النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ كانت عندهم مشروعةً معلومة، وكذلك كانت في كلِّ ملة، وهي من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخلطة بين الناس؛ خلافاً للأصمِّ حيث كان عن سماعها أصمَّ. السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ الآية. فيه عرضُ الوليِّ بنتَه على الرجل، وهذه سُنَّةٌ قائمة؛ عرض صالحُ مدين ابنتَه على صالح بني إسرائيل، وعرضَ عمرُ بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكرٍ وعثمان، وعرضتِ الموهوبةُ نفسَها على النبيِّ *؛ فمن الحَسَنِ عَرْضُ الرجلِ ولِيَّته، والمرأةِ نفسَها على الرجل الصالح، اقتداءً بالسلف الصالح. قال ابن عمر: لمَّا تأيَّمتْ حفصةُ قال عمر لعثمان: إن شئتَ أُنكِحُكَ حفصة بنت عمر. الحديث. انفرد بإخراجه البخاري(١). السابعة: وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ النكاح إلى الوليِّ لا حظّ للمرأة فيه؛ لأنَّ صالحَ مدين تولَّاه، وبه قال فقهاء الأمصار. وخالفَ في ذلك أبو حنيفة. وقد مضى (٢). الثامنة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ للأب أن يُزُوِّجَ ابنتَه البكرَ البالغَ من غير استثمار، وبه قال مالك واحتجَّ بهذه الآية، وهو ظاهرٌ قويٌّ في الباب، واحتجاجُه بها يدلُّ على أنه كان يُعوِّلُ على الإسرائيليات، كما تقدّم. وبقول مالك في هذه المسألة قال الشافعي وكثيرٌ من العلماء. وقال أبو حنيفة: إذا بلغتِ الصغيرةُ فلا يُزوِّجها أحدٌ إلا برضاها؛ لأنها بلغتْ حدَّ التكليف، فأما إذا كانت صغيرةً فإنه يُزوّجها بغير رضاها؛ لأنه لا إذنَ لها ولا رضا بغير خلاف(٣). التاسعة: استدلَّ أصحاب الشافعي بقوله: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ على أنَّ النكاح موقوفٌ على لفظ التزويج والإنكاح(٤). وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود (١) في صحيحه (٤٠٠٥)، وهو في مسند أحمد (٧٤). وأما حديث الموهوبة نفسها فأخرجه أحمد (٢٢٧٩٦)، والبخاري (٥١٢١)، ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد﴾. وهذه المسألة والتي قبلها من أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٥٤ - ١٤٥٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٦٤. وقد سلف الكلام على هذه المسألة ٣/ ٤٦٢ - ٤٦٦. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٦٥/٣ . (٤) المصدر السابق ١٤٥٦/٣ . ٢٦٢ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ ومالك على اختلافٍ عنه. وقال علماؤنا في المشهور: ينعقد النكاح بكلٌ لفظ. وقال أبو حنيفة: ينعقد بكلِّ لفظٍ يقتضي التمليك على التأبيد. أما الشافعية فلا حُجَّةً لهم في الآية؛ لأنه شَرْعُ مَنْ قبلنا، وهم لا يرونه حُجَّةً في شيءٍ في المشهور عندهم. وأما أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حَيّ فقالوا: ينعقد النكاحُ بلفظ الهبة وغيرِه إذا كان قد أشهَدَ عليه؛ لأنَّ الطلاق يقع بالصريح والكناية، قالوا: فكذلك النكاح. قالوا: والذي خُصَّ به النبيُّ # تَعرِّي البُضْعِ من العِوَض لا النكاح بلفظ الهبة. وتابعهم ابن القاسم فقال: إن وهبَ ابنتَه وهو يريد إنكاحَها فلا أحفَظُ عن مالك فيه شيئاً، وهو عندي جائزٌ كالبيع. قال أبو عمر: الصحيحُ أنه لا ينعقد نكاح بلفظ الهبة، كما لا ينعقد بلفظ النكاح هبةُ شيءٍ من الأموال. وأيضاً فإن النكاح مفتقرٌ إلى التصريح لتقع الشهادةُ عليه، وهو ضِدُّ الطلاق، فكيف يُقاس عليه؟! وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله: أبَحْتُ لك وأحلَلْتُ لك. فكذلك الهبة. وقال ﴾: ((استحلَّلْتُم فروجَهنَّ بكلمة الله)) يعني القرآن، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة، وإنما فيه التزويج والنكاح، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطالُ بعضٍ خصوصيةِ النبيِّ ◌َ﴾(١). العاشرة: قوله تعالى: ﴿إِحْدَى أَبْنَتَنَّ هَنَيِنِ﴾ يدلُّ على أنه عرضٌ لا عقد؛ لأنه لو كان عقداً لَعيَّنَ المعقودَ عليها له؛ لأنَّ العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال: بِعْتُكَ أحدَ عبديَّ هذين بثمنٍ كذا؛ فإنهم اتَّفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح؛ لأنه خيارٌ وشيءٌ من الخيار لا يُلصّقُ بالنكاح (٢). الحادية عشرة: قال مكيٍّ: في هذه الآية خصائص في النكاح؛ منها أنه لم يُعيِّنِ الزوجةَ ولا حدَّ أوَّلِ الأمد، وجعلَ المهرَ إجارةً، ودخلَ ولم يَنْقُدْ شيئاً. قلت: فهذه أربع مسائلَ تضمَّنَتْها المسألةُ الحاديةَ عشرة. الأولى - من الأربع مسائل التعيين(٣)؛ قال علماؤنا: أما التعيين فيُشبه أنه كان في (١) التمهيد ١١١/٢١ - ١١٢. والحديث سلف ١٧٠/٦. (٢) أحكام القرآن ١٤٥٧/٣ . (٣) كلمة ((التعيين)) من (م). ٢٦٣ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ أثناء(١) حال المراوضة، وإنَّما عرضَ الأمرَ مجملاً، وعيَّن بعد ذلك. وقد قيل: إنه زوَّجه صفوريا وهي الصغرى(٢). يُروى عن أبي ذَرِّ قال: قال لي رسولُ الله ◌ِ﴾: ((إنْ سُئِلتَ: أيُّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: خيرَهما وأوفاهما، وإن سُئِلْتَ: أيُّ المرأتين تزوَّج؟ فقل: الصغرى، وهي التي جاءت خلفه، وهي التي قالت: ﴿يَأَبَّتِ اُسْتَشِْرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَتْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾)» (٣). قيل: إنَّ الحكمة في تزويجه الصغرى منه قبل الكبرى وإن كانتِ الكبرى أحوَجَ إلى الرجال أنَّه توقَّعَ أن يميل إليها؛ لأنه رآها في رسالته، وماشاها في إقباله إلى أبيها معها، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمِرُ غيرَه. وقيل غير هذا، والله أعلم(٤). وفي بعض الأخبار أنه تزوَّج بالكبرى. حكاه القشيري(٥). الثانية - وأمَّا ذِكْرُ أوّلِ المدَّة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه، بل هو مسكوتٌ عنه؛ فإمَّا رسماه، وإلَّ فهو من أوَّل وقت العقد. الثالثة - وأمَّا النكاح بالإجارة فظاهرٌ من الآية، وهو أمرٌ قد قرَّره شرعُنا، وجرى في حديث الذي لم يكن عنده إلَّا شيءٌ من القرآن(٦). رواه الأئمة، وفي بعض طرقه: فقال له رسول الله ﴾: ((ما تحفَظُ من القرآن؟)) فقال: سورةَ البقرة والتي تليها. قال: ((فَعَلِّمْها عشرين آيةً وهي امرأتُكَ))(٧). واختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة (١) في النسخ: ثاني، والمثبت من المحرر الوجيز. (٢) المحرر الوجيز ٢٨٤/٤ - ٢٨٥. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٨٤٦)، والطبراني في الأوسط (٥٤٢٦). وله شاهد موقوف على ابن عباس عند البخاري (٢٦٨٤). قال الحافظ في الفتح ٢٩١/٥: وهو في حكم المرفوع. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٨/٣ . (٥) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٢٨٥ عن وهب. (٦) من بداية المسألة الثانية إلى هذا الموضع من المحرر الوجيز ٢٨٥/٤. (٧) أخرجه - بهذا اللفظ - أبو داود (٢١١٢) من حديث أبي هريرة ﴾، وفي إسناده عِسْل بن سفيان، وهو ضعيف فيما قاله الحافظ في التقريب. وقد تفرد بزيادة: ((فعلُّمها عشرين آية وهي امرأتك)). قلنا: والحديث دون الزيادة أخرجه أحمد (٢٢٧٩٦)، والبخاري (٥١٢١)، ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل ابن سعد ٢٦٤ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ أقوال: فكرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، وأجازه ابن حبيب (١)، وهو قول الشافعي وأصحابه؛ قالوا: يجوز أن تكون منفعةُ الحرِّ صَداقاً كالخياطة والبناء وتعليم القرآن. وقال أبو حنيفة: لا يصِحُ(٢). وجوَّزَ أن يتزوَّجها بأن يَخدِمَها عبدُه سنة، أو يُسكِنَها دارَه سنة؛ لأنَّ العبدَ والدارَ مال، وليس خِدْمتُها بنفسه مالاً. وقال أبو الحسن الكرخي: إنَّ عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز؛ لقوله تعالى: ﴿ الَِّىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُرَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقال أبو بكر الرازي: لا يصِحُّ؛ لأنَّ الإجارة عقدٌ مؤقت، وعقد النكاح مؤيّد، فهما متنافيان(٣). وقال ابن القاسم: ينفسخ قبل البناء ويَثُبُتْ بعده. وقال أصبغ: إن نَقدَ معه شيئاً ففيه اختلاف، وإن لم يَنقِذْ فهو أشدّ، فإن ترك مضى على كلِّ حالٍ بدليل قصة شعيب. قاله مالك وابن المؤَّاز وأشهب. وعوَّل على هذه الآية جماعةٌ من المتأخرين والمتقدمين في هذه النازلة(٤). قال ابن خوَيْزِ مَنْدَادِ: تضمَّنت هذه الآية النكاحَ على الإجارة والعقد صحيح، ويُكره أن تُجعلَ الإجارةُ مهراً، وينبغي أن يكون المهرُ مالاً كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. هذا قول أصحابنا جميعاً. الرابعة - وأما قوله: ((ودخل ولم يَنقُدْ)) فقد اختلف الناسُ في هذا؛ هل دخل حين عقدَ أم حينَ سافر؟ فإن كان حين عقدَ فماذا نقد؟ وقد منعَ علماؤنا من الدخول حتى يَنْقِدَ ولو رُبعَ دينار. قاله ابن القاسم. فإن دخل قبل أن يَنقِدَ مضى؛ لأنَّ المتأخِّرين من أصحابنا قالوا: تعجيلُ الصَّداقِ أو شيءٍ منه مُستحَبٌّ. على أنه إن كان الصَّداقُ رعيةً الغنم فقد نَقَدَ الشروعَ في الخدمة، وإن كان دخل حين سافر فطُولُ الانتظار في النكاح جائزٌ، وإن كان مدى العمر بغير شرط. وأمَّا إن كان بشرط(٥) فلا يجوز إلَّا أن يكون (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٨/٣ . (٢) تفسير البغوي ١/ ٤١٥ . (٣) الكشاف ١٧٣/٣ و٢٦٨. ووقع في (م): ﴿فَقَاتُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وفي بقية النسخ: ﴿وَلَِّى تََّافُونَ نُشُوزَهُرَّ﴾. والمثبت من الكشاف. (٤) أحكام القرآن ١٤٥٩/٣ . (٥) عبارة: وأما إن كان بشرط من (م) وأحكام القرآن. ٢٦٥ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ الغرضُ صحيحاً مثل التأهُّبِ للبناء أو انتظار صلاحية الزوجة للدخول إن كانت صغيرة. نصَّ عليه علماؤنا(١). الثانية عشرة: في هذه الآية اجتماع إجارةٍ ونكاح، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأوَّل - قال في ثمانية أبي زيد: يُكره ابتداءً، فإن وقع مضى. الثاني - قال مالك وابن القاسم في المشهور: لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده؛ لاختلافٍ مقاصدِها كسائر العقود المتباينة. الثالث - أجازه أشهب وأصبغ. قال ابن العربي (٢): وهذا هو الصحيح، وعليه تدلُّ الآية، وقد قال مالك: النكاحُ أشبهُ شيءٍ بالبيوع، فأيُّ فرقٍ بین إجارةٍ وبيعٍ، أو بين بيعٍ ونكاح؟ !. فرع - وإن أصدقَها تعليمَ شعرٍ مباحٍ صحَّ؛ قال المزني: وذلك مثلُ قولِ الشاعر: وتقوى اللهِ أفضلُ ما استفادا يقولُ العبدُ فائدتي ومالي وإن أصدقَها تعليمَ شعرٍ فيه هَجْوٌ أو فُحْشٌ كان كما لو أصدَقَها خمراً أو خِنزيراً. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَِىَ حِجَجْ﴾ جرى ذِكْرُ الخدمة مطلقاً، وقال مالك: إنه جائزٌ، ويُحمّلُ على العُرف، فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة، وهو ظاهر قصة موسى، فإنه ذكر إجارةً مُطلقة. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز حتى يُسمَّى؛ لأنه مجهول(٣). وقد ترجم البخاريُّ. ((باب مَن استأجر أجيراً فبيَّنَ له الأجلَ ولم يُبيِّنْ له العمل))؛ لقوله تعالى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَمْ﴾ (٤). قال المُهلَّب: ليس كما ترجح؛ لأنَّ العملَ عندهم كان معلوماً من سقىٍ وحرثٍ ورعيٍ وما شاكل أعمالَ البادية في مهنة أهلها، فهذا مُتعارَفٌ وإن لم يُبيِّنْ له أشخاصَ الأعمال (١) أحكام القرآن. ١٤٦٦/٣ - ١٤٦٧. (٢) في أحكام القرآن ١٤٦٤/٣، وما قبله منه. (٣) المصدر السابق ١٤٦٠/٣ . (٤) صحيح البخاري قبل الحديث (٢٢٦٧). ٢٦٦ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ ولا مقاديرَها؛ مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السَّنة، وترعى كذا من السَّنة، فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدَّةُ مجهولة، والعملُ مجهولٌ غيرُ معهود لا يجوز حتى يُعلَّمَ. قال ابن العربي(١): وقد ذكر أهل التفسير أنه عيَّنَ له رعية الغنم، ولم يُرْوَ [ذلك] من طريقٍ صحيحةٍ، ولكن قالوا: إنَّ صالح مدين لم يكن له عملٌ إلا رعية الغنم، فكان ما عُلِمَ من حاله قائماً مقامَ التعيين للخدمة فيه. الرابعة عشرة: أجمعَ العلماءُ على أنه جائزٌ أن يستأجر الراعي شهوراً معلومة، بأجرةٍ معلومة، لرعايةٍ غنم معدودة؛ فإن كانت معدودةً معينةً، ففيها تفصيلٌ لعلمائنا؛ قال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي روايةٌ ضعيفةٌ جداً؛ وقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد رآها ولم يشترط خلفاً، وإن كانت مُطلقةً غيرَ مُسمَّاةٍ ولا مُعينةٍ جازت عند علمائنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز؛ الجهالتها، وعوَّل علماؤنا على العُرفِ حسبما ذكرناه آنفاً، وأنه يُعطَى بقَدْرِ ما تَحتَمِلُ قُوَّتُه. وزاد بعض علمائنا أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجرُ قَدْرَ قُوَّتِهِ، وهو صحيحٌ؛ فإنَّ صالح مدين عَلِمَ قَدْرَ قوَّةٍ موسى برفع الحجر(٢). الخامسة عشرة: قال مالك: وليس على الراعي ضمانٌ، وهو مُصدَّقٌ فيما هَلَكَ أو سُرِقَ؛ لأنه أمينٌ كالوكيل. وقد ترجم البخاري: ((باب إذا أبصر الراعي أو الوكيلُ شاةً تموت أو شيئاً يفسد فأصلح ما يخاف الفساد)) وساقَ حديثَ كعب بن مالك عن أبيه أنه كانت له(٣) غنمٌ ترعى بِسَلْع (٤)، فأبصرَتْ جاريةٌ لنا بشاةٍ من غنمنا موتاً، فكسرَتْ حجراً فذبحَتْها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسألَ النبيَّ - أو أُرسِلَ إلى (١) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٦٠، وما بين حاصرتين منه. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٦٠ - ١٤٦١ . (٣) في (م): لهم. والمثبت من باقي النسخ، ومن صحيح البخاري. (٤) وهو جبل أو موضع في المدينة. معجم البلدان ٢٣٦/٣. ٢٦٧ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ النبيِّ # مَنْ يسألُه ــ وأنه سألَ النبيَّ ﴾ - أو أرسلَ إليه - فأمرَه بأكلها. قال عبيد الله(١): فيُعجبني أنها أمَةٌ وأنها ذبحت(٢). قال المُهلَّب: فيه من الفقه تصديقُ الراعي والوكيل فيما ائتُمنا عليه حتى يظهر عليهما دليلُ الخيانة والكذب. وهذا قول مالك وجماعة. وقال ابن القاسم: إذا خافَ الموتَ على شاةٍ فذبحها لم يضمَنْ، ويُصدَّقُ إذا جاء بها مذبوحة. وقال غيره: يضمَنُ حتى يُبيِّنَ ما قال. السادسة عشرة: واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى الراعي على إناث الماشية بغير إذن أربابها فهلكت، فقال ابن القاسم: لا ضمانَ عليه؛ لأنَّ الإنزاءَ من إصلاح المال ونمائه. وقال أشهب: عليه الضمان. وقولُ ابن القاسم أشبَهُ بدليلٍ حديث كعب، وأنه لا ضمانَ عليه فيما تلِفَ عليه باجتهاده، إن كان من أهل الصلاح، وممن يُعلَمُ إشفاقه على المال، وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأرادَ صاحبُ المال أن يُضمِّنَه فعل؛ لأنه لا يُصدَّقُ أنه رأى بالشاة موتاً؛ لِما عُرِفَ من فسقه. السابعة عشرة: لم يُنقَلْ ما کانت أجرةُ موسی علیه السلام، ولکن روی یحیی بن سلَّام أنَّ صالح مدين جعل لموسى كلَّ سخلةٍ توضَعُ خلافَ لونِ أمِّها، فأوحى الله إلى موسى أن ألْقِ عصاكَ بينهنَّ يَلِذْنَ خلافَ شبههنَّ كُلُّهنَّ(٣). وقال غير يحيى: بل جعل له كل بلقاءَ تولد له، فولَدْنَ له كلَّهُنَّ بُلْقاً(٤). وذكر القُشيري أنَّ شعيباً لمَّا استأجرَ موسى قال له: ادخُلْ بيتَ كذا، وخُذْ عصًا من العِصيِّ التي في البيت، فأخرجَ موسى عصّا، وكان أخرجها آدمُ من الجنة، وتوارثَها الأنبياءُ حتى صارت إلى شعيب، فأمره شعيبٌ أن يُلقِيَها في البيت ويأخُذَ عصًا أخرى، فدخل وأخرجَ تلك العصا؛ وكذلك سبعَ مراتٍ كلُّ ذلك لا تقع بيده غير تلك، فعلم شعيبٌ أنَّ له شأناً، فلمَّا أصبحَ قال (١) في (د) و(ز) و(م): عبد الله. والمثبت من (ز) وصحيح البخاري. (٢) صحيح البخاري (٢٣٠٤). (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٦١ . (٤) النكت والعيون ٢٤٩/٤ . ٢٦٨ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ له: سُقِ الأغنامَ إلى مفرق الطريق، فخُذْ عن يمينك وليس بها عشبٌ كثير، ولا تأخُذْ عن يسارك فإنَّ بها عشباً كثيراً وتِنِيناً كبيراً لا يقبل المواشي، فساق المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذتْ نحو اليسار ولم يقدِرْ على ضبطها، فنام موسى وخرج التِّنِّين، فقامت العصا وصارت شعبتاها حديداً، وحاربت الثِّنِّينَ حتى قتلَتْه، وعادت إلى موسى عليه السلام، فلمَّا انتبه موسى رأى العصا مخضوبةً بالدم، والتِّنِّين مقتولاً، فعاد إلى شعيب عشاءً، وكان شعيبٌ ضريراً، فمسَّ الأغنام، فإذا أثَرُ الخِصب بادٍ عليها، فسأله عن القصة فأخبره بها، ففرح شعيبٌ وقال: كلُّ ما تَلِدُ هذه المواشي هذه السَّنة قالِبُ لونٍ - أي: ذاتُ لونين - فهو لك، فجاءت جميعُ السِّخال تلكَ السَّنةِ ذاتَ لونين، فعَلِمَ شعيبٌ أنَّ لموسى عند الله مكانة. وروى عُيَيْنةُ بن حِصن أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((أجَّرَ موسى نفسَه بِشَبَعِ بطنهِ وعِقَّةِ فرجه)) فقال له شعیبٌ: لكَ منھا ۔ یعني من نتاج غنمه - ما جاءت به قالِبُ لونٍ لیس فيها عَزُوزٌ ولا فَشُوشٌ ولا كَمُوشٌ ولا ضَبُوبٌ ولا ثَعُولٌ(١). قال الهروي: العزوز: البكيئة؛ مأخوذٌ من العَزَاز: وهي الأرض الصلبة، وقد تعزَّزت الشاة. والفَشُوشُ: التي يَنْفَشُ لبنُها من غير حلبٍ، وذلك لِسَعة الإحليل، ومثله الفَتُوحِ والقَّرُورُ. ومن أمثالهم: (لَّأَفُشَّنَّكَ فَشَّ الْوَظْبِ) أي: لأخُرِجَنَّ غضبَكَ وكِبْرَكَ من رأسك. ويُقال: فَشَّ السِّقاءَ إذا أخرجَ منه الريح. ومنه الحديث: ((إنَّ الشيطانَ يَفُشُّ بين ألْيَتِيْ أحدِكم حتى يُخَيَّلَ إليه أنه أحدث))(٢) أي: ينفخُ نفخاً ضعيفاً. والكَمُوشُ: الصغيرة الضرع، وهي الكميشةُ أيضاً؛ سُمِّيت بذلك لانكماش ضرعها وهو تقلصه؛ ومنه يُقال: رجلٌ كميشُ الإزار. والكَشُودُ مثل الكموش. والضَّبُوبُ: الضيّقةُ ثقب الإحليل. والضَّبُّ: الحَلْبُ بشِدَّة العصر. والثَّعُولُ: الشاة التي لها زيادةُ حُلمةٍ وهي الثَّعل. والثَّعلُ: زيادةُ السِّنِّ، وتلك الزيادة هي الرَّاؤُول(٣). ورجل أثعل. والضَّبوب: ضيقةُ مخرج (١) أخرجه الخطابي في غريب الحديث ٨١/١، وابن العربي في أحكام القرآن ١٤٦٣/٣. (٢) أخرجه الخطابي في غريب الحديث ٤٢٣/٢ من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) في النسخ: الثعل. والتصويب من تهذيب اللغة ٣٢٩/٢ . ٢٦٩ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ اللبن(١). قال الهروي: وتفسيرُ قالِبُ لون في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها. الثامنة عشرة: الإجارةُ بالعِوَضِ المجهول لا تجوز؛ فإنَّ ولادةَ الغنم غيرُ معلومة، إنَّ من البلاد الخصبة ما يعلم ولادَ الغنم فيها قطعاً وعدَّتَها وسلامةَ سِخالها كديار مصر وغيرها، بَيْدَ أنَّ ذلك لا يجوز في شرعنا؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ # نهى عن الغَرَر(٢)، ونهى عن المضامين والملاقيح. والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح: ما في أصلاب الفحول، وعلى خلاف ذلك قال الشاعر: مَلْقُوحَةً في بطنٍ نابٍ حامِلٍ وقد مضى في سورة ((الحجر)) بيانه(٣). على أنَّ راشد بن معمر أجاز الإجارةَ على الغنم بالثلث والربع. وقال ابن سيرين وعطاء: ينسج الثوبَ بنصیب منه. وبه قال أحمد.(٤) التاسعة عشرة: الكفاءة في النكاح معتبرة، واختلف العلماء هل في الدَّين والمال والحسب، أو في بعض ذلك. والصحيح جوازُ نكاح المَوالي للعربيات والقرشيات؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَئِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريباً طريداً خائفاً وحيداً جائعاً عُرياناً، فأنكحه ابنتَه لمَّا تحقق [من دينه] ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك(٥). وقد تقدَّمت هذه المسألة مستوعبةً والحمد لله. الموفية عشرين: قال بعضهم: هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذِكْراً لِصَداق (١) في النسخ: والثعل مخرج اللبن. والتصويب من اللسان (فعل). (٢) سلف ٤/ ٤٤٦. (٣) ١٩٨/١٢ - ١٩٩، والرجز ينسب إلى مالك بن الريب، وتتمته: وعدةِ العامِ وعامٍ قابلٍ. (٤) هذه المسألة في أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٦٢ - ١٤٦٣. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٦٦، وما بين حاصرتين منه. ٢٧٠ سورة القصص: الآيات ٢٧ - ٢٨ المرأة، وإنما كان اشتراطاً لنفسه على ما يفعله الأعراب؛ فإنها تشترط صَداق بناتِها، وتقول: لي كذا في خاصَّةٍ نفسي. وتردُ المهرِ مفوَّضاً، ونكاحُ التفويض جائز. قال ابن العربي: هذا الذي تفعله الأعراب هو حُلوانٌ وزيادةٌ على المهر، وهو حرامٌ لا يليق بالأنبياء، فأمَّا إذا اشترط الوليُّ شيئاً لنفسه، فقد اختلف العلماء فيما يُخرِجُه الزَّوجُ من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما - أنه جائز. والآخر - لا يجوز. والذي يصِحُ عندي التقسيم؛ فإنَّ المرأة لا تخلو أن تكون بكراً أو ثيباً، فإن كانت ثيباً جاز؛ لأنَّ نكاحَها بيدِها، وإنما يكون للوليِّ مباشرة العقد، ولا يمتنع أخذُ العِوَضِ عليه كما يأخذه الوكيل على عقد البيع. وإن كانت بكراً كان العقدُ بيده، وكأنَّه ◌ِوَضٌ في النكاح لغير الزوج، وذلك باطل؛ فإن وقعَ فُسِخَ قبل البناء، وثبتَ بعده على مشهور الرواية. والحمد لله(١). الحادية والعشرون: لمَّا ذكرَ الشرطَ وأعقبَه بالطّوع في العشر خرج كلُّ واحدٍ منهما على حكمه، ولم يلحقِ الآخرُ بالأوّل، ولا اشترك الفرضُ والطّوع؛ ولذلك يُكتب في العقود الشروطُ المتَّفقُ عليها، ثم يقال: وتطوّع بكذا، فيجري الشرطُ على سبيله، والطّوعُ على حُكمه، وانفصل الواجبُ من التطوُّع(٢). وقيل: ومِنْ لفظِ شعيبٍ حَسُنَ في لفظ العقود في النكاح: أنكِجْه إيَّاها أولى