النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠
قال القُشيريّ: وهذا يوم القيامة، أي: هي لكثرتها كأنَّها جامدة، أي: واقفة في
مرأى العين وإن كانت في أنفُسِها تسير سير السحاب، والسحابُ المتراكمُ يظنُّ أنها
واقفةٌ وهي تسير، أي: تمرُّ مَرَّ السحاب حتى لا يبقى منها شيء، فقال الله تعالى:
﴿وَسُتِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠]. ويُقال: إنَّ الله تعالى وصف الجبال بصفاتٍ
مختلفةٍ ترجع كلّها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات
الاندكاك وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعِهن المنفوش، وذلك إذا صارتِ السماءُ
كالمُهْل، وقد جمع الله بينهما فقال: ﴿يَوْمَ تَكُنُ السَّمَاءُ كَأْهْلِ . وَتَكُونُ لَلِبَالُ كَأَلْعِهْنِ﴾
[المعارج: ٨-٩]. والحالة الثالثة أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطّع بعد أن كانت
كالعهن. والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدِّمة قارَّةٌ في مواضعها
والأرض تحتها غيرُ بارزةٍ فتنسف عنها لتبرز، فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها.
والحالة الخامسة أنَّ الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعاً في الهواء كأنها
غبار، فمن نظر إليها من بُعْدٍ حسِبَها لتكاثفها أجساداً جامدة، وهي بالحقيقة مارَّةٌ إلاَّ
أنَّ مرورَها من وراء الرياح كأنها مُنَدَّةٌ مُتفتّتة. والحالة السادسة أن تكون سراباً، فمن
نظر إلى مواضعها لم يجِدْ فيها شيئاً منها كالسراب. قال مقاتل: تقعُ على الأرض
فتُسوَّى بها. ثم قيل: هذا مَثَلٌ. قال الماوردي(١): وفيما(٢) ضُرِبَ له ثلاثةُ أقوال:
أحدُها أنه مَثَلٌ ضربَه اللهُ تعالى للدنيا، يظنُّ الناظرُ إليها أنها واقفةٌ كالجبال، وهي
آخذةٌ بحظّها من الزوال كالحساب. قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنه مثلٌ ضربَه اللهُ
للإيمان تحسبه ثابتاً في القلب وعملُه صاعدٌ إلى السماء. الثالث: أنه مثلٌ ضربَه اللهُ
للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى العرش.
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: هذا من فِعْلِ الله، و[ما](٣) هو فعل منه فهو
(١) في النكت والعيون ٢٣٠/٤ .
(٢) في (م): وفيهما.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيه الكلام.

٢٢٢
سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠
متقَن(١). و((تَرَى)) من رؤية العين، ولو كانت من رؤية القلب لتعدَّت إلى مفعولين.
والأصلُ تَرْأَى، فأُلقيَتْ حركةُ الهمزة على الراء فتحرَّكتِ الرَّاءُ وحُذفَتِ الهمزة، وهذا
سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن، إلَّا أن التخفيف لازمٌ لِتَرى. وأهل الكوفة
يقرؤون: ((تَحْسَبُها)) بفتح السين وهو القياس؛ لأنَّه من حَسِبَ يَحسَبُ إلَّا أنه قد رُويّ
عن النبيِّ # خلافُها أنه قرأ بالكسر في المستقبل، فتكون على فَعِلَ يفعِلُ مثل نَعِمَ يَنْعِمُ
وبَيْسَ يبيِسُ، وحُكي: يَئِسَ بَيْئِسُ من السالم، لا يُعرَفُ في كلام العرب غيرُ هذه
الأحرف. ((وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)) تقديرُه: مَرّاً مِثْلَ مَرِّ السحاب، فأُقيمتِ الصفةُ مقامَ
الموصوف، والمضافُ مقامَ المضاف إليه؛ فالجبال تُزالُ من أماكنها من على وجه
الأرض، وتُجمع وتُسيَّر كما تُسيَّر السحاب، ثم تُكسَّر فتعود إلى الأرض كما قال:
﴿وَبُنَّتِ الْجِبَالُ بَسًا﴾ [الواقعة: ٥]. ﴿صُنْعَ اَللَّهِ﴾ عند الخليل وسيبويه منصوبٌ على أنه
مصدر؛ لأنَّه لمَّا قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ دلَّ على أنه قد صنعَ ذلكَ
صنعاً. ويجوز النصبُ على الإغراء، أي: انظروا صُنْعَ اللـه(٢) فيوقف على هذا
((السَّحَابِ)) ولا يوقف عليه على التقدير الأوّل. ويجوز رفعُه على تقدير: ذلكَ صنعُ
الله(٣). ﴿الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أحكمه، ومنه قول النبيِّ لِ ﴾: ((رحمَ اللهُ من عمِلَ
عملاً فأتقَنَّه))(٤). وقال قتادة: معناه: أحسن كلَّ شيءٍ(٥). والإتقان: الإحكام؛ يُقال:
رجلُ تِقْنٌّ أي: حاذِقٌ بالأشياء. وقال الأزهري(٦): أصلُه من ابن تِقْن، وهو رجلٌ من
(١) النكت والعيون ٢٣١/٤ بنحوه.
(٢) إعراب القرآن ٢٢٣/٣ - ٢٢٤ دون قوله: فالجبال تزال ... إلى قوله: ((وبسَّتِ الجبال بسّاً)).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٣٠.
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه أبو يعلى (٤٣٨٦) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً بلفظ:
((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٨/٤: فيه مصعب بن
ثابت، وثَّقَه ابن حيان، وضعَّفه جماعة.
(٥) مجمع البيان ٢٠/ ٢٥٧ .
(٦) تحرف في النسخ إلى: الزهري، وكلام الأزهري الآتي في تهذيب اللغة ٩/ ٦٠ - ٦١، وما قبله منه
أيضاً.

