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ
رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾
قوله تعالى: ﴿قُلَّ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه ﴿إِنْ أَرَدَ بِكُمْ
(١) تفسير البغوي ٣/ ٥١٧. قال البغوي: وهذا القول ليس بمَرْضيٍّ؛ لأن الذين بايعوا النبي # ليلة العقبة
كانوا سبعين نفراً، لم يكن فيهم شاّ ولا مَن يقول هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن
يقاتلوا ولا يَفرُّوا فنقضوا العهد.
(٢) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٤/٤ دون نسبة.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٧/٣.

١٠٢
سورة الأحزاب: الآيتان ١٧ - ١٨
سُوءًا﴾ أي: هلاكاً. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُتْ رَحْمَةٌ﴾ أي: خيراً ونصراً وعافيةً. ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُم ◌ِّن
دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا قريباً ينفعهم ولا ناصِراً ينصُرهم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِِّينَ مِنْكُ وَالْقَآَيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ
اٌلْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّينَ مِنْهُ﴾ أي: المُعْتَرِضين(١) منكم لأنْ يَصُدُّوا
الناسَ عن النبيِّ#، وهو مُشْتَقٌّ من: عاقني عن كذا، أي: صَرَفني عنه. وعوَّق، على
التكثير ﴿وَالْقَيِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ على لغةِ أهلِ الحجاز. وغيرُهم يقولون: ((هَلُمُّوا))
للجماعة، وهَلُمِّي للمرأة؛ لأنَّ الأصل: ((ها)) التي للتنبيه؛ ضُمَّتْ إليها (لُمَّ))، ثم
حُذفت الألف استخفافاً وبُنيتْ على الفتح. ولم يَجُز فيها الكسرُ ولا الضمُّ لأنَّها لا
تنصرف. ومعنى ((هَلُمّ)): أَقْبِلْ(٢).
وهؤلاء طائفتان، أي: منكم مَن يُثَبِّطُ ويُعَوِّق. والعَوْقُ: المنعُ والصَّرْفُ؛ يقال:
عاقَه يَعوقُه عَوْقاً، وعوَّقه واعتاقه بمعنى واحد(٣). قال مقاتل: هم عبد الله بن أُبَيِّ
وأصحابُه المنافقون.
﴿وَلْقَآَيِلِنَ لِإِخْوَِهِمْ هَلُمَّ﴾ فيهم ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنهم المنافقون؛ قالوا
للمسلمين: ما محمدٌ وأصحابه إلا أَكَلةُ رأس، وهو هالكٌ ومَن معه، فهلمَّ إلينا (٤).
الثاني: أنَّهم اليهود من بني قريظة؛ قالوا لإخوانهم من المنافقين: هلمَّ إلينا،
أي: تعالَوْا إلينا وفارِقوا محمداً فإنه هالك، وإنَّ أبا سفيان إن ظَفِر لم يُبق منكم أحداً.
(١) في إعراب القرآن للنحاس: المتعرضين.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٨/٣، وينظر تفصيل الكلام على ((هلم)) في مشكل إعراب القرآن ٥٧٥/٢ .
(٣) الصحاح (عوق).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٤/٢، والطبري ١٩/ ٥٠ عن قتادة. قوله: أكلة رأس، أي: قليل
يشبعهم رأس واحد. اللسان (أكل).

١٠٣
سورة الأحزاب: الآيتان ١٨ - ١٩
الثالث: ما حكاه ابن زيد: أنَّ رجلاً من أصحاب النبيِّ# [انصرف مِن عندِه يومَ
الأحزاب، فوجد أخاه بين يديه شواءٌ ورغيفٌ، فقال: أنت هكذا ورسول الله ﴿]
بين(١) الرماح والسيوف! فقال أخوه - وكان من أمِّه وأبيه -: هلمَّ إليَّ، قد تُبع بك
وبصاحبك، أي: قد أُحيط بك وبصاحبك. فقال له: كذبتَ، والله لأخبرنَّه بأمرك.
وذهب إلى رسول اللـه* ليُخْبِرَه، فوجده قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله
تعالى: ﴿قَدّ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَآَيِنَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾. ذكره الما وَرْدِي(٢)،
والثعلبيُّ - أيضاً ولفظُه: قال ابن زيد: هذا يومَ الأحزاب؛ انطلقَ رجلٌ مِن عندٍ
النبيِّ #، فوجد أخاه بين يديه رغيفٌ وشِواءٌ ونبيذ، فقال له: أنت في هذا ونحن بين
الرماح والسيوف؟! فقال: هَلُمَّ إلى هذا، فقد تُبع لك ولأصحابك، والذي تحلف به
لا يستقلُّ بها محمد أبداً. فقال: كذبتَ. فذهب إلى النبيِّ ﴾ یخبرُه، فوجده قد نزل
عليه جبريل بهذه الآية.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَّأْسَ إِلَّ قَلِيلًا﴾ خوفاً من الموت. وقيل: لا يحضرون القتالَ إلَّا رِياءً
وسُمْعة.
قوله تعالى: ﴿أَشِخَةَ عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ اٌلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةٌ عَلَى
اُلْخَيْرَ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِبْرًا (١)
قوله تعالى: ﴿أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي: بخلاءَ عليكم، أي: بالحفر في الخندق
والنَّفقةِ في سبيل الله؛ قاله مجاهد وقتادة. وقيل: بالقتال معكم. وقيل: بالنفقة على
فقرائكم ومساكينكم. وقيل: أشِحَّةً بالغنائم إذا أصابوها؛ قاله السُّدِّي(٣).
(١) في (ظ): كان بين.
(٢) في النكت والعيون ٣٨٤/٤ - ٣٨٥، وما سلف بين حاصرتين منه. وأخرجه بنحوه الطبري ١٩/ ٥١،
وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ١٨٨/٥ .
(٣) النكت والعيون ٣٨٥/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ١٨٩/٥ . قال ابن عطية =