من أنكِخها إيّاه ـ على ما يأتي بيانُه في ((الأحزاب))(٣) - وجعل شعيبٌ الثمانيةَ الأعوام شرطاً، ووكَلَ العاشرة إلى المروءة (٤). الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَبَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَّ﴾ لمَّا فرغَ كِلامُ شعيب قرَّره موسى عليه السلام وكرَّر معناه على جهة (١) المصدر السابق ٣/ ١٤٦١ - ١٤٦٢. (٢) المصدر السابق ١٤٦٧/٣. (٣) عند تفسير الآية (٤٩). (٤) المحرر الوجيز ٤ / ٢٨٥ . ٢٧١ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ التوثُّقِ في أنَّ الشرطَ إنما وقع في ثمان حِجج (١). و((أيَّمَا)) استفهامٌ منصوبٌ بـ((قَضَيْتُ)) و(الْأَجَلَيْنِ)) مخفوضٌ بإضافة((أي)) إليهما و((ما)) صلةٌ للتأكيد، وفيه معنى الشرط، وجوابه ((فَلَا عُدْوَانَ)) وأنَّ ((عدوانَ)) منصوبٌ بـ ((لا)). وقال ابن كَيْسان: ((ما)) في موضع خَفْضٍ بإضافة ((أيِّ)) إليها، وهي نكرة، و((الْأَجَلَيْنٍ)) بدلٌ منها. وكذلك في قوله: ﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي: رحمةٍ بدلٌ من ما؛ قال مكي: وكان يتلطّفُ في ألَّا يجعلَ شيئاً زائداً في القرآن، ويُخرِجَ له وجهاً يُخرِجُه من الزيادة (٢). وقرأ الحسن: ((أَيْمَا)) بسكون الياء. وقرأ ابن مسعود: ((أَيَّ الْأَجَلَيْنِ مَا قَضَيْتُ)). وقرأ الجمهور: ((عُدْوَان)) بضم العين. وأبو حَيْوة بكسرها، والمعنى: لا تَبِعةَ عليَّ ولا طلبَ في الزيادة عليه(٣). والعدوانُ: التجاوزُ في غير الواجب. والحجج السِّنون. قال الشاعر : لمنِ الديارُ بِقُنَّةِ الحَجرِ أقْوَيْنَ من حِجَجِ ومِنْ دَهْرٍ (٤) الواحدة حِجَّة بكسر الحاء. ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قيل: هو من قول موسى. وقيل: هو من قول والد المرأة. فاكتفى الصالحان صلوات الله عليهما في الإشهاد عليهما بالله ولم يُشْهِدا أحداً (١) المصدر السابق. (٢) مشكل إعراب القرآن ٥٤٣/٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٥/٤. وقراءة الحسن في المحتسب ١٥٢/٢، وذكرها في الشاذة ص١١٢ عن العباس بن الفضل عن أبي عمرو. وقراءة ابن مسعود وأبي حيوة في الشاذة ص ١١٢ . لكنه نسب الثانية إلى ابن قطيب. (٤) قائله زهير، وهو في ديوانه ص٨٦، وسلف ٣٨٠/١٠. ٢٧٢ سورة القصص: الآيات ٢٨ - ٢٩ من الخلق، وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح؛ وهي: الثالثة والعشرون: على قولين: أحدهما أنه لا ينعقد إلا بشاهدين. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: إنه ينعقد دون شهود؛ لأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرقُ ما بين النكاح والسفاح الذُّفُّ(١). وقد مضت هذه المسألة في ((البقرة))(٢) مستوفاةً. وفي البخاري عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً من بني إسرائيل سألَ بعضَ بني إسرائيل أن يُسْلِفَه ألف دينار فقال: ايتِني بالشهداء أُشهِدُهم. فقال: كفى بالله شهيداً. فقال: ايتني بكفيل. فقال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت. فدفعها إليه ... وذكر الحديث(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى اُلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَ مِن جَانِبِ الْفُورِ نَارًّا قَالَ لِأَهْلِ أَمْكُثُوَاْ إِنِّ ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلَّيّ ◌َاتِكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ٢٩٦ ◌َعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَنَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قال سعيد بن جُبير: سألني رجلٌ من النصارى: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدُمَ على خَبْرِ العرب فأسألَه - يعني ابن عباس - فقدمتُ عليه فسألتُه، فقال: قضى أكملَهما وأوفاهما. فأعلمتُ النصرانيَّ، فقال: صدقَ واللهِ هذا العالم. ورُويَ عن ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ ﴾ سأل في ذلك جبريل، فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبري عن مجاهد أنه (١) هذه المسألة وما قبلها في أحكام القرآن لابن العربي ١٤٦٨/٣. وقوله: ((وفرق ما بين النكاح والسفاح الدف» ورد معناه في حديث مرفوع عن محمد بن حاطب بلفظ: ((فصلٌ بين الحلال والحرام الدُّفُّ والصوت في النكاح))، وهو في مسند أحمد (١٥٤٥١). (٢) ٤٦٥/٣ . (٣) صحيح البخاري (٢٠٦٣)، وهو في مسند أحمد (٨٥٨٧). ٢٧٣ سورة القصص: الآية ٢٩ قضى عشراً وعشراً بعدها. قال(١) ابن عطية(٢): وهذا ضعيف. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ=﴾ قيل: فيه دليلٌ على أنَّ الرجل يذهبُ بأهله حيث شاء؛ لما لَهُ من فضل القوامية وزيادة الدرجة إلَّا أن يلتزم لها أمراً، فالمؤمنون عند شروطهم، وأحقُّ الشروط أن يوفى به ما استحللْتُم به الفروج(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَسَ مِن جَانِبِ الْتُورِ نَارًا﴾ الآية. تقدَّم القولُ في ذلك في (طه))(٤). والجِذوة بكسر الجيم قراءةُ العامَّة، وضمَّها حمزة ويحيى، وفتحها عاصم والسُّلَمي وزِرُّ بن حُبيش(٥). قال الجوهري (٦): الجِذْوة والْجُذْوَة وَالْجَذْوَةُ: الجمرة الملتهبة، والجمع جِذاً وجُذاً وجَذاً. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: قطعة من الجمر؛ قال: وهي بِلُغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة(٧): والحِذْوة مثل الجِذْمة: وهي القطعة الغليظة من الخشب كان في طرفها نارٌ أو لم يكن. قال ابن مُقِیل: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الْجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرٍ (٨) وقال : (١) قبلها في (م) عبارة: رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. (٢) في المحرر الوجيز ٢٨٦/٤، والمسألة منه، وقول ابن عباس وأثر مجاهد في تفسير الطبري ٢٣٥/١٨ - ٢٣٧ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٦٩/٣ - ١٤٧٠. (٤) ١٤ / ١٨ . (٥) قراءة العامة وحمزة وعاصم في السبعة ص٤٩٣، والتيسير ص١٧١ . (٦) في الصحاح (جذى). (٧) في مجاز القرآن ٢/ ١٠٢ - ١٠٣. (٨) ديوان تميم بن مقبل ص٩١ . قال شارحه: الحواطب: النساء اللواتي يجمعن الحطب. والجزل: الحطب الغليظ القوي. والجذا: أصول الشجر العظام التي بلي أعلاها وبقي أسفلها، واحدتها جَذاة. والخوَّار: الحطب الضعيف السريع الاستيقاد. والدَّعِر: الحطب البالي النخر الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخِنَ كثيراً. ٢٧٤ سورة القصص: الآيتان ٢٩ - ٣٠ وأَلْقى على قَيْسٍ منَ النَّار جِذْوَةً شديداً عليها حَمْيُها ولهيبُها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطِ اَلْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِ اٌلْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىَ إِنَّ أَنَا اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ هَّ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنَتِهَا﴾ يعني: الشجرة قدَّم ضميرَها عليها. ﴿نُودِىَ مِن شَطٍ اُلْوَادِ﴾ (مِن)) الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي: أتاه النداءُ من شاطئ الوادي من قِبَلٍ الشجرة. و((مِنَ الشَّجَرةِ) بدلٌ من قوله: ((مِنْ شَاطِئٍ الْوَادِ)) بدل الاشتمال؛ لأنَّ الشجرةَ كانت نابتةً على الشاطئ(١)، وشاطئُ الوادي وشَظُه: جانبُه، والجمع شُطّان وشواطئ. ذكره القشيري. وقال الجوهري(٢): ويُقال: شاطئ الأودية ولا يُجمع. وشاطأتُ الرجلَ إذا مشيتُ على شاطئٍ ومشى هو على شاطئٍ آخر . ﴿ اٌلْأَيْمَنِ﴾ أي: عن يمين موسى(٣). وقيل: عن يمين الجبل(٤). ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ وقرأ الأشهب العُقيلي: ((في الْبَقْعَةِ)) بفتح الباء(٥). وقولهم: بِقاع يدلُّ على بَقْعة، كما يقال: جَفْنة وجِفَان. ومن قال: بُقْعة قال: بُقَع، مثل غُرْفة وغُرَف(٦). ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي: من ناحية الشجرة. قيل: كانت شجرة العلّيق: وقيل: سَمُرة(٧). وقيل: عَوْسَج. ومنها كانت عصا. ذكره الزمخشري(٨). وقيل: مُنَّاب(٩)، والعَوْسج إذا عظُمَ يقال له: (١) الكشاف ٣/ ١٧٥ . (٢) في الصحاح (شطاً). (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٤، وزاد المسير ٢١٨/٦ . (٤) ذكر أبو الليث في تفسيره ٣٢٦/٢ بأنه لم يكن للجبل يمين ولا شمال. (٥) الشاذة ص ١١٢ عن الأشهب ومسلمة. (٦) إعراب القرآن ٢٣٦/٣ . (٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٤. والقول الأول أخرجه الطبري ٢٤٣/١٨ عن وهب بن منبه، والثاني أخرجه عن ابن مسعود ﴾ (٨) في الكشاف ١٧٤/٣ عن الكلبي. (٩) تفسير البغوي ٤٤٤/٣، وزاد المسير ٢١٨/٦ عن ابن عباس ـ ٢٧٥ سورة القصص: الآية ٣٠ الغَرْقَد(١). وفي الحديث: ((إنَّه من شجر اليهود، فإذا نزل عيسى وقتل اليهود الذين مع الدَّجَّال فلا يختفي أحدٌ منهم خلْفَ شجرةٍ إلَّا نطقَتْ وقالت: يا مسلم، هذا يهوديُّ ورائي تعالَ فاقتُلْه، إلَّ الغَرْقَد فإنَّه من شجر اليهود فلا ينطِقْ)). خرَّجه مسلم(٢). قال المهدوي: وكلَّمَ اللهُ تعالى موسى عليه السلام من فوقِ عرشِه، وأسمَعَه كلامَه من الشجرة على ما شاء. ولا يجوز أن يُوصَفَ الله تعالى بالانتقال والزوال وشبهِ ذلِكَ من صفات المخلوقين. (٣) قال أبو المعالي: وأهلُ المعاني وأهلُ الحقِّ يقولون: مَنْ كلَّمه اللهُ تعالى وخصَّه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيُدرِكُ كلامَه القديمَ المتقدِّسَ عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أنَّ مَنْ خصَّه اللهُ بمنازل الكرامات وأكملَ عليه نعمته، ورزقه رؤيته یری الله سبحانه وتعالى منزَّهاً عن مماثلةِ الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مِثْلَ له سبحانه في ذاته وصفاته، وأجمعَتِ الأمةُ على أنَّ الربَّ تعالى خصَّصَ موسى عليه السلام وغيرَه من المصطَفَين من الملائكة بكلامه. قال الأستاذ أبو إسحاق: اتَّفق أهلُ الحقِّ على أنَّ الله تعالى خلقَ في موسى عليه السلام معنًى من المعاني أدركَ به كلامَه كان اختصاصُه في سماعه، وأنه قادرٌ على مثله في جميع خلقه. واختلفوا في نبيِّنا عليه الصلاة والسلام هل سمع ليلةَ الإسراء كلامَ الله، وهل سمعَ جبريلُ كلامَه على قولين؛ وطريق أحدهما النقل المقطوع به وذلك مفقود، واتَّفقوا على أن سماعَ الخلق له عند قراءةٍ القرآن على معنى أنهم سمعوا العبارةَ التي عرفوا بها معناه دون سماعِه له في عينه. وقال عبد الله بن سعد بن كلاب: إنَّ موسى عليه السلام فهِمَ كلامَ الله القدیم من أصواتٍ مخلوقةٍ أثبتَها اللهُ تعالى في بعض الأجسام. قال أبو المعالي: وهذا مردود، بل يجب اختصاصُ موسى عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقاً للعادة، ولو لم (١) إكمال المعلم ٤٦٣/٨ . (٢) في صحيحه (٢٩٢٢) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أحمد (٩٣٩٨) بتمامه، والبخاري (٢٩٢٦) دون قوله: إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود فلا ينطق. (٣) يوصف الله