٢٢٣
سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠
عاد لم يكُنْ يسقط له سهمٌ فضُرِبَ به المثل؛ يُقال: أَرَمَى من ابن ◌ِقْن، ثم يُقال لكلِّ
حاذقٍ بالأشياء: تِقْنٌ.
﴿إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) بالتاء على الخطاب قراءةُ الجمهور، وقرأ ابن كثير
وأبو عمرو وهشام بالياء(٢).
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَلّءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله
عنهما: الحسنةُ: لا إله إلا الله(٣). وقال أبو معشر: كان إبراهيم يحلِفُ بالله الذي لا
إله إلا هو ولا يستثني أنَّ الحسنةَ لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله (٤). وقال علي بن
الحسين بن علي : غزا رجلٌ، فكان إذا خلا بمكانٍ قال: لا إله إلاَّ الله وحده لا
شريك له، فبينما هو في أرض الروم في أرضٍ جلفاءَ وبَرْدى رفع صوتَه فقال: لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، فخرجَ عليه رجلٌ على فرس عليه ثيابٌ بِیضٌ، فقال له:
والذي نفسي بيده إنها الكلمةُ التي قال الله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَ﴾(٥).
وروى أبو ذَرِّ قال: قلتُ: يا رسول الله أوصني. قال: ((اتَّقِ اللهَ، وإذا عَمِلتَ سيئةً
فأتبِعْها حسنةً تَمْحُها)) قال: قلتُ: يا رسول الله، أمنَ الحسنات لا إله إلا الله؟ قال:
((من أفضل الحسنات)) وفي رواية: قال: ((نعم، هي أحسَنُ الحسنات)) ذكره
البيهقي(٦). وقال قتادة: ﴿مَنْ جَّءَ بِالْمَسَنَّةِ﴾: بالإخلاص والتوحيد(٧). وقيل: أداء
الفرائض كلها (٨).
(١) بعدها في (م) زيادة عبارة: والباقون تفعلون.
(٢) السبعة ص ٤٨٧، والتيسير ص١٦٩ .
(٣) أخرجه الطبري ١٨/ ١٤٠ عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٦٦٤٤) عن ابن مسعود.
(٤) أخرجه الطبري ١٤١/١٨، وذكره البغوي ٣/ ٤٣٢ .
(٥) أخرجه الطبري ١٨/ ١٤١ - ١٤٢.
(٦) في الأسماء والصفات (٢٠٢). وأخرجه أحمد (٢١٤٨٧).
(٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٢، ومجمع البيان ٢٥٧/٢٠ .
(٨) النكت والعيون ٢٣١/٤.

٢٢٤
سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠
قلت: إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها - على ما تقدَّم بيانُه في
سورة إبراهيم(١) - فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال ابن
عباس: أي: وصل إليه الخير منها (٢). وقاله مجاهد. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو
الجنة. وليس ((خير)) للتفضيل(٣). قال عكرمة وابن جُريج: أمَّا أن يكونَ له خيرٌ منها
يعني من الإيمان فلا؛ فإنَّه ليس شيءٌ خيراً ممن قال: لا إله إلا الله، ولكن له منها
خير. وقيل: ﴿فَهُ خَيِرٌ مِنْهَا﴾ للتفضيل، أي: ثواب الله خيرٌ من عملِ العبد وقولِه
وذِكْرِهِ، وكذلك رضوان الله خيرٌ للعبد من فعل العبد. قاله ابن عباس. وقيل: يرجع
هذا إلى الإضعاف، فإنَّ الله تعالى يُعطيه بالواحدة عشراً، وبالإيمان في مدَّة يسيرةٍ
الثوابَ الأبديّ. قاله محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد(٤). ﴿وَهُم مِّنِ فَرَعْ يَوْمَيِدٍ
◌َامِنُونَ﴾ قرأ عاصم والكسائي ((من فزعٍ يومَئذٍ)) بالتنوين وفَتْحِ الميم. نافعٌ بفتح الميم
من غير تنوين. الباقون: ((من(٥) فَزَعِ يَوْمَئِذٍ)) بالإضافة(٦) قال أبو عبيد: وهذا أعجبُ
إليَّ؛ لأنَّه أعَمُّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: ((مِنْ
فَزَعٍ يَوْمَيْذِ)) صار كأنَّه فَزَعٌ دون فَزَعِ دون فَزَعٍ. قال القشيري: وقُرئ: ((مِنْ فَزَع))
بالتنوين، ثم قيل: يعني به فزعاً واحداً، كما قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾
[الأنبياء: ١٠٣]. وقيل: عن الكثرةَ؛ لأنه مصدرٌ، والمصدر صالحٌ للكثرة.
قلت: فَعَلى هذا تكون القراءتان بمعنى. قال المهدوي: ومن قرأ: ((مِنْ فَزَعِ
يَوْمَئِذٍ)) بالتنوين انتصبَ ((يَوْمَئِذٍ)) بالمصدر الذي هو ((فَزَع))(٧). ويجوز أن يكون صفةً
(١) ١٢ / ١٣٢ .
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٢ .
(٣) تفسير أبي الليث ٥٠٦/٢ .
(٤) مجمع البيان ٢٠/ ٢٥٧ بنحوه.
(٥) ما بعد قوله: والكسائي ... إلى هذا الموضع من (ظ)، وهو ليس في بقية النسخ.
(٦) السبعة ص٤٨٧ ، والتيسير ص ١٧٠ .
(٧) وقاله ابن الأنباري في البيان ٢٢٨/٢ .

