النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة النمل: الآيات ٥ - ١٤ اَلْأَخْسَرُونَ﴾. ((فِي الآخِرَةِ» تبيينٌ وليس بمتعلُّقٍ بالأخسرين، فإنَّ من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم، فهم أخسَرُ كلِّ خاسِرٍ. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَنْلَقَّى الْقُرْءَانَ﴾ أي: يُلقى عليك فتلَقَّاه وتعلَمُه وتأخذُه(١). ﴿مِن ◌َّدُنْ حَكِيمٍ عَظِيمٍ﴾ (لَدُنْ)) بمعنى عند، إلَّا أنَّها مبنيّةٌ غيرُ مُعرَبة؛ لأنَّها لا تتمكّن(٢)، وفيها لغاتٌ ذُكِرَتْ في ((الكهف))(٣). وهذه الآية بساطٌ وتمهيدٌ لِما يُريد أن يسوق من الأقاصيص(٤)، وما في ذلك من لطائفِ حكمتِّهِ، ودقائقٍ علمِه. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ، إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا سَثَاتِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ مَتِكُمْ بِشِهَابٍ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنَّ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ ٧ قَبَسِ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ يَمُوسَىّ إِنَّهُ: أَنَا اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَأَلْقِ عَصَاكْ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَرُّ كَأَنّهَا بَانٌ وَلَّى مُدْبِرً وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَن ظَلَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِى غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِيِ نِسْعِ مَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِةٍ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَنِقِينَ (٧) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ مَنُنَا مُبْصِرَةٌ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ ((إِذْ)) منصوبٌ بِمُضمَرٍ وهو اذْكُرْ؛ كأنَّه قال على أثر قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيرٍ﴾: خُذْ يا محمدُ من آثار حكمتِه وعلمِه قصةً موسى إذ قال لأهله(٥): ﴿إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا﴾ أي: أبصرتُها من بعد. قال الحارث بن حِلِّزةَ: (١) غريب القرآن لابن قتيبة ص٣٢٢ بنحوه. (٢) إعراب القرآن ١٩٨/٣ . (٣) عند تفسير الآية (٦٥). (٤) تفسير الرازي ٢٤/ ١٨٠. (٥) الكشاف ٣/ ١٣٧ . ١٠٢ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ آنستْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَها الْقُنّـ ـاصُ عصراً وَقَدْدَنا الإمساءُ(١) ﴿مَاتِكُ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ مَاتِكُم بِشِهَابٍ قَبَسِ لََّلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((بِشِهَابٍ قَبَسٍ)) بتنوين ((شِهابٍ)). والباقون بغير تنوين على الإضافة(٢)، أي: بشعلة نار(٣). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وزعمَ الفرَّاءُ في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: ولَدارُ الآخرة، ومسجد الجامع، وصلاة الأولى، يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه. قال النخَّاس: إضافةُ الشيء إلى نفسِه مُحالٌ عند البصريين؛ لأنَّ معنى الإضافة في اللغة: ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، فَمُحالٌ أن يُضَمَّ الشيءُ إلى نفسه، وإنَّما يُضافُ الشيءُ ليتبيَّنَ به معنى الملك أو النوع، فمُحالٌ أن يتبيَّنَ أنه مالِكٌ نفسَه أو من نوعها. و((شِهابٍ قبسٍ)) إضافةُ النوع إلى الجنس(٤)، كما تقول: هذا ثوبُ خَزِّ، وخاتمُ حديدٍ، وشبهه. والشهابُ: كلُّ ذي نُور، نحو: الكوكبُ والعُود الموقَدُ. والقَبسُ: اسمٌ لما يُقتَبس من جمرٍ وما أشبهه؛ فالمعنى: بشهاب من قبس. يقال: قبست(٥) قبساً؛ والاسم قبس. كما تقول: قبضت قبضاً. والاسم القبض. ومن قرأ: (بِشِهَابٍ قَبَسٍ)) جعله بدلاً منه (٦). المهدوي: أو صفة له؛ لأن القبس يجوز أن يكون اسماً غير صفة، ويجوز أن يكون صفة؛ فأما كونه غير (٧) صفة فلأنهم قالوا: قبسته أقبسه قبساً والقبس المقبوس؛ وإذا كان صفةً فالأحسن أن يكون نعتاً. والإضافة فيه إذا كان غير صفة أحسن. وهي إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه. ولو قرئ (١) سلف ١٨٩/١٥. (٢) السبعة ص٤٧٨، والتيسير ١٦٧ . (٣) الكشاف ٣/ ١٣٧. (٤) في النسخ: والجنس. والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٥) في (د): اقتبست. وفي (ظ) و(م): أقبست. والمثبت من إعراب القرآن. (٦) من قوله: وزعم الفراء ... إلى هذا الموضع من إعراب القرآن ١٩٨/٣-١٩٩. وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٨٦/٢ . (٧) كلمة ((غير)) يقتضيها السياق، وهي من (م)، وليست في بقية النسخ. ١٠٣ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ بنصب قبس على البيان أو الحال لجاز(١). النَّخَّاس(٢): ويجوز في غير القرآن بشهابٍ قبساً على أنه مصدر أو بيان أو حال. ((لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)) أصل الطاء تاءً فأبدلَ منها هنا طاءً؛ لأنَّ الطاءَ مُطبَقةٌ والصادَ مُطبَقةٌ فكان الجمعُ بينهما حسناً. ومعناه: يستدفئون من البرد(٣). يقال: اصطلى يصطلي إذا استدفأ. قال الشاعر: الثَّارُ فاكهةُ الشِّتاءِ فمن يُرِدْ أكل الفواكهِ شاتياً فليضطَلٍ الزَّجَّاج(٤): كل أبيض ذي نُور فهو شهاب. أبو عبيدة(٥): الشهاب النار. قال أبو النَّجم: كأنّما كان شهاباً واقِدا أضاءً ضوءاً ثمَّ صارَ خامِدا أحمد بن يحيى: أصلُ الشهاب: عُودٌ في أحدٍ طَرفيه جمرةٌ والآخرُ لا نارَ فيه، وقولُ النخَّاسِ فيه حسن. والشهابُ: الشُّعاعُ المُضيء، ومنه الكوكب الذي يمدُّ ضوءَه في السماء. وقال الشاعر: في كفِّهِ صَعْدَةٌ مُثقَّفةٌ فيها سِنانٌ كشُعلةِ القَبَسِ(٦) قوله تعالى: ﴿فَلَّا جَآءَهَا﴾ أي: فلمَّا جاءَ موسى الذي ظنَّ أنَّه نارٌ وهي نور؛ قال(٧) وهب بن مُنبِّه: فلمَّا رأى موسى النَّارَ وقفَ قريباً منها، فرآها تخرجُ من فرع شجرةٍ خضراءَ شديدةِ الخُضْرةِ يُقال لها: العُلَّيقِ، لا تزدادُ النَّارُ إلَّا عِظَماً وتضَرُّماً، (١) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: كان. وينظر مشكل إعراب القرآن ٥٣١/١. (٢) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: أحسن. والكلام الآتي في إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٣. (٣) تفسير أبي الليث ٤٨٩/٢ . (٤) في معاني القرآن له ١٠٨/٤ . (٥) في مجاز القرآن ٢/ ٩٢ . (٦) قائله أبو زبيد الطائي كما في طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦١٠، ولفظه فيه: تلمعُ فيها كشعلةِ القبسِ فجالَ في كفّه مُثقَّفةٌ (٧) في النسخ: قاله. والمثبت من النكت والعيون. ١٠٤ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ ولا تزدادُ الشَّجرةُ إلا خُضرةً وحُسناً، فعجب منها وأهوى إليها بضِغْثٍ في يده ليقتبِسَ منها، فمالَتْ إليه، فخافَها، فتأخّرَ عنها، ثم لم تزَلْ تُظْمِعُهُ ويطمَعُ فيها إلى أن وضَحَ أمرُها على أنَّها مأمورةٌ لا يُدرى مَنْ أَمَرَها، إلى أن ﴿نُوِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾(١). وقد مضى هذا المعنى في ((طه))(٢) . ﴿نُورِىَ﴾ أي: ناداه الله، كما قال: ﴿وَدَيْتَهُ مِنْ جَانِبِ اُلُورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]. ﴿أَنَّ بُورِكَ﴾ قال الزَّجَّاج: ((أَنْ)) في موضعٍ نصب، أي: بأنه. قال: ويجوزُ أن تكون في موضعٍ رَفْعٍ جعلها اسمَ ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ. وحكى أبو حاتم أنَّ في قراءة أُبيِّ وابنِ عبَّاسٍ ومجاهد: ((أن بُورِكَتِ النَّارُ ومَنْ حولها))(٣). قال النخَّاس: ومِثْلُ هذا لا يوجَدُ بإسنادٍ صحيحٍ، ولو صَحَّ لكان على التفسير، فتكونُ البركةُ راجعةً إلى النَّارِ ومَنْ حولَها الملائكة وموسى. وحكى الكسائيُّ عن العرب: باركَكَ اللهُ، وبارك فيك(٤). الثعلبي: العربُ تقول: باركَكَ اللـه، وبارَكَ فيك، وبارَكَ عليك، وبارَكَ لكَ، أربع لغات(٥). قال الشاعر: فَبُورِكْتَ مولوداً وبُورِكْتَ ناشِئاً وبُورِكْتَ عند الشَّيْبِ إِذْ أنتَ أشْيَبُ(٦) الطبري: قال: ((بُورِكَ مَنْ في النَّارِ)) ولم يقُلْ: بُورِكَ في مَنْ في النار(٧)، على لغةٍ من يقول: باركَكَ الله(٨). ويُقال: بارَكَهُ اللهُ، وبارَكَ له، وبارَكَ عليه، وبارَكَ فيه (١) من قوله: والشهاب الشعاع ... إلى هذا الموضع من النكت والعيون ١٩٤/٤-١٩٥. (٢) ١٨/١٤-١٩. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٢٥٠ عن أبيٍّ وحده، وهي قراءة شاذة. (٤) من قوله: أن بورك ... إلى هذا الموضع من إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٣ . وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٠٩/٤. (٥) وذكر الفراء في معاني القرآن ٢٨٦/٢ ثلاث لغات، يعني: لم يذكر الأخيرة. (٦) قائله الكميت، وهو في ديوانه ٢/ ١٨٧ (طبعة عالم الكتب). (٧) في النسخ: بورك على النار. والمثبت من تفسير الطبري. (٨) تفسير الطبري ١٨/ ١٢. ١٠٥ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ بمعنّى، أي: بُورِكَ على مَنْ في النَّار وهو موسى، أو على مَنْ في قُرْبِ النَّار، لا أنَّه كان في وسطها - وقال السُّدِّي: كان في النار ملائكة - فالتبريكُ عائدٌ إلى موسى والملائكة، أي: بُورِكَ فيكَ يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها. وهذا تحيةٌ من الله تعالى لموسى وَتَكْرِمَةٌ له، كما حيًّا إبراهيمَ على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه؛ قال: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾(١) [هود: ٧٣]. وقولٌ ثالثٌ قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جُبَير: قُدِّس مَنْ في النار، وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسَه تقدَّس وتعالى(٢). قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النَّارُ نورُ الله عزَّ وجلَّ(٣)، نادى الله موسى وهو في النور(٤)، وتأويل هذا: أنَّ موسى عليه السلام رأى نوراً عظيماً فظنَّه ناراً(٥)؛ وهذا لأنَّ الله تعالى ظهرَ لموسى بآياتِه وكلامِه من النَّار لا أنَّه يتحيَّزُ في جهة ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. لا أنَّه يتحيّزُ فيهما، ولكن يظهر في كلِّ فعلٍ فيعلَمُ به وجودَ الفاعل. وقيل على هذا: أي: بُورِكَ مَنْ في النار سلطانُه وقدرتُه(٦). وقيل: أي: بُورِكَ ما في النَّارِ من أمرِ الله تعالى الذي جعلَه علامةً. قلتُ: ومما يدلُّ على صِحَّة قولِ ابن عباس ما خرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))، وابن