النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
سورة الروم: الآيات ٢٨ - ٣٠
وهذه المسألة أفضَلُ للطالب من حفظ ديوانٍ كاملٍ في الفقه؛ لأنَّ جميعَ العبادات
البدنية لا تصِحُّ إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك.
قوله تعالى: ﴿بَلِ أَنَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلٍَّ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ
اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ لمَّا قامتْ عليهم الحُجَّةُ
ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك.
﴿فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي: لا هاديَ لمن أضلَّه اللهُ تعالى. وفي هذا ردٌّ على
القدرية. ﴿وَمَا لَهُم مِّنْ نَّصِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَهَا لَا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْذِيبُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٣٠
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ حَنِيفَأْ فِطْرَتَ اُللَّهِ﴾ فيه ثلاث مسائل:
الأولى - قال الزجَّاج: ((فِظْرَةَ)) منصوبٌ بمعنى: اتَّبِعْ فطرةَ الله. قال: لأن معنى
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ﴾: اتَّبِعِ الدِّينَ الحنيفَ واتَّبِعْ فطرةَ الله. وقال الطبري: ﴿فِطْرَتَ
اللَّهِ﴾ مصدر من معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ لأن معنى ذلك: فطرَ اللهُ الناس على ذلك
فِطرةً. وقيل: معنى ذلك: اتَّبِعوا دينَ الله الذي خَلَقَ الناسَ له، وعلى هذا القول يكون
الوقفُ على ((حَنِيفًا)) تامًّا. وعلى القولين الأوَّلين يكون مثَّصلاً، فلا يُوقَفُ على
((حنيفاً)). وسُمِّيتِ الفِطْرَةُ دِيناً لأن الناسَ يُخلَقون له قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ويقال: ((عَلَيْهَا)) بمعنى لها، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ
أَسَأْتُ فَلَهَأَ﴾ (١) [الإسراء: ٧]. والخطاب بـ ((أقِمْ وَجْهَكَ)) للنبيِّ {$*، أمرَه بإقامة وجهِه
الدِّين المستقيم، كما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ الْقَبِمِ﴾ [الروم: ٤٣] وهو دين الإسلام.
(١) إعراب القرآن ٢٧١/٣ - ٢٧٢ دون قوله: وعلى هذا القول يكون الوقف .. إلى قوله: فلا يوقف على
((حنيفاً)). وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٨٤/٤، وقول الطبري في تفسيره ٤٩٣/١٨ .
٤٢٢
سورة الروم: الآية ٣٠
وإقامة الوجه هو تقويمُ المقصد، والقوّة على الجِدِّ في أعمال الدين. وخصَّ الوجه
بالذكر؛ لأنه جامعُ حواسٌ الإنسان وأشرفُه. ودخل في هذا الخطاب أمَّتُه باتِّفاقٍ من
أهل التأويل. و((حَنِيفًا)) معناه: معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرَّفة المنسوخة (١).
الثانية - في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((ما من مولودٍ إلَّا
يُولَدُ على الفِطرة - في رواية: على هذه الملة - فأبواه يُهوِّدانه وينَصِّرانه ويُمَجِّسَانه،
كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تُحِسُّون فيها من جدعاء)) ثم يقول أبو هريرة:
واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ الَّ﴾(٢). في رواية:
((حتى تكونوا أنتم تجدعونَها)) قالوا: يا رسول الله، أفرأيتَ مَنْ يموتُ صغيراً؟ قال:
((الله أعلمُ بما كانوا عاملين)). لفظ مسلم (٣).
الثالثة - واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال
متعدِّدة، منها الإسلام. قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرُهما؛ قالوا: وهو المعروف
عند عامَّة السلف من أهل التأويل، واحتجُوا بالآية وحديث أبي هريرة، وعَضَدوا
ذلك بحديث عياض بن حمار المُجَاشِعيِّ أنَّ رسول اللـه ﴾ قال للناس يوماً: ((ألَا
أُحدِّثكم بما حدَّثني اللهُ في كتابه، أنَّ الله خلق آدمَ وبَنيه حُنفاءَ مسلمين، وأعطاهمُ
المالَ حلالاً لا حرامَ فيه، فجعلوا ممَّا أعطاهم اللهُ حلالاً وحراماً ... » الحديث (٤).
(١) المحرر الوجيز ٣٣٦/٤.
(٢) صحيح البخاري (١٣٥٨)، وصحيح مسلم (٢٦٥٨): (٢٢). وهو في مسند أحمد (٧٧١٢). ورواية:
((على الملة)) في صحيح مسلم (٢٦٥٨): (٢٣)، وهي في مسند أحمد (٧٤٤٣). وقد سلف بعضه
١٤٨/٧ .
(٣) في صحيحه (٢٦٥٨): (٢٤).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٨٧٨)، والطبراني ١٧ / (٩٩٧) ، وابن عبد البر في التمهيد
١٨/ ٧٣ من طريق محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عياض بن حمار ﴾،
به. محمد بن إسحاق مدلس، وقد رواه بالعنعنة. وأخرجه أحمد (١٧٤٨٤) ، ومسلم (٢٨٦٥) بغير هذا
السياق.
٤٢٣
سورة الروم: الآية ٣٠
وبقوله: ((خمسٌ من الفطرة .. ))(١) فذكر منها قصَّ الشارب، وهو من سنن الإسلام،
وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث: أنَّ الطفل خُلِقَ سليماً من الكفر على الميثاق
الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يُدرِكوا
في الجنة؛ أولادَ مسلمين كانوا أو أولادَ كفار. وقال آخرون: الفطرةُ: هي البداءةُ التي
ابتدأهم الله عليها، أي: على ما فطرَ اللهُ عليه خَلْقَه من أنه ابتدأهم للحياة والموت
والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا: والفطرة في كلام العرب:
البداءة، والفاطر: المبتدئ. واحتجُّوا بما رُويّ عن ابن عباس أنه قال: لم أكُنْ أدري
ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا
فطرتُها، أي ابتدأتُها. قال الْمَرْوَزِيُّ: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم
تركه. قال أبو عمر في كتاب ((التمهيد)) له: ما رسمَه مالكٌ في ((موَّئه))(٢) وذكرَ في
أبواب(٣) القدر فيه من الآثار يدلُّ على أنَّ مذهبَه في ذلك نحوُ هذا، والله أعلم. ومما
احتجُّوا به ما رُوِيَ عن [محمد بن](٤) كعب القُرَظيّ في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى
ج
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] قال: مَنِ ابتدأَ اللهُ خلْقَه للضلالة صيَّره إلى
الضلالة وإن عمِلَ بأعمال الهدى، ومَنِ ابتدأَ اللهُ خَلْقَه على الھدی صیَّرہ إلی الھدی
وإن عمِلَ بأعمال الضلالة، ابتدأَ اللهُ خَلْقَ إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة
مع الملائكة، ثم ردَّه اللهُ إلى ما ابتدأ خَلْقَه، (٥) قال: وكان من الكافرين.
