النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة العنكبوت: الآيات ٥٥ - ٦٠
﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ قرأ أهل المدينة والكوفة: (نَقُولُ)) بالنون. الباقون بالياء. واختاره
أبو عبيد؛ لقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِالَِّ﴾ ويحتمل أن يكون الملَك الموثَّل بهم يقول:
(ذُوقُوا)) والقراءتان ترجع إلى معنى. أي: يقول الملَكُ بأمرنا: ذوقوا(١).
كُلُّ نَفْسٍ
٥٦
قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ
ذَابِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ◌َ﴾
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوِّنَتَّهُم مِّنَ
الْجَنَّةِ غُرَفَا تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَأْ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
الَّذِينَ صَبَرُوا
وَكَأَئِنِ مِّنِ دَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ
وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَوَكَُّونَ (@)
﴾
٦٠
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَِّينَ ءَامَنُوْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ﴾ هذه الآية نزلت في تحريض
المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة - في قول مقاتل والكلبي - فأخبرهم الله تعالى
بِسَعة أرضه، وأنَّ البقاء في بقعةٍ على أذى الكفار ليس بصواب، بل الصواب أن
تُتَلَمَّسَ عبادةُ الله في أرضه مع صالحي عباده(٢)، أي: إن كنتم في ضيقٍ من إظهار
الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة فإنها واسعة؛ لإظهار التوحيد بها(٣). وقال ابن جُبير
وعطاء: إنَّ الأرض التي فيها الظلمُ والمنكرُ تترتَّبُ فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها
إلى بلد حق. وقاله مالك(٤). وقال مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ﴾ فها جروا وجاهدوا(٥).
وقال مُطرِّف [بن عبد الله] بن الشِّخِّير: المعنى: إنَّ رحمتي واسعة. وعنه أيضاً: إنَّ
رزقي لكم واسعٌ فابتغوه في الأرض(٦). قال سفيان الثوري: إذا كنتَ بأرضٍ غاليةٍ
(١) السبعة ص٥٠١، والتيسير ص١٧٤. وينظر الحجة للقراء السبعة ٤٣٦/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٤/٤. وذكر مقاتل والكلبي من تفسير البغوي ٤٧٢/٣ .
(٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٤٢، وتفسير البغوي ٤٧٢/٣، وزاد المسير ٢٨١/٦.
(٤) المحرر الوجيز ٣٢٤/٤ .
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٧٢ .
(٦) النكت والعيون ٣٩١/٤. والقول الثاني في تفسير البغوي ٤٧٢/٣، وزاد المسير ٢٨١/٦ . وما بين
حاصرتين من تلك المصادر.

٣٨٢
سورة العنكبوت: الآيات ٥٦ - ٦٠
فانتقِلْ إلى غيرها تملأُ فيها جِرابَكَ خبزاً بدرهم. وقيل: المعنى: إنَّ أرضي التي هي
أرض الجنة واسعة. ﴿فَاعْبُدُونٍ﴾ حتى أورثكموها(١). ﴿فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ ((إيَّايَ))
منصوبٌ بفعلٍ مضمر، أي: فاعبدوا إِيَّايَ فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن
الثاني، والفاء في قوله: ((فَإِيَّايّ)) بمعنى الشرط(٢)، أي: إنْ ضاقَ بكم موضعٌ فإيَّايَ
فاعبدوني [في غيره](٣)؛ لأن أرضي واسعة.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ تقدَّم في ((آل عمران))(٤).
وإنما ذكره هاهنا تحقيراً لأمر الدنيا ومخاوفها. كأنَّ بعض المؤمنين نظر في عاقبةٍ
تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أن يموت أو يجوع أو نحو هذا، فحقَّرَ اللهُ شأن
الدنيا. أي: أنتم لا مَحالةَ ميِّتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه
وإلى ما يمتثل. ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضاً منه تعالى، وذكر
الجزاء الذي ينالونه، ثم نعتهم بقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(٥). وقرأ
أبو عمرو ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن مُحيصن والأعمش وحمزة
والكسائي وخلف: ((يا عِبادِي)) بإسكان الياء. وفتحها الباقون(٦). ((إنَّ أرْضِي)) فتحَها
ابن عامر، وسكّنها الباقون(٧).
ورويَ أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((مَنْ فَرَّ بدينه من أرضٍ إلى أرضٍ ولو قيدَ شبرٍ
استوجبَ الجنة، وكان رفيقَ محمد وإبراهيم)) عليهما السلام(٨).
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٣٤/٥ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ .
(٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٤) ٥/ ٤٤٧ فما بعده.
(٥) المحرر الوجيز ٣٢٤/٤ .
(٦) قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي في السبعة ص ٥٠١-٥٠٢ ، وقراءتهم وقراءة يعقوب وخلف وهما
من العشرة في النشر ٢/ ١٧٠ .
(٧) السبعة ص٥٠٢ ، والتيسير ص ١٧٤.
(٨) تفسير أبي الليث ٥٤٢/٢، والكشاف ٢١٠/٣، وقد سلف ٦٤/٧ .

٣٨٣
سورة العنكبوت: الآيات ٥٦ - ٦٠
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وقرأ السُّلميُّ وأبو بكر عن عاصم: ((يُرْجَعُونَ)) بالياء؛ لقوله:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوَّتِ﴾ وقرأ الباقون بالتاء؛ لقوله: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾(١) وأنشد
بعضهم :
ونحنُ في غفلةٍ عَمَّا يُرادُ بِنا
الموتُ في كلِّ حیٍ يَنشدُ الگفنَا
وإنْ توشَّحْتَ من أثوابِها الحَسنا
لا تَرکننَّ إلى الدُّنيا وزَهرِها
أينَ الذين هُمُو كانوا لها سَكَنا
أينَ الأحبةُ والجيرانُ ما فَعَلُوا
صيَّرهم تحتَّ أطباقِ الثَّرَى رُهُنا
سقَاهُمُ الموتُ كأساً غيرَ صافيةٍ
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوِّثَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ وقرأ ابن مسعود
والأعمش ويحيى بن وثَّاب وحمزة والكسائي: ﴿لَنُثْوِينَّهم﴾ بالثاء مكان الباء من
الثُّيِّ: وهو الإقامة(٢)، أي: لَنُعطينَّهم غُرفاً يثوون فيها(٣). وقرأ رويس عن يعقوب
والجحدري والسُّلمي: (لَيُبَوئِنَّهُمْ)) بالياء مكان النون (٤). الباقون ﴿لَنُوْتَنَّهُمْ﴾ أي:
النُنزِلَنَّهم ﴿غُرَفًا﴾(٥) جمع غرفة وهي العُلِّيَّة المُشرِفة(٦). وفي ((صحيح مسلم))(٧) عن
سعيد الخدري (٨) أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((إنَّ أهل الجنة لَيتراءَون أهلَ الغُرَفِ من
فوقهم كما تتراءونَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ من الأفق من المشرق أو المغرب لِتفاضُلِ
ما بينهم)) قالوا: يا رسول الله، تلك منازلُ الأنبياء لا يبلُغُها غيرُهم. قال: ((بلى،
(١) قراءة أبي بكر عن عاصم في السبعة ص ٥٠٢ ، والتيسير ص١٧٤ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٤/٤ دون ذكر الأعمش. وقراءة حمزة والكسائي في السبعة ص٥٠٢، والتيسير
ص ١٧٤ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٣٤/٥.
(٤) المشهور عن يعقوب: لنبؤنَّهم. النشر ٢/ ٣٤٤.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٣٤/٥.
(٦) الصحاح (غرف).
(٧) (٢٨٣١). وأخرجه البخاري (٣٢٥٦).
(٨) في النسخ: سهل بن سعد، والتصويب من الصحيحين.

