النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة السجدة: الآيات ٢٢ - ٢٥ أي: بحُجَجِه وعلاماته ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ بتركِ القبول. ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْيَقِمُونَ﴾ لتكذيبهم وإعراضهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَابِهِ، وَجَعَلْنَهُ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَتِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ هُدِّى لِبَنِىِّ إِسْرَِّيلَ ◌ِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلاَ تَكُنْ فِى مِرْيَكٍِ مِّن لِقَابِهٍ﴾ أي: فلا تكن يا محمد في شكٌّ من لقاء موسى؛ قاله ابن عباس، وقد لقِيَه ليلةَ الإِسراء(١). قتادة: المعنى: فلا تَكُنْ في شكٌّ من أنَّك لقيتَه ليلة الإسراء(٢). والمعنى واحد. وقيل: فلا تكن في شكٌّ من لقاء موسى في القيامة، وستلقاه فيها(٣). وقيل: فلا تكن في شكٌّ من لقاء موسى الكتابَ بالقبول؛ قاله مجاهدٌ (٤) والزجَّاج(٤). وعن الحسن أنه قال في معناه: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ فأوذيَ وكُذِّب، فلا تكن في شكٌّ من أنه سيلقاك ما لقِيَه من التكذيب والأذى. فالهاءُ عائدةٌ على محذوف، والمعنى: مِن لقاءٍ ما لاقَى. النَّاس(٥): وهذا قولٌ غريب، إلّا أنه من رواية عمرو بن عُبید. وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنى: قل يتوقّاكم مَلَكُ الموت الَّذِي وُكِّلَ (١) ذكره عن ابن عباس بنحوه البغوي ٥٠٣/٣، وحديث ابن عباس في لقاء النبي # موسى عليه السلام في الإسراء أخرجه البخاري (٣٢٣٩)، ومسلم (١٦٥)، والطبري ١٨/ ٦٣٦. (٢) تفسير الطبري ٦٣٦/١٨، وأخرجه بنحوه مسلم إثر الحديث (١٦٥). (٣) النكت والعيون ٣٦٦/٤ . (٤) في معاني القرآن ٢٠٩/٤ . (٥) في إعراب القرآن ٣/ ٢٩٧ ، وما قبله منه. ٤٢ سورة السجدة: الآيات ٢٣ - ٢٥ بكم، فلا تكن في مِرْيةٍ من لقائه، فجاء معترِضاً بين ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ وبين وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِّبَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾(١). والضميرُ في «وجَعَلْناه)) فيه وجهان: أحدهما: جعلنا موسى؛ قاله قتادة. الثاني: جعلنا الكتاب؛ قاله الحسن(٢). ﴿وَجَعَلْنَا منهم أَبِمَّةٌ﴾ أي: قادةً وقُدْوةً يُقتَدَى بهم في دينهم. والكوفيون يقرؤون: ﴿أَبِنَّةٌ﴾ (٣)؛ النحاس(٤): وهو لحنٌ عند جميع النَّخويين؛ لأنه جمع بين همزتین في كلمةٍ واحدة، وهو من دقيقِ النحو؛ وشَرْحُه: أنَّ الأصل: ((أَأُمِمَة))، ثم أُلقيتْ حركةُ الميم [الأولى] على الهمزة وأدغمت الميم [في الميم] وخفّفت الهمزة الثانية لئلا يجتمعَ همزتان، والجمعُ بين همزتين في حرفين بعيد، فأمَّا في حرفٍ واحدٍ (٥) فلا يجوز إلَّا بتخفيف الثانية، نحو قولك: آدم وآخر. ويقال: هذا أَوَمُّ من هذا وأَيَمّ، بالواو والياء. وقد مضى هذا في ((براءة)) (٦)، والله تعالى أعلم. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي: يدعون الخَلْقَ إلى طاعتنا. ﴿يِأَمْرِنَا﴾ أي: أَمَرْناهم بذلك. وقيل: ((بأَمْرِنا)) أي: لأَمْرِنا، أي: يهدون الناس لدِيننا. ثم قيل: المرادُ الأنبياءُ عليهم السلام؛ قاله قتادة(٧). وقيل: المرادُ الفقهاءُ والعلماء. ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ قراءةُ العامَّة: ((لَمَّا)) بفَتْحِ اللام وتشديدِ الميم وفَتْحِها، أي: حين (١) ذكر هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٤/٤ . (٢) النكت والعيون ٣٦٦/٤، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٨/ ٦٣٧. (٣) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وسهَّل الثانية نافع وأبو عمرو وابن كثير. ينظر التيسير ص٣٢ . (٤) في إعراب القرآن ٢٩٧/٣، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) يعني في كلمة واحدة. ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٠٩/٤ . (٦) ١٠ / ١٢٧. (٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٦٦/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٤/٦ دون نسبة. وأخرج الطبري عن قتادة أنه قال في معنى ((أئمة)): رؤساء في الخير. ٤٣ سورة السجدة: الآيات ٢٣ - ٢٦ صبروا. وقرأ يحيى وحمزةُ والكسائيُّ وخَلَف ورُوَيْس عن يعقوب: ﴿لِمَا صَبَرُوا﴾(١) أي: لِصَبْرِهم جعلناهم أئمةً. واختاره أبو عبيد اعتباراً بقراءة ابنٍ مسعود: ((بما صَبَروا)) بالباء(٢). وهذا الصبرُ صبرٌ على الدِّين وعلى البلاء. وقيل: صبروا عن الدنيا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيُجازي كُلَّا بما يَستحقّ. وقيل: يقضي بين الأنبياء وبين قومهم؛ حكاه النقاش (٣). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَلِكِنِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَأَيَتٍّ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَّمْ﴾ وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وقتادة وأبو زيد عن يعقوب: (نَهْدِ لَهُمْ)» بالنون، فهذه قراءةٌ بيِّنة(٤). النحاس: وبالياء فيها إشكالٌ؛ لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين الفاعلُ لـ((يَهْدِ))؟ فتكلَّم النحويون في هذا؛ فقال الفراء: (كَمْ)) في موضعِ رفعٍ بـ ((يَهْدِ)). وهذا نقضٌ لأصول النحويِّين في قولهم: إنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قَبْلَه، ولا في ((كَمْ)) بوجهٍ، أعني ما قَبْلَها. ومذهبُ أبي العباس: أنَّ ((يهْدِ)) يدلُّ على الهُدَى؛ والمعنى: أَوَلمْ يَهْدِ لهم الهُدَى. وقيل: المعنى: أَوَلمْ يَهْدِ اللهُ لهم، فيكون معنى الياءِ والنون واحداً، أي: أَوَلمْ نُبَيِّن لهم إهلاكَنا القرونَ الكافرةَ مِن قَبْلِهم. وقال الزجَّاج: (كَمْ)) في موضعِ نصبٍ بـ ((أَهْلَكْنا))(٥). (١) السبعة ص٥١٦، والتيسير ص ١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢ عن حمزة والكسائي ورويس. (٢) معاني القرآن للفراء ٣٣٢/٢، وتفسير الطبري ٦٣٨/١٨. (٣) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٣٦٧ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٣ عن السلمي وقتادة، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١٨ عن علي وابن عباس والسلمي. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٣٣/٢، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢١١/٤. ٤٤ سورة السجدة: الآيتان ٢٦ - ٢٧ ﴿يَْثُونَ فِي مَسَئِكِهِمْ﴾ يَحتمِل الضميرُ في ((يَمْشُون)) أن يعود على الماشين في مساكن المُهْلَكين، أي: وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون. ويَحتمِل أن يعود على المهلَكين فيكون حالاً، والمعنى: أهلكناهم ماشين في مساكنهم . ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَأَيَتٍّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ آياتِ اللهِ وعِظَاتِهِ فِيتَّعِظُون؟! قوله تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا ﴾ تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ﴾ أي: أَوَلمْ يعلموا كمالَ قُدْرَتِنا بسَوْقِنا الماءَ إلى الأرض اليابسة التي لا نباتَ فيها لِنُحْيِيَها. الزَّمخْشريُّ (١): الجُرُز: الأرضُ الني جُرِز نباتُها، أي: قُطع؛ إمَّا لعُدْمِ الماء، وإمَّا لأنه رُعيَ وأُزيل. ولا يقال للَّتي لا تُنْبِتُ كالسِّبَاخِ: جُرُز، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا﴾. قال ابن عباس: هي أرضٌ باليمن. وقال مجاهد: هي أَبْيَن(٢). وقال عكرمة: هي الأرضُ الظَّمْأَى. وقال الضخَّاك: هي الأرضُ الميتةُ العَظْشَى. وقال الفرَّاء(٣): هي الأرض التي لا نباتَ فيها. وقال الأصمعيُّ: هي الأرضُ التي لا تُنْبِتُ شيئاً. وقال محمد بن يزيد: يَبْعُدُ أن تكون إلَّا أرضاً بعينها لدخول الألفِ واللام، إلَّا أنه يجوز على قول ما قال ابن عباس والضحاك (٤). [قال أبو جعفر:] والإسنادُ عن ابن عباس صحيحٌ لا مطعنَ فيه. وهذا إنَّما هو نعتٌ، والنعتُ للمعرفة يكون بالألف واللام، وهو مشتقٌّ من قولهم: رجلٌ جَرُوزٌ: إذا كان لا يُبْقِي شَيئاً إلَّا أَكَلَه؛ قال الراجز: (١) الكشاف ٢٤٧/٣ . (٢) أخرج القولين الطبري ٦٤١/١٨ - ٦٤٢، وذكرهما النحاس في إعراب القرآن ٢٩٨/٣. وأبين: موضع في اليمن. ينظر معجم البلدان ١/ ٨٦ . (٣) في معاني القرآن ٣٣٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٨/٣ - ٢٩٩، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في النسخ: يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام إلا أنه يجوز على قول من قال العباس والضحاك، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. ٤٥ سورة السجدة: الآيات ٢٧ - ٢٩ خَبُّ جَروزٌ وإذا جاع بَكَى ويأكل التمرَ ولا يُلقي النَّوَى(١) وكذلك ناقةٌ جَروزٌ: إذا كانت تأكل كلَّ شيءٍ تَجِدُه. وسيفٌ جُراز: أي: قاطِعٌ ماضٍ. وَجَرَزتِ الجرادُ الزَّرْعَ: إذا استأصلته بالأكل. وحكى الفرَّاء(٢) وغيره أنه يقال: أرضٌ جُرْز وجُرُز وجَرْز وجَرَز. وكذلك بُخل ورُغب ورُهب؛ في الأربعة أربعُ لغات. وقد روي أنَّ هذه الأرضَ لا أنهارَ فيها، وهي بعيدةٌ من البحر، وإنَّما يأتيها في كلِّ عامٍ واديان، فيزرعون ثلاثَ مراتٍ في كلِّ عام. وعن مجاهد أيضاً: أنَّها أرضُ النِّيل. ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أي: بالماء ﴿زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ﴾ من الكلأ والحشيش ﴿وَنْفُسُهُمْ﴾ من الحَبِّ والخَضِرِ والفواكه ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ هذا فيعلمون أنَّا نقدِرُ على إعادتهم؟! و(فَنُخْرِجُ)) يكون معطوفاً على ((نَسُوقُ))، أو منقطعاً ممَّا قَبْلَه. ((تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامهم)) في موضعٍ نصبٍ على النعت. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ ﴾ قُلْ يَوْمَ اٌلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَانُهُمْ وَلَا هُ يُنَظَرُونَ ٠ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ ((مَتَى)) في موضع رفعٍ، ويجوز أن يكون في موضع نصبٍ على الطَّرْف(٣). قال قتادة: الفتح: القضاء(٤). وقال الفرَّاء والقُتَبِيُّ: يعني فتح مكة(٥). وأَوْلى مِن هذا ما قاله مجاهد، قال: يعني يومَ القيامة. (١) الرجز للشماخ، وهو في ديوانه ص ٣٨٠ - ٣٨١، والأول منهما برواية: خبُّ جبانٌ. وهو برواية المصنف في المقصور والممدود للفراء ص٦٧، ومقاييس اللغة ٧٩/٢، والصحاح (حطب) والنكت والعيون ٣٦٧/٤، واللسان (حثا) و(حطب). وفيه: الخب، أي: اللئيم. (٢) في معاني القرآن ٣٣٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٩/٣. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٣. (٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣١٤/٥، وأبو الليث ٣٣/٣. (٥) معاني القرآن للفراء ٣٣٣/٢، وتفسير الغريب لابن قتيبة ص٣٤٧. ٤٦ سورة السجدة: الآيات ٢٨ - ٣٠ ويُروى أنَّ المؤمنين قالوا: سيحكُم الله عزَّ وجلَّ بيننا يومَ القيامة، فیثیبُ المحسنَ ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التَّهَزّي: متى يومُ الفتح؟ أي: هذا الحُكْم. ويقال للحاكم: فاتح وفتَّاح؛ لأنَّ الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل. وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِأَلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩](١) وقد مضى هذا في ((البقرة))(٢) وغيرها. ﴿قُلْ يَوْمَ اٌلْفَتْحِ﴾ على الظّرف. وأجاز الفرَّاء الرفع(٣). ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُّوَاْ إِيمَنُهُمْ وَلَا هُ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخّرون ويُمْهَلون للتوبة، إن كان يومُ الفتحِ يومَ بدرٍ أو فتحَ مكة. ففي بدر قُتلوا، ويومَ الفتحِ هربوا، فلحقهم خالد بنُ الوليد فقتلهم. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ إِنَّهُم مُتَظِرُونَ قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قيل: معناه: فَأَعْرِضْ عن سَفَهِهم ولا تُجِبْهم إلَّا بما أُمرتَ به ﴿وَأَنَظِرْ إِنَّهُم مُّمْتَظِرُونَ﴾ أي: انتظرْ يومَ الفتح، يومَ یحكم الله لك علیھم(٤). ابن عباس: ﴿فَأَعْرِضٌ عَنْهُمْ﴾ أي: عن مُشْركي قريش بمكة، وأنَّ هذا منسوخٌ بالسيف في ((براءة)) في قوله: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥](٥)، ﴿وَأَنتَظِرْ﴾ أي: موعدي لك. قيل: يعني يومَ بدر. ﴿إِنَّهُم مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: ينتظرون بکم حوادث الزمان. وقيل: الآيةُ غيرُ منسوخة؛ إذ قد يقع الإعراضُ مع الأمر بالقتال؛ كالهُدْنة وغيرها. وقيل: أَعْرِضْ عنهم بعد ما بَلَّغتَ الحُجَّة، وانتَظِرْ إنهم منتظرون. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/٣ - ٣٠٠. (٢) ٢/ ٢١٤ - ٢١٥ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٠/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٣٣/٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٠٠ . (٥) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٨١ من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. ٤٧ سورة السجدة: الآية ٣٠ إن قيل: كيف ينتظرون القيامةَ وهم لا يؤمنون؟ ففي هذا جوابان: أحدهما: أن يكون المعنى: إنهم منتظرون الموتَ، وهو من أسباب القيامة، فيكون هذا مجازاً . والآخر: أنَّ فيهم مَن يشكُّ، وفيهم مَن يؤمن بالقيامة، فيكون هذا جواباً لهذين الصِّنْفَين. والله أعلم(١). وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ((إِنَّهم مُنْتَظَرون)) بفتح الظاء(٢). ورويتْ عن مجاهدٍ وابن مُخَيْصِن. قال الفرَّاء: لا يصحّ هذا إلَّا بإضمارٍ، مَجازُه: إنهم منتظرون بهم. قال أبو حاتم: الصحيحُ الكسر(٣)، أي: انتظر عذابهم إنَّهم منتظِرون هلاكك. وقد قيل: إنَّ قراءةَ ابن السَّمَيْفَع - بفتح الظاء - معناها: وانتَظِرْ هلاكَهم، فإنَّهم أَحِقَّاءُ بأن يُنْتَظَر هلاكُهم، يعني أنَّهم هالكون لا مَحالةَ، [أو] وانتظر ذلك، فإنَّ الملائكة في السماء ينتظرونه؛ ذكره الزمخشرِيّ(٤). وهو معنى قولِ الفرَّاء. والله أعلم. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٠/٣. (٢) المحتسب ٢/ ١٧٥، والكشاف ٤٧/٣ . (٣) ذكر قول أبي حاتم ابنُ جني في المحتسب ٢/ ١٧٥، ولم نقف على قول الفراء في معاني القرآن له. (٤) في الكشاف ٢/ ٢٤٧، وما سلف بين حاصرتين منه. سورة الأحزاب ١ مدنيّةٌ في قول جميعِهم، نزلت في المنافقين وإيذائهم رسولَ الله ﴾، وَطعْنِهِم فيه وفي مناكَحته وغيرها، وهي ثلاثٌ وسبعون آيةً. وكانت هذه السورةُ تَعْدِلُ سورةَ البقرة. وكانت فيها آيةُ الرَّجْم: ((الشَّيخُ والشيخةُ إذا زَنَيَا فارجموهُما الْبَثَّةَ نَكالاً من الله واللهُ عزيزٌ حكيم))؛ ذكره أبو بكر الأنباريُّ عن أُبَيِّ بن كعب(١). وهذا يَحْمِلُه أهلُ العلم على أنَّ الله تعالى رَفَع من الأحزاب إليه ما يَزِيدُ على ما في أيدينا، وأنَّ آية الرَّجْم رُفع لَفْظُها، وقد حدَّثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال: حدّثنا أبو عبيد القاسم بنُ سلَّام قال: حدَّثنا ابن أبي مريم، عن ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، عن عروةَ، عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تَعْدِلُ على عهد رسول الله ﴾ مئتي آية، فلمَّا كُتب المصحفُ لم يقدر منها إلَّا على ما هي الآن(٢). قال أبو بكر: فمعنى هذا من قول أمِّ المؤمنين عائشة: أنَّ الله تعالى رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا. قلت: هذا وجهٌ من وجوه النسخ، وقد تقدَّم في ((البقرة)) القولُ فيه مستوفّى(٣) والحمد لله. ورَوَى زِرٍّ قال: قال لي أُبَيّ بن كعب: كم تعدُّون سورةَ الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً (١) هو عند ابن الأنباري في المصاحف كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ١٧٩/٥، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٩٠-١٩١، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١٢٠٧)، والنسائي في الكبرى (٧١١٢)، وسيرد لفظه بتمامه. (٢) هو عند ابن الأنباري فيما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٠، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٩٠، وفيهما: فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها ... الخ. والقائل: حدثنا أحمد ابن الهيثم ... هو ابن الأنباري. وقد ردَّ الباقلاني هذه الروايات في الانتصار ٣٩٤/١، ونقلنا كلامه ٣٠٢/٢ . (٣) ٣٠٠/٢. ٤٩ سورة الأحزاب: الآية ١ وسبعين آية. قال: فوالذي يحلفُ به أُبَيّ بن كعب، إنْ كانت لَتَعْدِلُ سورةَ البقرة أو أَطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم: «الشيخ والشيخةُ إذا زَنْيًا فارْجُمُوهما الْبَّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم))(١). أراد أُبَيِّ أنَّ ذلك من جملة ما نُسخ من القرآن. وأمَّا ما يُحكى أنَّ تلك الزيادةَ كانت في صحيفةٍ في بيت عائشةَ فأكلتها الدَّاجِنُ؛ فِمنْ تأليفٍ الملاحِدَةِ والرَّوَافِض(٢). بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَاَلْمُنَّفِقِينَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿يَأَّهَا النَّقُّ أَنَّقِ اللَّهَ﴾ ضُمَّت ((أيّ)) لأنه نداءٌ مُفْرَد، والتنبيهُ لازِمٌ لها. و ((النبيّ)) نعتٌ لأيّ عند النَّحْويين، إلَّ الأَخْفَشَ فإنه يقول: إنَّه صلةٌ لأيّ(٣). مكِّيّ: ولا يُعرفُ في كلام العرب اسمٌ مفردٌ صلة لشيءٍ(٤). النخَّاس: وهو خطأٌ عند أكثر النَّحْويين؛ لأنَّ الصِّلة لا تكونُ إلَّا جملةً. والاحتيالُ له فيما قال، أنَّه لمّا كان نعتً لازماً سُمِّيَ صلةً، وهكذا الكوفيون يسمُّون نعتَ النكرة صلةً لها(٥). ولا يجوز نَصْبُه على الموضع عند أكثر النحويين. وأجازه المازنيُّ، جَعَلَه كقولك: يا زيدُ الظريفَ، بنصبٍ ((الظريف)) على موضع زيد؛ مكِّيّ(٦): وهذا نعتٌ (١) سلف تخريج حديث أُبيّ قبل تعليق، وينظر فتح الباري ١٢/ ١٤٣ . (٢) الكشاف للزمخشري ٢٤٨/٣ . وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣٢ : بل راويها ثقة غير متهم ... وكأن المصنف (يعني الزمخشري) فهم أن ثبوت هذه الزيادة يقتضي ما تدَّعيه الروافض: أن القرآن ذهب منه أشياء، وليس ذلك بلازم، بل هذا مما نسخت تلاوته وبقي حکمه، وأکل الدواجن لها وقع بعد النسخ. اهـ. وينظر تأويل مختلف الحديث ص ٢١٠ . والخبر أخرجه ابن ماجه (١٩٤٤). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠١/٣. (٤) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٧٢، وغيّر محقِّقُه لفظ: لشيء، إلى لفظ: لأيّ. (٥) إعراب القرآن ٣٠١/٣ . (٦) في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٧٢ ، وما قبله منه. ٥٠ سورة الأحزاب: الآية ١ يُستغنَى عنه، ونعتُ ((أيّ)) لا يُستغنَى عنه، فلا يَحْسُنُ نَصْبُه على الموضع. وأيضاً فإنَّ نعت ((أيّ)) هو المنادَى في المعنى فلا يَحْسُنُ نَصْبُه. ورويَ أنَّ رسول اللـه ﴾ لمَّا هاجر إلى المدينة وكان يحبُّ إسلامَ اليهود: قُريظةً والنَّضير وبني قَيْنُقَاعِ، وقد تابعه ناسٌ منهم على النِّفاق، فكان يُلينُ لهم جانبَه، ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيحٌ تَجاوَزَ عنه، وكان يسمع منهم، فنزلت(١). وقيل: إنها نزلت - فيما ذَكَر الواحديُّ والقُشَيْرِيُّ والثَّعلبيُّ والماوَزْدِيُّ وغيرهم - في أبي سفيان بن حرب، وعِكرمةَ بنِ أبي جهل، وأبي الأعور عمرو (٢) بن سفيان، نزلوا المدينة على عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول - رأسِ المنافقين - بعد أُحُد، وقد أعطاهم النبيُّ # الأمانَ على أن يكلِّموه، فقام معهم عبد الله بنُ سعد بن أبي سَرْح وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، فقالوا للنبي# وعنده عمر بن الخطاب: ارْفُضْ ذِكْرَ آلهتنا اللّات والعزَّى ومَناة، وقُلْ إنَّ لها شفاعةً ومنعةً لمَن عَبَدَها، ونَدَعُك وربَّك. فَشَقَّ على النبيِّ# ما قالوا. فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي في قتلهم. فقال النبيُّ﴾: ((إني قد أعطيتُهم الأمان)) فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النبيُّ# أن يُخْرَجوا من المدينة، فنزلت الآية(٣): ﴿يَأَيُّهَا النَّقُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: خَفِ الله ﴿وَلَا تُطِيع الْكَفِينَ﴾ من أهل مكة، يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة ﴿وَالْمُنَّفِقِينَ﴾ من أهل المدينة، يعني عبد الله بنَ أَبَيّ وُعْمةً وعبد الله بنَ سعد بن أبي سَرْحٍ فيما نُهيتَ عنه، ولا تَمِلْ إليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بكفرهم ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يَفْعَلُ بهم. الزَّمخشريُّ(٤): ورُويَ أنَّ أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور (١) الكشاف ٢٤٨/٣ . قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٣٢ : لم أجده. (٢) في النسخ: عمر، والمثبت هو الصواب. ينظر الإصابة ٧/ ١١٤. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٣٦٨، وتفسير البغوي ٣/ ٥٠٥، وبنحوه في معاني القرآن للفراء ٣٣٤/٢، والنكت والعيون ٣٦٦/٤، والكشاف ٢٤٨/٣ . قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣٢ : هكذا ذكره الثعلبي والواحدي دون سند. اهـ وسيذكره المصنف عن الزمخشري. (٤) في الكشاف ٢٤٨/٣ . ٥١ سورة الأحزاب: الآيات ١ - ٣ السُّلَميَّ قدِموا على النبيِّ :﴿ في المُوادَعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله ابن أبَيِّ ومُعَتِّب بنُ قُشَير والجَدّ بن قيس، فقالوا لرسول الله ﴾: ارْفُضْ ذِكْرَ آلهتنا. وذَكَر الخبر بمعنى ما تقدَّم. وأنَّ الآية نزلت في نَقْضِ العهدِ ونَبْذِ الموادعة. ﴿وَلَا تُطِع اُلْكَفِرِينَ﴾ من أهل مكة ﴿وَالْمُنتَفِقِينَ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. ورويَ أنَّ أهل مكة دَعَوْا رسول اللـه ﴾ إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شَطْرَ أموالهم، ويزوِّجه شيبةُ بن ربيعة بنتَه، وخوَّفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إنْ لم يرجع، فنزلت(١). النخَّاس(٢): ودلَّ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ على أنه كان يميلُ إليهم استدعاءً لهم إلى الإسلام، أي: لو علم الله عزَّ وجلَّ أنَّ مَيْلك إليهم فيه منفعةٌ لَمَا نَهاكَ عنه؛ لأنه حكيم. ثم قيل: الخطابُ له ولأمته. قوله تعالى: ﴿وَأَشَّبِعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّيِّكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ٣ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ٢ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِعَ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ﴾ يعني القرآن. وفيه زَجْرٌ عن اتِّباع مَرَاسِمِ الجاهلية، وأَمْرٌ بجهادهم ومُنابذتهم، وفيه دليلٌ على تَرْكِ اتِّباعِ الآراء مع وجود النص. والخطابُ له ولأمته. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قراءةُ العامَّةِ بتاءٍ على الخطاب، وهو اختيارُ أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ السُّلَميُّ وأبو عمرو وابنُ أبي إسحاقَ: ((يعملون)) بالياء على الخبر، وكذلك في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩](٣). (١) الكشاف ٢٤٨/٣. وذكره بنحوه السيوطي في الدر المنثور ١٨٠/٥ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، ولم نقف عليه في تفسيره. (٢) في إعراب القرآن ٣٠١/٣ . (٣) السبعة ص٥١٨ و٥١٩، والتيسير ص١٧٧ عن أبي عمرو. ٥٢ سورة الأحزاب: الآيات ٢-٤ ﴿وَتَوَكَّلْ عَ الَهِ﴾ أي: اعتَمِدْ عليه في كلِّ أحوالك فهو الذي يمنعُك(١)، ولا يضرُّك مَن خَذَلك. ﴿وَكَغَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: حافظاً . وقال شيخٌ من أهل الشام: قدِم على النبيِّ﴾ وفدٌ من ثَقيفٍ، فطلبوا منه أنْ يمتِّعهم باللَّات سنةً - وهي الطاغيةُ التي كانت ثقيف تعبدها - وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا عندك، فَهَمَّ النبيُّ :# بذلك، فنزلت: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كافياً لك ما تخافُه منهم(٢). و(بالله)) في موضع رفعٍ لأنه الفاعل. و((وكيلاً)) نصبٌ على البيان أو الحال(٣). قوله تعالى: ﴿َّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهٍ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ اَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوَّلُكُمْ بِأَفْوَِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ﴾ فیه خمس مسائل: الأولى: قال مجاهد: نزلت في رجلٍ من قريش كان يُدْعَى ذا القلبين من دهائه، وكان يقول: إنَّ لي في جَوْفي قلبين، أَعْقِلُ بكلِّ واحدٍ منهما أفضلَ من عَقْلِ محمد. قال: وكان من فِهْر (٤). الواحديُّ والقُشَيْريُّ وغيرهما: نزلت في جميل بن معمر الفِهْريّ، وكان رجلاً حافظاً لِمَا يسمع. فقالت قريش: ما حفظَ (٥) هذه الأشياءَ إلَّا وله قلبان. وكان يقول: لي قلبان أَعْقِلُ بهما أفضلَ من عقل محمد. فلمَّا هُزِمَ المشركون يومَ بدر ومعهم جميل ابن معمر، رآه أبو سفيان في العِير وهو معلِّقٌ إحدى نَعْلَيْه في يده والأخری في رجله، (١) في (ظ): ينفعك. (٢) لم نقف عليه. (٣) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٧٢ . (٤) أخرجه الطبري ٨/١٩، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٣٧٢). (٥) في (م): يحفظ. : ٥٣ سورة الأحزاب: الآية ٤ فقال أبو سفيان: ما حالُ الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بالُ إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرتُ إلَّا أنهما في رجليّ؛ فعرفوا يومَئذٍ أنه لو كان له قلبان لَمَا نسي نَعْلَه في يده(١). وقال السُّهَيْلِيُّ: كان جميل بنَ معمر الجُمَحيُّ، وهو ابنُ معمر بن حبيب بن وهب ابن حُذافة بن جُمَح، واسم جمح: تَيْم، وكان يدعَى ذا القلبين، فنزلت فيه الآية، وفيه يقول الشاعر: وكيف ثَوائي بالمدينة بعد ما قضى وَطَراً منها جَمِيلُ بن معمر(٢) قلت: كذا قالوا: جميل بن معمر. وقال الزَّمخشريُّ: جميل بنُ أسد الفِهْري(٣). وقال ابن عباس: سببها أنَّ بعض المنافقين قال: إنَّ محمداً له قلبان؛ لأنه ربَّما كان في شيء؛ فَنَزَعَ في غيره نزعةً ثم عاد إلى شأنه الأوّل، فقالوا ذلك عنه، فَأَكْذَبهم =(٤) الله عزَّ وجلَّ (٤). وقيل: نزلت في عبد الله بن خَطَل(٥). وقال