النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة القصص: الآيات ٣٢ - ٣٥ (الصحاح)) (١): قد أرمى؛ قال(٢): والقَسْبُ: الصَّلْبُ، والقَسْبُ: تمرٌ يابسٌ يتفتَّتُ في الفم، صَلْبُ النَّواة. قال يصف رمحاً: وأسمرَ. البيت. قال الجوهري(٣): رَدُؤ الشيء يردؤ رداءةٌ، فهو رديءٌ أي: فاسد، وأردأُتُه: أفسدْتُه، وأردأتُه أيضاً بمعنى أعنتُه؛ تقول: أردأُّتُه بنفسين أي: كنتُ له رِدءاً وهو العون؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ﴾. قال النَّاس(٤)؛ وقد حُكِيَ رَدَأْتُه رِدْءاً، وجمعُ رِدْءٍ أَرْدَاءٌ. وقرأ عاصم وحمزة: ((يُصَدِّقُني)) بالرفع. وجزم الباقون(٥)، وهو اختيارُ أبي حاتم على جواب الدعاء، واختارَ الرفعَ أبو عبيدٍ على الحال من الهاء في ((أَرْسِلْهُ» أي: أرسِلْه ردءاً مُصدِّقاً حالةَ التصديق، كقوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيَدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ﴾ [المائدة: ١١٤] أي: كائنةً، حالٌ صُرِفَ إلى الاستقبال. ويجوز أن يكون صفةً؛ لقوله: ((ردْءاً))(٦). ﴿إِنّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ﴾ إذا لم يكن لي وزيرٌ ولا معين؛ لأنهم لا يكادون يفقهون عني، فـ﴿قَالَ﴾ اللهُ جلَّ وعزَّ له: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: نُقوِّيكَ به، وهذا تمثيل؛ لأنَّ قوَّةَ اليدِ بالعَضُد(٧). قال طَرَفة(٨): أَبَنِي لُبَيْنَى لستُمُ بيدٍ إلَّا يداً ليسَتْ لها عَضُدُ ويُقال في دعاء الخير: شَدَّ اللهُ عضُدَكَ. وفي ضِدِّه: فتَّ اللهُ في عضُدِكَ (٩). ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: حُجَّةً وبرهاناً. ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ بالأذى(١٠) (١) (رمی)، ونسبه إلى حاتم طيئ. (٢) في الصحاح (قسب). (٣) في الصحاح (ردأ). (٤) في إعراب القرآن ٢٣٨/٣. (٥) السبعة ص ٤٩٤، والتيسير ص١٧١ . (٦) ينظر مشكل إعراب القرآن ٥٤٥/٢ . (٧) معاني القرآن للنحاس ١٨٠/٥. (٨) في ديوانه ص٤٥ . (٩) الكشاف ١٧٦/٣ . (١٠) تفسير البغوي ٤٤٦/٣ . ٢٨٢ سورة القصص: الآيات ٣٥ - ٤٢ ﴿بَِايَئِنُ﴾ أي: تمتنعان منهم ((بِآيَاتِنا)»(١) فيجوز أن يوقَفَ على ((إِلَيْكُما)) ويكون في الكلام تقديمٌ وتأخير (٢). وقيل: التقدير: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُما الْغَالِبُونَ بآياتنا. قاله الأخفش والطبري(٣). قال المهدوي: وفي هذا تقديمُ الصِّلةِ على الموصول، إلّا أن يُقدَّر: أنتُما غالبانِ بآياتِنا أنتُما ومَنِ اتَّبعكما الغالبون. وعنى بالآيات سائِرَ معجزاته. قوله تعالى: ﴿فَلَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِثَايَئِنَا بَيِّنَتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ◌َابَآَيِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾ وَقَالَ مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَنْ جَآءَ بِلْهُدَى وَقَالَ فِرْعَوْنُ مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٦) يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَأَجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُهُ مِنَ الْكَذِينَ وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَحُنُودُمُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَهُ وَحُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَوِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ ٣٩ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِغَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَقْنَةٌ وَيَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ٤١ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مُوسَى بِثَايَئِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: ظاهراتٍ واضحاتٍ ﴿قَالُواْ مَا هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَّى﴾ مكذوبٌ مختلق(٤) ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِّ مَابَآَيِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. وقيل: إن هذه الآيات ما احتجَّ به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية. وقيل: هي معجزاته(٥). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ قراءةُ العامَّة بالواو، وقرأ مجاهدٌ وابن كثير وابن (١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٤٤. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٦، وزاد المسير ٢٢٢/٦ بنحوه. (٣) في تفسير البغوي ١٨/ ٢٥٣ . (٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٥١٧، وتفسير البغوي ٤٤٦/٣. (٥) مجمع البيان ٢٩٥/٢٠ . ٢٨٣ سورة القصص: الآيات ٣٦ - ٤٢ مُحَيصِن: ((قالَ)) بلا واو، وكذلك هو في مصحف أهل مكة (١) ﴿رَبَّ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِآلْهُدَى﴾ أي: بالرشاد. ﴿مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ﴾ قرأ الكوفيون إِلَّا عاصماً: ((يكون)» بالياء، والباقون بالتاء. وقد تقدَّم هذا(٢). ﴿عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: دارُ الجزاء. ﴿إِنَّهُ﴾ الهاء ضميرُ الأمرِ والشأن ﴿لَا يُفْلِمُ الَّلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْى﴾ قال ابن عباس: كان بينَها وبينَ قوله: ((أنا رَبُّكُمُ الأعلى)) أربعون سنة(٣). وكذبَ عدُّ اللهِ، بل عَلِمَ أنَّ له ثَمَّ رَبّاً هو خالِقُه وخالِقُ قومِه؛ ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَفَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى اَلِلِينِ﴾ أي: اطبُخْ لي الآجُرَّ. عن