٢٢٥
سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٣
لفزع ويكون متعلقاً بمحذوف؛ لأنَّ المصادرَ يُخبَرُ عنها بأسماء الزمان وتُوصَفُ بها،
ويجوز أن يتعلَّقَ باسم الفاعل الذي هو ((آمِنُونَ)). والإضافة على الاتساع في الظروف.
ومَنْ حذفَ التنوينَ وفتحَ الميمَ بناه؛ لأنَّه ظرفُ زمان، وليس الإعراب في ظرف
الزمان متمكناً، فلمَّا أُضيفَ إلى غير متمكِّنٍ ولا مُعرَبٍ بنى. وأنشد سيبويه(١):
على حينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهمْ فَنَدلاً زُرَيْقِ المالِ نَدْلَ الثَّعَالِبِ(٢)
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَِّئَةِ﴾ أي: بالشرك. قاله ابن عباس والنَّخعيّ وأبو هريرة
ومجاهد وقيس بن سعد والحسن، وهو إجماعٌ من أهل التأويل في أنَّ الحسنةَ لا إله
إلا الله، وأن السيئةَ الشرك في هذه الآية (٣). ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ قال ابن
عباس: أُلقيت. وقال الضخَّاك: طُرِحت؛ يقال: كبيتُ الإناءَ أي: قلبتُه على وجهه،
واللازمُ منه أكَبَّ، وقلَّما يأتي هذا في كلام العرب . ﴿هَلْ تُجْزَوّنَ﴾ أي: يُقال لهم: هل
تُجزّون. ثم يجوز أن يكون من قول الله، ويجوز أن يكون من قول الملائكة. ﴿إِلَّا مَا
كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إلَّا جزاءَ أعمالِكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ
شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ اٌلْمُسْلِمِينَ ﴿ وَأَنْ أَتْلُوا الْقُرْءَانٌّ فَمَنِ أَهْتَدَى ◌َإِنَّمَا يَدِى
لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِنَ ﴿ وَقُلِ لْحَمَّدُ لِلَّهِ سَيُرِكُتْ ءَِهِ.
١٣
فَتَعْرِفُونَأْ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَّدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا﴾ يعني مكة التي
عظّمَ اللهُ حرمتَها، أي: جعلها حرماً آمناً، لا يُسفَكُ فيها دم، ولا يُظلَمُ فيها أحد،
ولا يُصادُ فيها صيد، ولا يُعضَدُ فيها شجر(٤)، على ما تقدَّم بيانُه في غير موضع. وقرأ
(١) في الكتاب ١١٦/١ .
(٢) من قوله: ويجوز أن يتعلق ... إلى هذا الموضع في إعراب القرآن ٢٢٥/٣ بنحوه. والبيت قائله أعشى
همدان كما في الكامل ٢٣٩/١ . والمراد بالندل السرعة، وزريق اسم قبيلة. اللسان (ندل).
(٣) تفسير الطبري ١٤٠/١٨ - ١٤٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩٣٥/٩.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٣ .

٢٢٦
سورة النمل: الآيات ٩١ - ٩٣
ابن عباس: ((الَّتي حَرَّمَهَا)) نعتاً للبلدة(١). وقراءةُ الجماعة: ((الَّذي)) وهو في موضع
نصبٍ نعتٍ لـ ((رب))، ولو كان بالألفِ واللام لقُلتَ: المحرِّمَها؛ فإنْ كانت نعتاً للبلدة
قُلتَ: المحرِّمِها هو؛ لابُدَّ من إظهار المُضمَرِ مع الألف واللام؛ لأنَّ الفعلَ جرى
على غيرِ مَنْ هو له، فإن قُلتَ: الذي حرَّمها لم تحتَجْ أن تقول: هو (٢). ﴿وَلَهُ كُلُّ
شَىْءٍ﴾ خلقاً ومُلكاً (٣). ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من المنقادين لأمره،
الموحّدین له.
﴿وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَّ﴾ أي: وأُمِرتُ أن أتلوَ القرآن، أي: أقرأه . ﴿فَمَنِ أُهْتَدَى﴾ فله
ثواب هدايته . ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فليس عليَّ إلا البلاغ؛ نسخَتْها آيةُ القتال(٤). قال
النخَّاس (٥). ((وَأَنْ أَتْلُوَ)) نصب بأن. قال الفرَّاء: وفي إحدى القراءتين ((وَأَنِ اثْلُ))(٦)
وزعمَ أنَّه في موضع جزمٍ بالأمر، فلذلك حذفَ منه الواو، قال النخَّاس: ولا نعرفُ
أحداً قرأ هذه القراءة، وهي مخالفةٌ لجميع المصاحف.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على نعمه وعلى ما هدانا. ﴿سَيُرِكُمْ مَلِهِ﴾
أي: في أنفسكم وفي غيركم كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾(٧)
[فصلت: ٥٣]. ﴿فَعْرِفُونَهَا﴾ أي: دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات
وفي الأرض؛ نظيره قوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْتُوقِينَ * وَفِيَّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
[الذاريات: ٢٠-٢١]. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص
(١) المحرر الوجيز ٢٧٤/٤ عن ابن عباس وابن مسعود، وفي الشاذة ص١١١ عن ابن مسعود، وفي زاد
المسير ١٩٨/٦ عن ابن مسعود وأبي عمران الجوني.
(٢) إعراب القرآن ٢٢٥/٣ .
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٣ .
(٤) المصدر السابق.
(٥) في إعراب القرآن ٢٢٥/٣.
(٦) وهي في الشاذة ص١١١ عن ابن مسعود وأُبي
(٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٣ .

٢٢٧
سورة النمل: الآيات ٩١ - ٩٣
عن عاصم بالتاء على الخطاب(١)؛ لقوله: ﴿سَيُرِكُمْ ءَايَتِهِ فَعْرِفُونَهَا﴾ فيكون الكلامُ
على نسقٍ واحد. الباقون بالياء على أن يُرَدَّ إلى ما قبله ﴿فَمَنِ أَهْتَدَى﴾ فأخبر عن تلك
الآية(٢).
كملت السورة والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى
آله وصحبه وسلم.
(١) السبعة ص ٤٨٨، والتيسير ص١٢٦ .
(٢) إعراب القرآن ٢٢٦/٣ .

سورة القصص
مكيةٌ كلُّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس وقتادة: إلّا آيَةً نزلت
بين مكة والمدينة(١). وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت هجرة رسول الله ﴾ إلى
المدينة، وهي قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرََّذُكَ إِلَى مَعٍَّ﴾. وقال
مقاتل: فيها من المدني ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾(٢).
وهي ثمانٌ وثمانون آية(٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِِ الرَّحَمَةِ
قوله تعالى: ﴿طسّمْ ﴾ تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِنَبِ الْمُبِينِ ﴾ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإٍ
مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ
أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ يُدَبِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِى نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ ﴾ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّهُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْمَلَهُمْ أَبِنَّةُ
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَ هُمَا
مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿طِّمْ﴾ تقدَّم الكلام فيه (٤). ﴿يَلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ ((تِلْكَ)) في
موضع رفعٍ بمعنى: هذه تلك، و((آيَاتُ)) بدلٌ منها. ويجوزُ أن تكون ((تلك)»(٥) في
(١) النكت والعيون ٤/ ٢٣٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٧٥/٤ .
(٣) الوسيط ٣٨٩/٣، وتفسير البغوي ٤٣٣/٣.
(٤) في أول سورة الشعراء.
(٥) كلمة ((تلك)) من (ز) و(ظ) وإعراب القرآن.