(١) وقد سلف ٢/ ٣٦٣ .
(٢) ٢/ ٨٩٨ - ٩٠١ .
(٣) في (م): باب، والمثبت من النسخ الخطية.
(٤) ما بين حاصرتين من المصادر، وهو ليس في النسخ.
(٥) أخرجه الطبري ١٤٣/١٠، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٣٦٧) ، وابن عبد البر في التمهيد ٨٠/١٨ من
طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي. موسى بن عبيدة ضعيف فيما قال ابن حجر في
التقريب. والكلام من أول المسألة إلى هذا الموضع من التمهيد ٦٦/١٨ و٧٢ و٧٣ و٧٦ - ٨٠ .
٤٢٤
سورة الروم: الآية ٣٠
قلت: قد مضى قول [محمد بن] كعب هذا في ((الأعراف))(١)، وجاء معناه
مرفوعاً من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دُعِيَ رسولُ الله ﴾ إلى جنازة غلامِ
من الأنصار، فقلتُ: يا رسول الله، طُوبى لهذا، عصفورٌ من عصافير الجنة، لم
يعملِ السوءَ ولم يُدرِكُه. قال: ((أوَغيرَ ذلكَ يا عائشة، إنَّ الله خلق للجنة أهلاً خلقَهم
لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلقَ للنارِ أهلاً خلقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم»
خرَّجه ابن ماجه في ((السنن))(٢). وخرج أبو عيسى الترمذيُّ عن عبد الله بن عمرو
قال: خرج علينا رسولُ اللـه : ﴿ وفي يده كتابان، فقال: ((أتدرونَ ما هذان الكتابان؟))
فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تُخبِرَنا، فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتابٌ من
ربِّ العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِلَ على
آخِرهم فلا يُزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبداً ... )) ثم قال للذي في شماله: ((هذا كتابٌ من
ربِّ العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِلَ على آخِرهم
فلا يُزادُ فيهم ولا يُنقَصُ منهم أبداً ... )) وذكر الحديث، وقال فيه: حديث حسن(٣).
وقالت فرقةٌ: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ ولا قوله عليه الصلاة
والسلام: ((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة» العمومَ، وإنما المرادُ بالناس المؤمنون؛ إذ لو
فُطِرَ الجميعُ على الإسلام لمَا كفر أحد، وقد ثبت أنه خلقَ أقواماً للنار، كما قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وأخرجَ الذُرّيةَ من صلب آدم سوداء
وبيضاء. وقال في الغلام الذي قتله الخَضِر: طُبِعَ يوم طُبِعَ كافراً (٤). وروى أبو سعيد
الخُدْرِيُّ قال: صلَّى بنا رسول اللـه :﴿ العصر بنهار، وفيه: وكان فيما حفِظْنا أن قال:
(١) ٩/ ١٩١، وما بين حاصرتين من المصادر.
(٢) سنن ابن ماجه (٨٢)، وأخرجه أحمد (٢٥٤٧٢)، ومسلم (٢٦٦٢): (٣١).
(٣) سنن الترمذي (٢١٤١)، وهو في مسند أحمد (٦٥٦٣)، وفي إسناده أبو قبيل حيي بن هانئ
المعافري، وهو مختلف فيه، وضعفه الحافظ في تعجيل المنفعة ص ٢٧٧، وذكر أنه كان يكثر النقل
عن الكتب القديمة.
(٤) التمهيد ٥٩/١٨ و٦١ دون قوله: إذ لو فطر ... إلى قوله: سوداء وبيضاء.
٤٢٥
سورة الروم: الآية ٣٠
((ألَا إنَّ بني آدم خُلِقوا على طبقاتٍ شتَّى، فمنهم مَنْ يولَدُ مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت
مؤمناً، ومنهم من يولّدُ كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولَدُ مؤمناً ويحيا
مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولَدُ كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً، ومنهم حَسَنُ
القضاء حَسَنُ الطلب)). ذكره حماد بن زيد قال(١): حدثنا عليٌّ بن زيد، عن أبي
نَضْرةَ، عن أبي سعيد(٢). قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثيرٌ في لسان العرب، ألا
ترى إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمِّرِ السماواتِ
والأرض، وقولهِ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم تفتح عليهم
أبواب الرحمة(٣). وقال إسحاق بن رَاهْوَيه الحنظلي: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا﴾ ثم قال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي: فَظَرَ اللهُ الخلقَ فِطرةً إمَّا بجنةٍ أو
لَا
نار، وإليه أشار النبيُّ # في قوله: ((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة)) ولهذا قال:
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ قال شيخُنا أبو العباس(٤): من قال: هي سابقةُ السعادة والشقاوة،
فهذا إنَّما يليقُ بالفِطرةِ المذكورةِ في القرآن؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ الَّ﴾
وأما في الحديث فلا؛ لأنَّه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تُبدَّلُ وتُغيَّر.
وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرةُ: هي الخِلقةُ التي خُلِقَ عليها المولودُ
في المعرفة بربِّه، فكأنه قال: كلُّ مولودٍ يولَدُ على خِلْقةٍ يعرِفُ بها ربَّه إذا بلغَ مبلَغَ
المعرفة؛ يريد خِلقةً مخالفةً لخِلقة البهائم التي لا تصِلُ بخلقتها إلى معرفته، واحتَجُوا
على أنَّ الفِطرةَ الخِلقةُ، والفاطِرَ الخالقُ؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ
(١) المثبت من (ز). وفي (ظ): ذكره حماد بن زيد كذا قال. وفي (د) : ذكره حماد بن أسلم الطيالسي
قال: وفي (م) : ذكره حماد بن زيد بن سلمة في مسند الطيالسي قال.
(٢) أخرجه - بهذا اللفظ - الترمذي (٢١٩١) من طريق حماد بن زيد، به.
وأخرجه أحمد (١١١٤٣) والطيالسي (٢١٥٦) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، به. علي بن
زيد: هو ابن جدعان، وهو ضعيف، وقد تكلم فيه شعبة كما سيذكر المصنف.
(٣) التمهيد ١٨ /٦٢.
(٤) في المفهم ١/ ٦٧٥ - ٦٧٦ .