ابن عباسٍ ﴾(٤). وقال قتادة: هو أوَّلُ مَنْ صنعَ الآجُرَّ وبنى به(٥). ولمَّا أمرَ فرعونُ وزيرَه هامانَ ببناء الصَّرح جمعَ هامانُ العمَّالَ - قيل: خمسينَ ألفَ بَنَّاءٍ سوى الأتباع والأُجَراء - وأمَرَ بطبخِ الآجُرِّ والجَصِّ، ونَشْرِ الخشب، وضَرْبِ المسامير، فبنَوا ورفعوا البناءَ وشَيَّدوه بحيث لم يبلُغْه بنيانٌ منذ خلقَ اللهُ السماوات والأرض، فكان الباني لا يقدِرُ أن يقومَ على رأسه، حتى أرادَ الله أن يفتِنَهم فيه (٦). فحكى السُّدِّيُّ أنَّ فرعونَ صعدَ السَّطحَ ورمى بنُشَّابةٍ نحوَ السماء، فرجعت متلطّخةً بدماء، فقال: قد قتلتُ إله موسى (٧). فرُويَ أنَّ جبريل عليه السلام بعثَه اللهُ تعالى عند مقالته، فضرب الصَّرحَ بجناحِه فقطَّعَه ثلاثَ قِطَع؛ قطعةً على عسكر فرعون قتلَتْ منهم ألفَ ألف، (١) السبعة ص٤٩٤، والتيسير ص١٧١ دون ذكر قراءة مجاهد وابن محيصن. (٢) المصدران السابقان، وقد سلف هذا ٣٦/٩ . (٣) النكت والعيون ٢٥٣/٤. (٤) تفسير البغوي ٤٤٦/٣ من غير نسبة. (٥) النكت والعيون ٢٥٣/٤، وأخرجه الطبري ٢٥٥/١٨. (٦) عرائس المجالس ص١٩١ وتفسير البغوي ٤٤٦/٣، وزاد المسير ٢٢٣/٦، والكشاف ١٧٨/٣. (٧) النكت والعيون ٢٥٣/٤ . ٢٨٤ سورة القصص: الآيات ٣٦ - ٤٢ وقطعةً في البحر، وقطعةً في المغرب(١)، وهلكَ كلُّ مَنْ عَمِلَ فيه شيئاً(٢). والله أعلمُ بصِحَّة ذلك . ﴿وَإِّي لَأَظُهُ مِنَ الْكَذِينَ﴾ الظنُّ هنا شَكٌّ، فكفر على الشك؛ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يُخِيلُ(٣) على ذي فطرة(٤). قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ﴾ أي: تعظّم ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أي: عن الإيمان بموسى. ﴿فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِ﴾ أي: بالعدوان، أي: لم تكن له حجةٌ تدفع ما جاء به موسى. ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ أي: توهَّموا أنه لا معاد ولا بعث. وقرأ نافع وابن مُحَيصِن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي: ((لَا يَرْجِعُونَ)) بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمَّى الفاعل. الباقون: ((يُرْجَعُونَ)) على الفعل المجهول. وهو اختيار أبي عبيد، والأوَّلُ اختيار أبي حاتم(٥). ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ﴾ وكانوا ألفَي ألفٍ وستَّ مئة ألف. ﴿فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْبَةِّ﴾ أي: طرحناهم في البحر المالح(٦). قال قتادة: بحرٌ من وراء مصر يقال له: إِسّاف، أغرقهم الله فيه (٧). وقال وهب والسُّدِّي: المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية الْقُلْزُم يقال له: بطن مُرَيْرَة، وهو إلى اليوم غضبان. وقال مقاتل. يعني نهر النيل. وهذا ضعيفٌ، والمشهور الأوّل(٨). ﴿فَنْفُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ النَّلِينَ﴾ أي: آخرُ أمرهم. ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِنَّةٌ﴾ أي: جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر(٩)، فيكون عليهم (١) في النسخ: الغرب. والمثبت من المصادر. (٢) عرائس المجالس ص ١٩٢، وتفسير البغوي ٤٤٦/٣، وزاد المسير ٢٢٣/٦، والكشاف ١٧٨/٣. (٣) أي: لا يُشكل. اللسان (خيل). (٤) إعراب القرآن ٢٣٨/٣ . (٥) السبعة ص ٤٩٤، والتيسير ص١٧١، والنشر ٢٠٨/٢ - ٢٠٩ دون ذكر قراءة ابن محيصن وشيبة وحمید. (٦) الوسيط ٣/ ٤٠٠ . (٧) النكت والعيون ٤/ ٤٥٣ . (٨) المحرر الوجيز ٢٨٩/٤ من غير نسبة. (٩) النكت والعيون ٤/ ٢٥٣ . ٢٨٥ سورة القصص: الآيات ٣٦ - ٤٢ وزرُهم ووِزرُ من اتَّبعهم حتى يكون عقابُهم أكثر. وقيل: جعل الله الملأ من قومه رؤساء السَّفَلة منهم، فهم يدعون إلى جهنم. وقيل: أئمةً يأتَمُّ بهم ذَوو العِبر ويتَّعظ بهم أهل البصائر. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: إلى عمل أهل النار(١) ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ﴾. ﴿وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَقْنَةٌ﴾ أي: أمرنا العبادَ بلعنِهم فمَنْ ذكرهم لعنَهم. وقيل: أي: ألزمناهم اللعنَ أي: البُعدَ عن الخير. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ اُلْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المُهلكين الممقوتين. قاله ابن كَيْسان وأبو عبيدة(٢). وقال ابن عباس: المشوَّهين الخِلقة بسواد الوجوه وزُرقة العيون. وقيل: من المُبعدين(٣). يقال: قَبَحه اللهُ أي: نجَّاه من كل خير، وقَبَحَه وقَبَّحَه إذا جعله قبيحاً. وقال أبو عمرو: قبَحْتُ وجهَه بالتخفيف معناه: قَبَّحت(٤)؛ قال الشاعر: أَلَّا قَبَحَ اللهُ البراجِمَ كلَّها وقَبَّحَ يَرْبوعاً وقبَّحَ دَارِما (٥) وانتصبَ يوماً على الحمل على موضع ﴿فِى هَذِهِ الذُّنْيَا﴾ واستُغني عن حرف العطف في قوله: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ كما استُغني عنه في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. ويجوز أن يكون العاملُ في ((يوم)» مُضمَراً يدلُّ عليه قوله: ﴿هُم مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ فيكون كقوله: ﴿يَوْمَ يَوْنَ الْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيٍِ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]. ويجوز أن يكون العامل في (يوم)) قوله: ﴿هُم مِّنَ اُلْمَقْبُوحِينَ﴾ وإن كان الظرفُ متقدِّماً. ويجوز أن يكون مفعولاً على السَّعة، كأنه قال: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنةً يوم القيامة (٦). (١) النكت والعيون ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤. (٢) في مجاز القرآن ١٠٦/٢، وذكره