٢٢٩
سورة القصص: الآيات ١ - ٦
موضع نصبٍ بـ (تَثْلُو)) و(آيَاتُ)) بدلٌ منها أيضاً، وتنصبُها كما تقول: زيداً ضربتُ(١).
و((الْمُبِينِ)) أي: المبينِ بركتَه وخيرَه، المبينِ الحقَّ من الباطل، والحلالَ من الحرام،
وقصصَ الأنبياء، ونبوَّةَ محمدٍ ﴾. ويقال: بانَ الشيءُ وأبانَ: اتَّضح(٢).
﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَلٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ذكرَ قصةَ موسى عليه
السلام وفرعون وقارون، واحتجَّ على مشركي قريش، وبيَّنَ أنَّ قرابةَ قارون من موسى
لم تنفَعْه مع كفره، وكذلك قرابةُ قريشٍ لمحمد، وبيَّنَ أنَّ فرعونَ علا في الأرض
وتجبَّر، فكان ذلك من كفره، فليجتنبِ العلوَّ في الأرض، وكذلك التعزُّزَ بكثرة
المال، وهما من سيرة فرعون وقارون.
﴿َتْلُواْ عَلَيْكَ﴾ أي: يقرأ عليكَ جبريلُ بأمرنا ﴿مِن نَّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: من
خبرِهما(٣)، و((من)) للتبعيض و((مِنْ نَا)) مفعول ((نَتْلُو)) أي: نَتْلو عليك بعضَ خبرهما،
كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾(٤) [المؤمنون: ٢٠]. ومعنى: ((بِالْحَقِّ) أي: بالصدق الذي
لا ريبَ فيه ولا كذب. ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصدِّقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند
الله، فأمَّا مَنْ لم يؤمن فلا يعتقِدُ أنه حقٌّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَونَ عَلَا في آلاَرْضِ﴾ أي: استكبر وتجبَّر. قاله ابن عباس
والسُّدِّي(٥). وقال قتادة: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره وادَّعى الربوبية. وقيل:
بملكه وسلطانه، فصارَ عالياً على مَنْ تحت يده. ﴿فِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مصر.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: فِرَقاً وأصنافاً في الخدمة (٦). قال الأعشى(٧):
(١) إعراب القرآن ٣/ ٢٢٧ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٥٥/٥.
(٣) تفسير أبي الليث ٥٠٨/٢ بنحوه.
(٤) الكشاف ٣/ ١٦٤ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ١٥٦/٥ عن السدي، وكذلك أخرجه الطبري ١٥٠/١٨.
(٦) تفسير البغوي ٤٣٣/٣، وزاد المسير ٢٠١/٦.
(٧) في ديوانه ص١٥٣ .

٢٣٠
سورة القصص: الآيات ١ - ٦
حتى تراه عليها يَبْتغي الشِّيعا
وبلدةٍ يَرْهَبُ الجوَّابُ(١) دُلْجَتها(٢).
﴿يَسْتَضْعِفُ طَيِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من بني إسرائيل(٣). ﴿يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِيْ نِسَآءُ هُمَّ
إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ تقدَّم القولُ في هذا في ((البقرة))(٤) عند قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوّهَ
الْعَذَابِ يَُّتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ﴾ الآية؛ وذلك لأنَّ الكهنةَ قالوا له: إنَّ مولوداً يولّدُ في بني
إسرائيل يذهبُ مُلكُكَ على يديه(٥)، أو قال المنجِّمون له ذلك، أو رأى رؤيا فعُبِّرت
كذلك(٦). قال الزجَّاج: العجَبُ من حُمقِه لم يَدْرِ أنَّ الكاهن إن صدَقَ فالقتلُ لا
ينفع، وإن كذبَ فلا معنى للقتل(٧). وقيل: جعلهم شيعاً فاستسخر كلَّ قومٍ من بين
إسرائيل في شغل مفرد(٨). ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: في الأرض بالعمل
والمعاصي والتجبُّر (٩).
قوله تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نتفضَّل عليهم
ونُنعِم(١٠). وهذه حكايةٌ مضت. ﴿وَنَّمْعَلَهُمْ أَبِمَّةٌ﴾ قال ابن عباس: قادةً في الخير.
مجاهد: دُعاةً إلى الخير. قتادة: وُلاةً وملوكاً، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ
مُلُوً﴾ (١١) [المائدة: ٢٠].
(١) أي: الذي يقطع البلاد سيراً فيها. اللسان (جوب).
(٢) المثبت من الديوان، والدُّلجة: السير آخر الليل. اللسان (دلج). وفي (ظ): وُلجتها. وفي (د) و(ز):
داجتها. وفي (م): دجلتها.
(٣) زاد المسير ٢٠١/٦.
(٤) ٢ / ٨٥ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٣٢.
(٦) النكت والعيون ٢٣٤/٤ عن السدي.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٣٢.
(٨) وقد سلف بيان ذلك ٢/ ٨٥ .
(٩) الوسيط ٣/ ٣٩٠.
(١٠) زاد المسير ٢٠١/٦.
(١١) تفسير البغوي ٣٤٣/٣، والكشاف ١٦٥/٣.

٢٣١
سورة القصص: الآيات ١ - ٦
قلت: وهذا أعَمُّ، فإنَّ الملِكَ إمامٌ يؤتَمُّ به ويُقتدى به. ﴿ وَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِينَ﴾
لِمُلكِ فرعون؛ يرثون مُلكّه، ويسكنون مساكنَ القبط(١). وهذا معنى قوله تعالى:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَ عَى بَنِىَ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
قوله تعالى: ﴿وَثُمَكِّنَ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: نجعلَهم مُقتدرين على الأرض وأهلها
حتى يُستولَى عليها؛ يعني أرض الشام ومصر(٢). ﴿وَثُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا﴾
أي: ونُريدُ أن نُرِيَ فرعون.
وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: ((وَيَرى)) بالياء على أنه فعلٌ
ثلاثيٍّ من رأى ((فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا)) رفعاً؛ لأنه الفاعل. الباقون: (نُرِيَ)) بضَمِّ
النون وكسر الراء على أنه فعلٌ رباعيٍّ من أرى يُرِي، وهي على نسق الكلام؛ لأنَّ قبلَه
((وَنُريدُ)) وبعده ((نُمَكِّنَ)). ((فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا)) نصباً بوقوع الفعل(٣). وأجازَ
الفرَّاءُ ((وَيُرِيَ فِرْعَوْن)) بضَمِّ الياء وكسر الراء وفتح الياء، بمعنى: ويُرِيّ اللهُ فرعونَ(٤)
﴿مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ وذلك أنهم أُخبِروا أنَّ هلاكَهم على يَدَي رجلٍ من بني
إسرائيل، فكانوا على وَجَلٍ ((مِنْهُمْ)) فأراهم الله ((ما كانُوا يَحْذَرونَ))(٥). قال قتادة: كان
حَازياً لفرعون - والحازي: المُنجِّم - قال: إنه سيولَدُ في هذه السنة مولودٌ يذهب
بملكِكَ؛ فأمر فرعونُ بقتلِ الوِلْدانِ في تلك السنة(٦). وقد تقدَّم(٧).
(١) الوسيط ٣٩٠/٣، وتفسير البغوي ٣٤٣/٣ بنحوه.
(٢) الكشاف ٣/ ١٦٥ بنحوه.
(٣) تفسير البغوي ٤٣٤/٣ بنحوه. وينظر السبعة ص ٤٩٢، والتيسير ص١٧٠، والنشر ٣٤١/٢.
(٤) إعراب القرآن ٢٢٨/٣. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٣٠٢، إلا أنه قال: ولم أسمع أحداً قرأ
به.
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٤، وزاد المسير ٢٠١/٦ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٥٧/٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٦٧٣).
(٧) ٨٨/٢ .