بالإتيان والنزول والقرب ونحو ذلك مما ورد في النصوص الصحيحة بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل. ٢٧٦ سورة القصص: الآيتان ٣٠ - ٣١ يُقَلْ ذلك لم يكن لموسى عليه السلام اختصاصٌ بتكليم اللهِ إِيَّاه. والربُّ تعالى أسمعَه كلامَه العزيز، وخلق له علماً ضرورياً، حتى علِمَ أنَّ ما سمِعَه كلامُ الله، وأنَّ الذي كلَّمه وناداه هو الله ربُّ العالمين. وقد ورد في الأقاصيص أنَّ موسى عليه السلام قال: سمعتُ كلامَ ربي بجميع جوارحي، ولم أسمَعْه من جهةٍ واحدةٍ من جهاتي. وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(١) مستوفى. ﴿أَنْ يَمُوسَى﴾ ((أَنْ)) في موضع نصبٍ بحذفٍ الجرِّ، أي بـ ((أَنْ يا مُوسى))(٢). ﴿إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ نفيٌ لربوبية غيرِه سبحانه. وصار بهذا الكلام من أصفياء الله عزَّ وجلَّ لا من رسله؛ لأنَّه لا يصير رسولاً إلا بعد أمره بالرسالة، والأمرُ بها إنما كان بعد هذا الكلام. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَرُ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفَّ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ﴾ عطفٌ على ((أَنْ يا مُوسى)) وتقدَّم الكلامُ في هذا في ((النمل))(٣) و(طه)) (٤). و﴿مُدِّرًا﴾ نصبٌ على الحال، وكذلك موضع قوله: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبَّ﴾ نصبٌ على الحال أيضاً(٥). ﴿يَمُوسَّ أَقِلْ وَلَا تَخَفّْ﴾ قال وهب: قيل له: ارجِعْ إلى حيث كنت. فرجعَ فَلَفَّ دُرَّاعتَه(٦) على يده، فقال له المَلِك: أرأيتَ إن أرادَ اللهُ أن يُصيبكَ بما تُحاذِرُ أينفعُكَ لَفُّكَ يدَك؟ قال: لا، ولكنِّي ضعيفٌ خُلِقْتُ من ضعف. وكشف يدَه فأدخلَها في فم الحية فعادت عصا . ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ﴾ أي: مما تُحاذر(٧). (١) ٢ / ١١٤ . (٢) إعراب القرآن ٢٣٧/٣. (٣) ١٦/ ١٠٧ . (٤) ١٤ / ٤٨ . (٥) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٤٤ . (٦) الدُّرَّاعة: ضربٌ من الثياب التي تلبس. وقيل: جبة مشقوقة المقدم. اللسان (درع). (٧) إعراب القرآن ٣/ ٢٣٧. ٢٧٧ سورة القصص: الآيات ٣٢ - ٣٥ قوله تعالى: ﴿أَسْلُكَ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَئِكَ بُرْهَئِنَانِ مِن رَّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِفِينَ (٣) قَالَ رَبِّ إِنِ قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًاً يُصَدِّقُتِىِّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَأْ بِشَايَقِنَّأُ أَنْتُمَا وَمَّنِ أَتَبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) قوله تعالى: ﴿أَسْلُكْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ﴾ الآية؛ تقدَّم القول فيه (١). ﴿وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاَكَ مِنَ الرَّبِ﴾ ((من)) متعلقة بـ ((وَلَّى)) أي: ولَّى مدبراً من الرَّهب(٢). وقرأ حفص والسُّلَميُّ وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق: ((مِنَ الرَّهْبِ)) بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن عامر والكوفيون إلا حفص بضمِّ الراء وجزم الهاء. الباقون بفتح الراء والهاء. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَاً﴾(٣) [الأنبياء: ٩٠] وكلُّها لغاتٌ، وهو بمعنى الخوف. والمعنى: إذا هَالَكَ أمرُ يَدِكَ وشُعاعُها فأدخِلْها في جيبك واردُدْها إليه تَعُدْ كما كانت. وقيل: أمرَه اللهُ أن يضُمَّ يدَه إلى صدره فيذهب عنه خوفُ الحيَّة. عن مجاهد وغيره، ورواه الضخَّاك عن ابن عباس؛ قال: فقال ابن عباس: ليس من أحدٍ يدخلُه رعبٌ بعد موسى عليه السلام ثم يُدخِلُ يدَه فيضعُها على صدره إلَّا ذهبَ عنه الرعب(٤). ويُحكى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أنَّ كاتباً كان يكتبُ بين يديه، فانفلتَتْ منه فلتةُ ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمِه الأرض. فقال له عمر: خُذْ قَلمَكَ واضمُمْ إليك جناحَك، وليفْرَغْ(٥) رُوعُكَ فإني ما (١) ١٤ / ٤٩ - ٠ ٥ . (٢) مشكل إعراب القرآن ٥٤٣/٢ . (٣) قراءة حفص وابن عامر والكوفيين حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه في السبعة ص ٤٩٣ ، والتيسير ص١٧١ . (٤) تفسير البغوي ٤٤٥/٣ . (٥) أي: لينكشف، وأصل الإفراخ الانكشاف. الصحاح (فرخ). ٢٧٨ سورة القصص: الآيات ٣٢ - ٣٥ سمعتُها من أحدٍ أكثرَ ممَّا سمعتُها من نفسي(١). وقيل: المعنى: اضمُمْ يدَكَ إِلى صدرِكَ لِيُذْهِبَ اللهُ ما في صدرك من الخوف(٢). وكان موسى يرتعِدُ خوفاً إمَّا من آل فرعون وإمَّا من الثعبان. وضَمُّ الجناح هو السكون، كقوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يريد الرِّفق. وكذلك قوله: ﴿وَلَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] أي: ارفُقْ بهم. وقال الفرَّاء: أرادَ بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرَّهب: الكُمُّ بِلُغةِ حِمْيَرٍ وبني حنيفة. قال مقاتل: سألتني أعرابيةٌ شيئاً وأنا آكل، فملأتُ الكفَّ وأومأتُ إليها فقالت: هاهنا في رهبي. تريد: في كُمِّي. وقال الأصمعي: سمعتُ أعرابياً يقول لآخر: أعطِنِي رَهْبَك. فسألتُه عن الرَّهب فقال: الكُمُّ. فعلى هذا يكون معناه: اضمُمْ إليك يدك وأخرجها من الكُم؛ لأنه تناول العصا ويدُه في كِمِّه(٣). وقوله: ﴿أَسْلُكَ يَدََ فِى جَْهِكَ﴾ يدلُّ على أنها اليد اليمنى؛ لأنَّ الجيبَ على اليسار. ذكره