أبو الليث في تفسيره ٥١٨/٢ من غير نسبة. (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٧. والقول الثاني في زاد المسير ٢٢٤/٦، والكشاف ١٨١/٣. (٤) تهذيب اللغة ٤/ ٧٥ ، ونسب القول الأول لأبي زيد. (٥) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص ١٣٠، وفيه: وعفَّر دارما. قال شارحه: البراجم ويربوع ودارم قبائل من تمیم. (٦) البيان ٢٢٣/٢ - ٢٢٤، ومشكل إعراب القرآن ٥٤٥/٢ - ٥٤٦ بنحوه . ٢٨٦ سورة القصص: الآية ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُؤْمَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الکنَبَ﴾ يعني التوراة. قاله قتادة. قال یحیی بن سلَّام: هو أوَّلُ كتابٍ - يعني التوراة - نزلت فيه الفرائض والحدود والأحكام. وقيل: الكتابُ هنا ستٌّ من المثاني السَّبع التي أنزلها الله على رسوله محمد ﴾. قاله ابن عباس، ورواه مرفوعاً (١). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَ﴾ قال أبو سعيد الخدري: قال النبيُّ ﴾: ((ما أهلكَ اللهُ قوماً ولا قرناً ولا أمَّةً ولا أهلَ قريةٍ بعذابٍ من السماء ولا من الأرض منذُ أنزل اللهُ التوراةَ على موسى غيرَ القريةِ التي مُسخّتْ قِردةٌ، ألم ترَ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَّآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ آلْأُولَ﴾ (٢)» أي: من بعد قوم نوح وعادٍ وثمود(٣). وقيل: أي: من بعد ما أغرقنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون. ﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: آتيناه الكتاب بصائر. أي: ليتبصَّروا ﴿وَهُدِّى﴾ أي: من الضلالة لمن عمل بها ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن آمن بها (٤) . ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذگُّونَ﴾ أي: لیذگّروا هذه النعمة فيقيموا على إيمانهم في الدنيا، ويَثِقوا بثوابهم في الآخرة(٥). (١) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٦٠٩)، وفي تفسيره ٣٥٠/١، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص١١٨، والطبري في تفسيره ١١٤/١٤ - ١١٥، والحاكم ٢٥٧/٢ وغيرهم موقوفاً علی ابن عباس ﴾. (٢) أخرجه البزار ((كشف الأستار)) (٢٢٤٨)، والحاكم ٤٠٨/٢ عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وأخرجه البزار (٢٢٤٧)، والطبري ٢٥٩/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٩٢٨) عن أبي سعيد الخدري موقوفاً. ومن بداية الآية حتى هذا الموضع من النكت والعيون ٢٥٤/٢ . (٣) تفسير أبي الليث ٥١٨/٢، وتفسير البغوي ٤٤٧/٣، وزاد المسير ٢٢٤/٦ . (٤) الوسيط ٣/ ٤٠٠، وتفسير البغوي ٤٤٧/٣ . (٥) النكت والعيون ٢٥٥/٤ . ٢٨٧ سورة القصص: الآيتان ٤٤ - ٤٥ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَطَاَوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنتَ ثَارِيًّا فِى الشَّهِدِينَ أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ أي: ما كنتَ يا محمد ﴿ِجَانِبِ الْغَرْبِ﴾ أي: بجانب الجبل الغربيّ(١)؛ قال الشاعر: أعطاكَ مَنْ أعطى الهُدَى النّبِيَّا نُوراً يَزِينُ المِنبرَ الغربِيًّا ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ إذ كلَّفناه أمرَنا ونهيَنا، وألزمناه عهدنا(٢). وقيل: أي: إذ قضينا إلى موسى أمرَك وذكرناك بخير ذكرٍ. وقال ابن عباس: ﴿إِذْ نَضَيْنَا﴾ أي: أخبرنا أنَّ أمةَ محمدٍ خيرُ الأمم. ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ أي: من الحاضرين(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ أي: من بعد موسى ﴿فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمْرَّ﴾ حتى نسوا ذِكْرَ الله أي: عهدَه وأمرَهُ(٤). نظيره ﴿فَطَالَ عَّهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وظاهر هذا يُوجِبُ أن يكون جرى لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام ذِكْرٌ في ذلك الوقت، وأنَّ الله سيبعثه، ولكن طالت المدَّة، وغلبت القسوة، فنسيَ القومُ ذلك. وقيل: آتينا موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود، ثم تطاول العهدُ فكفروا، فأرسلنا محمداً مُجدِّداً للدين وداعياً الخلقَ إليه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَارِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَّنَ﴾ أي: مقيماً كمقام موسى وشعيب بينهم(٥). قال العَجَّاج(٦): (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٧ . (٢) مجمع البيان ٩/ ٣٠٠ بنحوه. (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٧ . (٤) زاد المسير ٢٢٥/٦ . (٥) تفسير البغوي ٤٤٧/٣ . (٦) في ديوانه ص ٣٠٣ . ٢٨٨ سورة القصص: الآيات ٤٥ - ٤٦ فباتَ حيث يدخلُ الثَّوِيُّ أي: الضيف المقيم. وقوله: ﴿تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا﴾ أي: تُذكِّرهم بالوعد والوعيد. ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِين﴾ أي: أرسلناك في أهل مكة، وآتيناك كتاباً فيه هذه الأخبار، ولولا ذلك لَما عَلِمتَها(١). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ اُلُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ أي: كما لم تحضر جانبَ المكان الغربي إذ أرسل الله موسی إلی فرعون، فكذلك لم تحضر جانبَ الطور إذ نادینا موسى لمَّا أتى الميقات مع السبعين. وروى أبو زرعة بن عمرو بن جَرير(٢) يرفعه قال: (نُوديَ: يا أمةَ محمدٍ، أجبتُكم قبل أن تدعوني، وأعطيتُكم قبل أن تسألوني)) فذلك قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. وقال أبو هريرة - وفي رواية عن ابن عباس - إن الله قال: ((يا أمةَ محمدٍ، قد أجبتُكم قبل أن تدعوني، وأعطيتُكم قبل أن تسألوني، وغفرتُ لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتُكم قبل أن تسترحموني))(٣) قال وهب: وذلك أنَّ موسى لمَّا ذكرَ اللهُ له فضل محمدٍ وأمته قال: يا ربِّ أرِنيهم. فقال الله: «إنكَ لن (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨ . (٢) في النسخ: عمرو بن دينار، والتصويب من المصادر. (٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩١ من طريق سفيان الثوري، والطبري ٨/ ٢٦٢ من طريق يحيى بن عيسى، كلاهما عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو. وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣١٨)، والطبري ٢٦٢/٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٩٤٦)، والحاكم ٤٠٨/٢ من طريق حمزة الزيات، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وذكره الدار قطني في العلل ٢٩١/٨ وقال: عن أبي زرعة قوله، وهو أصح. قلنا: ورواية ابن عباس ذكرها الرازي في تفسيره ٢٥٧/٢٤ . ٢٨٩ سورة القصص: الآيات ٤٦ - ٤٨ تُدرِگھم، وإن شئتَ نادیتُهم فأسمعتُكَ صوتهم))قال: بلی یا رب. فقال الله تعالى: ((یا أمة محمد)) فأجابوا من أصلاب آبائهم، فقال: ((قد أجبتُكم قبل أن تدعوني))(١) ومعنى الآية على هذا: ما كنتَ بجانب الطور إذ كلَّمنا موسى فنادينا أمَّتَك وأخبرناه بما كتبناه لكَ ولأمتك من الرحمة إلى آخر الدنيا. ﴿وَلَكِنْ﴾ فعلنا ذلك ﴿رَحْمَةٌ ﴾ منَّا بكم. قال الأخفش: ((رَحْمَةً)) نصبٌ على المصدر، أي: ولكن رحمناك رحمةً. وقال الزجَّاج: هو مفعولٌ من أجله، أي: فعل ذلك بك لأجل الرحمة (٢). النَّاس: أي: لم تشهد قصص الأنبياء، ولا تُلِيتْ عليك، ولكنَّا بعثناكَ وأوحيناها إليك للرحمة(٣). وقال الكسائي: على خبر كان، التقدير: ولكن كان رحمة. قال: ويجوز الرفع بمعنى: هي رحمة. الزجَّاج: الرفع بمعنى: ولكنْ فِعْلُ ذلك رحمة(٤). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنَهُم مِّنِ تَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني العرب، أي: لم تشاهد تلك الأخبار، ولكن أوحيناها إليك رحمةً بمن أُرسِلتَ إليهم؛ لتنذرهم بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَدَگُّونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا فَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوْ رَبَّنَا لَوْلَاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَّبِعَ مَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٧) فَلَمَّا جَآءَ هُمُ اٌلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَاَ أُوِى مِثْلَ مَا أُوِى مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوْنِيَ مُوسَى مِن قَبْلٌ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ (@) قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم﴾ يريدُ قريشاً. وقيل: اليهود(٥). ﴿نُصِيبَةٌ﴾ أي: عقوبةً ونقمةً ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي. وخصَّ الأيدي بالذكر؛ لأنَّ (١) تفسير البغوي ٤٤٨/٣ بنحوه. (٢) إعراب القرآن ٢٣٩/٣. وقول الأخفش في معاني القرآن له ٢/ ٦٥٣، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٤ / ١٤٧ ٠ (٣) معاني القرآن للنحاس ١٨١/٥. (٤) إعراب القرآن ٢٣٩/٣. (٥) زاد المسير ٢٢٧/٦ . ٢٩٠ سورة القصص: الآيتان ٤٧ - ٤٨ الغالب من الكسب إنما يقع بها. وجواب (لَوْلًا)) محذوفٌ، أي: لولا أن يصيبهم عذابٌ بسبب معاصيهم المتقدِّمة ﴿فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلًا﴾ أي: هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ لمَّا بعثنا الرسل. وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة(١). وبَعْثُ الرسل إزاحةٌ لعذر الكفار كما تقدَّم في ((سبحان))(٢) وآخر (طه)) (٣). ﴿فَنَقَّعَ ءَايَلِكَ﴾ نصبٌ على جواب التحضيض. ﴿وَتَكُونَ﴾ عطفٌ عليه. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المصدِّقين. وقد احتجَّ بهذه الآية من قال: إن العقل يوجِبُ الإيمانَ والشكر؛ لأنه قال: ﴿پِمَا قَدَّمَت أيديهم﴾ وذلك موجبٌ للعقاب؛ إذ تقرَّر الوجوبُ قبل بعثة الرسل، وإنما يكون ذلك بالعقل. قال القشيري: والصحيح أنَّ المحذوفَ: لولا كذا لَما احتيج إلى تجديد الرسل. أي: هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول العهد، فلو عذَّبناهم فقد يقول قائلٌ منهم: طال العهد بالرسل، ويظنُّ أنَّ ذلك عذرٌ ولا عذرَ لهم بعد أن بلغهم خبرُ الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر، وأكملنا البيان فبعثناك يا محمد إليهم. وقد حكم اللهُ بأنه لا يُعاقِبُ عبداً إلَّا بعد إكمال البيان والحُجَّة وبعثة الرسل. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾ يعني محمداً ﴾ ﴿قَالُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿لَوْلًا﴾ أي: هلَّا ﴿أُوِى مِثْلَ مَآ أُوْقِىَ مُوسَىَّ﴾ من العصا واليد البيضاء، وأنزل عليه القرآن جملةً واحدةً كالتوراة، وكان بلغهم ذلك من أمر موسى قبل محمد، فقال الله تعالى: ﴿أو لَمْ يَكْفروا بما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالوا ساحِرانٍ تَظَاهَرًا﴾ أي: موسى ومحمد تعاونا على السحر. قال الكلبي: بعثَتْ قريشٌ إلى اليهود وسألوهم عن بعث محمدٍ وشأنه فقالوا: إنَّا نجده في التوراة بنعتِه وصفتِه. فلمَّا رجع الجواب إليهم ﴿قالوا ساحِرانِ تَظَاهَرًا﴾(٤). وقال قومٌ: إنَّ اليهودَ علَّموا المشركين، وقالوا: قولوا (١) تفسير البغوي ٤٤٨/٣ . (٢) ٤٤/١٣ وما بعده. (٣) ١٦٦/١٤ وما بعده. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩. ٢٩١ سورة القصص: الآيات ٤٨ - ٥١ لمحمدٍ: لولا أوتيتَ مثلَ ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراةَ دفعةً واحدة. فهذا الاحتجاج واردٌ على اليهود، أي: أو لم يكفُرْ هؤلاء اليهود بما أوتيَ موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران و﴿إِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ﴾ أي: وإنَّا كافرون بكلِّ واحدٍ منهما. وقرأ الكوفيون: ((سِحْرانٍ)) بغير ألف؛ أي: الإنجيل والقرآن. وقيل: التوراة والفرقان. قاله الفرَّاء(١). وقيل: التوراة والإنجيل. قاله أبو رزين. الباقون: ((ساحرانٍ)) بألف. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدهما - موسى ومحمد عليهما السلام. وهذا قول مشركي العرب. وبه قال ابن عباس والحسن. الثاني - موسى وهارون. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة. وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد(٢). فيكون الكلام احتجاجاً عليهم. وهذا يدلُّ على أنَّ المحذوف في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ﴾ لما جدَّدنا بعثة الرسل؛ لأنَّ اليهود اعترفوا بالنبؤَّات ولكنهم حرَّفوا وغيَّروا واستحقُّوا العقاب، فقال: قد أكملنا إزاحةَ عُذرِهم ببعثة محمدٍ ﴿. الثالث - عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وهذا قول اليهود اليوم. وبه قال قتادة. وقيل: أو لم يكفُرْ جمیعُ اليهود بما أوتي موسى في التوراة من ذكر المسيح، وذكر الإنجيل والقرآن، فرأوا موسی ومحمداً ساحرین والکتابین سحرین. قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِثَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَبِّعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَِّعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (@) وَلَقَدْ 6 وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَگُّرُونَ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ أي: قُلْ يا (١) في معاني القرآن له ٣٠٦/٢. (٢) النكت والعيون ٢٥٦/٤ ، والقول الثالث الذي سيأتي منه أيضاً. وينظر السبعة ص ٤٩٥ ، والتيسير ص١٧٢ . ٢٩٢ سورة القصص: الآيات ٤٩ - ٥١ محمد إذ كفرتُم معاشرَ المشركين بهذين الكتابين ﴿فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّعْهُ﴾ ليكون ذلك عذراً لكم في الكفر ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في أنهما سحران. .أو: فأتوا بكتابٍ هو أهدى من كتابَي موسى ومحمدٍ عليهما السلام. وهذا يُقوِّي قراءةً الکوفیین ((سِحْرَانِ)». ((أَتَّبِعْهُ)) قال الفرَّاء(١): بالرفع؛ لأنَّه صفةٌ(٢) للكتاب وكتابٌ نكرة. قال: وإذا جزمت - وهو الوجه - فعلى الشرط. قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ يا محمد أن يأتوا بكتابٍ من عند الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: آراءَ قلوبهم وما يستحسنونه ويُحيِّبُه لهم الشيطان، وأنَّه لا حُجَّةَ لهم. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِتَنِ أَتَعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحدَ أضَلُّ منه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلَِّينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي أتَبَعْنا بعضه بعضاً، وبعثنا رسولاً بعد رسول(٣). وقرأ الحسن: ((وَصَلْنَا)) مخففاً(٤). وقال أبو عبيدة والأخفش: معنى ((وصلنا)): أتممنا، كصِلَتِك الشيء(٥). وقال ابن عُيَيْنة والسُّدِّي: بيَّنَا. وقاله ابن عباس(٦). وقال مجاهد: فصَّلنا. وكذلك كان يقرؤها(٧). وقال ابن زيد: وصَلْنا لهم خبرَ الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا(٨). وقال أهل المعاني: وَالَينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبع بعضِه بعضاً؛ وعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً ونصائحَ ومواعظَ (١) في معاني القرآن له ٢/ ٣٠٧، ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٢٣٩/٣. (٢) في معاني القرآن وإعراب القرآن: صلة. (٣) النكت والعيون ٢٥٦/٤ . (٤) الشاذة ص١١٣، وزاد ابن الجوزي في زاد المسير ٢٢٨/٦ نسبتها إلى أبي المتوكل وابن يعمر. (٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٠٨/٢، ونقلها الماوردي في النكت والعيون ٢٥٦/٤ عن الأخفش. (٦) النكت والعيون ٢٥٦/٤ عن السدي، وتفسير البغوي ٤٤٩/٣ عن ابن عباس. (٧) المحرر الوجيز ٢٩١/٤، وهي قراءة شاذة. (٨) تفسير البغوي ٤٤٩/٤ . ٢٩٣ سورة القصص: الآيات ٥١ - ٥٣ إرادةَ أن يتذكَّروا فيُفلحوا(١). وأصلُها من وصل الحبال بعضها ببعض. قال الشاعر: وحبلٍ ضعيفٍ ما يزالُ يُوَضَّلُ(٢) فقُلْ لبني مروانَ ما بالُ ذِمَّةٍ وقال امرؤ القيس : درِيرٍ كَخُذروفِ الوليدِ أَمَرَّهُ تَقَلُّبَ كفَّيه بخيطِ مُوَصَّلٍ(٣) والضمير في ((لهم)) لقريش. عن مجاهد. وقيل: هو لليهود(٤). وقيل: هو لهم جميعاً. والآية ردّ على من قال: هلَّا أوتي محمدٌ القرآن جملةً واحدة . ﴿لَعَلَّهُمْ یتذگُونَ﴾ قال ابن عباس: یتذگّرون محمداً فيؤمنوا به. وقيل: يتذكَّرون فيخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم. قاله علي بن عيسى. وقيل: لعلَّهم يتَّعِظون بالقرآن عن عبادة الأصنام. حكاه النقَّاش(٥). وَإِذَا يُثْلَى عَنِهِمْ قوله تعالى: ﴿اَلَِّينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ (٥٣) قَالُوَاْ ءَامَنَا بِهَ إِنَّهُ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ أخبر أنَّ قوماً ممَّن أوتوا الكتابَ من بني إسرائيل من قبل القرآن يؤمنون بالقرآن؛ كعبد الله بن سَلام وسلمان(٦). ويدخل فيه مَنْ أسلم من علماء النصارى، وهم أربعون