٢٣٢
سورة القصص: الآيات ٧ - ٩
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيَّةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى
اَلْيَّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ فَالْفَقَطَهُ
ءَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا إِنَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ
خَاطِئِينَ ﴿ وَقَالَتِ أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِيِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَآَ
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ﴾ قد تقدَّم معنى الوحي ومحامله.
واختُلِفَ في هذا الوحي إلى أم موسى؛ فقالت فرقة: كان قولاً في منامها. وقال
قتادة: كان إلهاماً. وقالت فرقة: كان بمَلَكِ تَمَثَّلَ لها (١). قال مقاتل: أتاها جبريل
بذلك(٢). فعلى هذا هو وحيُّ إعلامٍ لا إلهام.
وأجمعَ الكلُّ على أنها لم تكن نبيَّة، وإنَّما إرسال المَلَكِ إليها على نحو تكليم
المَلكِ للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور؛ خرَّجه البخاري ومسلم،
وقد ذكرناه في سورة ((براءة))(٣). وغير ذلك ممَّا رُويَ من تكليم الملائكة للناس من
غير نبوّة (٤)، وقد سلَّمتْ على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبيّاً. واسمُها أيارخا.
وقيل: أيارخت فيما ذكر السهيلي(٥). وقال الثعلبي: واسم أم موسى لوخا بنت هاند
ابن لاوى بن يعقوب(٦). ((أَنْ أَرْضِعِيهِ) وقرأ عمر بن عبد العزيز: ((أَنِ ارْضِعِيهِ» بكسر
النون وألف وصل؛ حذفَ همزةَ ((أرضع)) تخفيفاً، ثم كسرَ النونَ لالتقاء الساكنين(٧).
(١) المحرر الوجيز ٢٧٦/٤ .
(٢) زاد المسير ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢ .
(٣) صحيح البخاري (٣٤٦٤)، وصحيح مسلم (١٠١٧)، وقد سلف ٢٧٦/١٠ - ٢٧٧ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٧٦/٤ .
(٥) في التعريف والإعلام ص١٣٠، ووقع في مطبوعه: إيمارخا. وقيل: أياذخت.
(٦) وقع اسمها في تفسير البغوي ٤٣٤/٣: يوخانذ بنت لاوى بن يعقوب.
(٧) المحتسب ١٤٧/٢ إلا أنه ذكر أن حذف الهمزة اعتباطاً لا تخفيفاً. قلنا: وهي قراءة شاذة.

٢٣٣
سورة القصص: الآيات ٦ - ٩
قال مجاهد: وكان الوحيُّ بالرَّضاع قبل الولادة. وقال غيرُه: بعدَها(١). قال السُّدِّي:
لمَّا ولدَتْ أمُّ موسى أمرت أن تُرضِعَه عُقيبَ الولادة وتصنعَ به بما في الآية؛ لأنَّ
الخوفَ كان عُقيبَ الولادة. وقال ابن جُريج: أُمِرَتْ بإرضاعِه أربعة أشهرٍ في بستان،
فإذا خافت أن يصيح - لأنَّ لبنَها لا يكفيه - صنعَتْ به هذا. والأوَّل أظهرُ، إلَّا أنَّ
الآخَرَ بعضِدُه قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ و((إِذَا)) لِما يُستقبَلُ من الزمان (٢)؛ فيُروى أنَّها
اتخذَتْ له تابوتاً من بَرْدِيٍّ وقيَّرته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى وألقته في نيل
مصر (٣). وقد مضى خبره في ((طه) (٤). قال ابن عباس: إنَّ بني إسرائيل لمَّا كثُروا
بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، فسلَّط الله عليهم القِبطَ، وساموهم
سوء العذاب، إلى أن نجَّاهم الله على يد موسى. قال وهب: بلغني أنَّ فرعونَ ذبح في
طلب موسى سبعين ألف وليد. ويقال: تسعون ألفاً. ويُروى أنها حين اقتربت وضَربَها
الطَّلقُ، وكانت بعضُ القوابلِ المُوكلاتِ بحبَالى بني إسرائيل مصافيةً لها، فقالت:
لِينفعني حُبُّكِ اليوم. فعالجَتْها، فلمَّا وقع إلى الأرض هالَها نورٌ بين عينيه، وارتعشَ
كلُّ مَفْصِلٍ منها، ودخل حبُّه قلبَها، ثم قالت: ماجئتُكِ إلَّ لأقتُلَ مولودَكِ وأُخبِرَ
فرعون، ولكني وجدتُ لابنِكِ حُبّاً ما وجدتُ مثلَه قطّ، فاحفظيه. فلمَّا خرجت جاء
عيونُ فرعون فَلقَّتْه في خرقةٍ ووضعته في تُثُّورٍ مسجورٍ ناراً لم تعلمْ ما تصنعُ لمَّا طاشَ
عقلُها، فطلبوا فلم يُلفوا شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعتْ بكاءه من
التُّنُور، وقد جعلَ اللهُ عليه النارَ برداً وسلاماً(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّخَافِ﴾ فيه وجهان: أحدهما - لا تخافي عليه الغرق. قاله ابن
(١) النكت والعيون ٢٣٥/٤ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٧٦/٤ - ٢٧٧ .
(٣) عرائس المجالس ص ١٧٠ عن مقاتل.
(٤) ١٤ / ٥٧ .
(٥) عرائس المجالس ص١٧١ - ١٧٢، وتفسير البغوي ٤٣٤/٣ - ٤٣٥.

