النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة الأحزاب: الآية ٩ نُناجِزَ محمداً. فأرسَلوا إليهم: إنَّ اليومَ يومُ السبت، وقد علمتُم ما نال منَّا مَن تَعدَّى في السبت، ومع ذلك فلا نقاتلُ معكم حتى تعطونا رُهُناً. فلمَّا رجع الرسول بذلك قالوا: صَدَقَنا واللهِ نُعيم بنُ مسعود! فرُوا إليهم الرسلَ وقالوا: والله لا نعطيكُم رُهُناً أبداً، فاخرُجوا معنا إن شئتُم، وإلا فلا عهدَ بيننا وبينكم. فقال بنو قريظة: صَدَقَ واللهِ نُعيم بنُ مسعود! وخذَّل الله بينهم واختلفت كلمتُهم، وبعث الله عليهم رِيحاً عاصِفاً في ليالٍ شديدةِ البرد؛ فجعلت الريح تقلبُ آنيتَهم وتكفَأُ قُدورَهم(١). السابعة: فلما اتَّصل برسول اللـه ﴿ اختلافُ أمرِهم، بعث حذيفةَ بنَ اليَمان ليأتيَه بخبرهم، فأتاهم واستَتَر في غِمَارهم، وسمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش، ليتعرَّفْ كلُّ امرئٍ جليسَه. قال حذيفةُ: فأخذتُ بيدٍ جليسي وقلت: مَن أنت؟ فقال: أنا فلان. ثم قال أبو سفيان: يا(٢) معشر قريش! إنَّكم والله ما أصبحتُم بدارٍ مُقامٍ، ولقد هلك الكُراع والخُفُّ وأَخْلَفَتْنا بنو قريظة، ولقينا من هذه الريح ما تَرَوْنَ، ما يستمسك لنا بناءٌ، ولا تَثْبُتُ لنا قِدْرٌ، ولا تقوم لنا نار، فارْتَحِلوا فإِنِّي مُرْتَحِلٌ. ووثب على جمله، فما حلَّ عِقالَ يده إلَّا وهو قائم(٣) . قال حذيفةُ: ولولا عهدُ رسول اللـه﴿ لي إذ بعثني وقال لي: «مُرَّ إلى القوم، فاعلَمْ ما هم عليه، ولا تُحدِثْ شيئاً))، لقتلتُه بسهم، ثم أتيتُ رسول الله # عند رحيلهم، فوجدتُه قائماً يصلِّي في مِرْطِ لبعض نسائه؛ مَرَاجِلَ - قال ابن هشام: المَراجِلُ ضربٌ من وَشْي اليمن - فأخبرتُه فحمد الله(٤). قلت: وخبرُ حذيفةَ هذا مذکورٌ في صحيح مسلم، وفيه آیاتٌ عظيمة، رواه جریرٌ (١) الدرر ١٩٨ - ٢٠٠، وبنحوه في سيرة ابن هشام ٢٢٩/٢ - ٢٣١، وتاريخ الطبري ٥٧٨/٢ - ٥٧٩. (٢) قبلها في (م): ويلكم. (٣) أي: لم يحلَّ يد جمله إلا بعد أن قام به. والعِقال: الحبل الذي يُعقل به البعير. (٤) أخرجه ابن إسحاق، كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد (٢٣٣٣٤)، والطبري في التاريخ ٥٨٠/٢ - ٥٨١ ونقله المصنف من الدرر ص ٢٠٠ - ٢٠١ . ٨٢ سورة الأحزاب: الآية ٩ عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمِيِّ، عن أبيه قال: كنَّا عند حذيفةً، فقال رجل: لو أدركتُ رسولَ الله ﴾ قاتَلْتُ معه وأبلَيْتُ. فقال حذيفةُ: أنت كنتَ تفعلُ ذلك؟! لقد رأيتُنَا مع رسول اللـه ﴿ ليلةَ الأحزاب وأَخَذَتْنا ريحٌ شديدةٌ وقَرِّ. فقال رسول الله ﴾: ((أَلَا رجلٌ يأتيني بخبرِ القومِ جَعَلَه اللهُ معي يومَ القيامة))؟ فسَكَتْنا فلم يُجِبْه منَّا أحدٌ، ثم قال: ((أَلَا رجلٌ يأتينا بخبرِ القومِ جَعَلَه الله معي يومَ القيامة))؟ فسَكَتْنا فلم يُحِبْه أحدٌ. فقال: ((قُمْ يا حذيفةُ فأُتِنا بخبرِ القوم)) فلم أَجِدْ بُدًّا إذا دعاني باسمي أنْ أقوم. قال: ((اذهَبْ فَأُتني بخبرِ القوم ولا تَذْعَرْهُم عَلَيَّ): قال: فلمَّا وَلَّيتُ مِن عندِه جعلتُ كأنَّما أمشي في حَمَّام حتى أتيتُهم، فرأيتُ أبا سفيان يَصْلي ظَهْرَه بالنار، فوضعت سهماً في كَبِد القَوس فأردتُ أنْ أرْمِيَه، فذَكَرتُ قول رسول اللـه ﴾: ((ولا تَذْعَرْهم عَلَيَّ))، ولو رميتُه لأَصَبْتُه. فرجعتُ وأنا أمشي في مثل الحَمَّام، فلمَّا أتيتُه فأخبرتُه بخبر القوم وفَرَغْتُ قُرِرْتُ، فَأَلْبَسني رسول الله ﴾ من فضلِ عباءةٍ كانت عليه يصلِّي فيها، فلم أَزَلْ نائماً حتى أصبحتُ، فلمَّا أصبحتُ قال: ((قُم يا نَوْمَان))(١). ولمَّا أصبح رسول اللـه ﴾ وقد ذهب الأحزابُ، رجع إلى المدينة ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريلُ عليه السلام في صورةِ دِخْيَةَ بن خليفة الكلبيِّ على بغلةٍ عليها قطيفةُ ديباج فقال له: يا محمد، إن كنتُم قد وضعتُم سلاحكم فما وضَعَتِ الملائكةُ سلاحها، إنَّ الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظةَ، وإنِّي متقدِّمٌ إليهم فمزلزِلٌ بهم حصونهم(٢). فأمر رسول الله ﴾ - وهي: (١) صحيح مسلم (١٧٨٨). قوله: ولا تذعرهم علي، أي: لا تُفزعهم فتُهيِّجهم عليّ، وقوله: يَصْلي ظهره، أي: يسخنه بالنار، وقوله: كأنما أمشي في حمَّام: أي لم يصبه شيءٌ من ذلك البرد بفضل طاعة رسول الله *، وهي من كراماته، ألا ترى أنه لما فرغ من ذلك العمل أخذه البرد كما كان أول مرة؟ وقوله: قُررتُ، أي: أصابني القُرّ، وهو البرد. المفهم ٣/ ٦٤٧ - ٦٤٨ . (٢) الدرر ص٢٠١، ورواه ابن إسحاق عن الزهري كما في سيرة ابن هشام ٢٣٣/٢. وأخرج نحوه أحمد (٢٤٢٩٥) و(٢٥٠٩٧)، والبخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩): (٦٥) من حديث عائشة رضي الله عنها. ٨٣ سورة الأحزاب: الآية ٩ الثامنة - منادياً فنادى: لا يُصلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلَّ في بني قريظة، فتخوَّف ناسٌ فَوْتَ الوقت فصَلَّوْا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نصلّي العصرَ إلَّا حيث أَمَرَنا رسولُ الله ﴿ وإنْ فاتنا الوقت. قال: فما عنَّف واحداً من الفريقين(١). وفي هذا من الفقه تصويبُ المجتهدين، وقد مضى بيانُه في ((الأنبياء))(٢). وكان سعد بن معاذ إذْ أصابه السهمُ دعا ربَّه فقال: اللَّهُمَّ إن كنتَ أبقيْتَ من حرب قريشٍ فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أَحَبّ [إليَّ] أن أجاهدهم من قوم كذَّبوا رسولك وأَخرجوه. اللّهُمَّ وإن كنتَ وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادةً، ولا تُمِتْني حتى تُقُرَّ عيني في بني قُرِيظة(٣). وروى ابن وَهْب عن مالك قال: بلغني أنَّ سعد بنَ معاذ مَرَّ بعائشةَ رضي الله عنها ونساءٍ معها في الأُظُم (٤) الذي [يقال له: ] فارع، وعليه دِرعٌ مُقَلِّصةٌ مُشَمِّرَ الگُمَّيْن، وبه أثرُ صُفرةٍ وهو يرتجز : لَبِّثْ قليلاً يُدْرِكِ الهَيْجَا حَمَلْ (٥) لا بأسَ بالموت إذا حان الأَجَلْ فقالت عائشةُ رضي الله عنها: لستُ أخافُ أن يصاب سعدٌ اليومَ إلَّ في أطرافه، فأصيب في أَكْحَله. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: قالت عائشةُ رضي الله عنها: ما رأيتُ رجلاً أَجْمَلَ من سعد بن معاذ - حاشا رسولَ الله : ﴿ - فأصيبَ في أكحله، ثم قال: اللهمَّ إن كان حربُ قُريظةً لم يبقَ منه شيءٌ فاقبضني إليك، وإن كان (١) أخرجه البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنها، واللفظ لمسلم . (٢) ٢٣٩/١٤ - ٢٤٠. (٣) الدرر ص٢٠١، وما بين حاصرتين منه، والخبر بنحوه عند البخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩): (٦٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٤) الأُلُم: حصن مبني بالحجارة. القاموس (أطم). (٥) في النسخ، وأحكام القرآن لابن العربي ١٥٠٢/٣ ، والكلام منه: جمل، وسلف الكلام عليه ص٧٦ من هذا الجزء. ٨٤ سورة الأحزاب: الآية ٩ قد بقيتْ منه بقيةٌ فأَبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءَه، فلمَّا حُكُم في بني قريظةً تُوُفِّيَ، ففرح الناس وقالوا: نرجو أن يكون قد استُجيبتْ دعوتُهُ(١). التاسعة: ولمَّا خرج المسلمون إلى بني قريظةً أعطَى رسول الله :﴿ الرايةَ عليّ بنَ أبي طالب، واستَخْلَف على المدينة ابنَ أمِّ مَكْتوم، ونهض عليٍّ وطائفةٌ معه حتى أَتَوْا بني قريظةً ونازَلوهم، فسمعوا سبَّ الرسولِ :#، فانصرف عليٍّ إلى رسول اللـه :8# فقال له: يا رسولَ الله، لا تَبلُغْ إليهم، وعَرَّضَ له. فقال له: «أظنُّكَ سمعتَ منهم شَتْمي، لو رَأَوْني لَكَفُّوا عن ذلك)) ونهضَ إليهم، فلمَّا رأوه أَمْسَكوا، فقال لهم: ((نقضتُم العهدَ يا إخوةً القرود، أخزاكم الله وأنزلَ بكم نقمتَه)) فقالوا: ما كنتَ جاهلاً يا محمد فلا تَجْهَلْ علينا. ونزل رسول اللـه ﴿ فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلةً. وعَرَض عليهم سيِّدهُم كعبٌ ثلاثَ خصالٍ ليختاروا أيّها شاؤوا: إمَّا أن يُسْلِموا ويتَّبعوا محمداً على ما جاء به فيَسْلَموا. قال: وتُخْرِزوا أموالَكم ونساءَكم وأبناءكم، فواللهِ إنكم لتعلمون أنه الذي تجدونه مكتوباً في كتابكم. وإمَّا أنْ يقتلوا أبناءَهم ونساءهم، ثم يتقدّمون فيقاتلون حتى يموتوا عن آخرهم(٢). وإمَّا أن يُبيِّتوا المسلمين ليلةَ السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلاً. فقالوا له: أمَّا الإسلامُ فلا نُسْلِمُ ولا نخالفُ حكمَ التوراة، وأمَّا قتلُ أبنائنا ونسائنا فما جزاؤهم المساكين منَّا أن نقتلهم، ونحن لا نتعدَّى في السبت . ثم بعثوا إلى أبي لُبابةَ، وكانوا حلفاءَ بني عمرو بن عوف وسائرِ الأوْس، فأتاهم فجمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالَهم وقالوا له: يا أبا لُبابةَ، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم. وأشار بيده إلى حَلْقه أنَّه الذبحُ إنْ فَعلتم. ثم ندم أبو لبابةَ في الحين، وعلم أنه خان الله ورسوله، وأنه أمرٌ لا يَسْتُره الله عليه عن نبيِّهِ ﴾(٣). فانْطَلَقَ (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٠٢ وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في النسخ: من آخرهم، والمثبت من الدرر ص٢٠٣ . (٣) في (ظ): لا يستره الله على نبيه، وفي الدرر ص٢٠٣ (والكلام منه): لا يستره الله عن نبيِّه. ٨٥ سورة الأحزاب: الآية ٩ إلى المدينة ولم يرجع إلى النبيِّ ﴿، فربط نفسَه في سارِيةٍ، وأَقْسَم ألَّا يبرحَ من مكانه حتى يتوب الله عليه. فكانت امرأتُه تَحُلُّه لوقتِ كلِّ صلاة . قال ابن عُيينة وغيرُه: فيه نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَنَتِكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٧]. وأَقسم ألَّ يدخل أرضَ بني قريظة أبداً، مكاناً أصاب فيه الذنب. فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ ﴾ مِن فِعْلِ أبي لُبابةَ قال: ((أمَا إنَّه لو أتاني لاستغفرتُ له، وأمَّا إذْ فَعَلَ ما فَعَلَ، فلا أُطْلِقُه حتى يُطْلقَه الله تعالى)). فأنزل الله تعالى في أمر أبي لبابةَ: ﴿وَءَآخَرُونَ اعْتََّفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٢]. فلمَّا نزل فيه القرآن أمر رسول الله 8# بإطلاقه(١). فلمَّا أصبح بنو قريظةَ نزلوا على حُكْم رسولِ اللهِ ﴾، فتواثَبَ الأوْسُ إلى رسول الله ﴿ وقالوا: يا رسول الله، قد علمتَ أنَّهم حلفاؤنا، وقد أَسْعَفْتَ(٢) عبدالله بنَ أبَيّ ابن سلول في بني النَّضِير حلفاءِ الخَزْرِج، فلا يَكُنْ حِظُنا أوْكَسَ وأَنقصَ عندك من حَظّ غيرنا، فهم مَوَالينا. فقال لهم رسول الله﴾: ((يا معشرَ الأوس، أَلَا تَرْضَوْن أن يحكم فيهم رجلٌ منكم؟» قالوا: بلَى. قال: ((فذلك إلى سعد ابن معاذ». وكان رسولُ الله ﴾ قد ضَرَبَ له خيمةً في المسجد؛ ليعودَه مِن قريبٍ في مرضه مِن جُرْحِه الذي أصابه في الخندق. فحَكَم فيهم بأن تُقتل