١٠٤
سورة الأحزاب: الآية ١٩
وانتصب على الحال؛ قال الزَّجَّاج(١). ونَصْبُه عند الفرَّاء من أربع جهات:
إحداها: أن يكون على الذمِّ؛ ويجوز أن يكون عنده نصباً بمعنى: يعوِّقون أشحةً.
ويجوز أن يكون التقدير: والقائلين أشحةً. ويجوز عنده: ((ولا يأتون البأسَ إلَّا قليلاً))
يأتونه أشحةً، أي: أشحةً على الفقراء بالغنيمة جبناءً. النحاس (٢): ولا يجوز أن يكون
العاملُ فيه ((المعوِّقين)) ولا ((القائلين))؛ لئلا يفرَّق بين الصلة والموصول(٣).
ابن الأنباريّ(٤): ((إِلَّا قليلاً)) غير تامٌّ؛ لأنَّ ((أَشِخَةً)) متعلِّقٌ بالأول، فهو ينتصب
من أربعة أوجهٍ: أحدُها: أن تنصبه على القَطْع من ((المعوِّقين)) كأنه قال: قد يَعلمُ الله
الذي يعوِّقون عن القتال ويَشِخُون عن الإنفاق على فقراء المسلمين. ويجوز أن يكون
منصوباً على القطع من ((القائلين))، أي: وهم أشحةً. ويجوز أن تنصبه على القطع ممَّا
في ((يأتون))، كأنه قال: ولا يأتون البأس إلَّا جبناء بخلاء. ويجوز أن تنصب ((أشحةً))
على الذمِّ. فمِن هذا الوجهِ الرابع يَحْسُن أن تقف على قوله: ((إلَّا قليلاً)). ﴿أَشِحَّةً
عَلَيْكُمْ﴾ وقفٌ حَسَنٌ. ومثلُه: ﴿أَشِخَةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ حالٌ من المضمَر في ((سَلَقُوكُمْ)) وهو
العاملُ فيه.
﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ وَصَفَهم
بالجبن، وكذا سبيلُ الجبان ينظرُ يميناً وشمالاً محدِّداً بصرَه، وربَّما غُشي عليه. وفي
= في المحرر الوجيز ٣٧٥/٤: والصواب تعميم الشح أن يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة.
(١) كذا في النسخ. وفي مطبوع إعراب القرآن للنحاس ٣٠٨/٣ (والكلام منه): قال أبو إسحاق. (وهو
الزجاج). ولعل الصواب: قاله؛ بدل: قال. فقوله: ((انتصب على الحال)) عند الزجاج في معانيه
٢٢٠/٤، والكلام بعده ليس فيه، إنما هو عند النحاس في الإعراب.
(٢) في إعراب القرآن ٣٠٨/٣. وما قبله منه، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٨/٢.
(٣) يعني: لأنه يكون داخلاً في صلة الألف واللام، وقد فرِّق بينهما بقوله: ((ولا يأتون البأس إلا قليلاً))
وهو غير داخل في الصلة. مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٧٤ . قال الآلوسي في روح المعاني ١٦٥/٢١ :
وتُعقّب: بأن الفاصل من متعلَّقات الصلة، وإنما يظهر الرد على كونه حالاً من ((المعوِّقين))؛ لأنه قد
عُطف على الموصول قبل تمام صلته.
.(٤) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٤١ - ٨٤٢ .

١٠٥
سورة الأحزاب: الآية ١٩
((الخَوْف)) وجهان: أحدهما: من قتال العدوِّ إذا أَقْبلَ؛ قاله السِّدي. الثاني: الخوفُ
من النبيِّ# إذا غَلَب؛ قاله ابن شجرة. ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ خوفاً من القتال على
القول الأول. ومن النبيِّي# على الثاني. ﴿تَدُورُ أَعْيُنْهُمْ﴾ لذهابِ عقولهم حتى لا يصحُ
منهم النظر إلى جهة. وقيل: لشدَّة خوفهم حذاراً أن يأتيهم القتلُ من كلِّ جهة (١).
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْقُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِّنَةٍ حِدَاٍ﴾ وحكى الغرّاء: ((صَلَقوكم)) بالصَّاد.
وخطيبٌ مِسْلاق ومِصْلاق: إذا كان بليغاً(٢). وأصلُ الصَّلقْ: الصوت، ومنه قولُ
النبيِّ ﴿: (لَعَنَ اللهُ الصَّالِقةَ والحالِقةَ والشَّاقَّةَ))(٣). قال الأعشى:
دَةُ فيهم والخاطبُ السَّلَّاقُ(٤)
فيهم المجدُ والسّماحةُ والنّجْـ
قال قتادةُ: ومعناه: بَسَطوا ألسنتَهم فيكم في وقتٍ قسمةِ الغنيمة، يقولون: أَعْطِنا
أَعْطِنا، فإنَّا قد شَهِدْنا معكم، فعند الغنيمة أشَخُ قومٍ وأبسطُهم لساناً، ووقتَ البأس
أَْبَنُ قومٍ وأَخوَفُهم(٥). قال النحاس: هذا قولٌ حسن؛ لأنَّ بعده ((أَشِحَّةً عَلَى
الْخَيْرِ))(٦). وقيل: المعنى: بالغوا في مُخاصمتكم والاحتجاجِ عليكم. وقال
القتبيُّ(٧): المعنى: آذَوْكم بالكلام الشديد، والسَّلْق: الأذى، ومنه قول الشاعر:
(١) النكت والعيون ٣٨٥/٤ .
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٣٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٣، وقال
الفراء: ولا يجوز ((صلقوكم)) في القراءة.
(٣) أخرجه الطرسوسي في مسند عبد الله رضي الله عنهما (٢٠) دون قوله: والشاقة، وفي إسناده عفير بن
معدان، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب، وله شاهد عند البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤)
عن أبي موسى الأشعري ﴾ قال: أنا بريءٌ مما برئ منه رسول اللـه #؛ فإن رسول الله # برئَ من
الصالقة والحالقة والشاقة. الصالقة: هي التي ترفع صوتها بالندب والنياحة. والحالقة: هي التي تحلق
رأسها عند المصيبة. والشاقة: التي تشق ثوبها. الترغيب والترهيب ٢٥٤/٤ .
(٤) الصحاح (سلق)، وهو في مجاز القرآن ١٣٥/٢ برواية: المِسْلَاقُ، وفي الديوان ص ٢٦٥ : المِصْلاقُ.
(٥) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٤ .
(٦) في النسخ: أشحة عليكم، والمثبت من معاني القرآن للنحاس ٣٣٦/٥، وهو الصواب.
(٧) في تفسير غريب القرآن ص٣٤٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣٨٦/٤.