رجلاً، قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينةَ، اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة، وثمانيةُ نفرٍ أقبلوا من الشام وكانوا أئمة النصارى، منهم بحيراء الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن (١) الكشاف ٣/ ١٨٤. (٢) تفسير الطبري ٢٧٤/١٨، وقائل البيت الأخطل، وهو في ديوانه ص ١٠، وفيه: فسائل بني مروان. (٣) ديوان امرئ القيس ص٢١ . قال شارحه: قوله: ((درير)) يعني: هو درير في عدوه، أي: سريع خفيف. والخذروف: الخرَّارة التي يلعب بها الصبيان، تسمع لها صوتاً، وهي سريعة المرِّ، وجعل خيط الخذروف موصَّلاً؛ لأنه قد لعب به كثيراً حتى خفَّ وأخلَقَ وتقطّع خيطُه فوُصل، فذلك أسرع لدورانه. (٤) زاد المسير ٢٢٨/٦ ونسب القول الثاني إلى رفاعة القرظي. (٥) النكت والعيون ٤/ ٢٥٧. (٦) أخرجه الطبري ٢٧٨/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٩٨٥) عن قتادة بنحوه. ٢٩٤ سورة القصص: الآيتان ٥٢ - ٥٣ وإدريس ونافع. كذا سمَّاهم الماوردي(١). وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية والتي بعدها إلى قوله(٢): ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ قاله قتادة. وعنه أيضاً: أنها نزلت في عبد الله بن سَلَام وتميم الداريّ والجارود العبديّ وسلمان الفارسيّ، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية. وعن رِفاعةَ القُرظي (٣): نزلت في عشرة أنا أحدهم(٤). وقال الزُّهري(٥): نزلت في النجاشي وأصحابه، ووجَّه باثني عشر رجلاً فجلسوا مع النبيِّ ﴾، وكان أبو جهلٍ وأصحابُه قريباً منهم، فآمنوا بالنبيِّ ﴾، فلمَّا قاموا من عنده تبِعَهم أبو جهلٍ ومن معه، فقال لهم: خيَّكُم الله من ركب، وقبَّحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدَّقتموه، وما رأینا ركباً أحمقَ منكم ولا أجهل. فقالوا: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ لم نَأَلُ أنفسَنا رشداً ﴿لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ (٦) وقد تقدَّم هذا في ((المائدة)) عند قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآَ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ مستوفى (٧). وقال أبو العالية: هؤلاء قومٌ آمنوا بمحمدٍ ﴿ قبل أن يُبعث وقد أدركه بعضُهم (٨). ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن. وقيل: من قبل محمدٍ عليه الصلاة والسلام(٩) ﴿هُم بِ﴾ أي: بالقرآن، أو بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام ﴿يُؤْمِنُونَ﴾(١٠). ﴿وَإِذَا يُثَى عَنِهِمْ قَالُوَاَ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِنَا﴾ أي: إذا قُرئ عليهم القرآن قالوا: صدَّقنا بما فيه ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزوله، أو: قبل بعثة محمد عليه (١) في النكت والعيون ٢٥٨/٤ . (٢) عبارة: ((إلى قوله)) من (ظ) والنكت والعيون. (٣) في النسخ: بن قرظة، والتصويب من المصادر. (٤) أخرجه الطبري ٢٧٦/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٩٧٣)، والطبراني (٥٤٦٣). (٥) في (م): عروة بن الزبير، والمثبت من (د) و(ظ) وإعراب القرآن. (٦) إعراب القرآن ٢٣٩/٣ . (٧) سلف هذا ٨/ ١٠٨ - ١١٠ لكن عند تفسير الآية التي قبل الآية التي ذكرها المصنف. (٨) إعراب القرآن ٢٣٩/٣. (٩) المحرر الوجيز ٢٩٢/٤، وتفسير البغوي ٤٤٩/٣ . (١٠) زاد المسير ٢٢٩/٦ . ٢٩٥ سورة القصص: الآيات ٥٢ - ٥٥ الصلاة والسلام ﴿مُسْلِمَيْنٍ﴾ أي: مُوحِّدين، أو: مؤمنين بأنه سيُبعَثُ محمدٌ وينزل عليه القرآن. قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْثَوْنَ أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّمِئَةَ وَمِمَّا وَإِذَا سَمِعُواْ اَللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (@) أَعْمَلُكُزْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ فیه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ ثبتَ في ((صحيح مسلم)) عن أبي موسى أنَّ رسول اللـه :﴿ قال: ((ثلاثةٌ يؤتون أجرَهُم مرتين: رجلٌ من أهل الكتاب آمنَ بنبيّه وأدرك النبيَّ ﴾ فَآمَنَ به واتَّبعه وصدَّقه فله أجران، وعبدٌ مملوكٌ أدَّى حقَّ الله عزَّ وجلَّ وحقَّ سيِّدِه فله أجران، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فغذَّاها فأحسنَ غذاءها ثم أدَّبَها ثم أعتقَها وتزوَّجها فله أجران)) قال الشَّعبيُّ للخُراساني: خُذْ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة. وخرَّجه البخاريُّ أيضاً (١). قال علماؤنا: لمَّا كان كلُّ واحدٍ من هؤلاء مخاطباً بأمرين من جهتين استحقَّ كلُّ واحدٍ منهم أجرين، فالكتابيُّ كان مخاطباً من جهةٍ نبيِّه، ثم إنه خُوطِبَ من جهة نبيِّنا، فأجابه واتَّبعه، فله أجر المِلَّتين، وكذلك العبد هو مأمورٌ من جهة الله تعالى ومن جهة سيِّده، وربُّ الأمَةِ لمَّا قام بما خُوطِبَ به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياءً التربية، ثم إنَّه لمَّا أعتقها وتزوَّجها أحياها إحياءَ الحرّية التي ألحقها فيه بمنصبه، فقد قام بما أُمِرَ فيها، فأُجِرَ كلُّ واحدٍ منهما أجرين. ثم إنَّ كلَّ واحدٍ من الأجرين مضاعفٌ في نفسه، الحسنةُ بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور. ولذلك قيل: إنَّ العبدَ الذي يقوم بحقِّ سيِّده وحقِّ الله تعالى أفضلُ من الحرِّ. وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البَرِّ وغيره. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((للعبدِ المملوكِ المُصلح أجران)» والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِه، لولا (١) صحيح البخاري (٣٠١١)، وصحيح مسلم (١٥٤). وهو في مسند أحمد (١٩٦٠٢). ٢٩٦ سورة القصص: الآيتان ٥٤ - ٥٥ الجهادُ في سبيل الله والحجُّ وبِرُّ أمي لأحببتُ أن أموتَ وأنا مملوك. قال سعيد بن المسيِّب: ويَلغَنا أنَّ أبا هريرةً لم يكن يَحُجُّ حتى ماتت أمُّه؛ لصحبتها(١). وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((نِعِمًا للمملوكِ أن يُتوقَّى يُحسِنُ عبادةَ الله وصحابةَ سيِّده، نِعِمًّا له))(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ عامٌّ في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيَدَّرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون. درأتُ إذا دفعتُ، والدرءُ الدفع. وفي الحديث: ((ادرؤوا الحدودَ بالشُّبهات))(٤). قيل: يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى. وقيل: يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب(٥). وعلى الأوّل (١) صحيح مسلم (١٦٦٥) بتمامه، وصحيح البخاري (٢٥٤٨) دون قول سعيد بن المسيب، وهو كذلك في مسند أحمد (٨٣٧٢). (٢) صحيح مسلم (١٦٦٧)، وهو في مسند أحمد (٨٢٣٣). وأخرجه البخاري (٢٥٤٩) بنحوه. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٢/٤ . (٤) المثبت من (م)، وفي (د) بزيادة: ما استطعتم. وفي (ظ): ادرؤوا الحدود ما استطعتم. وأخرجه الترمذي (١٤٢٤)، والحاكم ٣٨٤/٤، والبيهقي ٢٣٨/٨ من طريق الفضل بن موسى ومحمد ابن ربيعة، عن يزيد بن زياد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعاً بلفظ: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرجٌ فخلَّوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)) قال الترمذي: يزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث. وقال الذهبي في تعقبه على الحاكم: قال النسائي: يزيد بن زياد شامي متروك. وأخرجه الترمذي بعد حديث (١٤٢٤) من طريق محمد بن ربيعة، عن يزيد بن زياد ... بمثل إسناده سابقه إلا أنه جعله موقوفاً على عائشة. وأخرجه ابن ماجه (٢٥٤٥) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((ادرؤوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً)) قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٧٠: هذا إسناد ضعيف، فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي والأزدي والدار قطني. وأخرجه البيهقي ٢٣٨/٨ من حديث علي # مرفوعاً بلفظ: ((ادرؤوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود)» وفي إسناده المختار بن نافع؛ قال البيهقي: قال البخاري: المختار بن نافع منكر الحديث. وقد روي موقوفاً بأسانيد وألفاظٍ مختلفة، قال البيهقي ٩/ ١٢٣ - ١٢٤: وأصح الروايات فيه عن الصحابة رواية عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قوله. قلنا: وقد أخرج تلك الرواية ابن أبي شيبة ٥٦٧/٩، والبيهقي ٢٣٨/٨ بلفظ: ادرؤوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم. (٥) إعراب القرآن ٢٣٩/٣ دون ذكر الحديث. ٢٩٧ سورة القصص: الآيات ٥٤ - ٥٦ فهو وصفٌ لمكارم الأخلاق، أي: مَنْ قال لهم سوءاً لا يَنْوِه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه. فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آيةٌ السيف وبقي حُكمُها فيما دون الكفر يتعاطاه أمةُ محمدٍ # إلى يوم القيامة(١). ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((وأتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن))(٢) ومن الخُلقِ الحسنِ دفعُ المكروه والأذى، والصبرُ على الجفا بالإعراضِ عنه ولينِ الحديث. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ أثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع، وفي ذلك حَضُّ على الصدقات(٣). وقد يكون الإنفاق من الأبدان بالصوم والصلاة. ثم مدخَهم أيضاً على إعراضهم عن اللغو، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَرُواْ كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا عنه، أي: لم يشتغِلوا به ﴿وَقَالُواْ لَنَّاً أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: متاركةً، مثل قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمَا﴾ [الفرقان: ٦٣] أي: لنا دينُنا ولكم دينكم. ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أَمْناً لكم منَّا، فإنَّا لا نُحاربكم، ولا نُسابُّكم، وليس من التحية في شيءٍ(٤). قال الزجَّاج: وهذا قبل الأمر بالقتال. ﴿لَا نَبْتَفِى الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة(٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعَلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَّهْدِى مَنْ أَحْبَتَ﴾ قال الزجَّاج(٦): أجمعَ المفسِّرون(٧) (١) المحرر الوجيز ٢٩٢/٤ . (٢) سلف ٥٩/١٢ . (٣) المحرر الوجيز ٢٩٢/٤ . (٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٠ بنحوه. (٥) المحرر الوجيز ٢٩٢/٤، وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٤٩/٤. (٦) في معاني القرآن ١٤٩/٤. (٧) في النسخ: المسلمون، والمثبت من معاني القرآن للزجاج. ٢٩٨ سورة القصص: الآيات ٥٦ - ٥٨ على أنها نزلت في أبي طالب. قلت: والصوابُ أن يُقال: أجمعَ جُلُّ المُفسِّرين على أنها نزلت في شأن أبي طالبٍ عمِّ النبيِّ #، وهو نصُّ حديثِ البخاري ومسلم (١)، وقد تقدَّم [الكلام في] (٢) ذلك في ((براءة)) (٣). وقال أبو رَوْق: قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ إشارةٌ إلى العباس. وقاله قتادة. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ قال مجاهد: لمن قدَّر له أن يهتدي(٤). وقيل: معنى (مَنْ أَحْبَبْتَ)) أي: مَنْ أَحببتَ أن يهتدي(٥). وقال جُبير بن مُظْعِم: لم يسمَعْ أحدٌ الوحيَ يُلقى على النبيِّ ﴾ إلَّا أبا بكرِ الصِّدِّيق؛ فإنه سمع جبريل وهو يقول: يا محمد اقرأ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن نَّشَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ تُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْنَى إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِن لَُّنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَمْ تُشْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ @) قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن نَّشَِّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَاً﴾ هذا قول مشركي مكة (٦). قال ابن عباس: قائل ذلك من قريشٍ الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشيُّ قال للنبيِّ ﴾: إنَّا لنعلم أنَّ قولَكَ حَقٌّ، ولكن يمنعُنا أن نتَّبعَ الهدى معك، ونؤمِنَ بك، مخافة أن يتخطَّفَنا العرب من أرضنا - يعني مكة - لاجتماعهم على خلافنا، ولا طاقةً لنا بهم. وكان هذا من تعلُّلاتِهم، فأجاب الله تعالى عمَّا اعتلَّ به (١) صحيح البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤). (٢) ما بين حاصرتين من (م). (٣) ٣٩٨/١٠. (٤) ذكره عنهما الماوردي في النكت والعيون ٢٥٩/٤ - ٢٦٠، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٠٠٤)، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٨٦/١٨، وابن أبي حاتم (١٧٠٠٥). (٥) معاني القرآن للنحاس ١٨٨/٥. (٦) تفسير أبي الليث ٢/ ٥٢٢ . ٢٩٩ سورة القصص: الآيتان ٥٧ - ٥٨ فقال(١): ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾ أي: ذا أمن. وذلك أنَّ العربَ كانت في الجاهلية يُغير بعضُهم على بعض، ويقتلُ بعضُهم بعضاً، وأهلُ مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم، فأخبر أنه قد أمَّنَهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوّهم، فلا يخافون أن تستحِلَّ العربُ حُرمةً في قتالهم. والتخُّف: الانتزاع بسرعة(٢): وقد تقدَّم(٣). قال یحیی بن سلام یقول: کنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. ﴿يُحِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي يُجمَع إليه ثمراتُ كل أرض وبلد. عن ابن عباس وغيره(٤). يقال: جبى الماء في الحوض أي: جمعه. والجابية: الحوض العظيم(٥). وقرأ نافع: ((تُجْبَى)) بالتاء؛ لأجل الثمرات. الباقون بالياء؛ لقوله: ﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ واختاره أبو عبيد؛ قال: لأنَّه حالَ بين الاسم المؤنثِ وبین فِعْلِه حائل(٦)، وأيضاً فإنَّ الثمرات جمع، وليس بتأنيثٍ حقيقي(٧). ﴿رِزْقًا مِّن لَُّنَ﴾ أي: من عندنا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعقلون(٨)، أي: هم غافلون عن الاستدلال، وأنَّ مَنْ رزَقَهم وأمَّتَهم فيما مضى حالَ كفرهم يرزقُهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم. و((رِزْقاً) نُصِبَ على المفعول من أجله. ويجوز نصبُه على المصدر بالمعنى؛ لأنَّ معنى ((تُجْبَى)): تُرزَقُ. وقُرِئَ: ((يُجْنَى)) بالنون من الجنا، وتعديتُه بإلى كقولك: يجنى (١) النكت والعيون ٢٦٠/٤. (٢) الوسيط ٤٠٤/٣، وزاد المسير ٢٣٢/٦ - ٢٣٣. (٣) ٩ /٤٩٠. (٤) النكت والعيون ٢٦٠/٤ . (٥) الصحاح (جبا). (٦) تفسير البغوي ٣/ ٤٥١، وينظر السبعة ص ٤٩٥، والتيسير ص ١٧٢ . (٧) الحجة في القراءات السبعة ٤٢٤/٥ . (٨) النكت والعيون ٢٦٠/٤. ٣٠٠ سورة القصص: الآيتان ٥٧ - ٥٨ إلى فيه ويُجنى إلى الخافَةِ (١). قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ بَيِّن لمن توهّم أنه لو آمن القاتلَتْه العربُ أن الخوف في ترك الإيمان أكثر، فكم من قومٍ كفروا ثم حَلَّ بهم البوار. والبطر: الطغيان بالنعمة. قاله الزجَّاج. ((مَعِيشَتَها)) أي: في معيشتها، فلمَّا حذَفَ ((في)) تعدَّى الفعل. قاله المازني. الزجَّاج(٢): كقوله: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. الفرَّاء: هو منصوبٌ على التفسير. قال: كما تقول: أبطَرَكَ(٣) مالُكَ وبَطِرْتَهُ. ونظيره عنده: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وكذا عنده ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَقْسًا﴾ [النساء: ٤] ونَصْبُ المعارف على التفسير مُحالٌ عند البصريين؛ لأنَّ معنى التفسير والتمييز أن يكون واحداً نكرةً يدلُّ على الجنس(٤). وقيل: انتصب بـ(بَطِرَتْ)) ومعنى: ((بَطِرَتْ)) جَهِلَتْ، فالمعنى: جَهِلَتْ شُكرَ معيشتها(٥). ﴿فَِلْكَ مَسَئِكِنُهُمْ لَمْ تُشْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ أي: لم تُسكّنْ بعد إهلاك أهلِها إلَّا قليلاً من المساكن وأكثرها خراب(٦). والاستثناء يرجع إلى المساكن، أي: بعضُها يُسكن. قاله الزجَّاج، واعتُرِضَ عليه، فقيل: لو كان الاستثناءُ يرجع إلى المساكن لقال: إلا قليل؛ لأنَّكَ تقول: القومُ لم تضرِبْ إلَّ قليلٌ؛ ترفَعُ إذا كان المضروبُ قليلاً، وإذا نصبتَ كان القليلُ صفةً للضرب، أي: لم تضرب إلَّا ضرباً قليلاً، فالمعنى إذاً: فتِلكَ مساكنُهم لم يسكُنْها إلَّا المسافرون ومَنْ مرَّ بالطريق يوماً أو بعضَ يوم، أي: لم تُسْكَنْ من بعدهم إلَّا سكوناً قليلاً. وكذا قال ابن عباس: لم يسكُنْها إلَّا المسافرُ أو (١) الكشاف ١٨٦/٣، والقراءة شاذة، والخافَة: وعاء الحَبِّ؛ سُمِّيت بذلك لأنها وقاية له. النهاية (خوف). (٢) في معاني القرآن له ٤/ ١٥٠ . (٣) في (م): أبطرت. والمثبت من (د) و(ظْ) وإعراب القرآن. (٤) إعراب القرآن ٣/ ٢٤٠، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٠٨/٢ . (٥) مشكل إعراب القرآن ٥٤٦/٢ . (٦) تفسير الطبري ١٨/ ٢٩٠ .