٣٨٤
سورة العنكبوت: الآيات ٥٦ - ٦٠
والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين)). وخرَّج التِّرمذي(١) عن
عليٍّ﴾ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ في الجنة لَغُرفاً يُرى ظهورُها من بطونِها
وبطونُها من ظهورِها)) فقام إليه أعرابيٍّ فقال: لِمن هي يا رسولَ الله؟ قال: ((هي لمن
أطابَ الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى للهِ بالليلِ والناسُ نِيام)) وقد
زِذْنا هذا المعنى بياناً في كتاب ((التذكرة))(٢) والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَبِّنَ مِّنِ دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أسند الواحديُّ
عن يزيد بن هارون قال: حدَّثنا الجرّاح(٣) بن المِنهال، عن الزُّهري - وهو عبد
الرحمن بن عطّاف(٤) - عن عطاء، عن ابن عمر قال: خرَجْنا مع رسول الله ﴿ حتى
دخلَ بعضَ حيطان الأنصار، فجعلَ يلتقط من الثمر [ويأكل] فقال: ((يا ابن عمر،
مالَكَ لا تأكل؟)) فقلتُ: لا أشتهيه يا رسول الله. فقال: ((لكنِّي أشتهيه، وهذه صبيحةٌ
رابعةٍ لم أذُقْ طعاماً، ولو شئتُ لَدَعوتُ ربي فأعطاني مثلَ ملك كسرى وقيصر، فكيف
بِكَ يا ابن عمر إذا بقيتَ في قوم يُخبِئون رزقَ سَنَتهم ويَضْعُفُ اليقين)) قال: واللهِ ما
بَرِحْنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَبِنِ مِّنِ دَابَقٍِ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ (٥).
قلت: وهذا ضعيفٌ يُضعِفه أنه عليه الصلاة والسلام كان يدَّخِرُ لأهله قوتَ
(١) في سننه (١٩٨٤) و(٢٥٢٧)، وهو في مسند أحمد من زوائد ابنه عبد الله (١٣٣٨).
(٢) ص ٤٦١ - ٤٦٤ .
(٣) في النسخ: حجاج، والتصويب من المصادر.
(٤) في النسخ: عبد الرحيم بن عطاء، وفي أسباب النزول: عبد الرحمن بن عطاء، وفي الوسيط:
عبد الرحيم بن عطاف، والتصويب من تهذيب التهذيب ٢/ ٥٣٤، وثقات ابن حبان ٧ / ٧٠ .
(٥) أسباب النزول ص٣٥٨-٣٥٩، والوسيط ٤٢٥/٣، وما بين حاصرتين منهما. وأخرجه - أيضاً - عبد بن
حميد (٨١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٧١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢٧/٤ من طريق
يزيد بن هارون، به. إلا أنهم قالوا: عن رجل، بدل: عطاء. والجراح بن منهال متروك. ميزان الاعتدال
٣٩٠/١. وعبد الرحمن بن عطاف مجهول الحال، تفرد بالرواية عنه اثنان، ولم يوثقه غير ابن حبان
على عادته في توثيق المجاهيل.

٣٨٥
سورة العنكبوت: الآيات ٥٦ - ٦٠
سَنَتِهم. اتَّفق عليه البخاري ومسلم(١). وكانت الصحابةُ يفعلون ذلك وهم القدوة،
وأهلُ اليقين والأئمةُ لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وقد روى ابن عباسٍ أنَّ
النبيَّ ﴾ قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون: ((اخرجوا إلى المدينة وهاجِروا
ولا تجاوروا الَّلَمة)) قالوا: ليس لنا بها دارٌ ولا عقارٌ ولا مَنْ يُطعِمُنا ولا مَنْ يسقينا.
فنزلت: ﴿وَكَأَِّنِ مِّنِ دَةٍ لَّا تَحْيِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) أي: ليسَ معها رزقُها
مُدَّخراً، وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة(٣). وهذا أشبهُ من القول الأوَّل.
وتقدَّم الكلامُ في ((كَأَيِّنْ)) وأنَّ هذه ((أيّ)) دخلت عليه كاف التشبيه وصارَ فيها معنى كم.
والتقدير عند الخليل وسيبويه كالعدد. أي: كشيءٍ كثيرٍ من العدد من دابة(٤). قال
مجاهد: يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً. الحسن: تأكل لوقتها ولا
تدَّخِرُ لغد(٥). وقيل: ﴿لَّا تَحْيِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: لا تقدِرُ على رزقها(٦) ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾
أينما توجَّهت ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾(٧). وقيل: الحملُ بمعنى الحَمالة(٨). وحكى النقّاش: أنَّ
المُرادَ النبيُّ﴾ يأكلُ ولا يدَّخر(٩).
قلت: وليس بشيء؛ لإطلاق لفظ الدابة، وليس مستعملاً في العُرفِ إطلاقُها على
الآدميّ فكيف على النبيِّ﴾. وقد مضى هذا في ((النمل)) عند قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوّلُ
عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [الآية: ٨٢]. قال ابن عباس: الدوابُّ: هو كلُّ
(١) صحيح البخاري (٥٣٥٧)، وصحيح مسلم (١٧٥٧) (٥٠) من حديث عمر بن الخطاب ـ
(٢) النكت والعيون ٢٩٣/٤، وتفسير البغوي ٣/ ٤٧٣.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٤/٣ بنحوه.
(٤) سلف ٣٤٩/٥ .
(٥) النكت والعيون ٤/ ٢٩٣ .
(٦) مجمع البيان ٢٠/ ٣٧٧ .
(٧) زاد المسير ٦/ ٢٨٣.
(٨) المحرر الوجيز ٣٢٥/٤ .
(٩) النكت والعيون ٢٩٣/٤ .