١٠٦
سورة الأحزاب: الآيتان ١٩ - ٢٠
بنَواهِلٍ حتى انحنينا (١)
ولقد سَلَقْنَ هوازناً
﴿أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: على الغنيمة؛ قاله يحيى بن سلام. وقيل: على المال أن
ينفقوه في سبيل الله؛ قاله السدِّي(٢).
﴿أُوْلَيْكَ لَّمَّ يُؤْمِنُواْ﴾ يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرُهم الإيمان؛ والمنافق كافرٌ على
الحقيقة؛ وَصَفَهم(٣) الله عزَّ وجلَّ بالكفر.
﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: لم يُثِبْهم عليها؛ إذ لم يقصدوا وجهَ الله تعالى بها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَبِيًّا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وكان نفاقُهم على الله
هيّناً. الثاني: وكان إحباطُ عملِهم على الله هيِّناً(٤).
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن بَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ
فِي الْأَعْرَادِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُ مَّا قَلِئَلُواْ إِلَّا قَلِلًا (٣٥)﴾
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي: لجُبنهم يظنُّون الأحزاب لم
ينصرفوا وكانوا انصرفوا، ولكنَّهم لم يتباعَدوا في السير ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ أي:
وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال ﴿يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ﴾ تمنَّوْا أن
يكونوا مع الأعراب، حَذَراً من القتل وتَرَبُّصاً للدَّوائر.
وقرأ طلحةُ بن مُصَرِّف: ((لو أنهم بُدَّى في الأعراب))؛ يقال: بادٍ وبُدَّى، مثل غازٍ
وغُزَّى. ويُمَدّ مثل: صائم وصُؤَّام(٥). بدا فلان يبدو: إذا خرج إلى البادية. وهي
(١) قائله عبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص ١٤٢، ومنتهى الطلب في أشعار العرب ٢/ ١٦٧ ،
ومختارات ابن الشجري ٣٩/٢، وهو عندهم برواية: صَلَقْن ... حتى ارتوينا، وهو برواية المصنف في
النكت والعيون ٣٨٦/٤ .
(٢) النكت والعيون ٣٨٦/٤ .
(٣) في النسخ: لوصفهم، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٣ والكلام منه.
(٤) النكت والعيون ٣٨٧/٤ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٣، والقراءة عن طلحة بن مصرف في القراءات الشاذة ص١١٩ ،
٠١٠٠
وذكرها ابن جني في المحتسب ١٧٧/٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

١٠٧
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٠ - ٢١
البداوة والبداوة، بالكسر والفتح. وأصلُ الكلمة من البَدْو، وهو الظُّهور.
﴿يَسْئَلُونَ﴾ وقرأ يعقوب في رواية رُوَيس: ﴿يسَّاءلون(١) عن أنبائكم﴾ أي:
عن أخبار النبيِّ #؛ يتحدَّثون: أمَا هَلَكَ محمدٌ وأصحابُه! أمَا غلبَ أبو سفيان
وأحزابُه! أي: يودُّوا لو أنَّهم بادون سائلون عن أنبائكم من غير مشاهدةِ القتال لفَرْطِ
جُبْنِهم. وقيل: أي: هم أبداً لجبنهم يسألون عن أخبار المؤمنين، وهل أصيبوا.
وقيل: كان منهم في أطراف المدينة مَن لم يحضر الخندق، جعلوا يسألون عن
أخباركم ويتمنَّوْن هزيمةَ المسلمين. ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِكُمْ مَا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: رمياً
بالنّبل والحجارةِ على طريق الرياء والسمعة، ولو كان ذلك للهِ لكان قليلُه كثيراً.
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ
وَأْيَوْمَ اْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
(٢١)
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ هذا عتابٌ
للمتخلِّفين عن القتال، أي: كان لكم قدوةٌ في النبيِّ # حيث بذل نفسَه لنُصْرةِ دینِ
الله في خروجه إلى الخندق. والأُسوةُ: القُدوة. وقرأ عاصم: ((أُسوة)) بضمِّ الهمزة.
الباقون بالكسر (٢)، وهما لغتان. والجمعُ فيها واحدٌ عند الفرَّاء؛ والعلَّةُ عنده في الضمِّ
على لغة مَن كَسَرَ في الواحدة: الفرقُ بين ذوات الواو وذوات الياء؛ فيقولون: كِسْوة
وكُساً، ولِحية ولِحّى(٣).
الجوهريُّ(٤): والأُسوةُ والإسوةُ؛ بالضمِّ والكسر لغتان. والجمع أُسَى وإسَى.
(١) في النسخ: يتساءلون، والمثبت من النشر ٣٤٨/٢ . قال ابن الجزري: بتشديد السين وفتحها وألف
بعدها.
(٢) السبعة ص ٥٢٠ - ٥٢١، والتيسير ص١٧٨ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٣.
(٤) في الصحاح (أسا).

١٠٨
سورة الأحزاب: الآية ٢١
وروى عقبة بن حسان الهَجَريُّ عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُشْرَةُ حَسَنَّةٌ﴾ قال: في جوع النبيِّ﴾. ذكره الخطيبُ أبو
بكرٍ أحمدُ وقال: تفرَّد به عقبة بنُ حسان عن مالك، ولم أَكْتُبُه إلَّا بهذا الإسناد(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أُشْرَّةُ﴾ الأُسوة: القُدوة. والأسوة ما يُتَأْسَّى به، أي:
يُتُعزَّى به. فيقتدَى به في جميع أفعاله، ويُتُعزَّى به في جميع أحواله. فلقد شُجَّ وجهُه،
وكُسرت رَبَاعِيتُه، وقُتل عمُّه حمزةُ، وجاع بطنُه، ولم يُلْفَ إلَّا صابراً محتسِباً،
وشاكراً راضياً. وعن أنس بن مالك، عن أبي طلحةً قال: شَكَوْنا إلى رسول الله ﴾
الجوعَ، وَرَفَعْنا [عن بطوننا] عن حَجَرٍ حجرٍ، فرفع رسول الله ﴿ عن حجرين. خرَّجه
أبو عيسى الترمذيُّ وقال فيه: حديثٌ غريبٌ(٢). وقال:﴿ لمَّا شُجَّ: ((اللهمَّ اغفِرْ لقومي
فإِنَّهِم لا يَعْلَمون)) وقد تقدَّم(٣).
﴿لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ قال سعيد بن جبير: المعنى: لِمَن كان يرجو
لقاءَ الله بإيمانه، ويصدِّق بالبعث الذي فيه جزاءُ الأفعال. وقيل: أي: لِمَن كان يرجو
ثوابَ الله في اليوم الآخر(٤).
ولا يجوز عند الحُذَّاقِ من النَّخويين أن يُكتب ((يرجو)) إلَّا بغير ألفٍ إذا كان
لواحدٍ؛ لأنَّ العلّة التي في الجمع ليست في الواحد (٥).
﴿وَذَّكَرَ اَللَّهَ كَثِيرًا﴾ خوفاً من عقابه، ورجاءً لثوابه. وقيل: إنَّ ((لِمَنْ)) بدلٌ من قوله:
(١) ذكر الحديث مع قول الخطيب ابن حجر في اللسان ٥/ ١٨١ وقال: أخرجه الخطيب في الرواة عن
مالك، وذكره أيضاً عن الدارقطني في غرائب مالك وقال: قال الدارقطني بعد تخريجه: هذا حديث
باطل وإسناده مجهول. اهـ. وقد أخرجه أيضاً ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٢٨/٤ .
(٢) سنن الترمذي (٢٣٧١)، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) ٣٩٩/١٠.
(٤) النكت والعيون ٣٨٨/٤ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٣، والكلام أعلاه يعني في اللغة، أما في المصحف؛ فإن رسم ((يرجو))
بألف بعد الواو. ينظر المقنع لأبي عمرو الداني ص٢٦-٢٧ .
:

١٠٩
سورة الأحزاب: الآيتان ٢١ - ٢٢
(لَكُمْ))، ولا يُجيزه البَصْريون؛ لأنَّ الغائب لا يُبْدَلُ من المخاطَب، وإنَّما اللامُ من
(لِمَن)) متعلّقةٌ بـ ((حسنة))، و((أُسْوة)) اسمُ ((كان)) و((لكم)) الخبر(١).
واختُلِفَ فيمَن أُرِيدَ بهذا الخطاب على قولين: أحدهما: المنافقون؛ عطفاً على
ما تقدَّم من خطابهم. الثاني: المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾(٢).
واختلف في هذه الأُسوةِ بالرسول عليه الصلاةُ والسلام؛ هل هي على الإيجاب
أو على الاستحباب؟ على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليلٌ على
الاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليلٌ على الإيجاب. ويَحتِمِلُ أن
يُحمل على الإيجاب في أمور الدِّين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ
اللَّهُ وَرَسُولٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا
٢٢٢
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ ومن العرب مَن يقول: ((راءَ)) على
القلب(٤). ﴿قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اَللَّهُ﴾ يريد قولَه تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، فلمَّا رأوا
الأحزاب يومَ الخندق قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ؛ قاله قتادة(٥).
وقولٌ ثانٍ رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزنيُّ، عن أبيه، عن جدِّه قال: خَطَب
رسول الله ﴿ عامَ ذكرت الأحزاب فقال: ((أخبرني جبريلُ عليه السلام أنَّ أمَّتي ظاهرةٌ
عليها - يعني على قصور الجِيرةٍ ومدائنٍ كسرى - فأَبشروا بالنصر)). فاستبشر
(١) بنحوه في الإملاء للعكبري ٤/ ١٩٢.
(٢) النكت والعيون ٣٨٨/٤ .
(٣) المصدر السابق.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣١٠ .
(٥) أخرجه مطولاً الطبري ٦٠/١٩ - ٦١، ونقله المصنف عن النكت والعيون ٣٨٨/٤.

١١٠
سورة الأحزاب: الآية ٢٢
المسلمون وقالوا: الحمدُ لله، موعد صادق؛ إذ وُعدنا بالنَّصْر بعد الحَصْر. فطَلَعت
الأحزاب فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ذكره الما ورديُّ(١).
و ((ما وَعَدَنا))؛ إن جعلتَ ((ما)) بمعنى الذي؛ فالهاءُ محذوفةٌ، وإن جعلتها مصدراً
لم تَحْتَجْ إِلى عائدٍ. ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِبَنَا وَتَّسْلِيمًا﴾ قال الفرَّاءِ(٢): وما زادهم النظرُ
إلى الأحزاب. وقال علي بن سليمان: ((رأى)) يدلُّ على الرؤية، وتأنيثُ الرؤية غيرُ
حقيقيّ، والمعنى: ما زادهم الرؤيةُ إلَّا إيماناً بالربِّ وتسليماً للقضاء ؛ قاله
الحسن(٣). ولو قال: ما زادوهم لجاز.
ولمَّا اشتدَّ الأمرُ على المسلمين، وطال المُقامُ في الخندق، قام عليه الصلاة
والسلام على الثَلِّ الذي عليه مسجدُ الفتح في بعض الليالي، وتَوقَّع ما وَعَدَه الله من
النصر وقال: ((مَن يذهبُ ليأتيَنا بخبرهم وله الجنةُ)) فلم يُجِبْه أحدٌ. فقال ثانياً وثالثاً،
فلم يُجبه أحد، فنظر إلى جانبه وقال: ((مَن هذا))؟ فقال: حذيفة. فقال: ((أَلَمْ تَسْمَعْ
كلامي منذُ الليلة))؟ قال حذيفةُ: فقلت: يا رسول الله، مَنَعني أن أُجيبكَ الضُّرُّ والقُرّ.
قال: ((انْطَلِقْ حتى تَدْخُلَ في القوم، فتسمعَ كلامهم وتأتيَني بخبرهم. اللهمَّ احْفَظُهُ مِن
بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتى تردَّه إليَّ، انْطَلِقْ ولا تُحْدِثْ شيئاً
حتى تأتيَني)). فانْطَلَقَ حذيفةُ بسلاحه، ورفع رسول الله ﴿ يده يقول: ((يا صَرِيخَ
المكروبين، ويا مُجِيبَ المضطرِّين، اكشِفْ هَمِّي وغَمِّي وكَرْبي، فقد ترى حالي
وحالَ أصحابي)). فنزل جبريلُ وقال: ((إنَّ الله قد سمع دَعْوَتك وكفاكَ هَوْلَ عدوٌّك)).
فخرَّ رسول الله # على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: ((شكراً شكراً كما
رحِمتني ورحِمتَ أصحابي)). وأخبره جبريلُ أنَّ الله تعالى مرسلٌ عليهم ريحاً، فبشَر
أصحابه بذلك.
(١) في النكت والعيون ٣٨٩/٤ . وكثير قاله عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٣٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٠/٣، وما قبله
منه.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٨٩/٤.