٤٢٦
سورة الروم: الآية ٣٠
وَاَلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] يعني: خالقهنَّ، وبقوله: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ﴾ [يس: ٢٢]
يعني: خلقني، وبقوله: ﴿الَّذِى فَطَرَهُرَ﴾ [الأنبياء: ٥٦] يعني: خلقهنَّ. قالوا:
فالفطرةُ: الخِلقَةُ، والفاطرُ الخالق، وأنكروا أن يكون المولودُ يُفْطَرُ على كفرٍ أو إيمانٍ
أو معرفةٍ أو إنكار. قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خِلْقةً وطبعاً وبِنيةً
ليس معها إيمانٌ ولا كفرٌ ولا إنكارٌ ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر والإيمانَ بعد البلوغ
إذا ميَّزوا، واحتجُوا بقوله في الحديث: ((كما تُنْتَجُ البَهِيمةُ بهيمةٌ جَمعاءً - يعني سالمة
- هل تُحِسُّون فيها من جَدْعاء)) يعني مقطوعة الأذن. فمثَّلَ قلوبَ بني آدم بالبهائم؛
لأنها تولّدُ كاملةَ الخَلْقِ ليس فيها نقصان، ثم تُقْطَعُ آذانُها بعدُ وأنوفُها، فيقال: هذه
بحائر وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفرٌ
ولا إيمان، ولا معرفةٌ ولا إنكار، كالبهائم السائمة، فلمَّا بلغوا استهوتهم الشياطينُ
فكفر أكثرهم، وعصمَ اللهُ أقلَّهم. قالوا: ولو كان الأطفال قد فُطِروا على شيءٍ من
الكفر والإيمان في أوَّليَّة أمورهم ما انتقلوا عنه أبداً، وقد نَجِدُهم يؤمنون ثم يكفرون
[ويكفرون ثم يؤمنون]. قالوا: ويستحيلُ في المعقول أن يكون الطفلُ في حين ولادته
يعقلُ كفراً أو إيماناً؛ لأنَّ الله أخرجهم في حالٍ لا يفقهون معها شيئاً؛ قال الله
تعالى: ﴿وَلَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فمَنْ لا يعلمُ
شيئاً استحالَ منه كفرٌ أو إيمان، أو معرفةٌ أو إنكار. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا
أصَحُّ ما قيل في معنى الفطرة التي يولّدُ الناسُ عليها. ومن الحجَّة أيضاً في هذا قولُه
تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوَّنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَبَتْ رَمِنَّةٌ﴾
[المدثر: ٣٨] ومن لم يبلُغْ وقتَ العمل لم يرتهن بشيء. وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولمَّا أجمعوا على دفع القَوَد والقصاصِ والحدود والآثام
عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك، والله أعلم. ويستحيل أن تكون الفِطرةُ
المذكورةُ الإسلامَ، كما قال ابن شهاب؛ لأنَّ الإسلام والإيمان: قولٌ باللسان،
واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، وهذا معدومٌ من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل.
٤٢٧
سورة الروم: الآية ٣٠
وأما قول الأوزاعي: سألتُ الزهرِيَّ عن رجلٍ عليه رَقَبَةٌ أيُجزِئُ عنه الصبيُّ أن يَعْتِقَه
وهو رضيع؟ قال: نعم؛ لأنه وُلِدَ على الفطرة يعني الإسلام، فإنما أجزَى عتقه عند
من أجازه؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ أبويه. وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزِي في الرقابِ
الواجبةِ إلَّا مَنْ صام وصلَّى، وليس في قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾
[الأعراف: ٢٩] ولا في ((أن يختمَ اللهُ للعبد بما قضاه له وقدَّره عليه)) دليلٌ على أنَّ
الطفل يولَدُ حين يولّدُ مؤمناً أو كافراً؛ لِما شهدتْ له العقولُ أنه في ذلك الوقت ليس
ممَّن يعقِلُ إيماناً ولا كفراً، والحديث الذي جاء فيه: ((أنَّ الناس خُلِقوا على طبقات))
ليس من الأحاديث التي لا مَطعنَ فيها؛ لأنَّه انفرد به عليُّ بن زيد بن جُذْعان، وقد
كان شعبة يتكلّم فيه، على أنه يحتمل قوله: ((يولَدُ مؤمناً) أي: يُولَدَ ليكون مؤمناً،
ويُولَدَ ليكون كافراً على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث: ((خلقتُ
هؤلاء للجنة، وخلقتُ هؤلاء للنار)) أكثرَ من مراعاة ما يُختَمُ به لهم، لا أنهم في حين
طفولتهم ممَّن يستحِقُّ جنةً أو ناراً، أو يعقِلُ كفراً أو إيماناً(١).
قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر واحتجَّ له ذهبَ غيرُ واحدٍ من المحقّقين، منهم
ابن عطية في ((تفسيره)) في معنى الفطرة، وشيخُنا أبو العباس؛ قال ابن عطية(٢):
والذي يُعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخِلقةُ والهيئةُ التي في نفس الطفل التي
هي مُعدَّةٌ ومهيّأةٌ لِأَنْ يُميِّزَ بها مصنوعات الله تعالى، ويستدِلَّ بها على ربِّه، ويعرفَ
شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقِمْ وجهَك الدِّين الذي هو الحنيف، وهو فِظْرةُ
الله الذي على الإعداد له فِطَرُ البشر، لكن تَعرِضُهم العوارض؛ ومنه قول النبيِّ ◌ِ﴾:
((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنَصِّرانه)) فذِكْرُ الأبوين إنما هو مثالٌ
للعوارض التي هي كثيرة. وقال شيخنا في عبارته(٣): إنَّ الله تعالى خلقَ قلوب بني آدم
(١) التمهيد ٦٨/١٨ و٧٠ و٧١ و٧٦ و٧٧ و٨٢ و٨٣، وما بين حاصرتين منه.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٣٦/٤ .
(٣) في المفهم ١/ ٦٧٦ .
٤٢٨
سورة الروم: الآية
مؤهَّلَةً لقبول الحق، كما خلق أعينَهم وأسماعَهم قابلةً للمرئيات والمسموعات، فما
دامَتْ باقيةً على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركتِ الحقَّ ودينَ الإسلام وهو
الدِّين الحق. وقد دلَّ على هذا المعنى قوله: ((كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةٌ جَمْعاء، هل
تُحِسُّون فيها من جَدْعاء)) يعني أن البهيمة تَلِدُ ولدَها كاملَ الخِلْقةِ سليماً من الآفات،
فلو تُرِكَ على أصل تلك الخِلقةِ لبقي كاملاً بريئاً من العيوب، لكن يُتصرَّف فيه،
فتُجدَعُ أذنُه ويُوسَمُ وجهُه، فتطرأ عليه الآفاتُ والنقائصُ فيخرج عن الأصل، وكذلك
الإنسان، وهو تشبيهٌ واقعٌ، ووجهه واضح.