٢٣٤
سورة القصص: الآيات ٧ - ٩
زيد. الثاني - لا تخافي عليه الضَّيعة. قاله يحيى بن سَلَّام. ﴿وَلَا تَحْزَِّ﴾ فيه أيضاً
وجهان: أحدهما - لا تحزني لفراقه. قاله ابن زيد. الثاني - لا تحزني أن يُقتل. قاله
يحيى بن سَلَّام. فقيل: إنها جعلَتْه في تابوتٍ طولُه خمسةُ أشبار، وعرضُه خمسةُ
أشبار، وجعلتِ المفتاحَ مع التابوت وطرحَتْه في اليمِّ بعد أن أرضعَتْه أربعة أشهر.
وقال آخرون: ثلاثة أشهر. وقال آخرون: ثمانية أشهر؛ في حكاية الكلبي. وحُكِيَ أنَّه
لمَّا فرغَ النجَّارُ من صنعة التابوت نَمَّ إلى فرعون بخبره، فبعثَ معه مَنْ يأخذه، فطمسَ
اللهُ عينيه وقلبَه فلم يعرفِ الطريق، فأيقنَ أنه المولود الذي تخوَّفَ(١) منه فرعون،
فآمن مِنْ ذلك الوقت، وهو مؤمن آل فرعون. ذكره الماوردي(٢). وقال ابن عباس:
فلمَّا توارى عنها ندَّمَها الشيطانُ وقالت في نفسها: لو ذُبحَ عندي فكفَّنتُه وواريتُه لكان
أحبَّ إليَّ من إلقائه في البحر، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: إلى أهل مصر. حكى الأصمعيُّ قال: سمعتُ جاريةً أعرابيةً تنشد
وتقول :
قَبَّلتُ إنساناً بغيرِ حِلِّهِ
أستغفِرُ اللهَ لذنبي كلِّهِ
فانتصف الليلُ ولم أُصَلِّهِ
مثلَ الغزالِ ناعماً في دَلِّهِ
فقلتُ: قاتَلكِ اللهُ ما أفصحَكِ! فقالت: أوَ يُعَدُّ هذا فصاحةً مع قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمٍ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيةٌ﴾ الآية؛ فجمعَ في آيةٍ واحدةٍ بين أمرين ونهيين
وخبرین وبشارتین.
قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَتَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لمَّا كان التقاطُهم
إِيَّاه يؤدِّي إلى كونه لهم عدوّاً وحزناً؛ فاللامُ في ((ليكون)) لامُ العاقبة ولام الصيرورة؛
لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قُرَّةَ عين، فكان عاقبةُ ذلك أنْ كان لهم عدوّاً وحزناً (٣)،
(١) المثبت من (ظ)، وفي (د) و(ز): خوف، وفي (م): يخاف.
(٢) في النكت والعيون ٢٣٦/٤، وما بعده منه.
(٣) البيان ٢٢٩/٢ .

٢٣٥
سورة القصص: الآيات ٧ - ٩
فذكر الحال بالمآل، كما قال الشاعر:
ودُورُنا لخرابِ الدهرِ نَبْنِيها(١)
وللمنايا تُربِّي كلُّ مُرْضِعةٍ
وقال آخر :
فللموتِ تَغْذُو الوالداتُ سِخَالَها كما لخرابِ الدَّهرِ تُبنَى المساكنُ(٢)
أي: فعاقبةُ البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحاً به.
والالتقاط: وجود الشيء من غير طلب ولا إرادة، والعربُ تقول لِما وجدَتْه من
غير طلب ولا إرادة: التقطّه التقاطاً. ولقيتُ فلاناً التقاطاً. قال الراجز:
ومَنْهَلٍ وردتُه التقاطا(٣)
ومنه اللقطة. وقد مضى بيانُ ذلك من الأحكام في سورة (يوسف)) (٤) بما فيه
كفاية.
وقرأ الأعمش ويحيى والمُفضَّل وحمزة والكسائي وخلف: ((وَحُزْناً) بضَمِّ الحاء
وسكون الزاي. الباقون بفتحهما، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ قال: للتفخيم فيه(٥).
وهما لغتان، مثل: العَدَم والعُدْم، والسَّقَم والسُّقْم، والرَّشَد والرُّشْد (٦). ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ
وَهَمَنَ﴾ وكان وزيره من القِبط. ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ أي: عاصين مشركين
(١) النكت والعيون ٢٣٧/٤، لكن الصواب في هذا البيت كما في بهجة المجالس ٣٣٣/٣، وزاد المسير
٥٦/٤ : وللمنايا تربِّي كلُّ مرضعةٍ .... وللخراب يُجدُّ الناس عمرانا. أما عجز البيت الذي ذكره المصنف
فقد سلف ٣/ ٥٠ ، وصدره: أموالنا لذوي الميراث نجمعها.
(٢) قائله سابق بن عبد الله البربري كما في العقد الفريد ٦٩/٢ .
(٣) الفائق ٣/ ٤٢٧ بنحوه. وتتمة الرجز: ((لم ألقَ إذ وردتُه فراطا))، وهو لنقادة الأسدي كما في اللسان
(لقط).
(٤) ٢٦٦/١١ - ٢٧١ .
(٥) قراءة حمزة والكسائي وخلف في السبعة ص ٤٩٢، والتيسير ص ١٧١، والنشر ٣٤١/٢. وقراءة
الأعمش ويحيى في المحرر الوجيز ٢٧٧/٤ .
(٦) الوسيط ٣٩١/٣.

