النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة الروم: الآيات ٧ - ٨ في صورةٍ الرجلِ السميعِ المُبصرِ ومن البليَّة أن ترى لكَ صاحباً وإذا يُصابُ بدينهِ لم يَشعُرِ (١) فَطِنٍ بكلِّ مصيبةٍ في مالِهِ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلََّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىُ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآَيٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ ﴾﴾ قوله: ﴿فِي أَنفُسِهِم﴾ ظرفٌ للتفكّرِ وليس بمفعول، تعدَّى إليه ((يَتَفَكَّرُوا)) بحرف جرّ؛ لأنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلقٍ أنفسهم، إنما أُمروا أن يستعملوا التفكّرَ في خلق السماوات والأرض وأنفُسِهم، حتى يعلموا أنَّ الله لم يخلُقِ السماوات وغيرَها إلَّا بالحق(٢). قال الزجَّاج: في الكلام حذفٌ، أي: فيعلموا؛ لأنَّ في الكلام دليلاً عليه(٣). ﴿إِلَّا بِالْحَقّ﴾ قال الفرَّاء: معناه: إلا للحق، يعني: الثواب والعقاب(٤). وقيل: إلَّا لإقامة الحق(٥). وقيل: ((بِالْحَقِّ)): بالعدل. وقيل: بالحكمة. والمعنى متقارب(٦). وقيل: ((بِالْحَقِّ)) أي: أنه هو الحقُّ وللحقِّ خلقَها، وهو الدلالة على توحيده وقدرته . ﴿وَأَجَلٌ مُسَمَّى﴾ أي: السماوات والأرض أجلٌ ينتهيان إليه، وهو يوم القيامة (٧). وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أنَّ لكلِّ مخلوقٍ أجلاً، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء(٨). وقيل: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمِّى﴾ أي: خَلقَ ما خلَقَ في وقتٍ سمَّاه لأن يخلق ذلك الشيء فيه. (١) نسبهما في بهجة المجالس ٨٠١/٢ لعبد الله بن المبارك أو لغيره، ووقع صدر البيت الأول فيه: أأُخيَّ إنَّ من الرجال بهيمةً. (٢) الكشاف ٣/ ٢١٥ بمعناه. (٣) زاد المسير ٢٨٩/٦، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٧٨/٤. (٤) النكت والعيون ٣٠٠/٤، وينظر معاني القرآن للفراء ٣٢٢/٢. (٥) معاني القرآن للزجاج ١٧٨/٤. (٦) النكت والعيون ٤/ ٣٠٠ . (٧) الوسيط ٤٢٩/٣ عن مقاتل. (٨) النكت والعيون ٤/ ٣٠٠ . ٤٠٢ سورة الروم: الآيات ٨ - ١٠ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآءٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ اللام للتوكيد، والتقدير: لَكافرون بلقاء ربهم، على التقدير والتأخير، أي: لَكافرون بالبعث بعد الموت. وتقول: إنَّ زيداً في الدار لَجالس. ولو قلت: إنَّ زيداً لفي الدار لجالسٌ، جاز. فإن قلتَ: إنَّ زيداً جالسٌ لفي الدار، لم يَجُزْ؛ لأنَّ اللامَ إنما يؤتى بها توكيداً لاسم إنَّ وخبرِها، وإذا جئتَ بهما لم يَجُزْ أن تأتي بها. وكذا إن قلتَ: إنَّ زيداً لجالس لفي الدار، لم يَجُزْ(١). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوُهَا وَحَتْهُ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ﴾ ببصائرهم وقلوبهم. ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ أي: قلبوها للزراعة(٢)؛ لأنَّ أهل مكة لم يكونوا أهلَ حرث(٣)؛ قال الله تعالى: ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]. ﴿وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي: وعمروها أولئك أكثرَ ممَّا عَمروها هؤلاءِ فلم تنفعْهم عمارتُهم ولا طولُ مُدَّتهم. ﴿وَجَتُهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيْنَتِ﴾ أي: بالمعجزات. وقيل: بالأحكام، فكفروا ولم يؤمنوا. ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بأن أهلكهم بغير ذنبٍ ولا رسلٍ ولا حُجَّة. ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالشرك والعصيان. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ أَنَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ ◌ِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿ثُقَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ الشُّوَ﴾ السُّوءى فُعْلَى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أنَّ الحُسنى تأنيث الأحسن(٤). وقيل: يعني بها هاهنا النار. (١) إعراب القرآن ٢٦٦/٣. (٢) زاد المسير ٦/ ٢٩٠. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٧٩/٤ . (٤) الكشاف ٢١٦/٣ . ٤٠٣ سورة الروم: الآية ١٠ قاله ابن عباس(١). ومعنى ((أساؤوا)): أشركوا؛ دلَّ عليه: ﴿أَنْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ الَّهِ﴾(٢). (السُّوءى)) اسمُ جهنم، كما أنَّ الحُسنى اسم الجنة(٣). ﴿أَنَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ﴾ أي: لأن كذبوا. قاله الكسائي(٤). وقيل: بأن كذبوا(٥). وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ُّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ﴾ بالرفع اسم كان، وذُكِّرتْ لأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقي. و((السُّوءَى)) خبر كان. والباقون بالنصب على خبر كان. ((السوءى)) بالرفع اسم كان (٦). ويجوز أن يكون اسمُها التكذيب (٧)، فيكون التقدير: ثمَّ كان التكذيبُ عاقبةَ الذين أساؤوا(٨)، ويكون السُّوءى مصدرًا لأساؤوا، أو صفةً لمحذوف، أي: الخَلَّة السوءى(٩). ورُوي عن الأعمش أنه قرأ: ((ثمَّ كان عاقبةَ الذين أساؤوا السوءُ)) برفع السوء(١٠). قال النَّاس: السُّوء أشدُّ الشر، والسُّوءى الفُعلى منه(١١). ﴿أَنْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ اَللَّهِ﴾ قيل: بمحمدٍ والقرآن. قاله الكلبيُّ. مقاتل: بالعذاب أن ينزِلَ بهم. الضحَّاك: بمعجزات محمدٍ ﴾. ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (١٢). (١) المحرر الوجيز ٣٣١/٤. (٢) معاني القرآن للنحاس ٢٤٧/٥ . (٣) تفسير أبي الليث ٧/٣، وتفسير البغوي ٤٧٨/٣. وهو قول ابن قتيبة في غريب القرآن ص ٣٤٠. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٤٧/٥ . (٥) تفسير الرازي ٢٥/ ١٠١ . (٦) إعراب القرآن ٢٦٦/٣، وينظر السبعة ص ٥٠٦، والتيسير ص ١٧٤ . (٧) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٦٠ . (٨) تفسير البغوي ٤٧٨/٣ . (٩) المحرر الوجيز ٣٣١/٤. (١٠) إعراب القرآن ٢٦٦/٣، وهي قراءة شاذة. (١١) معاني القرآن للنحاس ٢٤٧/٥. (١٢) النكت والعيون ٣٠١/٤. ٤٠٤ سورة الروم: الآيات ١١ - ١٥ قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمْ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرَجَعُونَ (١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَّكَآَبِهِمْ شُفَعَكَوُاْ وَكَانُواْ بِشُرَّكَبِهِمْ كَفِرِينَ قرأ أبو عمرو وأبو بكر ((يرجعون)) بالياء. الباقون بالتاء(١). ﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ ((يُبْلَسُ)) بفتح اللام (٢)، والمعروف في اللغة: أبلَسَ الرجلُ إذا سكتَ وانقطعت حُجَّتُه، ولم يؤمِّلْ أن تكون له حُجَّة. وقريبٌ منه: تحيّر؛ كما قال العجَّاج(٣): يا صاحِ هل تَعرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قال نعم أعرفُهُ وأبْلَسا وقد زعمَ بعضُ النَّحويين أنَّ إبليس مشتَقُّ من هذا، وأنه أبلس لأنه انقطعت حُجَّتُه. النخَّاس: ولو كان كما قال لوجَبَ أن ينصَرِفَ، وهو في القرآن غيرُ منصرف (٤). وقال الزجَّاج(٥): المُبلِسُ: الساكتُ المُنقطِعُ في حُجَّتِه، اليائسُ من أن يهتدي إليها. ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَّكَآيِهِمْ﴾ أي: ما عبدوه من دون الله ﴿شُفَعَتَوُاْ وَكَانُواْ ◌ِشُرَكَآَبِهِمْ كَفِرِينَ﴾ قالوا: ليسوا بآلهة(٦). فتبرَّؤوا منها وتبرَّأت منهم، حسبما تقدَّم في غير موضع . قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَنَفَرَّقُونَ ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَفَرَّقُونَ﴾ يعني المؤمنين من الكافرين. (١) السبعة ص ٥٠٦، والتيسير ص ١٧٥ . (٢) وهي في الشاذة ص ١١٦ عن السُّلمي وعليّ ﴾. (٣) في ديوانه ص ٥٦، وسلف ٨/ ٣٨١. (٤) من بداية الآية إلى هذا الموضع من إعراب القرآن ٢٦٦/٣ - ٢٦٧. (٥) في معاني القرآن له ١٧٩/٤. (٦) إعراب القرآن ٢٦٧/٣. ٤٠٥ سورة الروم: الآيتان ١٤ - ١٥ ثم بيَّن كيفَ تفريقهم فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قال النخَّاس: سمعتُ الزجَّاج يقول معنى ((أمّا)): دَعْ ما كُنَّا فيه وخُذْ في غيره. وكذا قال سيبويه: إنَّ معناها: مهما يَكُنْ من(١) شيءٍ فخُذْ في غير ما كُنَّا فِيه. ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قال الضخَّاك: الروضة: الجنة، والرِّياض: الجِنان. وقال أبو عبيد: الروضةُ: ما كان في تَسفِّلٍ، فإذا كانت مرتفعةً فهي تُرْعة. وقال غيره: أحسَنُ ما تكون الروضةُ إذا كانت في موضعٍ مرتفعٍ غليظ، كما قال الأعشى: خَضْرَاءُ جَادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ ما رَوْضَةٌ من رياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ مُؤَزَّرٌ بعميمِ الثَّبْتِ مُكْتَهِلُ يُضاحِكُ الشمسَ منها كوكَبٌ شَرِقٌ ولا بأحسنَ منها إذ جَنا الأُصُلُّ (٢) يومًا بأظْيَبَ منها نَشْرَ رائحةٍ إلا أنه لا يُقال لها: روضة، إلَّا إذا كان فيها نبتٌ، فإن لم يكن فيها نبتٌ وكانت مرتفعةً فهي تُرعة. وقد قيلَ في التُّرعة غيرُ هذا(٣). وقال القُشَيْرِيُّ: والروضةُ عند العرب: ما ينبتُ حول الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شيءٌ أحسنَ منه. الجوهريُّ: والجمع روضٌ ورِياض، صارتِ الواوُ ياءً لكسرِ ما قبلها. والرَّوض: نحوٌ من نصف القِرْبَة ماء. وفي الحوض رَوْضةٌ من ماءٍ إذا غطّى أسفله (٤). وأنشد أبو عمرو: (١) في (م): كنا في، والمثبت من النسخ الخطية وإعراب القرآن. (٢) ديوان الأعشى ص ١٠٧ . الحَزْن: ما غلظ من الأرض في ارتفاع. يضاحك الشمس: يدور معها، ومضاحكته إياها حُسنٌ له ونضرة. والكوكب: معظم النبات. والشَّرِق: الريَّان الممتلئ ماءً. والمؤزَّر: الذي صار النبات كالإزار له. والعميم: النبات الكثيف الحسن. والمكتهل من اكتهل: إذا تمَّ طوله. والنشر: الريح الطيبة. والأُصُل جمع أصيل: وهو الوقت بعد العصر حتى المغرب. تهذيب اللغة ٣٦٥/٤ و١٩/٦ و٣٣٨/١١، والصحاح (أصل). (٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٦٧. والأبيات ذكرها الماوردي أيضاً في النكت والعيون ٣٠٢/٤. (٤) الصحاح (روض). ٤٠٦ سورة الروم: الآيتان ١٤ - ١٥ ورَوْضةٍ سَقَيْتُ منها نِضْوَتي(١). ﴿يُحْبَرُونَ﴾ قال الضحاك وابن عباس: يُكْرَمون. وقيل: يُنعَّمون. قاله مجاهد وقتادة. وقيل: يُسَرُّون. السُّدِّي: يفرحون. والحَبْرَة عند العرب: السرور والفرح. ذكره الماوردي(٢). وقال الجوهري: الحَبْر: الحُبُور وهو السرور، ويقال: حبرَه يحبُره - بالضَمِّ - حَبْراً وحَبَرَةً؛ قال تعالى: ﴿فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي: يُنْعَّمون ويُكرَمون ويُسَرُّون. ورجلٌ يَخْبُور يَفْعول من الحبور(٣). النخَّاس: وحكى الكسائيُّ: حَبَرْتُه أي: أكرمتُه ونعَّمتُه، وسمعتُ عليَّ بن سليمان يقول: وهو مشتَقٌّ من قولهم: على أسنانه خَبْرةٌ، أي: أثر، فـ (يُحبرون)) يَتَبَيَّن عليهم أثر النعيم. والْحَبْرُ مشتقٌّ من هذا (٤). قال الشاعر : أما تَرَى حَبارَ من يَسْقيها لا تملأِ الدّلْوَ وعَرِّقْ فيها (٥) وقيل: أصله من التَّحبير: وهو التَّحسين، فـ اليُحبَرُونَ)): يُحسَّنون(٦). يقال: فلانٌ حَسَنُ الحِبْرِ والسِّبْرِ إذا كان جميلاً حسنَ الهيئة. ويُقال أيضاً: فلانٌ حسن الخَبْرِ والسَّبْرِ بالفتح، وهذا كأنه مصدرُ قولِك: حَبَرْتُه حَبراً إذا حسَّنتُه. والأوَّل اسمٌ؛ ومنه الحديث: ((يخرج رجلٌ من النار ذهبَ حِبْرُه وسِبْرُه))(٧). وقال يحيى بن أبي كثير: ﴿فی رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قال: السَّمَاع في الجنة. وقاله الأوزاعِيُّ؛ قال: إذا أخذَ أهل الجنة في السماع لم تبقَ شجرةٌ في الجنة إلَّا رَدَّدَتِ الغناء بالتسبيح والتقديس. وقال (١) قائله هميان كما في تاج العروس (روض). والنِّضوة: هي الناقة المهزولة، مذكرها نِضو. الصحاح (نضو). (٢) النكت والعيون ٣٠٢/٤، دون قوله: وقيل: يُسرُّون، فقد ذكره ابن قتيبة في غريب القرآن ص ٣٤٠ . (٣) الصحاح (حبر). (٤) إعراب القرآن ٢٦٨/٣. (٥) أي: اجعل فيها دون الملء. الصحاح (عرق). (٦) سلف هذا المعنى ٧ / ٤٩٥ . (٧) تهذيب اللغة ٣٢/٥ - ٣٣ . والحديث أخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٣ - ٥ . ٤٠٧ سورة الروم: الآيتان ١٤ - ١٥ الأوزاعِيُّ: ليسَ أحدٌ من خَلْقِ الله أحسنَ صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطعَ على أهل سبع سماواتٍ صلاتَهم وتسبيحَهم(١). زاد غير الأوزاعِيّ: ولم تبقَ شجرةٌ في الجنة إلا ردَّدت، ولم يبقَ سِتَرٌ ولا بابٌ إلا ارتَجَّ وانفتح، ولم تبقَ حلقةٌ إلا طنَّتْ بألوان طنينها، ولم تبقَ أجَمَةٌ من آجام الذهب إلَّا وقع أُهبوبُ الصوت في مقاصبها، فَزَمَرت تلك المقاصبُ بفنون الزمر، ولم تبقَ جاريةٌ من جواري الحورِ العينِ إلَّا غَنَّت بأغانيها، والطير بألحانها، ويُوحي اللهُ تبارك وتعالى إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمِعوا عبادي الذين نزَّهوا أسماعَهم عن مزامير الشيطان، فيُجابون بألحانٍ وأصواتٍ روحانيين، فتختلط هذه الأصوات فتصيرُ رجَّةً واحدة، ثم يقول الله جَلَّ ذِكْرُه: يا داودُ قُمْ عند ساقٍ عرشي فمجِّدْني. فيندفع داودُ بتمجيد ربِّه بصوتٍ يغمرُ الأصواتَ ويُجليها، وتتضاعف اللذة؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. ذكره الترمذيُّ الحكيم رحمه الله(٢). وذكر الثعلبيُّ من حديث أبي الدَّرداء أنَّ رسول الله﴾ كان يُذكِّر الناس، فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم، وفي أُخريات القوم أعرابيٍّ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من سماع؟ فقال: ((نعم يا أعرابِيُّ، إنَّ في الجنة لَنهراً حافَتاه الأبكارُ من كلِّ بيضاءَ خِمصانية يتغَنَّينَ بأصواتٍ لم تَسمع الخلائقُ بمثلها قطُ، فذلك أفضلُ نعيم الجنة)) فسأل رجلٌ أبا الدَّرداء: بماذا يتغَنَّينَ؟ فقال: بالتسبيح. والخِمصانية: المُرهَفَةُ الأعلى، الخِمصانةُ البطن، الضخمةُ (٣) الأسفل(٣). قلت: وهذا كلُّه من النعيم والسرور والإكرام، فلا تعارض بين تلك الأقوال. (١) تفسير البغوي ٤٧٩/٣ . (٢) لم نقف عليه في القسم المطبوع من نوادر الأصول. (٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٣٣١/١ - ٣٣٢ من طريق سليمان بن عطاء ، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة، عن أبي الدرداء مرفوعاً. قال ابن حبان: سليمان بن عطاء يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله. ٤٠٨ سورة الروم: الآيات ١٥ - ١٨ وأين هذا من قوله الحق: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] على ما يأتي. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمِعتْ، ولا خطرَ على قلبٍ بشر))(١). وقد رُوِي: ((إنّ في الجنة لأشجاراً عليها أجراسٌ من فضة، فإذا أرادَ أهلُ الجنةِ السماعَ بعثَ اللهُ ريحاً من تحت العرش فتقعُ في تلك الأشجار، فتُحرِّكُ تلك الأجراسَ بأصواتٍ لو سمِعَها أهلُ الدنيا لماتوا طرباً)). ذكره الزمخشريّ(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَنِتِّنَا وَلِقَآٍ اُلْآَخِرَةِ فَأُوْلَبِكَ فِىِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (@) قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾ تقدَّم الكلام فيه. ﴿وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: بالبعث . ﴿فَأُوْلَبِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: مقيمون. وقيل: مجموعون. وقيل: مُعذَّبون. وقيل: نازلون؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨] أي: نزَل به. قاله ابن شجرة، والمعنى