٣٨٦
سورة العنكبوت: الآيات ٦٠ - ٦٢
ما دبَّ من الحيوان، فكلُّه لا يَحمِلُ رِزقَه ولا يَدَّخِرُ إلاَّ ابنُ آدم والنملُ والفأر (١). وعن
بعضهم: رأيتُ البلبل يحتكر في مِحضَنِهِ. ويُقال: للْعَقْعَقِ مَخابئ إلاَّ أنه ينساها(٢).
﴿اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يسوِّي بين الحريص والمتوكل في رزقه، وبين الراغب والقانع،
وبين الحَيُول والعاجز حتى لا يغتَّر الجَلِدُ أنه مرزوقٌ بجَلَده، ولا يتصوَّرَ العاجزُ أنه
ممنوعٌ بَعجزِه (٣). وفي الصحيح عن النبيِّ ◌َ﴾: «لو أنَّكم تَوَكَّلون على الله حقَّ تَوَكُلِهِ
لَرزقَكم كما يرزقُ الطيرَ تغدو خماصاً وتروحُ بِطاناً)»(٤). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائِكم
وقولِكم: لا نجِدُ ما نُنفِقُ بالمدينة ﴿ اَلْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
لَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَى يُؤْفَّكُونَ ١ اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُْ إِنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. لما عيَّر المشركون
المسلمين بالفقر وقالوا: لو كنتم على حقِّ لم تكونوا فقراء. وكان هذا تمويهاً، وكان
في الكفار فقراء أيضاً أزال الله هذه الشبهة. وكذا قول من قال: إنْ هاجرنا لم نجِدْ ما
نُنفِقُ. أي: فإذا اعترفتم بأن الله خالق هذه الأشياء، فكيفَ تشكُّون في الرزق، فمَنْ
بيده تكوين الكائنات لا يعجز عن رزق العبد؛ ولهذا وصلَه بقوله تعالى: ﴿اللّهُ يَبْسُطُ
اَلْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ . ﴿فَأَنَّ يُؤْفُونَ﴾ أي: كيف يكفرون بتوحيدي
وينقلبون عن عبادتي. ﴿اللَّهُ يَسُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ أي: لا يختلف أمرُ الرزق بالإيمان
والكفر، فالتوسيع والتقتير منه فلا تعيير بالفقر، فكلُّ شيءٍ بقضاءٍ وقدر . ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
(١) المصدر السابق.
(٢) الكشاف ٣/ ٢١١ .
(٣) النكت والعيون ٢٩٣/٤ .
(٤) سلف ٢٩٧/٧ و١٥٩/١٠.
(٥) تفسير البغوي ٤٧٣/٣، وزاد المسير ٢٨٣/٦.

٣٨٧
سورة العنكبوت: الآيتان ٦٣ - ٦٤
شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أحوالكم وأموركم. وقيل: عليمٌ بما يُصلحكم من إقتارٍ أو توسيع.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ الشَمَلِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدٍ
مَوْنِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ
الدُّنْيَاَ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٦٤
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ﴾ أي: من السحاب مطراً.
﴿فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ أي: جَدْبِها وقَخْطِ أهلها. ﴿لَقُولُنَّ اللّهُ﴾ أي: فإذا
أقررتُم بذلك فلِمَ تشركون به وتنكرون الإعادة. وإذا قَدَر على ذلك فهو القادر على
إغناء المؤمنين، فكرَّرَ تأكيداً. ﴿قُلِ لٌلَّدُ لِلَّهِ﴾ أي: على ما أوضح من الحُججِ
والبراهين على قدرته . ﴿بَلْ أَكْتَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يتدبَّرون هذه الحجج. وقيل:
((الحَمْدُ للهِ)) على إقرارهم بذلك(١). وقيل: على إنزال الماء وإحياء الأرض.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنياً إِلَّا لَهْوٌّ وَلَعِبُّ﴾ أي: شيءٌ يلُهَى به ويُلعب. أي: ليس ما
أعطاه اللهُ الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحِلُّ ويزول، كاللعب الذي لا حقيقةً له ولا
ثبات، قال بعضهم: الدنيا إن بقيت لكَ لم تبْقَ لها. وأنشد:
وتَحدُثُ من بعدِ الأمورِ أمورُ
تروحُ لنا الدنيا بغيرِ الذي غَدَثْ
وتطلُعُ فيها أنجمٌ وتَغُورُ
وتجري الليالي باجتماعٍ وقُرقَةٍ
فذاكَ مُحالٌ لا يَدُومُ سرورُ
فمن ظنَّ أنَّ الدهرَ باقٍ سرورُهُ
وأيقنَ أنَّ الدائراتِ تَدُورُ
عَفَا اللهُ عَمَّن صَيَّرَ الهِمَّ واحداً
قلت: وهذا كلُّه في أمور الدنيا والجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به
قوام العيش، والقوّةُ على الطاعات. وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة، وهو الذي
يبقى كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَارِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ما ابتُغيَ به ثوابُه
چ
ورضاه . ﴿وَإِنَ الذَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا
(١) تفسير أبي الليث ٥٤٣/٢، وتفسير البغوي ٤٧٤/٣ .

٣٨٨
سورة العنكبوت: الآيات ٦٣ - ٦٦
موتَ فيها(١). وزعم أبو عبيدة: أنَّ الحيوانَ والحياةَ والحيَّ - بكسر الحاءِ - واحدٌ،
كما قال :
وقد ترى إذِ الحياةُ حِيُّ
وغيره يقول: إنَّ الحِيَّ جمعٌ على فِعول مثل عِصي(٢). والحيوان يقع على كلِّ
شيءٍ حيٍّ. وحيوان عينٌ في الجنة. وقيل: أصلُ حَيَوان حَبيان، فأُبدِلَتْ إحداهما
واواً؛ لاجتماع المثلين(٣). ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أنها كذلك.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَحِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى
اَلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ()﴾
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِىِ الْفُلْكِ﴾ يعني السفن وخافوا الغرق ﴿دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ﴾ أي: صادقين في نيّاتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها (٤). ﴿فَلَنَّا نَجَنْهُمْ إِلَى
الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يدعون معه غيره، وما لم يُنزِّل به سلطاناً. وقيل: إشراكهم
أن يقولَ قائلُهم: لولا اللهُ والرئيسُ أو الملَّحُ لَغَرقنا، فيجعلون ما فعل الله لهم من
النجاة قسمةً بين الله وبين خلقه.
قوله تعالى: ﴿لَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِتَمَنَّعُواْ﴾ قيل: هما لام كي، أي: لكي
يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ليكون ثمرة شِركهم أن يجحدوا نِعَمَ
الله ويتمتعوا بالدنيا. وقيل: هما لام أمرٍ معناه التهديد والوعيد(٥). أي اكفروا بما
أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمثَّعوا. ودليل هذا قراءة أُبيِّ: ((وتَمَتَّعُوا)) (٦).
(١) معاني القرآن للفراء ٣١٨/٢، وتفسير البغوي ٤٧٤/٣.
(٢) إعراب القرآن ٢٥٩/٣-٢٦٠، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١١٧/٢، والرجز للعجاج كما في
اللسان (حيا) وتتمته: وإذ زمان الناس دغفليُّ.
(٣) المحكم لابن سيده (حي).
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٣٦٣، وتفسير البغوي ٣/ ٤٧٤ .
(٥) الوسيط ٤٢٦/٣، وتفسير البغوي ٤٧٤/٣، وزاد المسير ٢٨٤/٦ .
(٦) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٤٤ ، وهي قراءة شاذة.