١١١
سورة الأحزاب: الآيات ٢٢ - ٢٤
قال حذيفةُ: فانتهيتُ إليهم وإذا نيرانُهم تتَّقدُ، فأقبلتْ ريحٌ شديدةٌ فيها حصباءُ،
فما تركت لهم ناراً إلَّا أطفأتها، ولا بناءً إلَّا طرحته، وجعلوا يتترَّسون من الحصباء.
وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح في قريش: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! وفَعَلَ كذلك عُيينةُ بن
حِصْنٍ والحارثُ بن عَوْفٍ والأقرعُ بن حابس.
وتفرَّقت الأحزاب، وأصبح رسول اللـه :﴾، فعاد إلى المدينة وبه من الشَّعَث ما
شاء الله، فجاءته فاطمةُ بغَسُولٍ، فكانت تغسلُ رأسه، فأتاه جبريل فقال: وضَعْتَ
السلاحَ ولم تَضَعْه أهل السماء، ما زلتُ أَتبعهم حتى جاوزتُ بهم الرَّوحاءَ، ثم قال:
انهضْ إلى بني قريظة)). وقال أبو سفيان: ما زلتُ أسمع قَعْقعةَ السلاحِ حتى جاوزتُ
الرَّوْحاء(١).
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم ◌َّن قَضَى نَحْبَهُ
لِيَجْزِئَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ
وَمِنْهُمْ مَن يَنَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا (٢)
اُلْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٤)﴾
قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ رفع بالابتداء، وصَلُحَ الابتداءُ بالنَّكرة لأنَّ
((صَدَقُوا)) في موضع النعت. ﴿فَِنْهُم مَّنْ قَضَى نَخْبَهُ﴾. (مَن)) في موضع رفعٍ بالابتداء(٢).
وكذا ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَنْتَظِرٌ﴾ والخبرُ في المجرور. والنَّحْبُ: النَّذْرُ والعَهْدُ، تقول منه:
نَحَبتُ أَنْحُبُ بالضم. قال الشاعر:
وإذ نخَّبتْ كَلْبٌ على الناس أَيُّهم(٣) أَحَقُّ بتاجِ الماجِدِ المتكرِّمِ(٤)
(١) لم نقف عليه بهذا السياق، وينظر ما سلف ص٨١ - ٨٢ من هذا الجزء.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣١٠.
(٣) في النسخ: إنهم ، والمثبت من المصادر على ما يأتي .
(٤) البيت للفرزدق، وهو في مجاز القرآن ١٣٦/٢، وتفسير الطبري ٦٢/١٩. والأغاني ٢٨٢/٢١.
وذكره ابن هشام في السيرة ٢٤٨/٢ برواية : ... أيُّنا على النحب أعطى للجزيل وأفضل ، وقال في
شرحه: النحب: الخطار ، وهو الرهان .

١١٢
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٣ - ٢٤
وقال آخر:
قد نَحَبَ المجدُ علينا نَحْبَا(١)
وقال آخر :
أَنَحْبٌ فيُقْضَى أم ضلالٌ وباطِلُ(٢)
وروى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ(٣) عن أنس قال: قال عمِّي أنس بنُ النَّضْر
- سُمِّيتُ به - ولم يشهد بدراً مع رسول اللـه ﴾، فكَبُر عليه فقال: أوّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَه
رسولُ الله ◌ِ﴾ غِبتُ عنه، أمّا واللهِ لئن أَرَانِي الله مَشْهداً مع رسول اللـه ﴾ فيما بعدُ
لَيَرَيَّنَّ اللهُ ما أَصْنَعُ. قال: فهاب أن يقول غيرها. فشَهِدَ مع رسول اللـه # يومَ أُحُد من
العام القابِلِ، فاستقبله سعد بن معاذ(٤)، فقال: يا أبا عمرو، أين ؟ قال: واهاً(٥)
لريح الجنة! أَجِدُها دون أُحُد. فقاتَلَ حتى قُتِل، فوُجِد في جسده بضعٌ وثمانون ما بين
ضربةٍ وطعنةٍ وَرَمْية. فقالت عَمَّتي الرُّبَيِّع بنتُ النَّضْر: فما عرفتُ أخي إلَّا بِبَنانه. ونزلت
هذه الآيةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْنَظِرٌ وَمَا
بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ لفظُ الترمذيِّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
وقالت عائشةُ رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُوا
اَللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية: منهم طلحة بن عبيد الله؛ ثَبَتَ مع رسول الله ﴾ حتى أصیبت يدُه،
(١) اللسان (نحب) وفيه: عليك، بدل: علينا، وقبله: يا عمرو يا ابن الأَكْرَمِين نَسْبا، قال ابن منظور: أراد
نَسَباً، فخفف لمكان نَحْب، أي: لا يزايلك، فهو لا يقضي ذلك النذرَ أبداً، والنَّحْب: النَّذْر.
(٢) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص ١٣١، وصدره: ألا تسألان المرء ماذا يحاولُ.
(٣) صحيح البخاري (٢٨٠٥)، وصحيح مسلم (١٩٠٣)، وسنن الترمذي (٣٢٠٠)، وهو عند أحمد
(١٣٠١٥) .
(٤) في النسخ: سعد بن مالك ، والمثبت من المصادر .
(٥) كلمةُ تحثُّنٍ وتلهُّف. شرح النووي لصحيح مسلم ٤٨/١٣ . والقائل: يا أبا عمرو، هو أنس بن
النضر ، وأبو عمرو: كنية سعد بن معاذ﴾، ثم قال أنس: واهاً .... قال المباركفوري في تحفة
الأحوذي ٩/ ٦١: لم ينتظر جوابه لغلبة اشتياقه إلى إيفاء ميثاقه وعهده لربه.

١١٣
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٣ - ٢٤
فقال النبيُّ﴾: ((أوْجَبَ طلحةُ الجنةَ))(١).
وفي الترمذيِّ عنه: أنَّ أصحاب رسول الله ﴿ قالوا لأعرابيٍّ جاهلٍ: سَلْهُ عمَّن
قضَى نَحْبَه مَن هو ؟ وكانوا لا يجتَرؤون على مسألته، يوقِّرونه ويَهابونه، فسأله
الأعرابيُّ، فَأَعْرضَ عنه، ثم سأله، فأَعْرَضَ عنه، ثم إنِّي اطّلعتُ من باب المسجد
وعليَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلمَّا رآني النبيُّ﴾ قال: ((أين السائلُ عمَّن قضى نَحْبَه))؟ قال
الأعرابيُّ: أنا يا رسول الله. قال: ((هذا ممن قَضَى نَحْبَه)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ
غريبٌ لا نعرفه إلَّا من حديث يونس بنِ بكير(٢).
وروى البيهقيُّ عن أبي هريرةَ أنَّ رسول اللـه ﴾ حين انصرف من أُحُد، مرَّ على
مصعب بن عُمير وهو مقتولٌ على طريقه، فوقف عليه ودَعًا له، ثم تلا هذه الآية:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُم ◌َّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ إلى ﴿تَبْدِيلًا ﴾ ثم
قال رسول الله﴾: ((أَشهدُ أنَّ هؤلاء شهداءُ عند الله يومَ القيامة، فأُتُوهم وزُوروهم،
والذي نَفْسي بيده لا يسلم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة إلَّ ردُّوا عليه)(٣).
وقيل: النَّحْبُ: الموت، أي: مات على ما عَاهَد عليه ؛ عن ابن عباس (٤).
(١) روي عن عائشة رضي الله عنها حديثان بهذا المعنى، الأول أخرجه الحاكم ٢/ ٤١٥ وصححه ، وتعقبه
الذهبي بأن فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، وهو متروك، والثاني أخرجه أبو يعلى (٤٨٩٨) ، وذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤٨/٩ وقال: فيه صالح بن موسى وهو متروك. اهـ. ويغني عنه ما أخرجه
أحمد (١٤١٧)، وابن أبي شيبة ١٢ / ٩١ عن الزبير قال: سمعت رسول الله # يقول يومئذ ، يعني يوم
أحد: ((أوجب طلحة)). وأخرجه الترمذي (١٦٩٢) و(٣٧٣٨) بأطول منه. قال ابن الأثير في النهاية
(وجب): أي: عمل عملاً أوجب له الجنة .
(٢) سنن الترمذي (٣٢٠٣) و(٣٧٤٢). وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٨/٤ ثم قال: فهذا أَدَلُّ دليل
على أن النَّحب ليس من شروطه الموت .
(٣) دلائل النبوة ٢٨٤/٣، وقال البيهقي: كذا وجدته في كتابي عن أبي هريرة. ١ هـ. وأخرجه الحاكم
٢٤٨/٢ وصححه ، وتعقبه الذهبي بقوله: أنا أحسبه موضوعاً. اهـ. وأخرجه البيهقي في الدلائل
٢٨٤/٣، والحاكم ٢٠٠/٣ وصححه من حديث أبي ذر دون قوله: ((أشهد أن هؤلاء ... إلى آخر
الحدیث.
(٤) أخرجه الطبري ١٩ / ٦٤ .