قلت: وهذا القول مع القول الأوَّل موافقٌ له في المعنى، وأنَّ ذلك بعد الإدراك
حين عقَلوا أمر الدنيا، وتأكَّدت حُجَّةُ الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة، من
خلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، والبرِّ والبحر، واختلاف الليل والنهار،
فلما عمِلَتْ أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعَتْهم إلى اليهودية والنصرانية، فذهبت
بأهوائهم يميناً وشمالاً، وأنهم إن ماتوا صغاراً في الجنة، أعني جميعَ الأطفال؛ لأنَّ
الله تعالى لمَّا أخرجَ ذريةَ آدَمَ من صلبه في صورة الذَّرِّ أقرُّوا له بالربوبية، وهو قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ◌َظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ
قَالُوا بَلٌ شَهِدْنً﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ثم أعادهم في صُلبٍ آدم بعد أن أقرُّوا له بالرُّبوبية،
وأنه اللهُ لا إله غيرُه، ثم يُكتَبُ العبدُ في بطن أمِّه شقِيًّا أو سعيداً على الكتاب الأوَّل،
فمن كان في الكتاب الأوَّل شقيًّا عُمِّرَ حتى يجري عليه القلمُ، فينقضَ الميثاق الذي
أُخِذَ عليه في صُلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأوَّلِ سعيداً عُمِّر حتى يجري
عليه القلمُ فيصيرُ سعيداً، ومن ماتَ صغيراً من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه
القلمُ فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري
عليه القلم، فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأوّل الذي أُخِذَ
عليهم في صُلب آدم ولم ينقُضِ الميثاق. ذهب إلى هذا جماعةٌ من أهل التأويل، وهو
يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله عليه الصلاة والسلام لمَّا سُئِلَ عن أولاد
٤٢٩
سورة الروم: الآية ٣٠
المشركين، فقال: ((الله أعلمُ بما كانوا عاملين)) (١) يعني: لو بلغوا.
ودلَّ على هذا التأويل أيضاً حديثُ البخاريّ(٢) عن سَمُرة بن جُنْدَبُ عن النبي ﴾ ...
الحديثُ الطويل حديثُ الرؤيا، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: ((وأمَّا الرجلُ الطويلُ
الذي في الروضة فإبراهيمُ عليه السلام، وأما الولدانُ حولَه فكلُّ مولودٍ يولَدُ على
الفطرة)). قال: فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﴾: ((وأولادُ
المشركين)». وهذا نصٍّ يرفع الخلاف، وهو أصحُّ شيءٍ رُوي في هذا الباب، وغيرُه
من الأحاديث فيها عِلَلٌ وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء. قاله أبو عمر بن
عبد البر(٣). وقد رُويَ من حديث أنس قال: سُئِلَ رسولُ الله ﴾ عن أولاد المشركين،
فقال: ((لم تكُنْ لهم حسناتٌ فيُجْزَوْا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم
سيئاتٌ فيُعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خَدَمٌ لأهل الجنة)) ذكره يحيى بن
سلاَّم في التفسير له (٤). وقد زدنا هذه المسألة بياناً في كتاب ((التذكرة))(٥)، وذكرنا في
كتاب ((المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس)) ما ذكره أبو عمر من ذلك، والحمد
لله. وذکر إسحاق بن راهویه قال: حدثنا یحیی بن آدم قال: أخبرنا جرير بن حازم،
عن أبي رجاء العُطَارِدِيِّ قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقول: لا يزالُ أمرُ هذه الأمة مواتياً
أو متقارباً - أو كلمة تشبه هاتين - حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقَدَر. قال
يحيى بن آدم: فذكرتُه لابن المبارك، فقال: أيسكتُ الإنسانُ على الجهل؟ قلتُ:
فتأمرُ بالكلام؟ قال: فسكت(٦). وقال أبو بكر الوراق: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
(١) أخرجه أحمد (٣٠٣٤)، والبخاري (٦٥٩٧)، ومسلم (٢٦٦٠) عن ابن عباس ، وأخرجه أحمد
(٧٣٢٥)، والبخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٩) عن أبي هريرة ﴾.
(٢) في صحيحه (٧٠٤٧)، وهو في مسند أحمد (٢٠٠٩٤)، وقد سلف بعضه ٣٤٩/٢ .
(٣) في التمهيد ١١٨/١٨ و١٣٠.
(٤) وأخرجه الطيالسي (٢١١١)، وأبو نعيم في الحلية ٣٠٨/٦ من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس ﴾، به.
يزيد الرقاشي: هو ابن أبان، وهو ضعيف. ميزان الاعتدال ٤١٨/٤ - ٤١٩.
(٥) ص ٥١١ - ٥١٧ .
(٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٣١/١٨.
٤٣٠
سورة الروم: الآيات ٣٠ - ٣٢
عَلَيْهَا﴾: هي الفقر والفاقة. وهذا حسن؛ فإنه منذُ وُلِدَ إلى حين يموت فقيرٌ محتاج،
نعم! وفي الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لَا نَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَّ﴾ أي: هذه الفطرةُ لا تبديلَ لها من جهة الخالق.
ولا يجيء الأمرُ على خلاف هذا بوجه، أي: لا يشقى مَنْ خَلَقَه سعيداً، ولا يسعَدُ
مَنْ خَلَقَه شقيًّا. وقال مجاهد: المعنى: لا تبديلَ لدين الله. وقاله قتادة وابن جُبير
والضحَّاك وابن زيد والنَّخَعيّ؛ قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: ورُوي
عن ابن عباس وعمر بن الخطاب أنَّ المعنى: لا تغييرَ لخلق الله من البهائم أن
تُخصى فحولُها، فيكون معناه النهي عن خِصاء الفحول من الحيوان(١). وقد مضى هذا
في ((النساء))(٢). ﴿ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ﴾ أي: ذلك القضاء المستقيم. قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: ذلك الحسابُ البَيِّن(٣). وقيل: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: دينُ الإسلام
هو الدينُ القيِّمُ المستقيم(٤). ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يتفكرون فيعلمون
أنَّ لهم خالقاً معبوداً، وإلهاً قديماً سبق قضاؤه ونَفَذَ حُكمُه.