متقارب(٣). قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ فيه ثلاثُ مسائل : الأولى - قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ﴾ الآية، فيه ثلاثة أقوال: الأوّل ـ أنه خطابٌ للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحضٍّ على الصلاة في هذه الأوقات (٤). قال ابن عباس: الصلوات الخمس في القرآن. قيل له: أين؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ (١) سلف ١/ ١٢٢. (٢) في الكشاف ٢١٧/٣ . (٣) النكت والعيون ٣٠٣/٤، وفيه أن قول ابن شجرة: يقيمون. (٤) المحرر الوجيز ٣٣٢/٤. ٤٠٩ سورة الروم: الآيتان ١٧ - ١٨ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر(١). وقاله الضحَّاك وسعيد بن جُبير(٢). وعن ابن عباس أيضاً وقتادة: أنَّ الآية تنبية على أربع صلوات: المغرب والصبح والعصر والظهر؛ قالوا: والعشاء الآخرة هي في آيةٍ أخرى في ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّلِ﴾ [هود: ١١٤] وفي ذكر أوقات العورة(٣). وقال النخَّاس: أهل التفسير على أنَّ هذه الآية ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ في الصلوات. وسمعتُ عليَّ بن سليمان يقول: حقيقتُه عندي: فسبِّحوا اللهَ في الصَّلوات؛ لأنَّ التسبيحَ يكون في الصلاة. وهو القول الثاني(٤). والقول الثالث - فسبِّحوا الله حين تُمسون وحين تُصبحون. ذكره الماوردِيُّ، وذكر القولَ الأوّل، ولفظه فيه: فصلُّوا للهِ حين تُمسون وحين تُصبحون(٥). وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان: أحدهما - لِما تضمَّنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. الثاني - مأخوذٌ من السُّبحة، والسُّبحة: الصلاة؛ ومنه قول النبيِّ ◌ِ﴾: ((تكون لهم سبحةً يوم القيامة)) أي صلاةٌ(٦). الثانية - قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اُلْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراضٌ بين الكلام بدؤوب الحمد على نعمِه وآلائه. وقيل: معنى: ﴿وَلَهُ اُلْحَمْدُ﴾ أي: الصلاةُ له؛ (١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٧٢)، والطبري ٤٧٤/١٨، والطبري (١٠٥٩٦)، والحاكم ٤١٠/٢ - ٤١١ . (٢) النكت والعيون ٤/ ٣٠٣ . (٣) المحرر الوجيز ٣٣٢/٤. (٤) إعراب القرآن ٢٦٨/٣ . (٥) لم نقف على هذا الكلام عند الماوردي في النكت والعيون ولا عند أحد ممَّن ينقل عنه. وقد ذكر ابن الجوزي الكلام الأخير في زاد المسير ٦/ ٢٩٣ من غير نسبة. (٦) النكت والعيون ٣٠٣/٤ . والحديث لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد ورد معنى السُّبحة أنها الصلاة في أحاديث عدة منها ما أخرجه أحمد (٢٤٥٥٩)، والبخاري (١١٧٧) ومسلم (٧١٨) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما سبَّح رسول الله # سبحة الضحى، وإني لأُسبِّحها. ومنها ما أخرجه أحمد (١٢٤٨٦) عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله# سُبحة الضحى ثمان ركعات. ٤١٠ سورة الروم: الآيتان ١٧ - ١٨ لاختصاصها بقراءة الحمد. والأوَّل أظهر؛ فإنَّ الحمدَ لله من نوع التعظيم لله تعالى والحضِّ على عبادته ودوام نعمته، فيكون نوعاً آخرَ خلافَ الصلاة، والله أعلم(١). وبدأ بصلاة المغرب؛ لأنَّ الليلَ يتقدَّم النهار. وفي سورة ((سبحان)) بدأَ بصلاة الظهر؛ إذ هي أوَّلُ صلاةٍ صلاها جبريل بالنبيِّ﴾. قال الماورديُّ(٢): وخصَّ صلاة الليل باسم التسبيح وصلاةً النهار باسم الحمد؛ لأنَّ للإنسان في النهار متقلَّباً في أحوالٍ تُوجِبُ حمدَ الله تعالى عليها، وفي الليل على خلوةٍ تُوجِبُ تنزيه الله من الأسواء فيها؛ فلذلك صارَ الحمدُ بالنهار أخَصَّ فسُمِّيتْ به صلاةُ النهار، والتسبيحُ بالليل أخصّ فسُمِّیتْ به صلاةُ الليل. الثالثة - قرأ عكرمة: ((حِينًا تُمْسُونَ وَحِينًا تُصْبِحُونَ)) والمعنى: حيناً تُمسون فيه وحيناً تُصبحون فيه؛ فحذف ((فيه)) تخفيفاً، والقول فيه كالقول في ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨](٣). ﴿وَعَشِيًّا﴾ قال الجوهرِيُّ: العَشِيُّ والعَشِيَّةُ من صلاة المغرب إلى العتمة؛ تقول: أتيتُه عشِيةَ أمسٍ وعَشِيَّ أمسٍ. وتصغير العَشِيِّ: عُشَيَّان، على غير [قياسِ] مُكَبَّرِه، كأنهم صغَّروا عَشْيَانًا، والجمع عُشَيَّانات. وقيل أيضاً في تصغيره: عُشَيْشِيَان، والجمع عُشَيْشِيَات. وتصغير العَشِيَّة عُشَيْشِيَّة، والجمع عُشَيْشِيات. والعِشاءُ - بالكسر والمدِّ - مثلُ العَشِيِّ. والعِشاءان المغربُ والعَتْمة. وزعم قومٌ أنَّ العِشاءَ من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا : عِشاءً بعد ما انتصفَ النهارُ(٤) غدونا غدوةً سَحَراً بليلٍ الماوردِيُّ(٥): والفرقُ بين المساء والعِشاء: أنَّ المساءَ بُدُوُّ الظلام بعد المغيب، (١) النكت والعيون ٣٠٣/٤، والمحرر الوجيز ٣٣٢/٤. (٢) في النكت والعيون ٣٠٣/٤ . (٣) الكشاف ٢١٧/٣، وينظر إعراب القرآن ٢٦٨/٣، وقراءة عكرمة في المحتسب ١٦٣/٢، والشاذة ص ١١٦ . (٤) الصحاح (عشا) ، وما بين حاصرتين منه. (٥) في النكت والعيون ٤/ ٣٠٤ . ٤١١ سورة الروم: الآيات ١٨ - ٢٦ والعِشاءَ آخرُ النهار عند ميل الشمس للمغِيب، وهو مأخوذٌ من عشا العين: وهو نقصُ النور من الناظر كنقص نور الشمس. قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ وَيْهِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾﴾ بَيَّن كمال قدرته؛ أي: كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك يُحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس، وقد مضى في ((آل عمران)) (١) بيانٌ ﴿يُخْرِجُ اَلْىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَتَشِرُونَ وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ * وَمِنْ ءَايَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيِّكُمَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُمْ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَاؤُكُم مِّنْ فَضْلِهٍِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٣) مَآءُ فَيُحِ بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ ◌َِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٥َ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَسِنُونَ (٦) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ أي: من علامات رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانيَّته أنْ خلقكم من تراب(٢)، أي: خلقَ أباكم منه، والفرع كالأصل، وقد مضى بيانُ هذا في ((الأنعام))(٣). و((أنْ)) في موضع رفع بالابتداء، وكذا ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُم (١) ٥/ ٨٦ - ٨٧ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٨١. (٣) ٣١٨/٨. ٤١٢ سورة الروم: الآيات ٢٠ - ٢٦ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾(١). ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَّشِرُونَ﴾ ثم أنتم عقلاءُ ناطقون تتصرَّفون فيما هو قِوامُ معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عَبَثًا، ومن قَدَر على هذا فهو أهلٌ للعبادة والتسبيح. ومعنى: ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ أي: نساءً تسكنون إليها. ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: من نِطَفِ الرجال ومن جنسكم. وقيل: المراد حوَّاء، خلقها من ضِلَع آدم. قاله قتادة(٢). ﴿وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: المودّة: الجماع، والرحمة: الولد. وقاله الحسن. وقيل: المودَّة والرحمة عَظْفُ قلوبِهم بعضِهم على بعض(٣). وقال السُّدِّي: المودةُ: المحبةُ، والرحمةُ: الشفقة (٤). ورُوي معناه عن ابن عباس قال: المودّةُ: حبُّ الرجل امرأته، والرحمة: رحمتُه إيَّاها أن يُصيبَها بسوء(٥). ويُقال: إنَّ الرجل أصلُه من الأرض، وفيه قوَّةُ الأرض، وفيه الفَرْجُ الذي منه بُدئ خَلْقُه، فيحتاج إلى سَكَن، وخُلقتِ المرأةُ سكناً للرجل؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ فأوَّلُ ارتفاقِ الرجل بالمرأة سكونُه إليها مما فيه من غليَان القوَّة، وذلك أنَّ الفرجَ إذا تُحمِّلَ فيه هيَّجَ ماءَ الصلب إليه، فإليها يسكن، وبها يتخلص من الهِياج، وللرجال خُلِقَ البُضْعُ منهنَّ؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزَوَِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] فأعلمَ اللهُ عزَّ وجلَّ الرجالَ أنَّ ذلك الموضعَ خُلِقَ منهنَّ للرجال، فعليها بذلُه في كلِّ وقتٍ يدعوها الزوج، فإن منعَتْه فهي ظالمةٌ وفي حرجٍ عظيم، ويكفيك من ذلك ما ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة قال: (١) إعراب القرآن ٢٦٩/٣. (٢) مجمع البيان ١٩/٢١، وقول قتادة في النكت والعيون ٣٠٥/٤. (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٥٣/٥، وذكر القول الأول عن مجاهد، وهو في النكت والعيون ٣٠٥/٤ عن الحسن، وفي المحرر الوجيز ٣٣٣/٤ عن مجاهد والحسن وعكرمة. (٤) النكت والعيون ٣٠٥/٤، ومجمع البيان ١٩/٢١ . (٥) إعراب القرآن ٢٦٩/٣ . ٤١٣ سورة الروم: الآيات ٢٠ - ٢٦ قال رسول الله ﴾: ((والذي نفسي بيده، ما مِنْ رجلٍ يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلَّا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها))(١). وفي لفظٍ آخر: ((إذا باتَتِ المرأةُ هاجرةً فِراشَ زوجِها لعنْتَها الملائكةُ حتى تُصبح)) (٢). ﴿وَمِنْ ءَيَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدَّم في ((البقرة))(٣) وكانوا يعترفون بأنَّ الله تعالى هو الخالق . ﴿وَأَخِْلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيِكٌ﴾ اللِّسان في الفم، وفيه اختلاف اللغات: من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور: من البياض والسواد والحمرة، فلا تكادُ ترى أحداً إلا وأنتَ تُفرِّقُ بينه وبين الآخر. ولیس هذه الأشياء من فعل النُّطفة ولا من فعل الأبوين، فلا بُدَّ من فاعل، فعُلِمَ أنَّ الفاعِلَ هو الله تعالى، فهذا مِنْ أدلِّ دليلٍ على المدبِّر البارئ(٤). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ﴾ أي للبَرِّ والفاجر(٥). وقرأ حفص: ((للعالِمِينَ)) بكسر اللام، جمع عالِم(٦). ﴿وَمِنْ ءَايَيِهِ، مَنَامُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قيل: في هذه الآية تقديمٌ وتأخير (٧)، والمعنى: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحُذِفَ حرفُ الجرِّ لاتصاله بالليل وعَطْفِه عليه، والواو تقوم مقامَ حرف الجرِّ إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصةً، فجُعلَ النومُ بالليل دليلاً على الموت، والتصرفُ بالنهار دليلاً على البعث . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يريدُ سماعَ تفهُمِ وتدبُّر (٨). (١) صحيح مسلم (١٤٣٦): (٢١). (٢) صحيح مسلم (١٤٣٦): (٢٠)، وأخرجه أحمد (١٠٩٤٦)، والبخاري (٥١٩٤)، وقد سلف ٦/ ٢٨٣. (٣) ٣٧٦/١ فما بعدها. (٤) إعراب القرآن ٢٦٩/٣ . (٥) زاد المسير ٣٩٨/٥ عن ابن عباس # عند تفسير الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء. (٦) السبعة ص ٥٠٦ ، والتيسير ص ١٧٥ . (٧) المحرر الوجيز ٣٣٣/٤. (٨) تفسير البغوي ٣/ ٤٨١ . ٤١٤ سورة الروم: الآيات ٢٠ - ٢٦ وقيل: يسمعون الحقَّ فيتبعونه. وقيل: يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل: يسمعون القرآن فيُصدِّقونه. والمعنى متقارب(١). وقيل: كان منهم من إذا تُلي القرآن وهو حاضرٌ سَدَّ أذنيه حتى لا يسمع، فبيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ هذه الدلائل عليه(٢). ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قيل: المعنى: أن يُريَكم، فحذف ((أن)) لدلالة الكلام عليه؛ قال طرفة : ألَا أيُّهذا اللائِمي أخْضُرُ الوَغَى وأنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هل أنت مُخْلِدي(٣) وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: ويُريكم البرقَ من آياته. وقيل: أي: ومن آياته آیةٌ یریكم بها البرق، كما قال الشاعر: وما الذَّهرُ إلَّا تارتانٍ فمنهما أموتُ وأخْرَى أبتغي العيشَ أكْدَحُ(٤) وقيل: أي: من آياته أنه يُريكم البرقَ خوفاً وطمعاً من آياته. قاله الزجَّاج(٥)، فيكون عطفَ جملةٍ على جملة. ﴿خَوفًا﴾ أي: للمسافر. ﴿وَطَمَعَا﴾ للمقيم. قاله قتادة. الضحَّاك: (خَوْفًا)) من الصواعق، ((وَطَمَعًا)) في الغيث. يحيى بن سلام: ((خَوْفًا)) من البرد أن يُهلِكَ الزرعَ، ((وَطَمَعًا)) في المطر أن يُحييَ الزرعَ. ابن بحر: ((خَوْفًا)) أن يكون البرقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمطر، ((وَطَمَعًا)) أن يكون ممطراً، وأنشد قولَ الشاعر: لا يكُنْ بَرْقُكَ برقًا خُلَّبا إِنَّ خيرَ البرقِ ما الغيثُ معه(٦) (١) النكت والعيون ٣٠٧/٤ دون قوله: فحذف حرف الجر ... إلى قوله: خاصةً. ودون قوله: يريد سماع تفهم وتدبر. (٢) إعراب القرآن ٢٦٩/٣ . (٣) البيان ٢/ ٢٥٠. والبيت في ديوان طرفة ص ٣٢ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٥٣/٥ - ٢٥٤. والبيت قائله تميم بن أبي بن مقبل، وهو في ديوانه ص٢٤ . (٥) في معاني القرآن له ٤/ ١٨٢، والعبارة التي بعده منه. (٦) نسب هذا البيت إلى أبي الأسود الدؤلي كما في عيون الأخبار ص ٢٧٦، وجمهرة الأمثال ٣/ ١٥٦ ، ونسب إلى عبد الله بن كريز كما في الحماسة البصرية ٢/ ١٠، ونسب إلى أنس بن زنيم كما في خزانة الأدب ٦/ ٤٧١ . ٤١٥ سورة الروم: الآيات ٢٠ - ٢٦ وقال آخر: فقد أرِدُ المياهَ بغير زادٍ سوى عَدِّي لها برقَ الغمامِ(١) والبرقُ الخُلَّبُ: الذي لا غيثَ فيه كأنه خادع؛ ومنه قيل لمن يَعِدُ ولا يُنْجز: إنما أنت كبرقٍ خُلَّب. والخُلَّب أيضاً: السحابُ الذي لا مطر فيه. ويقال: بَرْقُ خُلَّبٍ، بالإضافة(٢). ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَيُخِيِ، بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ تقدَّم. ﴿وَمِنْ ءَيَِهِ: أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرٍِ﴾ ((أَنْ)) في محلِ رفع كما تقدم، أي: قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد(٣). وقيل: بتدبيره وحكمته، أي: يمسكها بغير عمدٍ لمنافع الخلق. وقيل: ((بأمرِهِ)) بإذنه. والمعنى واحد (٤). ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: الذي فعلَ هذه الأشياء قادرٌ على أن يبعثكم من قبوركم(٥)، والمرادُ سرعةُ وجودٍ ذلك من غير توقُّفٍ ولا تلبّث؛ كما يُجيبُ الداعي المطاعَ مَدْعُوُهُ، كما قال القائل: دَعَوْتُ كُلَيباً باسمهِ فكأنَّما دعوتُ برأسِ الظَّودِ أو هو أسرعُ يريد برأس الطود: الصَّدى، أو الحجرَ إذا تَدَهْده. وإنما عطفَ هذا على قيام السماوات والأرض بـ((ثمّ)) لِعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتدارِه على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقَى نسمةٌ من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. و((إذا)) الأولى في (١) قائله المتنبي، وهو في ديوانه ١٤٣/٤، وفيه: ((هاد) بدل ((زاد)). ومن قوله: ﴿خوفاً﴾ .. إلى هذا الموضع من النكت والعيون ٣٠٧/٤ - ٣٠٨ . (٢) الصحاح (خلب). (٣) إعراب القرآن ٢٦٩/٣. (٤) النكت والعيون ٣٠٨/٤ . (٥) إعراب القرآن ٢٦٩/٣ . ٤١٦ سورة الروم: الآيات ٢٠ - ٢٦ قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ للشرط، والثانية في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَنتُمْ﴾ للمفاجأة، وهي تنوبُ منابَ الفاء في جواب الشرط(١). وأجمع القرَّاء على فتح التاء هنا في («تُخْرَجُونَ))، واختلفوا في التي في ((الأعراف)) [الآية: ٢٥] فقرأ أهل المدينة: ((ومنها تُخرجون)) بضمِّ التاء، وقرأ أهل العراق: بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد، والمعنيان متقاربان، إلّا أنَّ أهل المدينة فرَّقوا