١١٤
سورة الأحزاب: الآيات ٢٣ - ٢٥
والنَّحْبُ أيضاً: الوقتُ والمدَّة. يقال: قضى فلانٌ نَحْبَه: إذا مات، وقال ذو
الرمَّة :
عَشِيَّةَ فرَّ الحارِثُّون بعد ما قَضَى نَحْبَه في مُلْتَقَى الخيلِ هَوْبَرُ(١)
والنَّخْبُ أيضاً: الحاجةُ والِهِمَّة ؛ يقول قائلهم: ما لي عندهم نَحْبٌ، ولیس
المرادَ بالآية.
والمَعْنيُّ في هذا الموضع بالنَّحْب: النَّذْرُ كما قدَّمنا أولاً، أي: منهم مَن بَذَلَ
جهدَه على الوفاء بعهده حتى قُتل، مثل حمزةً وسعد بن معاذ وأنس بنِ النضر
وغيرهم، ومنهم مَن ينتظر الشهادةَ، وما بدَّلوا عهدَهم ونَذْرَهم.
وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ: ((فمنهم مَن قَضَى نَحْبَه ومنهم من ينتظر ومنهم
من بدل تبديلاً))(٢).
قال أبو بكر الأنباريُّ: وهذا الحديثُ عند أهل العلم مردود ؛ لخلافه الإجماعَ،
ولأنَّ فيه طعناً على المؤمنين والرجالِ الذين مَدَحهم الله وشرَّفهم بالصِّدْقِ والوفاء،
فما يُعرف فيهم مغيِّرٌ، وما وُجِدَ من جماعتهم مبدِّلٌ ﴾.
﴿ لَيَجْزِئَ اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: أمرَ الله بالجهاد ليجزيَ الصادقين في
الآخرة بصِدْقهم. ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ﴾ في الآخرة ﴿إِن شَآءَ﴾ أي: إن شاء أن يعذِّبهم
لم يُوفِّقْهم للتوبة، وإن لم يشأ أن يعذُّبهم تاب عليهم قبل الموت ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا زَّحِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
الْقِتَالُ وَكَانَ اَللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمَّ يَنَالُواْ خَيْرً﴾ قال محمد بن عمرو
(١) ديوانه ٢/ ٦٤٧، قال شارحه: يعني يزيد بن هوبر الحارثي، فقال: هوبر ، للقافية .
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٨/٤ .

١١٥
سورة الأحزاب: الآيات ٢٥ - ٢٧
يرفعه إلى عائشةً: قالت: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ها هنا أبو سفيان وعُيينة بن بدر، رجع
أبو سفيان إلى تِهامَة، ورجع عُيينةُ إلى نجدٍ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ﴾ بأن أُرسل
عليهم ريحاً وجنوداً حتى رجعوا ورجعتْ بنو قريظةَ إلى صياصيهم. فكُفيَ أمرَ قريظَةَ
بالرعب. ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ [أي: لا يُردُّ] أمرُه ﴿عَزِزًا﴾ لا يُغْلَب(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ
قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (١)
وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًّا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا
قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلَ اُلَّذِينَ ظَهَرُوهُم ◌ِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني الذين
عاوَنوا الأحزابَ قريشاً وغَطَفَان، وهم بنو قريظةَ. وقد مضى خبرهم (٢). ﴿مِن
صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: حصونهم، واحدُها: صِيصِيَة(٣)؛ قال الشاعر:
فأصبحت الثِّيران صَرْعَى وأصبحتْ نساءُ تميم يبتَدِرْنَ الصَّيَاصِيًا(٤)
ومنه قيل لشوكة الحائك التي بها يُسوِّي السَّدَاةَ واللُّخمة: صِيصِيَة ؛ قال دريدُ
ابن الصِّمَّة :
فجئتُ إليه والرماحُ تَنُوشُه
كوڤْعِ الصَّيّاصِي في النسيجِ الممدَّدِ(٥)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣١٠ - ٣١١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) ص٨٤ وما بعدها من هذا الجزء .
(٣) في (د) و(م): صيصة . والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. ينظر النهاية (صيص)، والتاج
(صیص).
(٤) نسبه ابن هشام في السيرة ٢٤٩/٢ لسحيم عبد بني الحسحاس. وذكره صاحب اللسان (صيا) والتاج
(صيص) شاهداً على أن الصياصي قرون البقر ، برواية: فأصبحت الثيران غرقى وأصبحت ... يلتقطن
الصياصيا، أي: يلتقطن القرون لينسجن بها ، يريد لكثرة المطر غرق الوحش . ونسبه بهذه الرواية ابنُ
سيده للنابغة الجعدي ، كما في اللسان (جذم) .
(٥) ديوان دريد بن الصمة ص ٤٨، والصحاح (صيص) والكلام منه .