قوله تعالى: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
١٣٢
(٣١
قوله تعالى: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ﴾ اختُلِفَ في معناه، فقيل: راجعينَ إليه بالتوبة
والإخلاص(٥). وقال يحيى بن سلام والفرَّاء: مُقبلین إلیه. وقال عبد الرحمن بن زيد :
مُطيعين له. وقيل: تائبين إليه من الذنوب؛ ومنه قول [أبي] قيس بن الأَسْلَت:
(١) النكت والعيون ٣١٢/٤، وقول مجاهد ومن وافقه أخرجه الطبري عنهم ٤٩٤/١٨ - ٤٩٦، وكذلك
أخرج القول الذي يليه عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد.
(٢) ٧/ ١٤٧ .
(٣) النكت والعيون ٣١٢/٤.
(٤) الوسيط ٣/ ٤٣٣ .
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٨٣
٤٣١
سورة الروم: الآيتان ٣١ -٣٢
وقومَهُمُ هوازِنَ قد أنابوا
فإن تابوا فإنَّ بني سُلَيمٍ
والمعنى واحد؛ فإن ((ناب وتاب ثاب وآب)) معناه الرجوع. قال الماورديُّ(١):
وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما - أنَّ أصلَه القطع، ومنه أُخِذَ اسمُ الَّاب؛ لأنه
قاطع، فكأنَّ الإنابةَ هي الانقطاع إلى الله عزَّ وجلَّ بالطاعة. الثاني - أصله الرجوع،
مأخوذٌ من نابَ ينوبُ إذا رجع مرةً بعد أخرى، ومنه النَّوْبة؛ لأنها الرجوعُ إلى عادة.
الجوهري(٢): وأناب إلى الله: أقبل وتاب. والنَّوْبة واحدةُ النُّوَب، تقول: جاءت
نَوْبَتُك ونيابتُك، وهم يتناوبون النَّوْبة فيما بينهم في الماء وغيره.
وانتصب على الحال؛ قال محمد بن يزيد: لأنَّ معنى: ((أَقِمْ وَجْهَكَ)): فأقيموا
وجوهَكم منيبين. وقال الفرَّاء: المعنى: فأقِمْ وجهَكَ ومَنْ معكَ منيبين(٣). وقيل:
انتصبَ على القطع، أي: فأقِمْ وجهَكَ أنتَ وأمتكَ المنيبين إليه؛ لأنَّ الأمرَ له أمرٌ
لِأُمَّته، فَحسُنَ أن يقول: منيبين إليه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَقْتُمُ
النَّآءَ﴾ (٤) [الطلاق: ١]. ﴿وَأَثَّقُوهُ﴾ أي: خافوه وامتثِلوا ما أمركم به. ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بَيَّن أنَّ العبادة لا تنفع إلَّا مع الإخلاص؛ فلذلك قال:
﴿ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد مضى هذا مُبيَّناً في ((النساء))(٥) و((الكهف))(٦).
وغيرهما.
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ تأوَّله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة: أنه لأهل القبلة من
(١) في النكت والعيون ٣١٣/٤ ، وما قبله منه.
(٢) في الصحاح (نوب).
(٣) إعراب القرآن ٢٧٢/٣ .
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٨٣، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٢٥/٢.
(٥) ٦/ ٢٩٧ فما بعد.
(٦) ٢٠٦/١١ فما بعد.
٤٣٢
سورة الروم: الآيتان ٣١ -٣٢
أهل الأهواء والبِدَعُ(١). وقد مضى في الأنعام(٢) بيانُه. وقال الربيع بن أنس: الذين
فرَّقوا دينَهم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى(٣). وقاله قتادة ومَعْمَر (٤).
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فارقُوا دِينَهم﴾، وقد قرأ بذلك عليُّ بن أبي طالب(٥)،
أي: فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد (٦). ﴿وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ أي: فِرَقاً. قاله .
الكَلْبيُّ. وقيل: أدياناً. قاله مقاتل. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: مسرورونَ.
مُعجَبون(٧)؛ لأنهم لم يتبيَّنوا الحقَّ وعليهم أن يتبيَّنوه(٨). وقيل: كان هذا قبل أن تنزل
الفرائض(٩). وقول ثالث: أنَّ العاصي لله عزَّ وجلَّ قد يكون فَرِحاً بمعصيته، فكذلك
الشيطانُ وقُطَاعُ الطريق وغيرُهم، والله أعلم. وزعم الفرَّاء أنه يجوز أن يكون التمام
﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ويكون المعنى: من الذين فارقوا دينهم ﴿وَكَانُواْ شِيَمَا﴾.
على الاستئناف، وأنه يجوز أن يكون متصلاً بما قبله. النخَّاس(١٠): وإذا كان متَّصلاً
بما قبله فهو عند البصريين على البدل بإعادة الحرف، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ
الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] ولو كان بلا
حرف لجاز.
(١) إعراب القرآن ٢٧٢/٣ .
(٢) ٩/ ١٣٣ فما بعد.
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٢ .
(٤) النكت والعيون ٣١٣/٤، وأخرجه الطبري ٤٩٨/١٨ عن قتادة.
(٥) النكت والعيون ٣١٣/٤، وقراءة حمزة والكسائي في السبعة ص ٢٧٤، والتيسير ص ١٠٨.
(٦) الكشاف ٣/ ٢٢٢ .
(٧) النكت والعيون ٤/ ٣١٤ .
(٨) إعراب القرآن ٢٧٢/٣.
(٩) معاني القرآن للنحاس ٢٦١/٥ .
(١٠) في إعراب القرآن ٢٧٣/٣، وما قبله منه. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٣٢٥/٢.
:
٤٣٣
سورة الروم: الآيات ٣٣ - ٣٥
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم ◌ُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ
٣٣
رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَيِّهِمْ يُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ﴾ أي: قَحْطٌ وشِدَّةُ(١) ﴿رَعَوْ رَّهُمْ﴾ أن يرفع
ذلك عنهم ﴿مُنِيِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: مُقبِلين عليه بكلِّ قلوبهم لا يشركون(٢).
ومعنى هذا الكلام التعُب؛ عجب نبيُّه من المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى
مع تتابع الحُججِ عليهم؛ أي إذا مسَّ هؤلاء الكفارَ ضرِّ من مرضٍ وشدَّةٍ دَعَوْا ربَّهم،
أي: استغاثوا به في كشف ما نزلَ بهم، مُقبلين عليه وحده دون الأصنام؛ لعلمهم بأنَّه
لا فَرَج عندها. ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ أي: عافية ونعمة. ﴿إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُم بِرِيّهِمْ
يُشْرِكُنَ﴾ أي: يشركون به في العبادة.
قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٤
قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانْتَهُمْ﴾ قيل: هي لامُ كي. وقيل: هي لامُ أمرٍ فيه
معنى التهديد، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣) [الكهف: ٢٩].
﴿فَتَعَتَُّواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ ووعيد(٤). وفي مصحف عبد الله: ((وَليتَمَتَّعُوا))(٥)،
أي: مكَّناهم من ذلك لكي يتمَّعوا، فهو إخبارٌ عن غائب، مثل: ((لِيَكْفُرُوا)). وهو على
خطّ المصحف خطابٌ بعد الإخبار عن غائب، أي: تمتَّعوا أيها الفاعلون لهذا (٦).
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَّا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ
(٣٥)
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ استفهامٌ فيه معنى التوقيف. قال الضحَّاك:
(١) تفسير البغوي ٣/ ٤٨٣.
(٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٣ .
(٣) المصدر السابق.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٨٦/٤ .
(٥) الكشاف ٢٢٢/٣، وهي قراءة شاذة.
(٦) معاني القرآن للزجاج ١٨٦/٤ .
٤٣٤
سورة الروم: الآيتان ٣٥ - ٣٦
(سُلْطَاناً)) أي: كتاباً(١). وقاله قتادة والربيع بن أنس(٢). وأضافَ الكلامَ إلى الكتاب
توسُّعًا. وزعم الفرَّاءُ أنَّ العربَ تؤنِّث السلطان؛ تقول: قضَتْ به عليكَ السلطانُ. فأما
البصريون فالتذكيرُ عندهم أفصحُ، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائزٌ؛ لأنه
بمعنى الحجة(٣)، أي: حُجَّةٌ تنطقُ بشِرْكِكم. قاله ابن عباس والضخَّاك أيضاً (٤). وقال
عليّ بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد قال: سُلطان جمع سَليط؛ مثل رَغيف
ورُغْفان، فتذكيرُه على معنى الجمع، وتأنيتُه على معنى الجماعة(٥). وقد مضى في ((آل
عمران))(٦) الكلامُ في السلطان أيضاً مستوفى. والسلطان: ما يدفَعُ به الإنسانُ عن
نفسه أمراً يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى: ﴿أَوْ لَّأَ أَذْتَجَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
[النمل: ٢١].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِجُواْ بِهَاْ وَإِن تُصِبْهُمْ سَفِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِحُواْ بِهَا﴾ يعني الخِصْبَ والسَّعةَ والعافية.
قاله يحيى بن سلام. النَّقَّاش: النعمة والمطر. وقيل: الأمن والدَّعَة. والمعنى متقارب.
﴿فَرِجُواْ بٌِّ﴾ أي: بالرحمة. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: بلاءٌ وعقوبة. قاله مجاهد.
السُّدِّي: قحط المطر .﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عملوا من المعاصي. ﴿إِذَا هُمْ
يَقْنَطُونَ﴾ أي: ييأسون من الرحمة والفَرَج. قاله الجمهور. وقال الحسن: إنَّ القنوطَ
تركُ فرائضٍ الله سبحانه وتعالى في السرِّ(٧). قَنِطَ يَقْنَطُ، وهي قراءة العامَّة. وقَنَطَ
(١) إعراب القرآن ٢٧٣/٣ .
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٨٤ عن قتادة، وأخرجه الطبري ١٨/ ٥٠٠ .
(٣) إعراب القرآن ٢٧٣/٣ - ٢٧٤ .
(٤) تفسير أبي الليث ١٢/٣ من غير نسبة.
(٥) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٤ .
(٦) ١/ ٣٥٧ .
(٧) النكت والعيون ٣١٥/٤ .
٤٣٥
سورة الروم: الآيات ٣٦ - ٣٨
يَقْنِظُ، وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب(١). وقرأ الأعمش: ((قَنِطَ يَقْنِطُ))
بالكسر فيهما، مثل حَسِبَ يَحْسِبُ. والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدَّة، ويبطَر عند
النعمة، كما قيل :
كحمارِ السَّوءِ إن أعلَفْتَهُ رَمَحَ الناسَ(٢) وإن جاعَ نَهَقْ(٣)
وكثيرٌ ممن لم يرسُخِ الإيمانُ في قلبه بهذه المثابة، وقد مضى في غير موضع. فأما
المؤمن فيشكر ربَّه عند النعمة، ويرجوه عند الشدَّة.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (®﴾
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَلَهُ وَيَقْدِرٌ﴾ أي: يوسِّعُ الخير في
الدنيا لمن يشاء ويُضيِّق لمن يشاء، فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط . ﴿إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوَّرٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَشَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
قوله تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ فيه ثلاثُ مسائل:
الأولى - لمَّا تقدَّم أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدِرُ أمرَ مَنْ وسَّعَ عليه
الرزقَ أن يُوصِلَ إلى الفقير كفايتَه؛ ليمتحِنَ شكرَ الغنيِّ. والخطابُ للنبيِّ عليه الصلاة
والسلام والمرادُ هو وأمتُه؛ لأنه قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَعْدَ اللَّهِ﴾. وأمرَ بإيتاء
ذي القربى؛ لِقُرْب رَحمِه، وخيرُ الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلةُ الرِّحِم. وقد
(١) السبعة ص ٣٦٧، والتيسير ص ١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢.
(٢) أي: ضرب الناس بحافره. اللسان (رمح).
(٣) قائله مسكين الدارمي، وهو في الشعر والشعراء ص ٥٤٤، وبهجة المجالس ١٠٤/١، وخزانة الأدب
٧٠/٣ .
٤٣٦
سورة الروم: الآيتان ٣٨ - ٣٩
فضَّل رسولُ اللـه :# الصدقةَ على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد
أعتقت ولِيدةَ: ((أما إنَّكِ لو أعطيْتِها أخوالَكِ كان أعظَمَ لأجْرِك)»(١).
الثانية - واختُلِفَ في هذه الآية، فقيل: إنها منسوخةٌ بآية المواريث. وقيل: لا
نسخَ، بل للقريب حقٌّ لازمٌ في البِرِّ على كل حال، وهو الصحيح.