٣٨٩
سورة العنكبوت: الآيات ٦٦ - ٦٨
ابن الأنباري: ويقوِّي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة: ﴿ولْيتَمتَّعوا﴾ بجزم اللام.
النحاس: ((وَلِيتَمَتَّعُوا)) لام كي، ويجوز أن تكون لام أمر؛ لأنَّ أصل لام الأمر
الكسر، إلا أنه أمر فيه معنى التهديد. ومن قرأ: ﴿وَلْيَتَمتَّعوا﴾ بإسكان اللام لم يجعلها
لام كي؛ لأن لام كي لا يجوز إسكانها(١). وهي قراءة ابن كثير والمسيّبي وقالون عن
نافع، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. الباقون بكسر اللام(٢). وقرأ أبو العالية:
(لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ))(٣) تهديد ووعيد.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ
٦٨
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَإِنًا﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: هي مكة
وهم قريش أمَّنهم الله تعالى فيها. ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قال الضحاك: يقتل
بعضهم بعضاً ويَسبي بعضهم بعضاً(٤). والخطف: الأخذ بسرعة. وقد مضى في
((القصص))(٥) وغيرها. فأذكرهم الله عزَّ وجلَّ هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. أي:
جعلتُ لهم حرماً آمناً أمِنوا فيه من السَّبي والغارة والقتل، وخلَّصتُهم في البر كما
خلصتُهم في البحر، فصاروا يُشركون في البرِّ ولا يُشركون في البحر. فهذا تعجُّبٌ من
تناقض أحوالهم.
﴿أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: أفبالشرك. وقال يحيى بن سلاَّم: أفبإبليس. ﴿وَبِنِعْمَةٍ
اَللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفبعافية الله. وقال ابن شجرة: أفبعطاءِ الله وإحسانه.
(١) إعراب القرآن ٢٦٠/٣ .
(٢) السبعة ص٥٠٢ ، والتيسير ص١٧٤ .
(٣) الشاذة ص ١١٥ .
(٤) النكت والعيون ٤/ ٢٩٤ .
(٥) ٢٩٩/١٦.

٣٩٠
سورة العنكبوت: الآيات ٦٧ - ٦٩
وقال ابن سلام: أفبما جاء به النبيُّ # من الهدى. وحكى النقَّاش: أفبإطعامهم من
جوعٍ، وأمنهم من خوفٍ يكفرون. وهذا تعجّبٌ وإنكارٌ خرج مخرج الاستفهام(١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ مِتَّنِ اُفْتَى عَلَى الَّهِ كَذًِّا﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ ممَّنْ جعلَ مع
الله شريكاً وولداً، وإذا فعل فاحشة قال: ﴿وَجَدْنَا عَلَّهَاَ ءَابَنَا وَاَللَّهُ أَمَنَا بِهِأَ﴾
[الأعراف: ٢٨]. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءٌَ﴾ قال يحيى بن سلّم: بالقرآن. وقال السُّدِّي:
بالتوحيد. وقال ابن شجرة: بمحمدٍ ﴾(٢). وكلُّ قول يتناول القولين. ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ
مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: مستقر. وهو استفهام تقرير(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
٦٩
قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ جَهَدُوا فِينَا﴾ أي: جاهدوا الكفار فينا. أي: في طلب
مرضاتنا. وقال السُّدِّيُّ وغيره: إنَّ هذه الآية نزلت قبل فرض القتال. قال ابن عطية:
فهي قبل الجهاد العُرفي، وإنما هو جهادٌ عامٌّ في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن
ابن أبي الحسن: الآية في العُبَّاد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين
يعملون بما يعلمون. وقد قال﴾: ((مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ علَّمه اللهُ ما لم يعلم)» (٤) ونزع
بعضُ العلماء إلى قوله: ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال عمر بن
عبد العزيز: إنما قصَّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرُنا في العلم بما علمنا، ولو عملنا
ببعض ما علمنا لأورثنا علماً لا تقوم به أبداننا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
وَيُعلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. وقال أبو سليمان الدارانيُّ: ليس الجهادُ في الآية قتال الكفار فقط،
بل هو نصرُ الدين، والردُّ على المبطلين، وقمعُ الظالمين، وعُظْمُه الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر. وقال
(١) النكت والعيون ٤/ ٢٩٤ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير البغوي ٤٧٤/٣، ومجمع البيان ٣٨٢/٢٠.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٥/١٠ من حديث أنس بن مالك
.4

٣٩١
سورة العنكبوت: الآية ٦٩
سفيان بن عُيَينة لابن المبارك: إذ رأيتَ الناسَ قدِ اختلفوا فعليكَ بالمجاهدين وأهل
الثغور، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَنَهَدِيَّهُمْ﴾. وقال الضخَّاك: معنى الآية: والذين
جاهدوا في الهجرة لنهدينَّهم سُبُلَ الثبات على الإيمان(١). ثم قال: مثَلُ السُّنَّة في
الدنيا كمثل الجنة في العُقبى، مَنْ دخل الجنة في العُقبى سَلِمَ، كذلك مَنْ لَزِمَ السُّنةً
في الدنيا سَلِمَ. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينَّهم سُبُلَ
ثوابنا(٢). وهذا يتناول بعموم الطاعة جميعَ الأقوال، ونحوُه قولُ عبد الله بن الزبير
قال: تقول الحكمة: مَنْ طلبني فلم يجدني فليطلُبْني في موضعين: أن يعمل بأحسنَ
ما يعلَمُه، ويجتنبَ أسوأ ما يعلَمُه. وقال الحسن بن الفضل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي:
الذین هدیناهم هم الذین جاهدوا فينا.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبَُّنَاْ﴾ أي: طريق الجنة. قاله السُّدِّيُّ. النّقَّاش: يوفِّقهم لدين الحق.
وقال يوسف بن أسباط: المعنى: لنُخْلِصنَّ نِيَّاتِهم وصدقاتِهم وصلَواتِهم وصيامَهم(٣).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لامُ تأكيدٍ، ودخلت في ((مَعَ)) على أحد وجهين: أن يكون
اسماً، ولامُ التوكيد إنما تدخل على الأسماء، أو حرفاً فتدخل عليها؛ لأنَّ فيها معنى
الاستقرار، كما تقول: إنَّ زيداً لفي الدار. و((مَعَ)) إذا سُكِّنتْ فهي حرفٌ لا غير. وإذا
فُتِحتْ جاز أن تكون اسماً، وأن تكون حرفاً، والأكثرُ أن تكون حرفاً جاء لمعنى (٤).
وتقدَّم معنى الإحسان والمحسنين في ((البقرة))(٥) وغيرها. وهو سبحانه معهم بالنُّصرة
والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. فبين المعيَّتين بَونٌ.
تمت سورة العنكبوت، والحمد لله وحده
(١) من بداية الآية إلى هنا من المحرر الوجيز ٣٢٦/٤ .
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٧٥ .
(٣) النكت والعيون ٢٩٥/٤ .
(٤) إعراب القرآن ٣/ ٢٦٠.
(٥) ٢٦٣/٣ .

بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَ
تفسير سورة الروم
سورة الروم مكيةٌ كلُّها من غير خلاف(١)، وهي ستون آية (٢)
قوله تعالى: ﴿الّ ) غُلِيَتِ الزُّوُ ﴾ فِيَّ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ
فِي بِضْعِ سِنِينَءُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَیِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (
قوله تعالى: ﴿الَّمّ. غُلِبَتِ الزُّومُ. فِّ أَدْنَ الْأَرْضِ﴾ روى الترمذِيُّ عن أبي سعيد
الخُدرِيِّ قال: لمَّا كان يوم بدرٍ ظهرتِ الرومُ على فارسٍ، فَأَعجَبَ ذلك الْمُؤمنين،
فنزلت: ﴿الّ. غُلَتِ الرُّومُ. فِّ أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَجُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ
اللَّهِ﴾. قال: فَفَرِحَ المؤمنون بظهور الروم على فارس. قال: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا
الوجه. هكذا قرأ نصرُ بن عليٍّ الجَهْضَمِيُّ ((غَلَبَتِ الرُّومُ))(٣). ورواه أيضاً من حديث
ابن عباس بأتمَّ منه. قال ابن عباس في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّمَ. غُلِبَتِ الزُّوُ. فِّ أَدْنَ
الْأَرْضِ﴾ قال: غَلَبَتْ وغُلِبَتْ؛ قال: كان المشركون يُحِبُّون أن يظهر أهل فارس على
الروم؛ لأنهم وإِيَّهم أهلُ أوثان، وكان المسلمون يُحِبُّون أن تظهر الروم على فارس؛
لأنهم أهلُ كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكرٍ لرسول اللـه #، فقال: ((أَما إنهم
سَيَغليون)) فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا،
وإن ظهرتُم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذُكِرَ ذلك
(١) المحرر الوجيز ٣٢٧/٤ .
(٢) الوسيط ٣/ ٤٢٧، وتفسير البغوي ٤٧٥/٣ .
(٣) سنن الترمذي (٣١٩٢). وهذه القراءة شاذة، وسيوردها المصنف قريباً عن أبي سعيد الخدري وعلي بن
أبي طالب رضي الله عنهما، وعن معاوية بن قرة.

٣٩٣
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
للنبيِّ # فقال: ((ألا جَعَلْتَه إلى دون)) - أراه قال: العشر - قال: قال أبو سعيد:
والبِضْعُ ما دون العشرة. قال: ثم ظهرتِ الرومُ بعدُ. قال: فذلك قوله: ﴿الَّّ. غُلِبَتِ
الرُّوُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. قال سفيان: سمعتُ أنهم
ظهروا عليهم يوم بدر. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب(١). ورواه
أيضاً عن نِيَار بن مُكْرَمِ الأسْلَميِّ قال: لمَّا نزلت: ﴿الَّ. عُليَتِ الزُّوُ. فِ أَدْنَ الْأَرْضِ
وَهُم مِّنْ بَعْدٍ غَيِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ وكان فارسُ يومَ نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان
المسلمون يُحِبُّون ظهورَ الروم عليهم؛ لأنهم وإيّاهم أهلُ كتاب، وفي ذلك نزل قول
الله تعالى: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ﴾ وكانت قريشٌ تُحِبُّ ظهورَ فارسَ؛ لأنهم وإيَّهم ليسوا بأهلِ كتابٍ ولا إيمانٍ
ببعثٍ، فلمَّا أنزل اللهُ هذه الآية خرج أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﴾ يصيح في نواحي مكة:
﴿الّ. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِىَ أَدْنَ اْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَيْهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾. قال ناسٌ من قریشٍ
لأبي بكر: فذلكَ بيننا وبينكم، زعم صاحبكم(٢) أنَّ الرومَ ستَغلِبُ فارسَ في بضع
سنين! أفلا نُراهِنُك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرِّهان، فارتهن أبو بكرٍ
والمشركون وتواضعوا الرِّهان. وقالوا لأبي بكر: كم تجعلُ؟ البِضْعُ ثلاثُ سنينَ
إلى (٣) تسعِ سنين، فَسمَّ بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه. قال: فَسمَّوا بينهم ستَّ سنين.
قال: فمضَتِ السِّتُ سنينَ قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهنَ أبي بكر، فلما
دخلتِ السنةُ السابعةُ ظهرتِ الرومُ على فارس، فعابَ المسلمون على أبي بكر تسميةً
سِتُّ سنين. قال: لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾﴾ قال: وأسلم عند ذلك ناسٌ
كثير. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب (٤). وروى القُشَيْرِيُّ وابن عطية
وغيرهما: أنه لمَّا نزلتِ الآياتُ خرجَ أبو بكرٍ بها إلى المشركين فقال: أَسَرَّكُم أن
(١) سنن الترمذي (٣١٩٣).
(٢) في النسخ: صاحبك. والمثبت من سنن الترمذي.
(٣) في النسخ: أو. والمثبت من سنن الترمذي.
(٤) سنن الترمذي (٣١٩٤).