بينهما لِنَسقِ الكلام، فنسَقُ الكلام في التي في (الأعراف)» بالضمِّ أشبه؛ إذ كان الموتُ ليس من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبَهُ بنَسقِ الكلام، أي: إذا دعاكم خرجتُم، أي: أطعمتم؛ فالفِعْلُ [بهم] أشبه(٢). وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة(٣)، على ما تقدَّم ويأتي. وقُرئ: ((تخرجون)) بضمِّ التاء وفتحِها، ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ(٤) ولم يزِدْ على هذا شيئاً، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق، والله أعلم. ﴿وَلَهُ مَنْ فِ الشَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ﴾ خَلقاً وملكاً وعبداً . ﴿ كُلِّ لَُّ قَدِيِنُونَ﴾ رُوي عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ ﴾ قال: ((كلُّ قنوتٍ في القرآن فهو طاعة)). قال النخَّاس: مطيعون طاعة انقياد(٥). وقيل: ((قَانْتُونَ)) مُقِرُّون بالعبودية، إما قالةً وإما دِلالةً. قاله عِكرمة وأبو مالك والسُّدِّي. وقال ابن عباس: ((قَانْتُونَ)): مُصلُّون. الربيع بن أنس: وكُلٌّ لَُّ قَائِنُونَ﴾ أي: قائمٌ يوم القيامة، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (١) الكشاف ٢١٩/٣ - ٢٢٠. (٢) إعراب القرآن ٢٦٩/٣ - ٢٧٠، وما بين حاصرتين منه. وينظر النشر ٢٠٧/٢. (٣) زاد المسير ٢٩٦/٦ . (٤) في الكشاف ٣/ ٢٢٠ . (٥) إعراب القرآن ٢٧٠/٣، والحديث أخرجه - بهذا اللفظ - الطبراني في الأوسط (١٨٢٩) من طريق رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، به. وأخرجه أحمد (١١٧١١) من طريق ابن لهيعة، عن دراج، به. بلفظ: ((كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة)). رشدين وابن لهيعة ضعيفان، وكذلك دراج أبو السمح في روايته عن أبي الهيثم العتواري. قلنا: وقد رُوي هذا من كلام قتادة فيما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١١٦/٢ . ٤١٧ سورة الروم: الآيات ٢٦ - ٢٧ [المطففين: ٦] أي: للحساب. الحسن: كلٌّ له قائمٌ بالشهادة أنه عبدٌ له. سعيد بن جُبير. ((قَإِنْتُونَ)): مخلصون(١). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أمَّا بدْءُ خلقِه فبِعُلوقه في الرَّحِمِ قبل ولادته، وأمَّا إعادتُه فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء خلقِه دليلاً على ما يخفى من إعادته؛ استدلالاً بالشاهد على الغائب، ثم أكَّدَ ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةً﴾(٢). وقرأ ابن مسعود وابن عمر: (يُبْدِئُ الخَلْقَ))(٣) من أبدأ يُبدئ؛ دليلُه قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يْدِثُ وَبُيدٌ﴾ [البروج: ١٣]. ودليلُ قراءة العامَّة قولُه سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. و((أَهْوَنُ)) بمعنى هيِّن، أي: الإعادةُ هَيِّنٌ عليه. قاله الرَّبيع بن خُثيم والحسن (٤). فأَهوَنُ بمعنى هيِّن؛ لأنه ليس شيءٌ أهونَ على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومَنْ جعلَ أهونَ يُعبِّر عن تفضيل شيء على شيءٍ فقولُه مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] وبقوله: ﴿وَلَا يَُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والعرب تحمِلُ أفعل على فاعل، ومنه قول الفرزدق(٥): بيتاً دعائِمُه أعزُّ وأطوَلُ إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا أي: دعائمه عزيزةٌ طويلة. وقال آخر: لَعَمْرُكَ ما أدري وإِنِّي لأوْجَلُ على أيِّنا تَغْدُو المنيَّةُ أَوَّلُ (٦) (١) النكت والعيون ٣٠٩/٤ . (٢) المصدر السابق . (٣) وهي قراءة شاذة لم نقف عليها إلا عند المصنف. (٤) المحرر الوجيز ٣٣٥/٤ عن ابن عباس والربيع، وتفسير البغوي ٤٨١/٣ عن الربيع وقتادة والكلبي. وزاد المسير ٢٩٨/٦ عن الحسن وقتادة. (٥) في ديوانه ص ٧١٤ . (٦) قائله معن بن أوس المزني، وهو في الكامل ٢/ ٧٥٠، والحماسة البصرية ٧/٢، وخزانة الأدب ٥٠٥/٦ . ٤١٨ سورة الروم: الآية ٢٧ أراد: إني لوَجِلٌ. وأنشد أبو عبيدةَ أيضاً: قَسَمًا إليكَ مع الصُّدود لَأَمْيَلُ(١) إني لأمْنَحُكَ الصُّدودَ وإنَّني أراد: لَمائل. وأنشد أحمد بن یحیی: فتلكَ سبيلٌ لستُ فيها بأوْحَدٍ (٢) تَمِنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أَمُتْ أراد: بواحد. وقال آخر: لَعمرُكَ إِنَّ الزِّبرقانَ لَباذلٌ لمعروفهِ عند السنينَ وأفضَلُ(٣) أي: وفاضل. ومنه قولهم: الله أكبر، إنما معناه: الله الكبير. وروى معمر عن قتادة قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: ((وهو عليه هيِّن))(٤). وقال مجاهد وعكرمة والضَّاك: إنَّ المعنى أن الإعادة أهونُ عليه - أي: على الله - من البداية، أي: أيسر، وإن كان جميعُه على الله تعالى هيناً. وقاله ابن عباس(٥). ووجهُه أنَّ هذا مَثَلٌ ضربه اللهُ تعالى لعباده؛ يقول: إعادة الشيء على الخلائق أهوَنُ من ابتدائه، فينبغي أن يكون البعثُ لمن قدَرَ على البداية عندكم وفيما بينكم أهونَ عليه من الإنشاء. وقيل: الضمير في ((عَلَيْهِ)) للمخلوقين، أي: هو أهوَنُ عليه، أي: على الخلق، يُصاح بهم صيحةً واحدةً فيقومون ويُقال لهم: كونوا فيكونون؛ فذلك أهوَنُ عليهم من أن (١) إلى هذا الموضع من مجاز القرآن ١٢١/٢ - ١٢٢، وهذا البيت قائله الأحوص بن محمد الأنصاري، وهو في كتاب سيبويه ١/ ٣٨٠، وخزانة الأدب ٤٨/٢ . (٢) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٠١/٢، والطبري ٤٧٨/٢٤، وابن عبد البر في بهجة المجالس ٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧ إلى طرفة، وذكر أن الشافعي رحمه الله تمثل به عندما دعا عليه أشهب بالموت. ونسبه الأخفش في الاختيارين ص١٦١ إلى مالك بن القين. (٣) ذكره الطبري ٤٨٧/١٨ من غير نسبة. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٥٦/٥، ووقع فيه وفي المحرر الوجيز ٣٣٥/٤: ((وهو هينٌ عليه)). وأخرجها عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٢ بمثل ما أثبتناه، وهي قراءة شاذة. (٥) المحرر الوجيز ٣٣٥/٤ عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وتفسير البغوي ٤٨١/٣ عن مجاهد وعكرمة، وزاد المسير ٢٩٧/٦ عن مجاهد وأبي العالية. ٤١٩ سورة الروم: الآية ٢٧ يكونوا نُطَفاً، ثم عَلَقاً، ثم مُضَغاً، ثم أجِنَّةً، ثم أطفالاً، ثم غلماناً، ثم شُبَّاناً، ثم رجالاً أو نساءً. وقاله ابن عباس وقُظْرُب. وقيل: أهون: أسهل(١)؛ قال: وهانَ على أسماءً أن شطّتِ النَّوَى يحِنُّ إليها والِهٌ ويتوقُ أي: سهلٌ عليها. وقال الربيع بن خُثَيم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال: ما شيءٌ على الله بعزيز(٢). عِكرمة: تعجّبَ الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت هذه الآية(٣). ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: ما أراده جلَّ وعزَّ كان. وقال الخليل: المثلُ: الصفة(٤)، أي: وله الوصف الأعلى ﴿فِي التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ كما قال: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ أَلَّتِىِ وُعِدَ الْمُتَّقُّونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. وعن مجاهد: ﴿الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى﴾ قولُ: لا إله إلا الله؛ ومعناه: أي: الذي له الوصفُ الأعلى، أي: الأرفع الذي هو الوصف بالواحدانية. وكذا قال قتادة: إنَّ المثلَ الأعلى شهادةُ أن لا إله إلا الله، ويَعْضُده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] على ما نُبِيِّنُه آنفاً إن شاء الله تعالى. وقال الزجَّاج: ﴿وَلَهُ الْمَثَّلُ الْأَعْلَى فِي التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قد ضربَه لكم مثلاً فيما يصعب ويسهل؛ يريد التفسير الأوَّل(٥). وقال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء (٦) ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدَّم(٧). (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٨١، وزاد المسير ٢٩٨/٦ . (٢) النكت والعيون ٤/ ٣١٠، والبيت قائله عمرو بن الأهتم كما في المفضليات ص ١٢٥، وقول الربيع أخرجه الطبري ٤٨٥/١٨ . (٣) أخرجه الطبري ٤٨٦/١٨ . (٤) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٠ . (٥) الكشاف ٢٢١/٣ دون قول قتادة، وقد أخرجه الطبري ٤٨٩/١٨ . وقول الزجاج في معاني القرآن له ٤ / ١٨٤ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٢٥٧/٥، وأخرجه الطبري ٤٨٨/١٨ - ٤٨٩ (٧) ٤٢٩/١ . ٤٢٠ سورة الروم: الآية ٢٨ قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ ٢٨ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَشُسِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿مِّن شُرَكَآءَ﴾ ثم قال: ﴿مِنَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ فـ ((من)) الأولى للابتداء، كأنه قال: أخذَ مثلاً وانتزعه من أقرب شيءٍ منكم وهي أنفسكم. والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام(١). والآيةُ نزلت في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريكَ لك، إلَّ شريكاً هو لك، تملِكُه وما مَلَكَ. قاله سعيد بن جُبير(٢). وقال قتادة: هذا مثلٌ ضربَه الله للمشركين، والمعنى: هل يرضى أحدُكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مِثْلَه، فإذا لم ترضَوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء(٣)؟! الثانية: قال بعض العلماء: هذه الآية أصلٌ في الشركة بين المخلوقين؛ لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لمَّا قال جلَّ وعزَّ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ الآية، فيجب أن يقولوا: ليسَ عبيدُنا شركاءَنا فيما رزقتنا. فيُقال لهم: فكيف يُتصوَّرُ أن تُنزِّهوا نفوسَكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي، فهذا حكمٌ فاسدٌ وقِلةُ نظرٍ وعَمَى قلب! فإذا بطلتِ الشركةُ بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادةُ - والخلقُ كلُّهم عبيدٌ لله تعالى - فيبطل أن يكون شيءٌ من العالَم شريكاً لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبقَ إلَّا أنه واحدٌ يستحيلُ أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضاً بالمال والعمل، والقديمُ الأزليُّ منزَّهٌ عن ذلك جَلَّ وعزَّ. (١) الكشاف ٣/ ٢٢١ . (٢) النكت والعيون ٣١١/٤، وزاد المسير ٢٩٨/٦ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٥٧/٥، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٢، والطبري ٤٩٠/١٨.