قال مجاهد وقتادة: صِلةُ الرَّحِم فرضٌ من الله عزَّ وجلَّ، حتى قال مجاهد: لا
تُقبَلُ صدقةٌ من أحدٍ وَرَحِمُه محتاجة. وقيل: المرادُ بالقربى أقرباءُ النبيِّ﴾(٢). والأوَّل
أصحُّ؛ فإنَّ حقَّهم مُبَيَّنٌ في كتاب الله عزَّ وجلَّ في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ وَلِذِى
الْقُرْبَ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقيل: إنَّ الأمرَ بالإيتاء لذي القُربى على جهة النَّدب. قال
الحسن: ((حقَّه)) المواساة في اليسر، وفولٌ ميسورٌ في العسر (٣). ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ قال ابن
عباس: أي أطعم السائلَ الطوَّاف(٤). ((وابن السبيل)): الضيف(٥)، فجعل الضيافةً
فرضاً، وقد مضى جميعُ هذا مبسوطاً مُبيّنًا في مواضعه(٦)، والحمد لله.
الثالثة - ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ﴾ أي: إعطاءُ الحقِّ أفضلُ من الإمساك
إذا أُرِيدَ بذلك وجهُ الله والتقرُّبُ إليه. ﴿وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الفائزون
بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٧) القولُ فيه.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرَّبُوَا فِىَّ أَمْوَلِ اَلنَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللّهِ وَمَآ
٣٩
ءَنَّيْتُم مِّن ذَكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرَبُوَ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾
(١) أخرجه أحمد (٢٦٨٢٢)، والبخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩).
(٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٤.
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٨/٤.
(٤) المحرر الوجيز ٢١٥/٤ من غير نسبة.
(٥) النكت والعيون ٣١٦/٤ .
(٦) ٢٣٢/٢ و٥٩/٣ و٢١/١٠ - ٢٢.
(٧) ٢٧٨/١ - ٢٧٩ .
٤٣٧
سورة الروم: الآية ٣٩
فيه أربع مسائل :
الأولى - لمَّا ذكر ما يُراد به وجهُه ويُثيبُ عليه ذكرَ غيرَ ذلك من الصفة وما يُراد به
أيضاً وجهُه.
وقرأ الجمهور: ((آتَيْتُمْ)) بالمدِّ بمعنى: أعطيتُم. وقرأ ابن كثير ومجاهد وحُميد بغير
مدّ، بمعنى: ما فعلتُم من رِبًا لِيَرْبُو؛ كما تقول: أتيتُ صواباً وأتيتَ خطأً. وأجمعوا
على المدِّ في قوله: ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَّكَوْمْ﴾. والربا الزيادة(١). وقد مضى في ((البقرة))
معناه(٢)، وهو هناك مُحرَّمٌ وها هنا حلال. وثبتَ بهذا أنه قسمان: منه حلالٌ ومنه
حرام(٣). قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيرَبُوَا فِىَّ أَمْوَلِ النَّاسِ﴾ قال:
الرِّبا رِبَوان، ربا حلال وربا حرام؛ فأما الرِّبا الحلال فهو الذي يُهْدَى، يُلتمس ما هو
أفضلَ منه. وعن الضخَّاك في هذه الآية: هو الرِّبا الحلال الذي يُهدى لِيُثَابَ ما هو
أفضلُ منه، لا له ولا عليه، ليس له فيه أجرٌ وليس عليه فيه إثم. وكذلك قال ابن
عباس: ﴿وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِيبًا﴾ يريدُ هديةَ الرجلِ الشيءَ يرجو أن يُثابَ أفضلَ منه،
فذلك الذي لا يربو عند الله، ولا يُؤجَرُ صاحبه، ولكن لا إثمَ عليه، وفي هذا المعنى
نزلت الآية(٤). قال ابن عباس وابن جُبير وطاوس ومجاهد: هذه آيةٌ نزلت في هِبة
الثواب. قال ابن عطية(٥): وما جرى مجراها ممَّا يصنعه الإنسان لِيُجازى عليه
كالسلام وغيره، فهو وإن كان لا إثمَ فيه فلا أجرَ فيه ولا زيادةً عند الله تعالى. وقاله
القاضي أبو بكر بن العربي(٦). وفي كتاب النَّسائي عن عبد الرحمن بن علقمة قال:
قدمَ وفدُ ثَقيفٍ على رسول اللـه : ﴿ ومعهم هديَّةٌ فقال: ((أهديةٌ أم صدقة؟ فإن كانت
(١) المحرر الوجيز ٣٣٩/٤، وقراءة الجمهور وقراءة ابن كثير في السبعة ص ٥٠٧، والتيسير ص ٣٠.
(٢) ٤ /٣٨١ - ٣٩٠.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٧٩/٣ .
(٤) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١. وقول الضحاك أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٤.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٣٩/٤، وما قبله منه.
(٦) في أحكام القرآن ١٤٧٩/٣ .
٤٣٨
سورة الروم: الآية ٣٩
هديةً فإنَّما يُبْتَغَى بها وجهُ رسولِ اللهِ ﴾ وقضاءُ الحاجة، وإن كانت صدقةً فإنما يُبْتَغى
بها وجهُ الله عزَّ وجلَّ)) قالوا: لا بل هدية. فقَبِلها منهم، وقعدَ معهم يُسائلهم
ويسألونه(١). وقال ابن عباس أيضاً وإبراهيم النَّخَعي: نزلت في قومٍ يُعطون قراباتِهم
وإخوانَهم على معنى نفْعهِم وتمويلِهم والتفضُّلِ عليهم، وليزيدوا في أموالهم على
وجهِ النفع لهم. وقال الشَّعبيُّ: معنى الآية: أنَّ ما خدمَ الإنسانُ به أحداً وخفَّ له
لينتفع به في دنياه فإنَّ ذلك النفعَ الذي يَجزي به الخدمةَ لا يربو عند الله(٢). وقيل:
كان هذا حراماً على النبيِّ# على الخصوص؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْتُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾
[المدثر: ٦] فنهى أن يُعطى شيئاً فيأخذَ أكثرَ منه عوضاً (٣). وقيل: إنَّه الربا المحرَّم(٤)،
فمعنى: ((لا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ)) على هذا القول لا يُحكَمُ به لآخذِه، بل هو للمأخوذِ
منه(٥). قال السُّدِّي: نزلت هذه الآية في ربا ثَقيف؛ لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله
فیهم قریش(٦).
الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي: صريح الآية فيمَنْ يَهبُ يطلُبُ الزيادة من
أموال الناس في المكافأة(٧). قال المُهَلَّب: اختلفَ العلماءُ فيمن وَهَب هبةً يطلبُ
ثوابَها وقال: إنما أردتُ الثواب، فقال مالكٌ: يُنظَرُ فيه؛ فإن كان مثلُه ممن يطلبُ
الثوابَ من الموهوبِ له فله ذلك، مثلُ هبة الفقير للغنيٌّ، وهبةُ الخادم لصاحبه، وهبةٌ
(١) سنن النسائي ٢٧٩/٦، وسنن النسائي الكبرى (٦٥٥٧) من طريق أبي حذيفة، عن عبد الملك بن
محمد بن نُسَير، عن عبد الرحمن بن علقمة، به. أبو حذيفة وعبد الملك مجهولان فيما ذكره الحافظ في
التقريب.