٢٣٦
سورة القصص: الآيتان ٨ - ٩
(١)
آئمين(١).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ﴾ يُروى أنَّ آسية
امرأةً فرعون رأتِ التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسَوقِه إليها وفَتْحِه، فرأت فيه صبيّاً
صغيراً، فرحمَتْه وأحبَّته، فقالت لفرعون: ((قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ))(٢) أي: هو قُرَّةُ عينٍ لي
ولكَ، فـ ((قُرَّةُ)) خبرُ ابتداءٍ مُضمَرٍ. قاله الكسائي. وقال النخَّاس: وفيه وجهٌ آخرُ بعيدٌ
ذكره أبو إسحاق؛ [قال](٣): يكون رفعاً بالابتداء، والخبر ((لا تَقْتُلُوهُ)) وإنما بَعُدَ؛ لأنَّه
يصير المعنى أنه معروف بأنه قُرَّةُ عين. وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرَّةُ عينٍ لي
ولكَ فلا تقتلوه(٤). وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ((وَلَكَ))(٥). ويجوز النَّصب بمعنى: لا
تقتلوا قرةً عينٍ لي ولك. وقالت: ((لا تَقتُلُوهُ)) ولم تَقُل: لا تقتُلْه، فهي تخاطب فرعون
كما يُخاطَبُ الجَبَّارون، وكما يُخبرون عن أنفسهم(٦). وقيل: قالت: ((لا تَقْتُلُوهُ) فإنَّ
اللهَ أتى به من أرضٍ أخرى وليس من بني إسرائيل(٧). ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ﴾ فنصيب منه
خيراً (٨) ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًّا﴾ وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها،
وكان فرعونُ لمَّا رأى الرؤيا وقصَّها على كهنته وعلمائه - على ما تقدَّم - قالوا له: إنَّ
غلاماً من بني إسرائيل يُفسِدُ ملكك. فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع
نسلهم، فعاد يذبح عاماً ويستحيي عاماً، فوُلِدَ هارونُ عليه السلام في عام الاستحياء،
وُلِدَ موسى عليه السلام في عام الذبح(٩).
(١) تفسير أبي الليث ٢/ ٥١٠ .
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ٢٧٧ .
(٣) ما بين حاصرتين يقتضيه السياق.
(٤) إعراب القرآن ٢٢٩/٣. وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٣٣/٤.
(٥) معاني القرآن للنحاس ١٥٩/٥. قلنا: وقراءة ابن مسعود هذه شاذة.
(٦) إعراب القرآن ٢٢٩/٣ .
(٧) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٧.
(٨) زاد المسير ٦/ ٢٠٤ .
(٩) المحرر الوجيز ٢٧٦/٤ .
:

٢٣٧
سورة القصص: الآية ٩
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ هذا ابتداء كلامٍ من الله تعالى، أي: وهم لا
يشعرون أنَّ هلاكهم بسببه(١). وقيل: هو من كلام المرأة، أي: وبنو إسرائيل لا
يدرون أنَّا التقطناه، ولا يشعرون إلَّا أنه ولَدُنا(٢).
واختلف المتأوِّلون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون: ((قُرَّةُ عَيْنِ لِي وَلَكَ))
فقالت فرقة: كان ذلكَ عند التقاطِ التابوت لمَّا أشعرَتْ فرعونَ به، ولما أعلمته سبق
إلى وهمه(٣) أنه من بني إسرائيل، وأنَّ ذلك قصدَ به ليتخلّص من الذبح فقال: عليَّ
بالذبَّاحين. فقالت امرأتُه ما ذُكِرَ، فقال فرعون: أمَّا لي فلا. قال النبيُّ ◌َ﴾: (لو قال
فرعون: نعم، لآمنَ بموسى، ولكان قرَّةَ عينٍ له))(٤) وقال السُّدِّي: بل ربَّتْه حتى
دَرَج، فرأى فرعونُ فيه شهامةً، وظنَّه من بي إسرائيل وأخذَه في يده، فمدَّ موسى يدَه
ونتفَ لحية فرعون، فهمَّ حينئذٍ بذبحه، وحينئذٍ خاطبَتْه بهذا، وجرَّبَتْه له في الياقوتة
والجمرة، فاحترق لسانُه وعلق العقدة(٥). على ما تقدَّم في ((طه))(٦). قال الفرَّاء:
سمعتُ محمد بن مروان الذي يُقال له السُّدِّي يذكر عن الكلبي، عن أبي صالح، عن
ابن عباس أنه قال: إنما قالت: ((قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا)) ثم قالت: ((تَقْتُلُوهُ)) قال الفرَّاء:
وهو لحن (٧)؛ قال ابن الأنباري: وإنما حكم عليه بالَّلحن؛ لأنه لو كان كذلك
لكان تقتلونه بالنون؛ لأنَّ الفعل المستقبل مرفوعٌ حتى يدخل عليه الناصب أو
الجازم، فالنون فيه علامة الرفع. قال الفرَّاء: ويُقوِّيك على ردِّه قراءةُ عبد الله بن
(١) الوسيط ٣/ ٣٩٢.
(٢) زاد المسير ٢٠٤/٦ .
(٣) في (م): فهمه.
(٤) أخرجه الطبري ١٦٣/١٨ من طريق أبي معشر، عن محمد بن قيس المدني، عن النبي 9. إسناده
معضل. وأبو معشر: هو نّجيح بن عبد الرحمن المدني، وهو ضعيف. تهذيب التهذيب ٢١٤/٤-٢١٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٧/٤ - ٢٧٨ .
(٦) ١٤ / ٥١ - ٥٢ .
(٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٠٢ .

٢٣٨
سورة القصص: الآيات ٩ - ١٤
مسعود: ((وقالَتِ امرأةٌ فِرْعونَ لا تقتلوهُ قُرَّةٌ عَيْنٍ لِي وَلَكَ)) بتقديم ((لا تقتُلُوهُ))(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِئًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلاً أَنْ
وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن
رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِينَ ﴾
◌ُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ ﴿ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أَقِّهِ، كَىْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ◌َلَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَأُسْتَوَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَِطْمَّاً وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
١٣
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِّقًا﴾ قال ابن مسعود وابن عباس والحسن
ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وأبو عمران الجَوْني وأبو عبيدة: ((فَارِغاً)) أي:
خالياً من ذكر كلِّ شيءٍ في الدنيا إلَّا من ذكر موسى(٢). وقال الحسن أيضاً وابن
إسحاق وابن زيد: ((فَارِغاً)) من الوحي إذْ أوحى إليها حين أُمرت أن تُلقيَه في البحر
(لا تخافي ولا تحْزَني)) والعهد الذي عَهِدَه إليها أن يردَّه ويجعلَه من المرسلين، فقال
لها الشيطان: يا أمَّ موسى، كرهتِ أن يقتُلَ فرعونُ موسى فغرَّقتيه أنت! ثم بلَغَها أنَّ
ولدها وقع في يد فرعون، فأنساها عِظَمُ البلاء ما كان من عهد اللهِ إليها(٣). وقال أبو
عبيدة: ((فارِغاً) من الغَمِّ والحزن؛ لِعلمها أنَّه لم يغرق(٤). قاله الأخفش أيضاً. وقال
العلاء بن زياد: ((فارغاً)): نافراً(٥). الكسائي: ناسياً ذاهلاً(٦). وقيل: والهاً. رواه
(١) المصدر السابق.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٦٠/٥، وأخرجه الطبري ١٦٧/١٨ - ١٦٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٧٠٥) عن ابن مسعود، و(١٦٧٠٦) و(١٦٧٠٦) عن
ابن عباس.
(٣) تفسير الطبري ١٦٩/١٨، وتفسير البغوي ٣/ ٤٣٧.
(٤) مجاز القرآن ٢/ ١٩٨.
(٥) النكت والعيون ٢٣٨/٤ . وقول العلاء بن زياد أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٧٠٩).
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٦٠/٥.