المقاتِلة، وتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ والنساء، وتقسمَ أموالُهم. فقال له رسول الله ﴾: ((لقد حَكَمْتَ فیھم بحكم الله تعالى من فوقِ سبعٍ أَرْقِعة))(٣). (١) الدرر ص٢٠٢ - ٢٠٤، وبنحوه في سيرة ابن هشام ٢٣٤/٢ - ٢٣٧ . وأخرجه البيهقي في الدلائل ١٢/٤ و١٥ ضمن خبرين، الأول عن موسى بن عقبة، والثاني عن معبد بن كعب بن مالك، وقد سلف بعضه ٩ / ٤٩١ . (٢) في الدرر ص ٢٠٥ (والكلام منه): شفعت. (٣) الدرر ص ٢٠٥ - ٢٠٦، وبنحوه في سيرة ابن هشام ٢٣٩/٢ - ٢٤٠ . وحكم سعد بن معاذ في بني قريظة أخرجه أحمد (٢٤٢٩٥)، والبخاري (٤١٢٢) ومسلم (١٧٦٩) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه أحمد (١١١٦٨)، والبخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. وقوله: أرقعة، أي: سماوات. المفهم ٥٩٥/٣ . ٨٦ سورة الأحزاب: الآية ٩ وأمر رسول اللـه # فأخرجوا إلى موضعٍ بسوق المدينة اليومَ - زمنَ ابنِ إسحاق - فخندقَ بها خنادقَ، ثم أمر عليه الصلاةُ والسلام، فضُرِبتْ أعناقُهم في تلك الخنادق. وقُتل يومئذٍ حُييّ بنُ أَخْطب وكعب بن أسد، وكانا رأسَ القوم، وكانوا من الستِّ مئة إلى السبع مئة. وكان على حُييٍّ حُلَّةٌ فُقَّاحِيَّةٌ (١) قد شقَّقها عليه من كلِّ ناحيةٍ كموضع الأَنْمَلة(٢)، أنملةً أنملةً لئلا يُسْلبَها. فلمَّا نظر إلى رسول اللـه ﴾ حين أُتي به ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبلٍ قال: أما واللهِ ما لُمتُ نفسي في عداوتك، ولكنَّه مَن يَخْذِل اللهَ يُخْذَل. ثم قال: يا أيها الناس، لا بأسَ بأمر الله، كتابٌ وقَدَرٌ ومَلْحمةٌ كُتبتْ على بني إسرائيل. ثم جلس فضُربت عنقُه(٣). وقَتل من نسائهم امرأة، وهي بُنانةُ امرأةُ الحكم القُرَظِيِّ، التي طَرَحت الرَّحَى على خَلَّاد بن سُويد فقتلته(٤). وأَمر رسول الله # بقتلِ كلِّ مَن أَنْبتَ منهم وتَرْكِ مَن لم يُنْبِتْ. وكان عطيةُ القُرَظِيُّ ممن لم يُنْبِتْ، فاستحياه رسول الله 8*، وهو مذكور في الصحابة. ووَهب رسول الله ﴾ لثابت بن قيس بن شمَّاس ولدَ الزَّبِير(٥) بن باطا فاستحياهم، منهم عبدُ الرحمن بن الزَّبير أسلم وله صحبة. وَوَهَب أيضاً عليه الصلاة والسلام رفاعةً بن سَمَوْءل القُرظيَّ لأمِّ المنذر سلمى بنتِ قيس، أختِ سَليط بن قيس من بني النجار، وكانت قد صلَّت إلى القبلتين، فأسلم رفاعةٌ وله صحبةٌ ورواية (٦). (١) أي: على لون الورد حين همَّ أن يتفتَّح، والفُقَّاحةُ: واحدةُ الفُفَّاح، وهو زهر النبت حين ينفتح أيًّا كان لونه. اللسان (فقح). (٢) الأَنْمَلة بالفتح: واحدة الأنامل، وهي رؤوس الأصابع. الصحاح (نمل). (٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤١ . (٤) الدرر ص٢٠٦، وأخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢٤٢/٢، وأحمد (٢٦٣٦٤)، وأبو داود (٢٦٧١) من حديث عائشة رضي الله عنها، مطولاً دون ذكر اسم المرأة. (٥) بفتح الزاي وكسر الباء. الروض الأنف ٢٨٤/٣ . (٦) الدرر ص٢٠٦ - ٢٠٧ ، وذكر ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٤ أن رفاعة كان رجلاً قد = ٨٧ سورة الأحزاب: الآية ٩ وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: أتى ثابت بن قيس بن شمَّاس إلى ابن باطا - وكانت له عنده يدٌ - وقال: قد استوهبتُك من رسول الله # ليدك التي لك عندي. قال: ذلك يَفْعلُ الكريم بالكريم، ثم قال: وكيف يعيش رجلٌ لا ولدَ له ولا أهل؟ قال: فأتى ثابتٌ إلى رسول الله ﴾ فذكر ذلك له، فأعطاه أهله وولده. فأتى فَأَعْلَمه فقال: كيف يعيشُ رجلٌ لا مالَ له؟ فأتى ثابتٌ النبيَّ ﴾ فطلبه فأعطاه مالَه. فرجع إليه فأخبره، قال: ما فَعلَ ابن أبي الحُقَيق الذي كأنَّ وجهه مرآة صِينيّة؟ قال: قُتل. قال فما فَعَلَ المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظةَ وبني عمرو بن قُريظة. قال: قُتلوا. قال: فما فَعَلتِ الفئتان؟(١) قال: قُتلتا. قال: برئَتْ ذمَّتُكَ، ولن أصبَّ فيها دلواً أبداً - يعني النَّخْلَ - فأَلْحِقْني بهم. فأبى أن يقتله فقتله غيره. واليدُ التي كانت لابن باطا عند ثابتٍ أنه أَسره يومَ بُعاث، فجزَّ ناصيته وأَطْلقَه. العاشرة: وقسّم ﴿ أموالَ بني قريظةَ، فَأَسْهَمَ للفارس ثلاثةَ أَسْهُمِ، وللراجل سهماً. وقد قيل: للفارس سهمان، وللراجل سهم. وكانت الخيلُ للمسلمين يومئذٍ ستةً وثلاثين فرساً. ووقع للنبيِّ ﴾ مِن سَبْيهم ريحانةُ بنتُ عمرو بن خنافة(٢) أحد بني عمرو ابن قُريظة، فلم تَزَلْ عنده إلى أن مات﴾(٣). وقيل: إنَّ غَنيمة قريظةَ هي أوّل غنيمةٍ قُسم فيها للفارس والراجل، وأوّلُ غنيمةٍ جُعِلَ فيها الخُمس. وقد تقدَّم أنَّ أوَّل ذلك كان في بعث عبد الله بن جَحْش (٤)، فالله أعلم . = بلغ، فلاذ بسلمی ۔ و کان یعرفهم قبل ذلك - فطلبته من رسول الله ﴾، فوهبه لها. (١) في (د): القينان، وفي أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٩/٣ (والكلام منه): القينتان. ولم ترد هذه العبارة في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣ ، حيث ذكر الخبر بنحوه عن ابن إسحاق. (٢) بالخاء المعجمة، وقيل: قنافة بالقاف، عرض عليها رسول الله # الإسلام فامتنعت، ثم أسلمت بعد ذلك. وقد قيل: أعتقها رسول الله # وتزوجها، وقيل: خيَّرها فاختارت أن تبقى في ملكه. ينظر الإصابة ٢٦٧/١٢. وسيذكرها المصنف ص١٢٣ من هذا الجزء. (٣) وسيأتي ص١٢٣ أنها ماتت في حياته #، وهو الذي رجحه الواقدي. ينظر طبقات ابن سعد ١٣٠/٨ - ١٣١. (٤) الدرر ص٢٠٧، وسلف الكلام عن الخمس في سرية عبد الله بن جحش ﴾ ٤٢١/٣ و١٨/١٠. ٨٨ سورة الأحزاب: الآية ٩ قال: أبو عمر(١): وتهذيبُ ذلك أن تكون غنيمةُ قريظةَ أوّلَ غنيمةٍ جرى فيها الخمسُ بعد نزول قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وكان عبد الله بن جَحْش قد خمَّس قبل ذلك في بَعْثِه، ثم نزل القرآن بمثل ما فَعَلَه؛ وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه. وكان فَتْحُ قريظةَ في آخِرِ ذي القَعدةِ وأوّلِ ذي الحِجَّة من السنة الخامسة من الهجرة. فلمَّا تمَّ أمر بني قريظةَ أجيبتْ دعوةُ الرجل الفاضل الصالح سعد بنِ معاذ، فانفجر جرحُه، وانفتح عِرْقُه، فجرى دمه ومات ﴾. وهو الذي أتى الحديث فيه: ((اهتَزَّ لموته عَرْشُ الرّحمن)) يعني سكّانَ العرش من الملائكة فرِحوا بقدوم روحه واهتزُّوا له(٢). وقال ابن القاسم عن مالك: حدَّثني يحيى بن سعيد قال: لقد نزل لموت سعد بن معاذٍ سبعون ألفَ مَلَكِ، ما نزلوا إلى الأرض قبلها(٣). قال مالك: ولم يُسْتَشهَدْ يومَ الخَنْدق من المسلمين إلَّا أربعةٌ أو خمسة (٤). قلت: الذي اسْتُشْهِد يومَ الخندق من المسلمين ستةُ نفرٍ فيما ذكر أهل العلم بالسِّير: سعد بن معاذ أبو عمرو من بني عبد الأشهل، وأنس بن أوْس بن عَتيك، وعبد الله بن سهل، وكلاهما أيضاً من بني عبد الأشهل. والطُّفيل بنُ النعمان، وثعلبة ابنُّ عَنَمَةِ(٥)، وكلاهما من بني سلمةً، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار، أصابه سَهْمٌ غَرْبٌ فقتله، ﴾(٦). (١) في الدرر ص ١٨٢ (طبعة دار المعارف). (٢) الدرر ص ٢٠٧. والحديث أخرجه أحمد (١٤١٥٣)، والبخاري (٣٨٠٣)، ومسلم (٢٤٦٦) عن جابر ﴾. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٠٣/٣، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٤٣٠، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٠٠- ١٠١ من حديث ابن عمر ﴾. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥٠٠ . (٥) بفتح العين المهملة والنون، كذا قيده الحافظ في الإصابة ٢٤/٢ . (٦) الدرر ص٢٠٨، وبنحوه في السيرة ٢٥٢/٢. قال ابن هشام: سهمُ غَرْبٍ، وسهمٌ غَرْبٌ، بإضافة = ٨٩ سورة الأحزاب: الآية ٩ وقُتل من الكفار ثلاثةٌ: منبِّه بنُ عثمان بن عبيد بن السبّاق بن عبد الدار، أصابه سهمٌ مات منه بمكة. وقد قيل: إنَّما هو عثمان بن أمية بن منبِّه بن عبيد بن السبّاق. ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميُّ، اقتحم الخندق فتورَّط فيه فَقُتِل، وغَلَبَ المسلمون على جسده، فروي عن الزهريِّ أنَّهم أعطَوْا رسولَ اللـه :﴿ في جسده عشرةً آلافٍ درهم فقال: ((لا حاجةً لنا بجسده ولا بثمنه)) فخلَّى بينهم وبينه. وعمرو بن [عبد] ودِّ الذي قتله عليٍّ مبارزةً، وقد تقدَّم(١). واستُشْهِدَ يومَ قُريظةَ من المسلمين خَلَّاد بنُ سُويد بن ثعلبةَ بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج، طَرَحت عليه امرأةٌ من بني قريظةَ رحّى فقتلته. ومات في الحصار أبو سنان بن مِحْصّن بن حُرْثان الأسديُّ، أخو عُكاشة بن مِحْصَن، فَدَفَنه رسول اللـه﴿ في مقبرة بني قريظة التي يتدافَنُ فيها المسلمون السكانُ بها اليوم. ولم يُصَب غيرُ هذين، ولم يَغْزُ كفارُ قريش المؤمنين بعد الخندق(٢). وأسند الدارميُّ أبو محمد في ((مسنده)»: أخبرنا يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذِئب، عن المَقْبُريِّ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُذْرِيِّ، عن أبيه قال: حُبِسْنا يومَ الخندق حتى ذهب هَوِيٌّ من الليل حتى كُفِيْنا، وذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزً﴾ [الأحزاب: ٢٥]. فأمر النبيُّ # بلالاً فأقام فصلَّى الظهرَ، فأَحْسَن كما كان يصلِّيها في وقتها، ثم أمره فأقام العصرَ فصَلَّاها، ثم أمره فأقام المغرب فصلًّاها، ثم أمره فأقام العشاءَ فصلًّاها، وذلك قبل أن ينزل: = ومن غير إضافة: هو الذي لا يُعرف من أين جاء، ولا مَن رمى به. (١) سيرة ابن هشام ٢٥٣/٢، والدرر ص٢٠٨، وما بين حاصرتين منهما، وسلف الكلام في المسألة الخامسة . (٢) الدرر ص٢٠٨، وبنحوه في السيرة ٢/ ٢٥٤ . وسلف خبر المرأة التي قتلت خلاد بن سويد ص٨٦ من هذا الجزء. وأخرج أحمد (١٨٣٠٨)، والبخاري (٤١١٠) عن سليمان بن صُرَد﴾ قال: سمعت النبيَّ # يقول حين أجْلى الأحزاب عنه: ((الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم)). ٩٠ سورة الأحزاب: الآية ٩ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكَبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨](١). خرَّجه النسائيُّ أيضاً(٢). وقد مضت هذه المسألة في ((طه))(٣). وقد ذكرنا في هذه الغزاة أحكاماً كثيرةً لمَن تأمَّلها في مسائلَ عشرٍ. ثم نرجع إلى أول الآي، وهي تسعَ عَشْرةَ آيَةً تضمَّنت ما ذكرناه(٤). قوله تعالی: ﴿إِذْ جَآءَتگُمْ هُنُودٌ﴾ يعني الأحزاب ﴿فارسلنا عَلَِّهِمْ رِيحًا﴾ قال مجاهد: هي الصَّبا، أُرسلت على الأحزاب يومَ الخندق حتى أَلْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَسَاطِيطَهم، قال: والجنودُ: الملائكةُ، ولم تُقاتِلْ يومئذٍ(٥). وقال عِكْرمةُ: قالت الجَنوب للشَّمال ليلةَ الأحزاب: انْطَلِقِي لنُصْرةِ النبيِّ ﴾، فقالت الشَّمال: إنَّ مَحْوَةَ(٦) لا تَسْرِي بليل. فكانت الريح التي أُرسلت عليهم الصَّبا. وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه ﴾: «نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلكَتْ عادٌ بالدَّبُور))(٧). وكانت هذه الريحُ معجزةً للنبيِّ#؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ والمسلمين كانوا قريباً منها، لم يكن بينهم وبينها إلَّا عرضُ الخندق، وكانوا في عافيةٍ منها، ولا خبرَ عندهم بها. (١) سنن الدارمي (١٥٢٤)، وهو عند أحمد (١١١٩٨). والهَوِيّ: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختصٌّ بالليل. النهاية (هوا). (٢) في المجتبى ٢/ ١٧. (٣) ٣٠/١٤. (٤) من الآية (٩) إلى آخر الآية (٢٧). (٥) أخرجه الطبري ٢٨/١٩ . (٦) محوة: ريح الشمال، سميت بذلك لأنها تمحو السحاب وتذهب بها، وهي مَعرِفة لا تنصرف، ولا تدخلها ألف ولام. اللسان (محا). ووقع في (ظ): الحُرة، وهو موافق لما في تفسير الطبري ١٩/ ٢٥، وفيه تخريج الخبر. (٧) أخرجه أحمد (١٩٥٥) و(٢٠١٣)، والبخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠). وهو عند البخاري من طريق مجاهد عن ابن عباس وعند أحمد ومسلم من الطريقين. والصبا: الريح الشرقية، والدَّبُور: الريح الغربية. ٩١ سورة الأحزاب: الآيتان ٩ - ١٠ ﴿وَحُنُودًا لَّمْ تَزَوْهَأْ﴾ وقُرئ بالياء(١)، أي: لم يَرَها المشركون. قال المفسِّرون: بعث الله تعالى عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطّعَتْ أَطْنابَ الفساطيط، وأطفأت النيران، وأَكْفأَت القُدور، وجالت الخيلُ بعضُها في بعض، وأرسل الله عليهم الرُّغْب، وگثُر تكبير الملائكة في جوانب العسكر، حتی کان سيِّدُ كلِّ خباءٍ يقول: یا بني فلان هلمَّ إليَّ، فإذا اجتمعوا قال لهم: النَّجَاءَ النَّجَاءَ، لِمَا بعث الله تعالى عليهم من الرعب(٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ وقرئ: ((يعملون)) بالياء على الخبر، وهي قراءةٌ أبي عمرو. الباقون بالتاء(٣)، يعني من حَفْرِ الخندق والتحرُّزِ من العدوّ. قوله تعالى: ﴿إِذْ جَءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ ﴾ قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ ((إِذْ)) في موضع نصبٍ بمعنى: واذكر. وكذا: ﴿وَإِذْ قَالَتْ تَآئِفَةُ مِنْهُمْ﴾ [الآية: ١٣]. ((مِن فوقِكُم)) يعني من فوق الوادي، وهو أعلاه من قِبَلِ المَشْرِق، جاء منه عَوْف بنُ مالك(٤) في بني نَصْر، وعيينةُ ابن حِصْنٍ في أهل نَجْدٍ، وطُليحةُ بن خُوَيْلد الأَسَديُّ في بني أسد. ((ومِن أَسْفَلَ منكم)) يعني من بطن الوادي من قِبَل المغرب، جاء منه أبو سفيان بنُ حرْب على أهل مكة، ويزيد بنُ جَحْشٍ على قريش، وجاء أبو الأعور السُّلَميُّ ومعه حُبَيّ بنُ أخْطب اليهوديُّ في يهود بني قريظة مع عامر بن الظُّفَيل من وجه الخندق(٥). ﴿وَإِذِ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾ أي: شَخَصت. وقيل: مالت؛ فلم تلتفتْ إلَّا إلى عدوِّها (١) القراءات الشاذة ص١١٨ . (٢) تفسير البغوي ٥٠٩/٣ . وأخرج نحوه الطبري ٢٨/١٩ عن قتادة. (٣) السبعة ص٥١٩ ، والتيسير ص١٧٧ . (٤) كذا. ولعله مالك بن عوف. ينظر الإصابة ٧ /١٧٩ و٩ / ٦٤. (٥) النكت والعيون ٣٧٩/٤ . ٩٢ سورة الأحزاب: الآية ١٠ دَهَشاً من فَرْط الهَوْل. ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي: زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجرَ، وهي الحلاقيم، واحدُها: حَنْجَرة(١). فلولا أنَّ الحلوقَ ضاقت عنها لخرجت؛ قاله قتادة (٢). وقيل: هو على معنى المبالغةِ على مذهب العرب على إضمار كاد؛ قال: إذا ما غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةٌ هِتَكْنا حجابَ الشمس أو قَطَرَتْ دَمَا(٣) أي: كادت تَقْطُر. ويقال: إنَّ الرئة تنتفخ (٤) عند الخوف، فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغُ الحَنْجَرةَ مثلاً؛ ولهذا يقال للجبان: انتفخ سَحْرُه(٥). وقيل: إنه مثلٌ مضروبٌ في شدَّة الخوف ببلوغ القلوبِ الحناجرَ وإن لم تَزُلْ عن أماكنها مع بقاء الحياة(٦). قال معناه عكرمة؛ روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمةً قال: بَلَغْ فَزَعُها (٧). والأَظْهَرُ أنه أراد اضطرابَ القلب وضَرَبانَه، أي: كأنه لشدَّة اضطرابه بلغ الحنجرة. والحَنْجَرة والحُنْجُور - بزيادة النون(٨) -: حرفُ الحَلْق. (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١١٣ . (٣) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٢/ ٤٩٧ برواية: أو تمطر الدما. وذكره برواية المصنف ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢/ ٧٦٠، والبصري في الحماسة ١/ ١٧. وقد ذكر هذا القول ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ١٣٠ . (٤) في (د) و(ظ) و(م): تنفتح. (٥) ذكر هذا القول الواحدي في الوسيط ٤٦١/٣، والزمخشري في الكشاف ٢٥٣/٣، والبغوي ٥١٦/٣. والسَّخْر: الرئة. القاموس (سحر). (٦) النكت والعيون ٣٧٩/٤ - ٣٨٠ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٣٢٩/٥، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٥٧١/١٣، والطبري ٣٥/١٩. (٨) يعني بزيادة النون على ((حجر"، ينظر الصحاح (حجر). ٩٣ سورة الأحزاب: الآية ١٠ ﴿وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ اَلُّنُونَأْ﴾ قال الحسن: ظنَّ المنافقون أنَّ المسلمين يُستأصَلون، وظنَّ المؤمنون أنَّهم يُنصرون(١). وقيل: هو خطابٌ للمنافقين، أي: قُلتم: هلكَ محمدٌ وأصحابه. واختلف القرَّاء