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٩/٤.
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٥ عن الضحاك.
(٤) زاد المسير ٦/ ٣٠٤ عن الحسن البصري.
(٥) إعراب القرآن ٢٧٥/٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٣٩/٤.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٨٠ .
٤٣٩
سورة الروم: الآية ٣٩
الرجل لأميره ومَن فوقه. وهو أحد قَولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثوابٌ
إذا لم يشترط. وهو قول الشافعيِّ الآخر؛ قال: والهبةُ باطلةٌ لا تنفعه؛ لأنها بيعٌ بثمنٍ
مجهول. واحتجَّ الكوفيُّ بأنَّ موضوع الهبة التبرُّع، فلو أوجَبْنا فيها العِوضَ لَبطلَ معنى
التبرُّعِ وصارت في معنى المعاوضات، والعرب قد فرَّقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة،
فجعلت لفظَ البيع على ما يُستَحقُّ فيه العِوَض، والهبةُ بخلاف ذلك. ودليلُنا ما رواه
مالك في ((موّئه)) عن عمر بن الخطاب ﴾ه أنه قال: أيُّما رجلٍ وهَبَ هبةً يرى أنها
للثواب فهو على هِبته حتى يرضى منها(١). ونحوه عن عليٍّ ﴾ قال: المواهبُ ثلاثةٌ:
مَوْهبةٌ يُرادُ بها وجهُ الله، وموهبةٌ يُرادُ بها وجوهُ الناس، وموهبةٌ يُرادُ بها الثواب؛
فموهبةُ الثواب يرجع فيها صاحبُها إذا لم يُثَبْ منها(٢). وترجم البخارِيُّ رحمه اللـه
(باب المكافأة في الهبة) وساقَ حديث عائشة قالت: كانَ رسول اللـه ◌َ﴾ يقبلُ الهديةَ
ويُئِيبُ عليها(٣). وأثابَ على لِقْحةٍ (٤) ولم يُنْكِرْ على صاحبها حين طلب الثواب، وإنما
أنكر سخطه للثواب وكان زائداً على القيمة. خرَّجه الترمذي(٥).
الثالثة - ما ذكره عليٍّ ﴾ وفصَّله من الهبة صحيح، وذلك أنَّ الواهبَ لا يخلو في
هبته من ثلاثة أحوال: أحدها - أن يُريدَ بها وجهَ الله تعالى ويبتغي عليها الثوابَ منه.
والثاني - أن يُريدَ بها وجوه الناس رياءً؛ ليحمدوه عليها، ويُثنوا عليه من أجلها .
والثالث - أن يُريد بها الثوابَ من الموهوب له، وقد مضى الكلامُ فیه. وقال ﴾:
((الأعمالُ بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى)) (٦). فأمَّا إذا أراد بهبتِه وجه الله تعالى،
وابتغى عليه الثواب من عنده، فله ذلك عند الله بفضله ورحمته؛ قال الله عزَّ وجلَّ:
(١) الموطأ ٢/ ٧٥٤.
(٢) أخرجه مالك في المدونة الكبرى ١٠٩/٦ و١٤١ .
(٣) صحيح البخاري (٢٥٨٥)، وهو في مسند أحمد (٢٤٥٩١).
(٤) جمع لقاح: وهي ذوات الألبان من النوق. اللسان (لقح).
(٥) في سننه (٣٩٤٥)، وهو في مسند أحمد (٧٩١٨).
(٦) سلف ٣/ ٢٧٠.
٤٤٠
سورة الروم: الآية ٣٩
﴿وَمَآ ءَنْتُم مِّنْ زَّكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
وكذلك مَنْ يصِلُ قرابته ليكون غنيًّا حتى لا يكون فقيراً (١) كَلَّا فالنية في ذلك
متبوعة؛ فإن كان ليتظاهرَ بذلك ديناً فليس لوجه الله، وإن كان لِما له عليه من حقٌّ
القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله.
وأمَّا من أراد بهبتِه وجوه الناس رياءً ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها، فلا
منفعةً له في هبته، لا ثوابَ في الدنيا ولا أجرَ في الآخرة؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَّةَ النَّاسِ﴾ الآية:
[البقرة: ٢٦٤].
وأمَّا مَنْ أراد بهبته الثوابَ من الموهوب له فله ما أرادَ بهبته، وله أن يرجع فيها ما
لم يُثَبْ بقيمتها، على مذهب ابن القاسم، أو ما لم يرضَ منها بأزْيَدَ من قيمتها، على
ظاهر قول عمرَ وعليٍّ، وهو قول مُطَرِّف في الواضحة: أنَّ الهبةَ ما كانت قائمةَ العين،
وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوعُ فيها وإن أثابه الموهوبُ فيها أكثرَ منها. وقد
قيل: إنها إذا كانت قائمةَ العين لم تتغيَّر فإنه يأخذ ما شاء. وقيل: تلزمه القيمةُ كنكاح
التفويض، وأما إذا كان بعد فَوْتِ الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقاً. قاله ابن العربي(٢).
الرابعة - قوله تعالى: ﴿لَّرَّبُوا﴾ قرأ جمهور القرَّاء السبعة: ((ليربو)) بالياء وإسناد
الفعل إلى الربا. وقرأ نافعٌ وحده: بضمِّ التاء [والواو] ساكنةٌ على المخاطبة، بمعنى:
تكونوا ذَوي زيادات، وهذه قراءة ابن عباس والحسن وقتادة والشَّعبي. قال أبو حاتم:
هي قراءتُنا. وقرأ أبو مالك: ((لتربوها)) بضمير مؤنث(٣). ﴿فَلَ يَرْبُواْ عِنْدَ الَّهِ﴾ أي: لا
يزكو ولا يُثِيبُ عليه؛ لأنه لا يقبلُ إلَّا ما أُرِيدَ به وجهُه وكان خالصاً له، وقد تقدَّم في
(١) كلمة فقيراً من (ظ).
(٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٨٠ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٩/٤، وما بين حاصرتين ليس فيه ولا في النسخ، وهو من زاد المسير ٣٠٤/٦.
وقراءة نافع في السبعة ص ٥٠٧ ، والتيسير ص ١٧٥ . وقراءة أبي مالك شاذة.