٢٣٩
سورة القصص: الآيات ١٠ - ١٤
سعيد بن جُبير (١). ابن القاسم عن مالك: هو ذهابُ العقل(٢). والمعنى: أنَّها حين
سمعت بوقوعه في يدٍ فرعون طارَ عقلُها من فرط الجزع والدهش، ونحوه قوله تعالى:
﴿وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إِبراهيم: ٤٣] أي: جُوَفٌ لا عقولَ لها - كما تقدَّم في سورة ((إبراهيم)) -
وذلكَ أنَّ القلوب مراكز العقول؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ
بِهَا ﴾ [الحج: ٤٦] ويدلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ: ((فَزِعاً))(٣). النَّاس(٤): أصحُّ هذه الأقوال
الأول، والذين قالوه أعلَمُ بكتاب الله عزَّ وجلَّ؛ فإذا كان فارغاً من كلِّ شيءٍ إلَّا من
ذكرٍ موسى فهو فارغٌ من الوحي. وقول أبي عبيدة: ((فارغاً من الغَمِّ)) غلطٌ قبيحٌ؛ لأنَّ
بعده ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾. روى سعيد بن جُبير عن ابن
عباس قال: كادت تقولُ: واابناه !.
وقرأ فَضالة بن عُبيد الأنصاري ﴾ ومحمد بن السَّمَيْفَع وأبو العالية وابن
مُحْيْصِن: ((فَزِعاً)) بالفاء والعين المهملة من الفزع، أي: خائفةً عليه أن يُقتل(٥). ابن
عباس: ((قَرِعاً)) بالقاف والراء والعين المهملتين، وهي راجعةٌ إلى قراءة الجماعة
((فَارِغاً))؛ ولذلكَ قيل للرأس الذي لا شعرَ عليه: أقرع؛ لفراغه من الشعر. وحكى
قُطرب أنَّ بعض أصحاب النبيِّ # قرأ: ((فِرْعاً)) بالفاء والراء والغين المعجمة من غير
ألف، وهو كقولك: هدراً وباطلاً(٦)؛ يقال: دماؤهم بينهم فِرٌْ أي: هدر، والمعنى:
بَطَلَ قلبُها وذهب، وبقيتْ لا قلبَ لها من شدّة ما ورد عليها(٧).
(١) النكت والعيون ٢٣٨/٤ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٢/٣، والمحرر الوجيز ٢٧٨/٤ .
(٣) الكشاف ١٦٧/٣ .
(٤) في معاني القرآن له ١٦١/٥ - ١٦٢ .
(٥) في المحتسب ٢/ ١٤٧ عن فضالة والحسن وأبي الهذيل وابن قطيب، وفي الشاذة ص١١١ عن فضالة
وابن قطيب وأبي زرعة، وفي زاد المسير ٦/ ٢٠٤ عن أبي العالية وأبي رزين والضحاك وقتادة وعاصم
الجحدري.
(٦) المحتسب ١٤٨/٢، وهما قراءتان شاذتان.
(٧) الكشاف ١٦٧/٣ .

٢٤٠
سورة القصص: الآيات ١٠ - ١٤
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَضْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما - أنها ألقَتْه ليلاً، فأصبح فؤادها
في النهار فارغاً. الثاني - أنها ألقَتْه نهاراً، ومعنى: ((أَصْبَحَ)) أي: صار، كما قال
الشاعر :
وأصبحتِ المدينةُ للوليدِ(١)
مضى الخلفاءُ بالأمرِ الرشيدِ
﴿إِن كَادَتْ﴾ أي: إنَّها كادت، فلما حذفت الكناية سكنت النون. فهي ((إِن))
المخففة؛ ولذلك دخلت اللام في ﴿لَنُبْدِى بِهِ﴾ أي: لتظهر أمره؛ من بدا يبدو إذا
ظهر (٢). قال ابن عباس: أي: تصيح عند إلقائه: والبناه. السُّدِّي: كادت تقول لما
حُمِلَتْ لإرضاعه وحضانته: هو ابني. وقيل: إنه لما شَبَّ سمعتِ الناسَ يقولون:
موسى بن فرعون، فشقَّ عليها وضاقَ صدرُها، وكادت تقول: هو ابني(٣). وقيل:
الهاء في ((به)) عائدةٌ إلى الوحي، تقديره: إن كادت (٤) لَتُبدي بالوحي الذي أوحيناه
إليها أن نردَّه عليها(٥). والأوّل أظهر. قال ابن مسعود: كادَتْ تقول: أنا أمه(٦). وقال
الفرَّاء(٧) : إِن كادت لتُبدي باسمه لضيق صدرها.
﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ قال قتادة: بالإيمان. السُّدِّي: بالعصمة(٨). وقيل:
بالصبر. والربطُ على القلب: إلهام الصبر(٩). ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ أي: من
(١) النكت والعيون ٢٣٨/٤ .
(٢) إعراب القرآن ٢٣٠/٣.
(٣) النكت والعيون ٢٣٨/٤، وتفسير البغوي ٤٣٧/٣، وزاد المسير ٢٠٥/٦ . وقول ابن عباس في معاني
القرآن للنحاس ١٦٢/٥ .
(٤) في (م): كانت، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٧.
(٦) إعراب القرآن ٢٣٠/٣.
(٧) في معاني القرآن ٢/ ٣٠٣ .
(٨) النكت والعيون ٢٣٨/٤.
(٩) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٣٤.