١١٦
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٦ - ٢٧
ومنه: صِيصِيَةُ الديك التي في رجله. وصَياصِي البقر: قُرونُها ؛ لأنَّها تمتنعُ بها،
وربَّما كانت تُركَّب في الرماح مكانَ الأَسِنَّة. ويقال: جَذَّ اللهُ صِثْصِتَهُ(١)، أي: أصْلَه.
﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهم الرجالُ ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهم
النساءُ والذُّرِّيَّةُ، على ما تقدَّم.
﴿وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَرْضًا لَمْ تَطُوهَا﴾ بعدُ ؛ قال یزید بنُ رُومان وابن
زيد ومقاتل: يعني حُنَين(٢)، ولم يكونوا نالوها، فوعدهم الله إيَّاها. وقال قتادة: كنّا
نتحدَّثُ أنها مكة. وقال الحسن: هي فارسُ والرُّوم. وقال عِكرمة: كلُّ أرضٍ تُفتح إلى
يوم القيامة(٣).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: على ما أراد بعباده من
نقمةٍ أو عَفْوٍ قديرٌ ؛ قاله محمد بن إسحاق. الثاني: على ما أراد أن يفتحه من
الحصون والقُرَى قدير ؛ قاله النقاش (٤).
وقيل: ﴿وَكَنَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ ممَّا وَعَدَكُمُوه ﴿قَدِيرًا﴾ لا تُردُّ قُدرتُه، ولا
يجوز عليه العَجْزُ تعالى. ويقال: تأسِرون وتأسُرون، بكسر السِّين وضمِها ؛ حكاه
(٥)
الفراء (٥).
(١) في (ظ): صيصيئه، وفي معاني النحاس ٣٤١/٥: صيصته. والصِّنْصِئ: الأصل، كالضِّئْضِئ، ينظر
اللسان (صاصاً) و(ضاضاً).
(٢) كذا في النسخ ، وفي المصادر: خيبر ، على ما يأتي .
(٣) هذه الأقوال في النكت والعيون ٣٩٣/٤، والكشاف ٢٥٨/٣، والمحرر الوجيز ٣٨٠/٤ ، وتفسير
البغوي ٥٢٥/٣، وزاد المسير ٣٧٥/٦. وأخرج الطبري ٨٢/١٩ - ٨٣ قول الحسن وقول يزيد بن
رومان و ابن زید .
(٤) النكت والعيون ٣٩٣/٤. وقول ابن إسحاق في السيرة النبوية لابن هشام ١١٨/٢.
(٥) في معاني القرآن ٣٤١/٢. ورويّ ضم السين كما في القراءات الشاذة ص ١١٩ عن أبي حيوة .

١١٧
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِمْكُنَّ سَرَاءً جَمِيلًا (٨َ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (®)﴾.
فيه ثماني مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ قال علماؤنا: هذه الآية مثَّصلةٌ
بمعنى ما تقدَّم من المنع من إيذاء النبيِّ ﴾، وكان قد تأذَّى ببعض الزوجات. قيل:
سأَلْنَه شيئاً من عَرَض الدنيا. وقيل: زيادةً في النفقة. وقيل: آذَيْنَه بغيْرةِ بعضهنَّ على
بعض. وقيل: أُمِر* بتلاوة هذه الآية عليهنَّ وتَخْييرهنَّ بين الدنيا والآخرة. وقال
الشافعيُّ رحمه الله تعالى: إنَّ مَنْ مَلَك زوجةً فليس عليه تخييرُها. وأُمِر # أن يخيِّر
نساءَه فاختَرْنَه.
وجملةُ(١) ذلك: أنَّ الله سبحانه خيَّر النبيَّ﴾ بين أن يكون نبيًّا مَلِكاً، وعرض
عليه مفاتيح خزائنِ الدنيا، وبين أن يكون نبيًّا مِسكيناً، فشاوَرَ جبريلَ، فأشار عليه
بالمسكنة فاختارها (٢)، فلمَّا اختارها - وهي أعلى المنزلتين - أمره الله عزَّ وجلَّ أن
يخيِّرِ زوجاتِهِ، فربَّما كان فيهنَّ مَن يكره المُقامَ معه على الشدّة تنزيهاً له.
وقيل: إنَّ السبب الذي أُوجِبَ التخييرُ لأجله، أنَّ امرأةً من أزواجه سألته أن
يَصُوغَ لها حَلْقةً من ذهب، فصاغ لها حَلْقةً من فضةٍ وطَلَاها بالذهب - وقيل:
بالزَّعْفَرَان - فأبتْ إلَّا أن تكون من ذهب، فنزلت آيةُ التخيير فخيَّرهنَّ، فقلن: اخترنا
الله ورسوله(٣).
وقيل: إنَّ واحدةً منهنَّ اختارت الفِراق(٤). فالله أعلم.
(١) في (خ): وعلة ، وفي (ظ): وحكمة .
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (٧١٦٠) من حديث أبي هريرة ، وتنظر شواهده في حاشية المسند .
(٣) لم تقف عليه .
(٤) المدونة ٢/ ٣٨٢ عن ابن شهاب .

١١٨
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
روى البخاريُّ ومسلم - واللفظ لمسلم - عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر
يستأذن على رسول اللـه ﴾، فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال:
فأُذِنَ لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأُذِن له، فوجد النبيَّ # جالساً حوله
نساؤه واجماً ساكتاً. قال: فقال: والله لأقولنَّ شيئاً أُضحكُ النبيَّ ﴾، فقال: يا
رسول الله، لو رأيتَ بنتَ خارِجَة، سأَلَثْنِ النفقةَ فقمتُ إليها فَوَجَأْتُ عُنقَها. فضحك
رسول الله﴿ وقال: ((هنَّ حَوْلي كما تَرَى يَسْأَلْنَنِي النفقةَ)). فقام أبو بكر إلى عائشةً
يَجَأُ عنقَها، وقام عمر إلى حفصةَ يَجَأُ عنقَها، كلاهما يقول: تَسْأَلْنَ رسولَ الله ◌ِ﴾ ما
ليس عنده؟! فقلنَ: واللهِ لا نسألُ رسول الله ﴾ شيئاً أبداً ليس عنده. ثم اعتزلهنَّ
شهراً، أو تسعاً وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَأَيُهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَمِكَ﴾ حتى بلغ
﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدأ بعائشةَ فقال: ((يا عائشةُ، إني أريدُ أن
أَغْرِضَ عليكِ أمراً أُحِبُّ ألَّا تَعْجلي فیه حتى تستشيري أبویك))، قالت: وما هو یا
رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيكَ يا رسولَ الله أستشيرُ أبويَّ! بل أختارُ الله
ورسوله والدارَ الآخرة، وأسألكَ ألَّا تخبرَ امرأةً من نسائك بالذي قلتُ. قال: ((لا
تسألُني امرأةٌ منهنَّ إلَّا أخبرتها، إنَّ الله لم يبعثني مُعَنِّتاً ولا مُتَعَنِّناً، ولكنْ بعثني معلِّماً
مُيَسِّراً))(١).
وروى الترمذيُّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لمَّا أُمِر رسول الله # بتخيير
أزواجه بدأ بي، فقال: ((يا عائشةُ، إنِّي ذاكِرٌ لكِ أمراً فلا عليكِ ألَّا تستعجلي حتى
تستأمري أبويْكِ)) قالت: وقد عَلم أنَّ أَبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال:
((إنَّ الله يقول: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ اٌلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّئَكُنَّ وَأُسَرِّعْكُنَّ سَرَِّعًا ◌َجِيلًا﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾)) فقلتُ: أفي
هذا أستأمرُ أبويَّ! فإنِّي أريد اللهَ ورسوله والدارَ الآخرة، وفَعَلَ أزواجُ النبيِّ :# مثلَ
(١) صحيح مسلم (١٤٧٨)، وهو عند أحمد (١٤٥١٥)، ولم يخرجه البخاري، إنما أخرجه من حديث
عائشة رضي الله عنها كما سيأتي.