الزُّهريُّ وابن حَيَّان: نزل ذلك تمثيلاً في زيد بن حارثة لمَّا تبنَّاه النبيُّ لَ﴾، فالمعنى: كما لا يكون لرجلٍ قلبان، كذلك لا يكون ولدٌ واحدٌ لرجلين(٦). قال (١) أسباب النزول للواحدي ص٣٦٩ - ٣٧٠، وتفسير البغوي ٥٠٥/٣ - ٥٠٦ . وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧٠/٤ - ٣٧١ بنحوه وعزاه للسدّي. (٢) التعريف والإعلام ص١٣٥، وذكر البيت أيضاً المبرد في الكامل ٢/ ٥٦٤، وابن عبد البر في التمهيد ١٩٧/٢٢، والحافظ في الإصابة ٩٨/٢. (٣) الكشاف ٢٤٩/٣، وترجم له الحافظ في الإصابة ٩٦/٢، فسماه: جميل بن أسيد، وذكر في اسمه أقوالاً ثم قال: وقيل: إن ذا القلبين جميل بن معمر؛ قاله السهيلي، والمشهور أنه غيره. (٤) المحرر الوجيز ٣٦٧/٤-٣٦٨. وأخرجه بنحوه أحمد (٢٤١٠)، والترمذي (٣١٩٩)، والطبري ١٩/ ٧، والحاكم ٤١٥/٢ . وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم فتعقبه الذهبي بقول: قابوس ضعيف. اهـ. وقابوس هو ابن أبي ظبيان أحد رجال الإسناد. (٥) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٢١٣/٤ - ٢١٤، والنحاس في معاني القرآن ٣١٩/٥ . (٦) أخرجه عن الزهري بنحوه الطبري ٩/١٩، وذكره عن مقاتل بن حيان الماوردي في النكت والعيون ٣٧١/٤. ٥٤ سورة الأحزاب: الآية ٤ النحاس(١): وهذا قولٌ ضعيفٌ لا يصحُّ في اللغة، وهو من مُنْقِطِعات الزُّهريّ، رواه معمر عنه. وقيل: هو مَثَلُ ضُرب للمُظاهِر، أي: كما لا يكون للرجل قلبان، كذلك لا تكون امرأة المُظاهِرِ أنَّه حتى تكون له أُمَّان(٢). وقيل: كان الواحدُ من المنافقين يقول: لي قلبٌ يأمرني بكذا، وقلبٌ يأمرني بكذا، فالمنافقُ ذو قلبين، فالمقصودُ ردُّ النفاق . وقيل: لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب، كما لا يجتمع قلبان في جوف، فالمعنى: لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب . ويظهر من الآية بجملتها نَفْيُ أشياءً كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلامٌ بحقيقة الأمر، والله أعلم. الثانية: القلبُ بَضْعة(٣) صغيرةٌ على هيئة الصَّنَوْبَرة، خَلَقَها الله تعالى في الآدميِّ وجعلها محلًا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يَسَع في أسفار، يكتبه الله تعالى فيه بالخطّ الإلهيّ، ويضبطه فيه بالحفظ الرَّبَّاني، حتى يحصيَه ولا ينسى منه شيئاً. وهو بين لَمَّتَين: لَمَّة من المَلك، ولَمَّة من الشيطان(٤). كما قال :﴿؛ خرَّجه الترمذيُّ، وقد مضى في ((البقرة))(٥). وهو محلُّ الخَطَرات والوساوس، ومكانُ الكفر والإيمان، وموضعُ الإصرار والإنابة، ومجرى الانزعاج والطمأنينة. والمعنى في الآية: أنه لا يجتمع في القلب (١) في معاني القرآن ٣١٩/٥ . (٢) ذكره البغوي ٥٠٣/٣ عن الزهري ومقاتل. (٣) البَضْعة - وقد تكسر -: القطعة من اللحم. القاموس (بضع). (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٩٢ . واللمة: الخَطْرة تقع في القلب. النهاية (لمم). (٥) ٣٥٥/٤، وهو عند الترمذي (٢٩٨٨). ٥٥ سورة الأحزاب: الآية ٤ الكفرُ والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار؛ وهذا نفيٌ لكلِّ ما تَوَهَّمه أحدٌ في ذلك من حقيقة أو مجاز(١)، والله أعلم. الثالثة: أَعْلَم الله عزَّ وجلَّ في هذه الآية أنه لا أحدَ بقلبين، ويكون في هذا طعنٌ على المنافقين الذين تقدَّم ذكرهم، أي: إنَّما هو قلبٌ واحد، فإمَّا فيه إيمانٌ، وإما فيه كفر؛ لأن درجة النفاق كأنها متوسّطةٌ، فنفاها الله تعالى، وبيَّن أنه قلبٌ واحد. وعلى هذا النحو يَستشهدُ الإنسان بهذه الآية متى نسيَ شيئاً أو وهم، يقول على جهة الاعتذار: ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُنَّهَتِكُمْ﴾ يعني قولَ الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي. وذلك مذكورٌ في سورة المجادلة، على ما يأتي بیانُه إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أَجْمعَ أهل التفسير على أنَّ هذا نَزَل في زيد بن حارثة. وروى الأئمةُ أنَّ ابن عمر قال: ما كنَّا ندعو زيد بن حارثةَ إلَّا زيد بنَ محمد حتى نزلت: ﴿آَدْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾(٣). وكان زيدٌ فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مَسْبِيًّا من الشام، سَبَتْه خيلٌ من تِهامةَ، فابتاعه حكيم بن حزام بن خُويلد، فوهبه لعمته خديجةَ، فوهبته خديجةٌ للنبيِّ *، فأعتقه وتبنّاه، فأقام عنده مدَّة، ثم جاء عمُّه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبيُّ وذلك قبل البعث: ((خَيِّراه، فإن اختاركما فهو لكما دونَ فِداءٍ)). فاختار الرقَّ مع رسول اللـه : # على حرِّيته وقومه، فقال محمدٌ﴾ عند ذلك: ((يا معشرَ قريش، اشْهَدوا أنه ابني يرثُني وأَرِثُه)) وكان يطوفُ على حِلَق قريشٍ يُشهدهم على (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٢/٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٦٨/٤ . (٣) أخرجه أحمد (٥٤٧٩)، والبخاري (٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥). ٥٦ سورة الأحزاب: الآية ٤ ذلك، فرضيَ ذلك عمُّه وأبوه وانصرفا(١). وكان أبوه لمَّا سُبي يدور على الشام ويقول : أَخَيٍّ فيُرجَى أم أتَى دونَه الأجَلْ بكيتُ على زيدٍ ولم أَذْرِ ما فَعَلْ أَغالَكَ بعدِي السَّهلُ أم غالك الجبلْ فواللهِ لا أدري وإني لسائلٌ فحسبي من الدنيا رجوعُك لي بَجَلْ فيا ليت شِعْري هل لك الدهرَ أَوْبَةٌ وتَعْرِضُ ذكراه إذا غَرْبُها أَفَلْ تُذَكِّرُنِيهِ الشمسُ عند طلوعها. فيا طولَ ما حُزْني عليه وما وَجَلْ وإِنْ هَبَّتِ الأرياحُ(٢) هَيَّجْنَ ذِكرَه سَأُعْمِلِ نَصَّ العِيسِ في الأرض جاهداً ولا أَسْأُمُ الشَّطوافَ أو تسأمُ الإبلْ فكلُّ امرئٍ فانٍ وإِنْ غَرَّه الأملُ(٣) حياتيَّ أو تأتي عليَّ مَنِيَّتي فأخبر أنه بمكة، فجاء إليه فهلك عنده، ورويَ أنه جاء إليه، فخيَّره النبيُّ ﴾ . - كما ذكرنا - وانصرف(٤). وسيأتي من ذِكْرِهِ وفَضْلِه وشَرَفه شفاءٌ عند قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَجْنَكَهَا﴾ [الآية: ٣٧] إن شاء الله تعالى. وقتل زيد بمُؤْتَةً من أرض الشام سنةَ ثمانٍ من الهجرة، وكان النبيُّ # أمَّره في تلك الغَزَاة، وقال: ((إنْ قُتل زيدٌ فجعفر، فإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة)). فقُتل (١) ذكر هذا الخبر مطولاً ابن سعد في الطبقات ٣/ ٤٠ - ٤٢ ثم قال: هذا كله حدثنا به هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما، وقد ذكر بعضَ هذا الحديث عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس. اهـ. وذكره عن ابن عباس أيضاً ابن عبد البر في الاستيعاب ٤٩/٤ ، والسيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨١ وعزاه لابن مردويه. ولم نقف عليه عن أنس ﴾. (٢) في المصادر: الأرواح. والأرواح جمع ريح، جمعه على الأصل؛ لأن الأصل فيه الواو. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ١/ ١٦٣ . (٣) سيرة ابن هشام ٢٤٨/١، وطبقات ابن سعد ٤١/٣، والاستيعاب ٤٩/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٣/٣، وصفة الصفوة ٣٧٨/١. قوله: بَجَلْ، هي كلمة بمعنى حَسْب، ومعناهما جميعاً الاكتفاء بالشيء. وقوله: إذا غَرْبُها أفل، الأفول: غيبوبة الشمس، ونسب الغروب إلى الأفول اتساعاً ومجازاً. والنَّصُّ: أَرْفَعُ السير. الإملاء المختصر ١٦٢/١ - ١٦٣. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٩٥/٣. ٥٧ سورة الأحزاب: الآيتان ٤ - ٥ الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ولمَّا أَتَّى رسولَ الله لَ﴿ نَعْيُ زيدٍ وجعفر بكى وقال: ((أخَوَاي ومُؤْنسايَ ومحدِّثاي))(١). قوله تعالى: ﴿ آدّعُوهُمْ لَبَِّهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا ٥ تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا فيه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لَِبَآئِهِمْ﴾ نزلت في زيد بن حارثة، على ما تقدَّم بيانُه. وفي قول ابن عمر: ما كنَّا ندعو زيدَ بنَ حارثة إلَّا زيد بنَ محمد، دليلٌ على أنَّ التََّنِّيَ كان معمولاً به في الجاهلية والإسلام، يُتوارثُ به ويُتناصر، إلى أنْ نَسَخَ الله ذلك بقوله: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَآَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: أَعْدَلُ. فَرَفَعَ الله حُكْمَ التََّنِّي، ومَنَع من إطلاق لفظه، وأَرْشَدَ بقوله إلى أنَّ الأَوْلى والأَعْدلَ أن يُنسبَ الرجل إلى أبيه نَسَباً (٢). فيقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جَلَدُ الرجل وظَرْفُه ضمَّه إلى نفسه، وجعل له نصيبَ الذكر من أولاده من ميراثه، وكان يُنْسب إليه فيقال: فلان بن فلان(٣). وقال النخَّاس (٤): هذه الآيةُ ناسخةٌ لِمَا كانوا عليه من التبِّي، وهو مِن نَسْخِ السنَّة بالقرآن، فأَمر أن يَدْعوا مَن دَعَوْا إلى أبيه المعروفِ، فإنْ لم يكن له أبٌّ معروفٌ نَسَبوه (١) الاستيعاب ٤/ ٥٣ والمفهم ٣٠٦/٦. وقوله: ((إن قتل زيد فجعفر ... )) أخرجه البخاري (٤٢٦١) من حديث ابن عمر ﴾. وأخرجه أحمد (١٧٥٠) من حديث عبد الله بن جعفر﴾. و(٢٢٥٥١) من حديث أبي قتادة ﴾. (٢) المفهم ٣٠٦/٦ - ٣٠٧. (٣) الكشاف ٣/ ٢٥٠ . (٤) في الناسخ والمنسوخ ٥٨٣/٢ . ٥٨ سورة الأحزاب: الآية ٥ إلى وَلائه، فإن لم يكن له ولاءٌ معروفٌ قال(١): يا أخي، يعني في الدِّين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]. الثانية: لو نَسَبه إنسانٌ إلى أبيه من التبنِّي فإنْ كان على جهة الخطأ، وهو أن يَسْبِقَ لسانُه إلى ذلك من غير قصدٍ، فلا إثمَ ولا مؤاخذةَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُ كُمْ﴾(٢). وكذلك لو دعوتَ رجلاً إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، ليس عليك بأسٌ؛ قاله قتادة(٣). ولا يَجري هذا المَجرى ما غَلَبَ عليه اسمُ التبِّي، كالحال في المِقْداد بن عمرو؛ فإنه كان غلب عليه نسبُ التبِنِّي، فلا يكاد يُعرف إلَّا بالمقداد بن الأسود؛ فإنَّ الأسود ابن عبد يغوث كان قد تبنّاه في الجاهلية وعُرِف به، فلمَّا نزلت الآية قال المِقْداد: أنا ابنُ عمرو (٤)، ومع ذلك فبقي الإطلاقُ عليه. ولم يُسمع فيمَن مضى مَن عَصَّى مُظْلِقَ ذلك عليه وإن كان متعمِّداً. وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يُدْعَى لأبي حذيفة. وغير هؤلاء ممن تُبُنِّيَ وانْتَسبَ لغير أبيه وشُهِر بذلك وغلب عليه. وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة؛ فإنه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بنُ محمد، فإن قاله أحدٌ متعمِّداً عَصَى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن ◌َّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: فعليكم الجُناح. والله أعلم. ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي: (غَفُوراً)) للعَمْد، و((رَحِيماً)) برفع إثم الخطأ(٥). الثالثة: وقد قيل: إنَّ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ (١) في (م): قال له. (٢) المفهم ٦/ ٣٠٧ . (٣) أخرجه عبد الرزاق ١١١/٢، والطبري ١٣/١٩. (٤) ذكره بهذا اللفظ أبو العباس في المفهم ٣٠٧/٦، والكلام منه، وذكره الحافظ في الإصابة ٩/ ٢٧٣ بنحوه عن ابن الكلبي. (٥) المفهم ٦/ ٣٠٧ . ٥٩ سورة الأحزاب: الآية ٥ وَكِيلًا﴾ مُجْمَل، أي: وليس عليكم جُناحٌ في شيءٍ أخطأتُم به، وكانت فُتْيَا عطاءٍ وكثيرٍ من العلماء على هذا: إذا حَلَفَ رجلٌ ألَّا يفارق غريمه حتى يستوفيَ منه حقّه، فأخذ منه ما يرى أنه جيّدٌ من دنانير، فوجدها زُيُوفاً (١)، أنه لا شيء عليه. وكذلك عنده إذا حلف ألَّا يسلِّم على فلان، فسلَّم عليه وهو لا يعرفه، أنه لا يَحْنَثُ؛ لأنه لم يتعمَّد ذلك. و[﴿ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾] ((ما)) في موضع خفضٍ ردًّا على ((ما)) التي مع ((أخطأتُم))، ويجوز أن تكون في موضع رفعٍ على إضمار مبتدأ، والتقدير: ولكن الذي تؤاخَذون به ما تَعمَّدت قلوبكم. قال قتادةُ وغيره: مَن نَسب رجلاً إلى غير أبيه - وهو يرى أنه أبوه - خطأً، فذلك مِن الذي رَفَع الله فيه الجُناح(٢). وقيل: هو أن يقول له في المخاطبة: يا بُنيّ؛ على غير تَبَنِّ (٣). الرابعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَهِكُمْ﴾ ((بأفواهِكم)) تأكيدٌ لبطلان القول، أي: إنه قولٌ لا حقيقةً له في الوجود، إنَّما هو قولٌ لسانيٌّ فقط. وهذا كما تقول: أنا أمشي إليك على قَدَم، فإنَّما تريد بذلك المبرَّة، وهذا كثير(٤). وقد تقدَّم هذا المعنى في غير موضع(٥). ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ((الحقّ)) نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: يقول القولَ الحقّ. و﴿يَهْدِى﴾ معناه: یبیِّن، فهو يتعدَّی بغیر حرفٍ جرِّ. الخامسة: الأدعياءُ جمع الدَّعيِّ، وهو الذي يُدْعَى ابناً لغير أبيه، أو يدَّعي غيرَ أبيه، والمصدرُ: الدِّغْوة بالكسر. فأَمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصُّلْب، فَمَن جُهل ذلك فيه ولم تَشْتَهِر أنسابُهم كان مَوْلَى وأخاً في الدِّين. وذكر الطبريُّ أنَّ أبا بَكْرةَ قرأ هذه الآية وقال: أنا ممَّن لا يُعرف أبوه، فأنا أخوكم في الدِّين ومولاكم. قال (١) في النسخ الخطية وإعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/٣ والكلام منه: زجاجاً، والمثبت من (م). (٢) سلف في المسألة الثانية. (٣) معاني القرآن للنحاس ٣٢٣/٥ (٤) المحرر الوجيز ٣٦٩/٤. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوَّلُكُمْ بِأَفْوَحِكُمْ﴾ من الآية السابقة. (٥) ينظر ٤٠٥/٥ و١٧٤/١٠ . ٦٠ سورة الأحزاب: الآيتان ٥ - ٦ الراوي عنه: ولو علم - واللهِ - أنَّ أباه حمارٌ لانتمى إليه. ورجالُ الحديث يقولون في أبي بكرةَ: نُفَيْع بن الحارث(١). السادسة: روى الصحيح عن سعد بن أبي وَقّاص وأبي بكرةَ كلاهما قال: سَمِعَتْه أُذناي ووعاه قلبي محمداً ﴾ يقول: ((مَن ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غيرُ أبيه، فالجنةُ عليه حرام)»(٢). وفي حديث أبي ذرِّ أنه سمع النبيَّ # يقول: ((ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمُه إلَّا كَفَرَ))(٣). قوله تعالى: ﴿الَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُ أُمَّهَُهُمُّ وَأُوْلُواْ اْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اَللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَ أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا (٥)﴾ فيه تسعُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿النِِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ هذه الآيةُ أزال الله تعالى بها أحكاماً كانت في صدر الإسلام، منها: أنَّه ﴿ كان لا يصلِّي على مَيّتٍ علیه دَیْن، فلمَّا فتح الله عليه الفتوحَ قال: ((أنا أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فَمَن تُوُفِّيَ وعليه دينٌ فعلَيَّ قضاؤه، ومَن ترك مالاً فلورثته)) أخرجه الصحيحان(٤). وفيهما أيضاً: ((فأيُّكم (١) المحرر الوجيز ٣٦٩/٤، وخبر أبي بكرة في تفسير الطبري ١٣/١٩ . قال الحافظ في التهذيب ٢٣٨/٤: نفيع بن الحارث بن كلدة، أبو بكرة الثقفي، وقيل: اسمه مسروح، وقيل: كان أبوه عبداً للحارث بن كلدة يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة. (٢) صحيح البخاري (٦٧٦٦) و(٦٧٦٧)، وصحيح مسلم (٦٣): (١١٥) واللفظ له، وهو عند أحمد (١٤٥٤). ونصب ((محمد)) على البدل من الضمير في ((سمعته أذناي)). شرح النووي لصحيح مسلم ٥٣/٢ ٠ (٣) صحيح البخاري (٣٥٠٨)، وصحيح مسلم (٦١)، وهو عند أحمد (٢١٤٦٥). قال أبو العباس في المفهم ٢٥٤/١ : مَن فَعَل ذلك مستحلًا فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديث على ظاهره، أما إن كان غير مستحلّ، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولاً على كفران النعم والحقوق. (٤) صحيح البخاري (٢٢٩٨)، وصحيح مسلم (١٦١٩): (١٤)، وهو عند أحمد (٧٨٩٩) وهو من حديث أبي هريرة ﴾.