القشيري. قلت: وما فسَّروه من ضمِّ اليدِ إلى الصَّدرِ يدلُّ على أنَّ الجيبَ موضِعُه الصدر. وقد مضى في سورة (النور)) (٤) بيانُه. الزمخشري: ومن بدع التفاسير أنَّ الرَّهبَ الكُمُّ بِلُغةِ حِمْير وأنَّهم يقولون: أعطني ممَّا في رَهْبِكَ، وليتَ شعري كيفَ صِحَّتُه في اللغة! وهل سمع من الأثباتِ الثقاتِ الذين تُرتَضى عربيّتُهم، ثم ليتَ شعري كيفَ موقِعُه في الآية، وكيفَ تطبيقُه المُفضَّلُ كسائر كلمات التنزيل؛ على أنَّ موسى صلوات الله عليه ما كان عليه ليلةَ المناجاة إلا زُرْمَانِقَةٌ (٥) من صوفٍ لا كُمَّينٍ لها (٦). قال القشيري: وقوله: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ يريد اليدين إن قُلْنا: أراد الأمنَ من فزع الثعبان. (١) الكشاف ٣/ ١٧٥ . (٢) زاد المسير ٢٢٠/٦ . (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٥ دون قول مقاتل. وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٠٦/٢. (٤) ٢١٦/١٥ . (٥) أي: جبة من صوف. معجم الألفاظ الفارسية المعربة ص٧٨ . (٦) الكشاف ٣/ ١٧٥ . ٢٧٩ سورة القصص: الآيات ٣٢ - ٣٥ وقيل: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَامَكَ﴾ أي: شَمِّرْ واستَعِدَّ لتحمِلَ أعباءَ الرسالة. قلتُ: فعلى هذا قيل: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآَمِينَ﴾ أي: من المرسلين؛ لقوله تعالى: ﴿إِ لَا يَخَافُ لَدَ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال ابن بحر: فصار على هذا التأويل رسولاً بهذا القول. وقيل: إنما صار رسولاً بقوله: ﴿فَذَئِكَ بُرْهَنَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَِّيْهِ﴾﴾ والبرهانان: اليد والعصا (١). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((فذانِكَ))(٢) بتشديد النون، وخففها الباقون(٣). وروى أبو عمارة عن أبي الفضل عن أبي بكر عن ابن كثير، ((فَذَانِّيكَ)) بالتشديد والياء. وعن أبي عمرٍو أيضاً قال: لغةُ هذيل ((فَذَانِيكَ)) بالتخفيف والياءٍ(٤). ولغةُ قريش ((فَذَانِكَ)) كما قرأ أبو عمرو وابن كثير. وفي تعليله خمسةُ أقوال: قيل: شدَّدَ النونَ عِوَضاً من الألف الساقطة في ذانِكَ الذي هو تثنية ذا المرفوع، وهو رفعٌ بالابتداء، وألفُ ذا محذوفةٌ لدخول ألف التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين؛ لأنَّ أصلَه فذانك، فحذفَ الألف الأولى عوضاً من النون الشديدة. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. مكي: وقيل: إنْ مَنْ شدَّدَ إنَّما بناه على لغةٍ مَنْ قال في الواحد ذلك، فلمَّا بنى أثبتَ اللامَ بعد نون التثنية، ثم أدغم اللامَ في النون على حُكم إدغام الثاني في الأوَّل، والأصلُ أن يُدغِمَ الأوَّلَ أبداً في الثاني، إلّا أن يمنعَ من ذلِكَ علَّةٌ فيُدغِمَ الثاني في الأوَّل، والعِلَّةُ التي منعَتْ في هذا أن يُدغِمَ الأوَّلَ في الثاني أنَّه لو فعلَ ذلك لصار في موضع النون التي تدلُّ على التثنية لامٌ مُشدَّدة، فيتغيَّرُ لفظ التثنية، فأدغم الثاني في الأول لذلك، فصار نوناً مُشدَّدة. وقد قيل: إنه لما ثنى(٥) ذلِكَ أثبتَ (١) تفسير البغوي ٤٤٥/٣ . (٢) قوله: وأبو عمرو: ((فذانِكَ)) من (ظ)، وهو ليس في باقي النسخ. (٣) السبعة ص٤٩٣، والتيسير ص١٧١ . (٤) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٧/٤: وقرأ شبل عن ابن كثير: ((فذانَيك)) بياء بعد النون المخففة، وقرأ ابن مسعود: ((فذانِّيك)» بالياء أيضاً مع شد النون، وهي لغة هذيل. قلنا: والقراءاتان في الشاذة ص١١٣ عن ابن كثير. (٥) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: لما تنافى. ٢٨٠ سورة القصص: الآيات ٣٢ - ٣٥ اللامَ قبلَ النون، ثم أدغمَ الأوَّلَ في الثاني على أصول الإدغام، فصار نوناً مُشدَّدة. وقيل: شُدِّدتْ فرقاً بينها وبين الظاهر التي تُسقِطُ الإضافةُ نونَه؛ لأنَّ ذانٍ لا يُضاف. وقيل: للفرق بين الاسم المتمكّنِ وبينها. وكذلك العِلَّةُ في تشديد النون في ((اللذان)) و («هذان))(١). قال أبو عمرو: إنما اختصَّ أبو عمرو هذا الحرفَ بالتشديد دونَ كلِّ تثنيةٍ من جنسه؛ لقِلَّة حروفِه، فقرأه بالتثقيل. ومن قرأ: ((ذَانِيكَ)) بياءٍ مع تخفيف النون، فالأصل عنده ((فَذَانِّكَ)) بالتشديد، فأبدلَ من النون الثانية ياءً كراهيةَ التضعيف، كما قالوا: لا أملاه في لا أَمَلُّه، فأبدلوا اللامَ الثانية ألِفاً(٢). ومن قرأ بياءٍ بعد النون الشديدة فوجَّهَه أنه أشبع كسرةَ النونِ فتولَّدت عنها الياء. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِزْءًا﴾ يعني: مُعيناً، مُشتقٌّ من أردَأْتُه أي: أعنْتُه(٣). والرِّدْهُ: العون (٤). قال الشاعر: ألم ترَ أنَّ أصْرَمَ كان رِدئي وخيرَ الناسِ في قُلِّ ومالٍ النَّاس(٥): وقد أرداه ورداه أي: أعانه، وترك همزَه تخفيفاً. وبه قرأ نافع(٦)، وهو بمعنى المهموز. قال المهدوي: ويجوز أن يكون تركُ الهمزِ من قولهم: أَردى على المئة، أي: زادَ عليها، وكأنَّ المعنى: أَرْسِلْهُ معي زيادةً في تصديقي. قاله مسلم ابن جُندب. وأنشدَ قول الشاعر: وأسمرَ خَطَّیّاً كانَّ كُعوبَهُ نوى القَسْبِ قد أردى ذراعاً على العَشْرِ كذا أنشد الماورديُّ(٧) هذا البيت: قد أردى. وأنشده الغزنويُّ والجوهريُّ في (١) مشكل إعراب القرآن ٥٤٤/٢ - ٥٤٥ . (٢) الحجة في القراءات ٤٢٠/٥ . (٣) إعراب القرآن ٢٣٨/٣ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٤٤ . (٥) في معاني القرآن له ١٨٠/٥. (٦) السبعة ص٤٩٤، والتيسير ص١٧١ . (٧) في النكت والعيون ٤/ ٢٥٣ .