١١٩
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
ما فعلتُ. قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١). قال العلماء: وأمَّا أمرُ النبيِّ# عائشةَ
أن تشاوِرَ أبويها ؛ لأنه كان يحبُّها، وكان يخاف أن يحملها فَرْطُ الشباب على أن
تختار فِراقَه، ويعلم مِن أبويها أنهما لا يشيران عليها بفراقه.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ كان للنبيِّ * أزواجٌ، منهنَّ مَن دَخَل بها،
ومنهنَّ مَن عَقَدَ عليها ولم يدخل بها، ومنهنَّ مَن خطبها فلم يتمَّ نکاحُه معها.
فأولهُنَّ: خديجةُ بنتُ خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ بنِ كلاب. وكانت
قبله عند أبي هالة، واسمُه زُرارة بنُ النَبَّاش الأسديُّ، وكانت قبلَه عند عتيق بنِ عابد،
وَلَدت منه غلاماً اسمُه عبدُ مَناف. وولدت من أبي هالةً هند بنَ أبي هالة، وعاش إلى
زمن الطاعون، فمات فيه. ويقال: إنَّ الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بنُ هند،
وسُمعت نادِبَتُه تقول حين مات: واهندُ بن هنداه، واربِيبَ رسول الله. ولم يتزوَّج
رسول اللـه* على خديجةَ غيرَها حتى ماتت(٢). وكانت يومَ تَزوَّجها رسول الله ﴾
بنتَ أربعين سنة، وتُوفِيتْ بعد أن مضى من النبوَّة سبعُ سنين، وقيل: عشر. وكان لها
حين توفِيت خمسٌ وستُّون سنة. وهي أولُ امرأةٍ آمنت به. وجميعُ أولاده منها غير
إبراهيم. قال حكيم بن حزام: توفّت خديجةُ، فخرجنا بها من منزلها حتى دفنَّاها
بالحَجُون، ونزل رسول اللـه﴿ في حفرتها، ولم تكن يومئذٍ سُنَّةُ الجنازة الصلاةَ
عليها(٣).
ومنهنَّ: سَوْدةُ بنتُ زَمْعةَ بنِ قيس بن عبد شمس العامريةُ، أسلمت قديماً
وبايعت، وكانت عند ابن عمِّ لها يقال له: السكرانُ بن عمرو، وأسلم أيضاً، وهاجرا
جميعاً إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلمَّا قَدِما مكةَ مات زوجها. وقيل: مات
(١) سنن الترمذي (٣٢٠٤)، وهو عند أحمد (٢٦١٠٨)، والبخاري (٤٧٨٥)، ومسلم (١٤٧٥).
(٢) التعريف والإعلام ص ١٣٨.
(٣) تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير لابن الجوزي ص ١٩ ، وخبر حكيم بن حزام أخرجه
ابن سعد ١٨/٨، وفي إسناده الواقدي .

١٢٠
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
بالحبشة. فلمَّا حلَّت خطبها رسول اللـه :﴿، فتزوَّجها ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى
المدينة. فلمَّا كبرت أراد طلاقَها، فسألته ألَّا يفعل وأن يدعها في نسائه، وجعلت
ليلتها لعائشةَ - حَسْبَما هو مذكورٌ في الصحيح(١) - فَأَمْسَكَها، وتوفِيت بالمدينة في
شؤَّال سنةً أربعٍ وخمسين(٢).
ومنهن: عائشةُ بنتُ أبي بكر الصدِّيق، وكانت مسمَّاةً لجُبير بن مطعِم، فخطبها
رسول اللـه ﴾، فقال أبو بكر: يا رسول الله، دَعْني أسُلُّها من جُبيرٍ سَلَّا رفيقاً (٣)؛
فتزَّوجها رسول اللـه ﴿ بمكةً قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين ؛ [وهي بنت
ست سنين] وبنى بها بالمدينة وهي بنتُ تسع، وبقيت عنده تسعَ سنين، ومات
رسول اللـه # وهي بنتُ ثمان عشرةَ، ولم يتزوَّج بِكراً غيرَها، وماتت سنةً سبعٍ
وخمسین(٤)، وقيل: ثمانٍ وخمسین.
ومنهنَّ: حفصةُ بنتُ عمر بن الخطاب القُرَشِيَّةُ العَدَويَّة، تزوَّجها رسول الله ﴾ ثم
طلَّقها، فأتاه جبريل فقال: ((إنَّ الله يأمرك أن تُراجع حفصةً، فإنَّها صوَّامةٌ قوَّامة))(٥)
(١) صحيح البخاري (٢٥٩٣)، وصحيح مسلم (١٤٦٣)، وهو عند أحمد (٢٤٣٩٥).
(٢) تلقيح الفهوم ص ٢٠، وينظر طبقات ابن سعد ٨/ ٥٢ - ٥٧ .
(٣) تلقيح الفهوم ص ٢٠ ، وأخرجه ابن سعد ٥٩/٨ عن عبد الله بن أبي مليكة ، وهو مرسل. وأخرجه
٥٨/٨ بنحوه من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما .
(٤) في (ظ): ثلاث وخمسين، وفي باقي النسخ: تسع وخمسين، والمثبت من تلقيح الفهوم ص ٢٠ ،
والكلام وما سلف بين حاصرتين منه .
(٥) الصحيح أن رسول الله # طلَّق حفصة ثم ارتجعها؛ أخرجه أبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي ٢١٣/٦ ،
وابن ماجه (٢٠١٦) من حديث عمر ﴾. أما الخبر بتمامه أعلاه، فقد أخرجه البزار (٢٦٦٨) (زوائد)،
والطبراني في الكبير ٢٣/ (٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر ؛ قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٢٤٤:
في إسناده الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني أيضاً في الأوسط (١٥١) من حديث
أنس ﴾؛ قال الهيثمي: فيه جماعة لم أعرفهم، ورواه الطبراني أيضاً في الكبير ١٧/ (٨٠٤) بنحوه من
حديث عقبة بن عامر ؛ قال الهيثمي في المجمع: فيه عمرو بن صالح الحضرمي، ولم أعرفه. غير أن
الذهبي قال في السير ٢٢٩/٢: إسناده صالح! وأخرجه الطبراني أيضاً في الكبير ١٨/ (٩٣٤) من =