٣٩٤
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
غُلبتِ الرومِ؟ فإنَّ نبيّنا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون في بضع سنين. فقال له أُبيُّ
ابن خلف وأُميَّةُ أخوه - وقيل: أبو سفيان بن حرب - : يا أبا فَصِيل(١) - يُعرِّضون بكنيته
بالبَكر(٢) - فَلْنَنَاحَبْ - أي: نتراهن في ذلك، فراهنهم أبو بكر. قال قتادة: وذلك قبل
أن يُحرَّم القمار، وجعلوا الرِّهان خمسَ قلائِصَ، والأجلَ ثلاث سنين. وقيل: جعلوا
الرِّهان ثلاثَ قلائِصَ. ثم أتى النبيَّ ﴾ فأخبره، فقال: ((فهلَا احتظْتَ، فإنَّ الِضْعَ ما
بين الثلاث إلى التسع(٣) والعشر، ولكنٍ ارجِعْ فزِذْهم في الرِّهانِ واستزِذِهم في
الأجل)) ففعل أبو بكر، فجعلوا القلائصَ مئةً، والأجلَ تسعةَ أعوام، فغلبتِ الرومُ في
أثناء الأجل(٤). وقال الشَّعبيُّ: فظهروا في تسع سنين(٥). القشيريُّ: المشهور في
الروايات أنَّ ظهورَ الروم كان في السابعة من غَلبَةٍ فارس للروم، ولعلَّ روايةَ الشَّعبي
تصحيفٌ من السبع إلى التسع من بعض النَّقَلة. وفي بعض الروايات: أنه جعل
القلائِصَ سبعاً إلى تسع سنين. ويقال: إنه آخر فتوحٍ كسرى أبروِيز فَتَحَ فيه القسطنطينية
حتى بنى فيها بيت النار، فأُخبِرَ رسولُ الله : ﴿ فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى هاتين
الآيتين. وحكى النقَّاش وغيره: أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيقَ لمَّا أراد الهجرة مع النبيِّ *
تعلَّقَ به أُبيُّ بن خلف وقال له: أعطني كفِيلاً بالخَطَرِ (٦) إن غلَبتُ. فكفِلَ به ابنُه عبد
الرحمن(٧)، فلمَّا أراد أُبيِّ الخروجَ إلى أُحدٍ طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه
(١) والفصيل: ولد الناقة إذا فُصل عن أمه. الصحاح (فصل).
(٢) في (ظ): بكنية أبا بكر، وفي (م): بكنيته يا أبا بكر. والمثبت من (د) و(ز) والمحرر الوجيز.
(٣) في (ظ) و(م): والتسع، والمثبت من (د) و(ز)، وكذلك وقع في رواية الترمذي (٣١٩١) من حديث
ابن عباس، ولم يذكر: والعشر. قلنا: والقول في أن البضع ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر هو
قول قتادة والأصمعي فيما ذكر النحاس في معاني القرآن ٤٣٠/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٢٨/٤ دون قوله: جعلوا الرهان ثلاث قلائص. والقلائص جمع قلوص: وهي الناقة
الشابة. الصحاح (قلص).
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠١ .
(٦) أي: بالسبق الذي يُتراهن عليه. الصحاح (خطر).
(٧) النكت والعيون ٢٩٦/٤ - ٢٩٧.

٣٩٥
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
كفيلاً، ثم مات أَبيَّ بمكة من جرحٍ جرحَه النبيُّ ﴾، وظهرتِ الرومُ على فارس يوم
الحديبية على رأسٍ تسع سنينَ من مُناحبتهم. وقال الشَّعبيُّ: لم تمضِ تلكَ المدَّةُ حتى
غلبتِ الرومُ فارسَ، وربطوا خيلَهم بالمدائن، وبنَوا رومِيَة؛ فقَمَر (١) أبو بكرٍ أُبَيًّا،
وأخذ مالَ الخَطَرِ من وَرَثَتِهِ، فقال له النبيُّ ﴾: ((تصدَّق به)) فتصدَّق به(٢).
وقال المفسِّرون: إنَّ سببَ غَلَبةِ الرومِ فارسَ امرأةٌ كانت في فارسَ لا تلِدُ إلَّا
الملوكَ والأبطال، فقال لها كسرى: أُريدُ أن أستعمل أحدَ بنيكِ على جَيشٍ أُجهّزُه إلى
الروم. فقالت: هذا هُرْمُز أرْوَغُ من ثعلب، وأحذَرُ من صقر، وهذا فَرُّخان أحَدُّ من
سِنان، وأنفَذُ من نَبْل، وهذا شهربزان أحلَمُ من كذا، فاخْتَرْ. قال: فاختار الحليم
وولَّاه، فسار إلى الروم بأهل فارس، فظهر على الروم. وقال عكرمة وغيره: إن
شهربزان لمَّا غلبَ الرومَ خرَّب ديارها حتى بلغ الخليج، فقال أخوه فَرُّخان: لقد
رأيتني جالساً على سريرٍ كسرى، فكتب كسرى إلى شهربزان أن(٣) أرسل إليَّ برأس
فَرُّخان. فلم يفعل، فكتب كسرى إلى فارس: إني قد استعملتُ عليكم فَرُّخان،
وعزلتُ شهربزان، وكتب إلى فَرُّخان إذا ولى أن يقتل شهربزان، فأراد فَرُّخان قتل
شهریزان، فأخرج له شهر بزان ثلاثَ صحائف من كسرى يأمره بقتل فَرُّخان، فقال
شهربزان لفَرُّخان: إنَّ كسرى كتبَ إليَّ أن أقتُلَكَ ثلاث صحائف وراجعتُه أبداً في
أمرك، أفتقتلني أنت بكتابٍ واحد؟! فرَدَّ المُلْكَ إلى أخيه، وكتب شهریزان إلى قيصر
ملك الروم، فتعاونا على كسرى، فغلبتِ الرومُ فارس ومات كسرى، وجاء الخبر إلى
النبيِّ# يوم الحديبية، ففرح مَنْ معه من المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿الّ. غُليَتِ
الرُّومُ. فِ أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ يعني أرض الشام. عكرمة: بأذْرِعات(٤)، وهي ما بين بلاد
(١) أي: غلب. الصحاح (قمر).
(٢) تفسير البغوي ٤٧٦/٣ .
(٣) كلمة أن من (د) و(ز).
(٤) من قوله: وقال عكرمة وغيره ... إلى هذا الموضع من تفسير البغوي ٤٧٦/٣ - ٤٧٧ .