في قوله تعالى: ﴿اَلْقُونَ﴾ و﴿ الرّسُولَا﴾ و﴿السَّبِيلَا﴾ [الآيتان: ٦٦ و٦٧] آخِرَ السورة؛ فَأَثبت أَلِفاتِها في الوقف والوصل نافعٌ وابن عامر(٢)، ورويَ عن أبي عمرو والكسائيّ(٣)؛ تمسُّكاً بخطّ المصحف، مصحفٍ عثمان، وجميعِ المصاحف في جميع البلدان (٤). واختاره أبو عبيد، إلّا أنه قال: لا ينبغي للقارئ أن يُدرج القراءة بعدهنَّ، لكنْ يقف عليهنّ. قالوا: ولأنَّ العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومَصَاريعها؛ قال: نحن جلبنا القُرَّحَ القَوافِلَا تَسْتَشفرُ(٥) الأواخِرُ الأوائلا(٦) وقرأ أبو عمرو والجَحْدريُّ ويعقوبُ وحمزةُ بحَذْفِها في الوصل والوقف معاً(٧)؛ قالوا: هي زائدةٌ في الخطّ كما زِيدَتْ الألفُ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] (٨) فكتبوها كذلك، وغير هذا. وأمَّا الشعرُ فموضعُ ضرورةٍ، بخلاف القرآن فإنه أَفْصَحُ اللغات ولا ضرورةً فيه. قال ابن الأنباريِّ: ولم يُخالِف المصحفَ مَن (١) أخرجه الطبري ٣٥/١٩ - ٣٦. (٢) وأثبتها أيضاً عاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص٥١٩، والتيسير ص١٧٨ . (٣) والمشهور عنهما غيره على ما يأتي. وذكرها عن أبي عمرو ابن مجاهد في السبعة ص٥٢٠ . (٤) ذكره أبو عمرو الداني في المُقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ص٣٩. (٥) المثبت من (خ)، وفي غيرها: تستنفر. (٦) الرجز لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٣٥، قال شارحه: القرَّح القوافلا، يعني الخيل المسئَّة الضامرة، يقال: قفل الفرس: إذا ضمر. وقوله: ((تستثفر الأواخر الأوائلا، أي: يتلو أواخرُ الخيل أوائلَها، ویروی: تستشرف، وتستفرم. (٧) السبعة ص٥١٩، والتيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٧/٢ - ٣٤٨. (٨) يعني أن رسم المصحف ((ولا أوضعوا)) وكذلك في النمل: ((أولا أذبحنه)) [الآية: ٢١] بزيادة ألف. ينظر المقنع ص٤٥ . ٩٤ سورة الأحزاب: الآية ١٠ قرأ: ((الظنونَ)) و((السبيلَ)) و((الرسولَ)) بغير ألف في الحروف الثلاثة، وخظُهنَّ في المصحف بألفٍ؛ لأنَّ الألف التي في ((أطعنا))، أو الدَّاخِلةَ(١) في أوّل ((الرسول، والظنون، والسبيل)) كفَى من الألف المتطرِّفةِ المتأخِّرةِ، كما كَفَتْ ألِفُ أبي جادٍ من أَلِفِ هوَّاز(٢). وفيه حجةٌ أخرى: أنَّ الألف أُنزلت منزلةَ الفتحةِ وما يُلحَقُ دِعامة للحركة التي تسبق، والنيةُ فيه السقوط، فلمَّا عُمل على هذا كانت الألفُ مع الفتحة كالشيء الواحد يوجب الوقفُ سقوطَها(٣)، ويُعمَل على أنَّ صورة الألف في الخطّ لا توجِبُ موضعاً في اللفظ، وأنَّها كالألف في ((ساحران)) وفي ((فاطر السماوات والأرض)) وفي (واعَذْنَا مُوسى))، وما يشبههنَّ ممَّا يُحذف من(٤) الخطّ وهو موجودٌ في اللفظ، ويثبت في اللفظ وهو مُسْقَطٌ من الخط. وفيه حجةٌ ثالثةٌ: هي أنه كُتب على لغة مَن يقول: لقيتُ الرجُلًا، وقرئ على لغة مَن يقول: لقيت الرجلَ، بغير ألف. أخبرنا أحمد بن يحيى عن جماعةٍ من أهل اللغة أنَّهم رَوَوْا عن العرب: قام الرَّجُلُو، بواو، ومررتُ بالرَّجُلي، بياء، في الوصل والوقف. ولقيتُ الرجُلا، بألف في الحالتين كلتيهما. قال الشاعر: أسائلةٌ عُميرةُ عن أبيها خلالَ الجيش تَعْتَرِف الرّكابا(٥) (١) في (م): والداخلة. (٢) يعني بها حروف: أبجد هوَّز حطّي كلمن صعفض قريسات، التي هي أصل حروف التهجِّي، وأصل أبجد: أبو جاد، وأصل هوّز: هوّاز، وقد كفت ألف أبجد من ألف هوَّاز، فكلما مُثِّل الحرف مرةً؛ استُغنيَ عن إعادته. ينظر المحكم في نَقْط المصاحف للداني ص٢٩ وما بعدها، والفهرست لابن النديم ص٧ . (٣) في (خ) و(ظ) و(م): سقوطهما. (٤) في (٥) و(ظ): في. (٥) البيت لبشر بن أبي خازم، وهو في ديوانه ص٧٣، والصحاح (عرف)، وأساس البلاغة (عرف). ووقع في الصحاح: الركب، بدل: الجيش. وقوله: تعترف، قال الجوهري: اعترفتُ القوم: إذا سألتَهم عن خبر لتعرفه. ٩٥ سورة الأحزاب: الآيتان ١٠ - ١١ فَأَثْبتَ الألفَ في ((الركاب)) بناءً على هذه اللغة. وقال الآخر: إذا الجوزاءُ أردفت الثُّريا ظننتُ بآل فاطمةَ الظُّنونا(١) وعلى هذه اللغة بنَی نافعٌ وغيره. وقرأ ابن كثير وابن مُخَيْصِن والكسائيُّ بإثباتها في الوقف وحَذْفِها في الوصل(٢). قال ابن الأنباريِّ: ومَن وَصَلَ بغير ألفٍ ووَقَفَ بألفٍ فجائزٌ أن يحتجَّ بأنَّ الألف احتاج إليها عند السَّكْتِ حرصاً على بقاء الفتحة، وأنَّ الألف تَدْعَمُها وتقوِّيها. قوله تعالى: ﴿هُنَّالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ((هنا)) للقريب من المكان. و((هنالك)» للبعيد. و((هناك)) للوسط. ويُشارُ به إلى الوقت، أي: عند ذلك اختُبر المؤمنون ليتبيَّن المخْلِصُ من المنافق. وكان هذا الابتلاءُ بالخوف والقتال والجوع والحَصْر والنِّزال. ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ أي: حرِّكوا تحريكاً. قال الزَّجَّاج: كلُّ مصدرٍ من المضاعَفِ علی فِعلال يجوز فيه الکسرُ والفتحُ، نحو: قلقلتُه قِلقالاً وقَلقالاً، وزُلزلوا زلزالاً وزلزالاً. والكسرُ أَجْوَدُ؛ لأنَّ غيرَ المضاعَفِ على الكسر، نحو: دحرجتُه دِحراجاً (٣). وقراءةُ العامة بكسر الزاي، وقرأ عاصم والجحدرِيُّ(٤): ((زَلزالاً)) بفتح الزَّاي. قال ابن سلام: أي: حُرِّكوا بالخوف تحريكاً شديداً. وقال الضحَّاك: هو (١) البيت لخُزيمة بن نَهْد، كما في الأغاني ٧٨/١٣، وجمهرة الأمثال ١٢٣/١، ومجمع الأمثال ١/ ٧٥ . وفي كتاب الأمثال لأبي عبيد ص٣٤٥: حزيمة، بالحاء، وأشار إليه الميداني حيث قال: ويروى: حزيمة، كذا رواه أبو الندى في أمثاله. وفاطمة هي بنت يَذْكُر بنِ عَنَزَة، وكان خزيمة يهواها. (٢) وهي قراءة عاصم من رواية حفص أيضاً. السبعة ص٥١٩، والتيسير ص١٧٨ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٢١٨/٤ - ٢١٩. (٤) كذا في النسخ، ولعل صواب العبارة: عاصم الجحدري دون واو (وهو ابن العجاج)، أما عاصم بن أبي النجود - وهو أحد القراء السبعة - فقراءته كقراءة الجمهور، وقد نسبها لعاصم الجحدري ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص١١٨، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٣/٤، وأبو حيان في البحر ٧/ ٢١٧ وزاد نسبتها لعیسی. ٩٦ سورة الأحزاب: الآيات ١١ - ١٣ إزاحتُهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلَّ موضعُ الخندق. وقيل: إنه اضطرابهم عمَّا كانوا عليه، فمنهم مَن اضْطَربَ في نفسه، ومنهم مَن اضْطَربَ في دينه(١). و((هنالِك)) يجوز أن يكون العاملُ فيه: ((ابْتُليّ))، فلا يُؤْقَفُ على ((هنالك)). ويجوز أن يكون ((وتَظُنُّون بالله الُّنونا))؛ فيوقَفُ على ((هنالك))(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمِ مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ أي: شكٌّ ونفاقٌ: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: باطلاً من القول. وذلك أنَّ طُعْمةً بن أُبَيْرِق ومُعَتِّب بن قُشير وجماعةً نحوٌ من سبعين رجلاً قالوا يومَ الخندق: كيف يَعدنا كنوز کِسْری وقَيْصر ولا يستطيع أحدُنا أن يتبرَّز؟! وإنَّما قالوا ذلك لمَا فَشَا في أصحاب النبيِّ :﴿ مِن قوله عند ضرب الصخرة، على ما تقدَّم في حديث النَّسائيّ(٣)، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَكَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ ٣ فَرِيقٌ مِنْهُمُ الْنِّىَ يَقُولُونَ إِنَّ ◌ُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فَارًا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ﴾ الطائفةُ تقع على الواحد فما فوقه. وعُنيَ به هنا أوْس بن قَيْظِيٍّ والدُ عَرَابةَ بن أوس، الذي يقول فيه الشمّاخ : إذا ما رايةٌ رُفعَتْ لمَجْدٍ تلقَّاها عَرابةُ باليمين(٤) (١) النكت والعيون ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١، وابن سلام هو يحيى. (٢) وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٣٧٣: ومن قال: إن العامل فيه: ((وتظنون)) فليس بالقوي؛ لأن البدأة ليست متمكنة. (٣) ص٧٣ من هذا الجزء. (٤) الدرر ص ١٩٤، والتعريف والإعلام للسهيلي ص ١٣٧، وسلف البيت ٣٨/٦. ٩٧ سورة الأحزاب: الآية ١٣ و (يَثْرِب)) هي المدينة، وسَمَّاها رسول الله ﴾ طَيْبةَ وطابة(١). وقال أبو عبيدة(٢): يثرب اسم أرضٍ، والمدينةُ ناحيةٌ منها. السُّهَيْلُّ(٣): وسُمِّيتْ يثرب لأنَّ الذي نزلها من العماليق اسمُه يثرب بن عميل(٤) بن مهلائيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم. وفي بعض هذه الأسماء اختلاف. وبنو عميل هم الذين سكنوا الجُحْفَة، فأجْحفت بهم السيول فيها، وبها سمِّيت الجُخْفة. ﴿لا مَقَامَ لكم﴾ بفتح الميم قراءةُ العامّة. وقرأ حفصّ والسُّلَميُّ والجحدرِيُّ وأبو حَيْوةَ بضمِ الميم(٥)، يكون مصدراً من أَقام يُقيم، أي: لا إقامةَ، أو موضعاً يقيمون فیه. ومَن فتح فهو اسمُ مكان(٦)، أي: لا موضعَ لکم تقیمون فيه. ﴿فَأَرْجِعُواْ﴾ أي: إلى منازلكم؛ أَمَروُهم بالهروب من عسكر النبيِّ﴾. قال ابن عباس: قالت اليهود لعبد الله بن أُبَيّ ابن سلول وأصحابِه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قَتْلِ أنفسِكم بيدِ أبي سفيان وأصحابِهِ؟! فارجعوا إلى المدينة فإنَّا مع القوم، فأنتم آمنون. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَ﴾ في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثةَ بن الحارث، في قول ابن عباس. وقال يزيد بن رُومان: قال ذلك أوس بن فَيظِيٍّ عن ملأ من قومه(٧). ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: سائبةٌ ضائعةٌ ليست بحصينة، (١) تسميتها طيبة عند أحمد (٢١٥٩٩)، والبخاري (٤٠٥٠)، ومسلم (١٣٨٤) من حديث زيد بن ثابت ﴾. وتسميتها طابة عند أحمد (٢٣٦٠٤)، والبخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد الساعدي . (٢) في مجاز القرآن ١٣٤/٢. ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٣٠٦/٣. (٣) في التعريف والإعلام ص ١٣٧ . (٤) وقع في مطبوع التعريف والإعلام: عبيل، في الموضعين. (٥) السبعة ص ٥٢٠، والتيسير ص١٧٨ عن حفص. (٦) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/٣. (٧) أخرج القولين الطبري ١٩/ ٤٤ . ٩٨ سورة الأحزاب: الآية ١٣ وهي مما يلي العدوّ. وقيل: مُمْكِنةٌ للسُّرَّاق لخُلوِّها من الرجال. يقال: دارٌ مُعْوِرةٌ وذاتُ عَوْرةٍ: إذا كان يَسْهُلُ دخولُها. يقال: عَوِرَ المكان عَوَراً فهو عَوِر. وبيوتٌ عَوِرَة. وأَعْوَرَ فهو مُعْوِر. وقيل: عَوِرةٌ: ذاتُ عَوْرة. وكلُّ مكانٍ ليس بممنوعٍ ولا مستورٍ فهو عَوْرة؛ قاله الھرَوِيُّ. وقرأ ابن عباس وعكرمةُ ومجاهد وأبو رجاء العُطارِدِيُّ: ((عَوِرة)) بكسر الواو(١)، يعني قصيرة الجدران فيها خَلَل؛ تقول العرب: دارُ فلانٍ عَوِرةٌ: إذا لم تكن حصينةً. وقد أَغْوَر الفارِس: إذا بَدَا فيه خَلَلٌ للضَّرب والطَّعْنِ؛ قال الشاعر: ولا الضيفَ مفجوعاً ولا الجارَ مُرْمِلَا (٢) متى تَلْقَهم لم تَلْقَ في البيت مُغْوِراً الجوهريُّ(٣): والعَوْرةُ: كلُّ خَلَلٍ يُتَخَوَّف منه في ثَغْرٍ أو حرب. النحاس (٤): يقال: أَغْوَرَ المكان: إذا تَبَّنتْ فيه عورةٌ، وأَعْوَرَ الفارس: إذا تَبَيَّن منه موضعُ الخلل . المهدوِيُّ: ومَن كَسَرَ الواوَ في ((عورة)) فهو شاذٌّ، ومِثْلُه قولُهم: رجلٌ عَوِرٌ، أي: لا شيءَ له، وكان القياسُ أن يُعَلَّ فيقال: عارٍ، كيومٍ راحٍ، ورجلٍ مالٍ(٥)؛ أصلُهما: روح وموِل. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ﴾ تكذيباً لهم وردًّا عليهم فيما ذكروه . ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: ما يريدون إلَّا الهربَ. قيل: من القتل. وقيل: من الدِّين. وحكى النّقَّاش أنَّ هذه الآيةَ نزلت في قبيلتين من الأنصار: بني حارِثةَ وبني سَلِمة، وهَمُّوا أن (١) المحتسب ١٧٦/٢ . (٢) البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١٢٩، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٢٤ برواية: ولا الجار محروماً ولا الأمر ضائعاً متى تلقهم لا تلق في البيت عورة وذكره الحصري القيرواني في زهر الآداب ٩٠٦/٢ بنحوه مع بيتين آخرين في مدح آل جفنة. (٣) في الصحاح (عور). (٤) في إعراب القرآن ٣٠٦/٣ . (٥) بنحوه في المحتسب ١٧٦/٢ . ٩٩ سورة الأحزاب: الآيتان ١٣ - ١٤ يتركوا مراكزهم يومَ الخندق، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية [آل عمران: ١٢٢]، فلمَّا نزلت هذه الآيةُ قالوا: واللهِ ما ساءَنا ما كنّا هَمَمْنا به؛ إذ اللهُ ولِيُّنا(١). وقال السُّدِّيُّ: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بني حارثةً؛ أحدهما: أبو عَرابةَ بن أوس، والآخَر: أوْس بنُ قَيْظِيٌّ. قال الضخَّاك: ورجع ثمانون رجلاً بغير إذنه(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا @) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دَُِتْ عَلَيْهِم مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ وهي البيوتُ أو المدينة، أي: من نواحيها وجوانبها، الواحدُ: قُظْر، وهو الجانبُ والناحية. وكذلك القُتْر لغةٌ في القُظْر(٣). ﴿ثم سُئلوا الفتنةَ لَأَتَوْها﴾ أي: لجاؤوها؛ هذا على قراءة نافعٍ وابن كثير بالقَصْر. وقرأ الباقون بالمدِّ(٤)، أي: لأَغْطَوْها من أنفسهم، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقد جاء في الحديث: أنَّ أصحاب النبيِّ # كانوا يعذَّبون في الله ويُسألون الشِّرْكَ، فكلٌّ أعطى ما سألوه إلَّا بلالاً (٥). وفيه دليلٌ على قراءة المدِّ، من الإعطاء. (١) النكت والعیون ٣٨٣/٤، وفيه: إن كان الله ولينا. (٢) النكت والعيون ٣٨٢/٤، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ١٨٨/٥. ولعل في رواية السّديّ وهماً، فقد سلف ص٩٦ أن أوس بن قيظي هو أبو عرابة بن أوس. (٣) الصحاح (قتر) و(قطر). (٤) السبعة ص ٥٢٠ ، والتيسير ص١٧٨. وزاد ابن مجاهد نسبتها لابن عامر، وهي روايةٌ عن ابن ذکوان، كما ذكر ابن الجزري في النشر ٣٤٨/٢ . (٥) أخرجه أحمد (٣٨٣٢)، وابن ماجه (١٥٠) من حديث ابن مسعود ﴾ مطولاً، وفيه: وأتاهم على ما أرادوا، بدل: أعطى ما سألوا، وسلف بنحوه ٤٣٣/١٢ - ٤٣٤ . ١٠٠ سورة الأحزاب: الآيتان ١٤ - ١٥ ويدلُّ على قراءةِ القَصْرِ قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُؤَلُونَ آلْأَذْبَرَّ﴾ فهذا يدلُّ على ((لَأَتَوْها)) مقصوراً(١). وفي ((الفتنة)) هنا وجهان: أحدهما: سُئلوا القتالَ في العصبية لأسرعوا إليه؛ قاله الضَّّاك. الثاني: ثم سئلوا الشركَ لأجابوا إليه مسرعين؛ قاله الحسن(٢). ﴿وَمَا تَلَبَّئُواْ بِهَا﴾ أي: بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلَّا قليلاً حتى يهلكوا؛ قاله السُّدِّيُّ والقُتَبِيُّ والحسن والفرَّاءِ(٣). وقال أكثر المفسّرين: أي: وما احْتَبَسوا عن فتنة الشّرك إلَّا قليلاً، ولأجابوا بالشرك مسرعين(٤)، وذلك لضَعْفٍ نَيَّاتهم ولِفَرْطِ نفاقهم؛ فلو اختلطتْ بهم الأحزابُ لأَظْهَروا الكفر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوْ عَنْهَدُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ لَا يُؤَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قَبْلِ غزوةِ الخندقِ وبعدَ بدر، قال قتادةُ: وذلك أنَّهم غابوا عن بدرٍ ورأَوْا ما أعطى الله أهلَ بدر من الكرامة والنصر، فقالوا: لئن أَشْهَدَنا اللهُ قتالاً لنقاتلنَّ. وقال يزيد بنُ رومان: هم بنو حارثةَ؛ هَمُّوا يومَ أُحُدٍ أن يفشلوا مع بني سَلِمة، فلمَّا نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألَّ يعودوا لمِثْلِها، فذكر اللهُ لهم الذي أعطَوْه من أنفسهم (٥). ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: مسؤولاً عنه. (١) قال النحاس في إعراب القرآن ٣٠٧/٣ . أي: لو دخل عليهم الكفار لجاؤوهم. وهذا خلاف ما عاهدوا الله عليه. وقال أيضاً: الحديث في أمر بلال لا يشبه الآية؛ لأن الله عزَّ وجلَّ خبّر عن هؤلاء بهذا الخبر، وبلال وأصحابه إنما أکرهوا. (٢) أخرجه عبد الرزاق ١١٤/٢، وذكره النحاس في معاني القرآن ٣٣٣/٥. (٣) زاد المسير ٦/ ٣٦٢ عن السدي، وتفسير البغوي ٥١٧/٣ عن الحسن، ومعاني القرآن للفراء ٣٣٧/٢، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٣٤٩ . (٤) تفسير البغوي ٣/ ٥١٧. (٥) أخرج قول قتادة وقول يزيد بن رومان الطبري ١٩/ ٤٧ .