٣٩٦
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
العرب والشام. وقيل: إنَّ قيصر كان بعثَ رجلاً يُدعى يُحتَّس، وبعث كسرى
شهربزان، فالتقيا بأذرِعاتَ وبصرى، وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم.
مجاهد: بالجزيرة، وهو موضعٌ بين العراق والشام. مقاتل: بالأردنّ وفلسطين(١).
و((أدنى)» معناه أقرب(٢). قال ابن عطية: فإن كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى
الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس(٣) في قوله:
تنوَّرْتُها من أذْرِعاتَ وأهلُها
بيثرِبَ أدنى دارِها نَظَرٌ عالٍ
وإن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت
بالأردنّ فهي أدنى إلى أرض الروم. فلمَّا طرأ ذلك وغلبتِ الرومُ سُرَّ الكفارُ، فبشَرَ اللهُ
عباده بأنَّ الرومَ سيغْلِبون وتكونَ الدُّولةُ لهم في الحرب.
وقد مضى الكلام في فواتح السور. وقرأ أبو سعيد الخدريّ وعلي بن أبي طالب
ومعاوية بن قُرّة: ((غَلَبَتِ الرُّومُ)) بفتح الغين واللام(٤). وتأويلُ ذلك أن الذي طرأ يوم
بدر إنما كانتِ الروم غلبت، فعزَّ ذلك على كفار قريش، وسُرَّ بذلك المسلمون، فبشَّرَ
اللهُ تعالى عباده أنهم سيغْلِبون أيضاً في بضع سنين. ذكر هذا التأويل أبو حاتم(٥). قال
أبو جعفر النخَّاس: قراءة أكثر الناس: ((غُلِبت الروم)) بضمِّ الغين وكسر اللام. ورُويَ
عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما قرأا ((غَلَبَتِ الروم)) وقرأا: ((سيُغلبون))(٦).
وحكى أبو حاتم أنَّ عِصْمة روى عن هارون أنَّ هذه قراءة أهل الشام، وأحمد بن
حنبل يقول: إنَّ عِصْمةً هذا ضعيف، وأبو حاتم كثيرُ الحكاية عنه، والحديث يدلُّ
(١) المحرر الوجيز ٣٢٧/٤ دون قوله: إن قيصر ... والعجم.
(٢) تفسير البغوي ٤٧٧/٣ .
(٣) في ديوانه ص ٣١، وقد سلف ٣٣٢/٣.
(٤) وهي في الشاذة ص ١١٦ عن علي وابن عمر رضي الله عنهما. وقد سلفت قريباً عن نصر بن علي
الجهضمي.
(٥) المحرر الوجيز ٣٢٧/٤.
(٦) قراءة: ((سيُغلبون)) في الشاذة ص ١١٦ عن علي وابن عمر رضي الله عنهما، وعن معاوية بن قرة.

٣٩٧
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
على أنَّ القراءة ((غُلِيتْ)) بضَمِّ الغين، وكان في هذا الإخبار دليلٌ على نبؤَّة محمدٍ ﴾؛
لأنَّ الروم غلبَتْها فارس، فأخبر الله عزَّ وجلَّ نبيَّه محمداً ﴿ أنَّ الرومَ ستغلِبُ فارسَ
في بضع سنين، وأنَّ المؤمنين يفرحون بذلك؛ لأن الرومَ أهلُ كتاب، فكان هذا من
علم الغيب الذي أخبر الله عزَّ وجلَّ به مما لم يكن(١)، وأمر أبا بكرٍ أن يُراهنهم على
ذلك وأن يُبالِغَ في الرهان، ثم حُرِّم الرِّهانُ بعدُ، ونُسِخَ بتحريم القِمار(٢). قال ابن
عطية(٣): والقراءةُ بضمِّ الغين أصحُ، وأجمع الناس على ((سيغليون)) أنه بفتح الياء،
يُراد به الروم. ويُروى عن ابن عمر أنه قرأ أيضاً بضمِّ الياء في ((سيغليون))، وفي هذه
القراءة قلبٌ للمعنى الذي تظاهرتِ الرواياتُ به. قال أبو جعفر النخَّاس(٤): ومن قرأ:
((سيُغلبون)) فالمعنى عنده: وفارسُ من بعدِ غَلَبِهم - أي: من بعد أن غَلَبوا - سيُغلبون.
ورُوِيَ أنَّ إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، كما في حديث أبي سعيد الخدري
حديثِ الترمذيّ، ورُويَ أنَّ ذلك كان يوم الحُديبِية، وأنَّ الخبرَ وصلَ يوم بيعة
الرِّضوان. قاله عكرمة وقتادة. قال ابن عطية(٥): وفي كلا اليومين كان نصرٌ من الله
للمؤمنين. وقد ذكر الناسُ أنَّ سببَ سرورِ المسلمين بغَلبة الرومِ وهمِّهم أن تُغْلَبَ إنَّما
هو أنَّ الرومَ أهلُ كتابٍ كالمسلمين، وفارس من أهل الأوثان كما تقدَّم بيانُه في
الحديث. قال النخَّاس(٦): وقولٌ آخر وهو أولى: أنَّ فَرَحَهم إنَّما كان لإنجاز وعدٍ
الله تعالى؛ إذ كان فيه دليلٌ على النبوّة؛ لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع
سنين، فكان فيه. قال ابن عطية(٧): ويُشبه أن يُعلَّلَ ذلك بما يقتضيه النظرُ من محبة أن
(١) بعدها في (م) كلمة ((علموه)) وهي ليست في النسخ ولا في إعراب القرآن.
(٢) إعراب القرآن ٢٦١/٣ - ٢٦٢.
(٣) في المحرر الوجيز ٣٢٧/٤.
(٤) في معاني القرآن ٢٤٣/٥ .
(٥) في المحرر الوجيز ٣٢٨/٤، وما قبله منه.
(٦) في إعراب القرآن ٣/ ٢٦٥ .
(٧) في المحرر الوجيز ٣٢٨/٤ .

٣٩٨
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
يغلِبَ العدوُّ الأصغر؛ لأنه أيسرُ مؤونةً، ومتى غلبَ الأكبرُ كثُرَ الخوفُ منه. فتأمَّل هذا
المعنى، مع ما كان رسول الله ﴿ ترجَّاه من ظهور دينه وشَرْع الله الذي بعثَه به وغلبته
على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملكٍ يستأصله ويُريحهم منه.
وقيل: سرورهم إنما كان بنصر رسول الله ﴾ على المشركين؛ لأنَّ جبريل أخبر
بذلك النبيَّ عليه الصلاة والسلام يوم بدر. حكاه القُشَيْرِيُّ.
قلت: ويَحتمِلُ أن يكون سرورُهم بالمجموع من ذلك، فسُرُّوا بظهورهم على
عدوّهم وبظهور الروم أيضاً وبإنجاز وعد الله.
وقرأ أبو حَيْوَة الشاميُّ ومحمد بن السَّمَيْفَع: ((من بعد غَلْبِهِم)) بسكون اللام(١)،
وهما لغتان، مثل الَّعْن والفَّعَن.
وزعم الفرَّاء أنَّ الأصل ((من بعد غلبتهم)) فحُذِفت التاءُ كما حُذفتْ في قوله عزَّ
وجلَّ: ((وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) وأصلُه: وإقامة الصلاة. قال النَّاس: وهذا غلط لا يُخِيل
على كثيرٍ من أهل النحو؛ لأنَّ ((إقام الصلاة)) مصدرٌ قد حُذِفَ منه لاعتلالِ فعله،
فجُعِلَتِ التاءُ عوضاً من المحذوف، و((غلب)) ليس بمعتَلٌّ ولا حُذِفَ منه شيء. وقد
حكى الأصمعِيُّ: طَرَدَ طَرَدًا، وجَلَبَ جَلَبًا، وحَلَبَ حَلَبًا، وغَلَبَ غَلَبًا، فأيُّ حذفٍ
في هذا، وهل يجوز أن يُقالَ في أَكَلَ أكْلاً وما أشبهه: حُذِفَ منه(٢)؟
﴿فِي بِضْعِ مِنِينَ ﴾ حُذِفَتِ الهاءُ من ((بضع)) فرقاً بين المذكر والمؤنث، وقد مضى
الكلام فيه في سورة ((يوسف))(٣). وفُتِحَتِ النونُ من ((سِنِينَ)) لأنه جمعٌ مُسَلَّم. ومن
العرب من يقول في ((بضع سنين)) كما يقول في ((غِسلِين)). وجاز أن يُجمعَ سنة جَمعَ
من يعقِلُ بالواو والنون والياء والنون؛ لأنَّه قد حُذِفَ منها شيءٌ فجُعِلَ هذا الجمعُ
عِوَضاً من النقص الذي في واحده؛ لأنَّ أصل ((سنة)) سنهة أو سنوة، وكُسِرَتِ السينُ
(١) وهي في الشاذة ص ١١٦ عن علي بن أبي طالب ﴾.
(٢) إعراب القرآن ٢٦٢/٣، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٣١٩/٢.
(٣) ٣٥٨/١١ - ٣٥٩.

٣٩٩
سورة الروم: الآيات ١ - ٥
منه دلالةً على أنَّ جمعَه خارجٌ عن قياسه ونمطه. هذا قول البصريين. ويلزم الفرَّاءُ أن
يضُمَّها؛ لأنه يقول: الضمةُ دليلٌ على الواو وقد حُذِفَ من سنة واوٌ في أحد القولين،
ولا يضُمُّها أحدٌ علِمناه(١).
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ أخبر تعالى بانفراده بالقدرة، وأنَّ ما
في العالم من غلَبةٍ وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته، فقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ أي:
إنفاذ الأحكام. ﴿مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ أي: مِنْ قبلِ هذه الغلَبةِ ومِنْ بعدِها(٢). وقيل:
من قبلٍ كلِّ شيءٍ ومن بعد كلِّ شيءٍ(٣). و﴿مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ ظرفان بُنيا على الضمِّ،
لأنَّهما تعرَّفا بحذفِ ما أُضيفا إليهما، وصارا مُتضمَّنين ما حُذِفَ، فخالفا تعريفَ
الأسماء، وأشبَها الحروفَ في التضمين فُبُنيا، وخُصَّا بالضمِّ لشبههما بالمنادى المفرد
في أنه إذا نُكِّر وأُضيفَ زالَ بناؤه، وكذلك هما فَضُمَّا (٤).
ويقال: ((من قبلٍ ومِن بعدٍ))، وحكى الكسائيُّ عن بعضٍ بني أسد: ((لِلِهِ الْأَمْرُ مِن
قبلٍ ومن بعدٍ)) مخفوضين بغير تنوين، والثاني مضمومٌ بلا تنوين. وحكى الفرَّاء: ((مِن
قبلٍ ومن بعدٍ)) مخفوضتين بغير تنوين. وأنكره النخَّاسُ وردَّه. وقال الفرَّاء في كتابه: في
القرآن أشياء كثيرة، الغلطُ فيها بيِّن، منها أنه زعم أنه يجوز ((من قبلِ ومن بعدٍ)) وإنما
يجوز ((من قبلٍ ومن بعدٍ)) على أنهما نكرتان. قال الزجَّاج: المعنى: من متقدِّمٍ ومن
متأخّر (٥).
﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ. يِنَصْرِ اللهِ﴾ تقدَّم ذِكْرُه. ﴿يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ يعني:
من أوليائه؛ لأنَّ نصره مختصّ بغلبة أوليائه لأعدائه، فأمَّا غلبُ أعدائِه لأوليائه فلیس
(١) إعراب القرآن ٢٦٢/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٨/٤ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٤٤/٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٢٨/٤ .
(٥) إعراب القرآن ٢٦٢/٣ - ٢٦٤. وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٧٦/٤.

٤٠٠
سورة الروم: الآيات ١ - ٧
بنصره، وإنَّما هو ابتلاءٌ، وقد يُسمَّى ظَفَراً. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في نِقمته ﴿الرَّحِيمُ﴾
لأهل طاعته.
قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْخَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لأن كلامه صدق. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ وهم الكفار، وهم أكثر(١). وقيل: المراد مشركو مكة. وانتصب ((وَعْدَ اللهِ)).
على المصدر، أي: وعدَ ذلك وعداً (٢).
ثم بَيَّن تعالى مقدار ما يعلمون، فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْخَوَةِ الذُّنَا﴾ يعني: أمر
معایشهم ودنياهم؛ متی یزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يغرسون، وكيف يبنون.
قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال الضخَّاك: هو بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها،
وغرس أشجارها. والمعنى واحد. وقيل: هو ما تُلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا
عند استراقهم السمع من سماء الدنيا. قاله سعيد بين جُبير. وقيل: الظاهر والباطن،
كما قال في موضع آخر ﴿أَمْ يِظَهِرٍ مِنَ اٌلْقَوْلْ﴾(٣) [الرعد: ٣٣].
قلتُ: وقولُ ابن عباس أشبَهُ بظاهر الحياة الدنيا، حتى لقد قال الحسن: بلغَ
- واللهِ ـ من علمٍ أحدِهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فُيُخبرك بوزنه ولا يُحسِنُ أن يُصلِّي (٤).
وقال أبو العباس المبرِّد: قسمَ كسرى أيامَه فقال: يَصلح يومُ الريح للنوم، ويومُ الغيم
للصيد، ويومُ المطر للشرب واللهو، ويومُ الشمس للحوائج. قال ابن خالَوَيْه: ما كان
أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا. ﴿وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ﴾ أي: عن
العلم بها والعمل لها ﴿هُمْ غَفِلُونَ﴾ قال بعضهم:
(١) إعراب القرآن ٢٦٥/٣.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٧٧ - ١٧٨ .
(٣) النكت والعيون ٢٩٩/٤ - ٣٠٠ .
(٤) قول الحسن في الوسيط ٤٢٨/٣، وزاد المسير ٢٨٩/٦ .