ماجه في ((سننه)) واللفظ له عن أبي موسى قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ اللهَ لا ينامُ ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفَعُه، حجابُه النُّور، لو كشفَها لأحرقَتْ سُبحاتُ وجهِه كلَّ شيءٍ أدركَهُ بصَرُه)) ثم قرأَ أبو عبيدة: ﴿أَنْ بُوِكَ مَن ◌ِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا (١) الوسيط ٣٦٨/٣، وتفسير البغوي ٤٠٦/٣ بنحوه. وقول السدي في النكت والعيون ١٩٥/٤. (٢) تفسير البغوي ٤٠٧/٣ . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦١٢٦) و(١٦١٢٧) عن ابن عباس، و(١٦١٣٤) عن محمد بن کعب. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦١٣١) عن سعيد بن جبير. (٥) الوسيط ٣٦٩/٣. (٦) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٩٩/١٩ . ١٠٦ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أخرجه البيهقي أيضاً. ولفظُ مسلم عن أبي موسى قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ ﴾ بخمسٍ كلمات، فقال: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا ينامُ ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعُه، يُرفَعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النَّهار، وعملُ النهار قبلَ عملٍ الليل، حجابُه النور - وفي رواية أبي بكر(١): النار - لو كشفَه لأحرقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بصرُه مِنْ خَلْقِه))(٢) قال أبو عبيد(٣): يقال: السُّبُحات إنَّها جلالُ وَجْهِه، ومنها قيل: ((سُبحانَ اللهِ)) إنَّما هو تعظيمٌ له وتنزيه. وقوله: ((لو كشفَها)) يعني: لو رفعَ الحجابَ عن أعينهم ولم يُثبّتْهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها (٤). قال ابن جُرَيج: النارُ حِجابٌ من الحُجُب وهي سبعة حُجُب: حِجابُ العِزَّة، وحِجابُ المُلْك، وحِجابُ السلطان، وحِجاب النَّار، وحِجابُ النُّور، وحِجابُ الغمام، وحِجابُ الماء. وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب، واللهُ لا يَحجُبه شيءٍ(٥)، فكانتِ النارُ نوراً، وإنما ذكره بلفظ النار؛ لأنَّ موسى حسِبَه ناراً، والعربُ تضَعُ أحدَهما موضِعَ الآخر. وقال سعيد بن جُبَير: كانتِ النَّارُ بعينها، فأسمعَه تعالى كلامَه من ناحیتِها، وأظهرَ له ربوبيته من جهتِها. وهو كما رُويَ أنَّه مكتوبٌ في التوراة: ((جاء اللهُ من سيناء، وأشرفَ من ساعير، واستعلى من جبال فاران)). فمجيئه من سيناء بعثةُ موسى منها، وإشرافُه من ساعير بِعثةُ المسيحِ منها، واستعلاؤه من فاران بعثةُ محمدٍ ﴾، وفاران مكة (٦). وسيأتي في ((القصص)) بإسماعه سبحانَه كلامَه من الشجرة زیادةُ بیانٍ (١) يعني ابن أبي شيبة، وهي رواية عند مسلم . (٢) صحيح مسلم (١٧٩): (٢٩٣)، وسنن ابن ماجه (١٩٦)، والأسماء والصفات للبيهقي (٣٩١) و(٣٩٢). وأخرجه أحمد (١٩٦٣٢) بلفظ مسلم ، و(١٩٥٨٧) بلفظ ابن ماجه. (٣) في غريب الحديث ١٧٣/٣ . (٤) إكمال المعلم ١/ ٥٣٧ بنحوه . (٥) واضح في النص أعلاه إثبات الحجاب لله، وأنه النور أو النار وقد تكلم ابن أبي زمنين في هذه المسألة في كتابه: أصول السنة ص ١٠٦ . فليراجع. ١٠٧ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ تنزيهاً وتقديساً للهِ ربِّ العالمين. وقد تقدَّم في غير موضع، والمعنى: أي: ويقول مَنْ حولها: ((وسُبْحانَ اللهِ)) فحذف. وقيل: إنَّ موسى عليه السلام قاله حين فرغً من سماع النداء؛ استعانةً بالله تعالى وتنزيهاً له. قاله السُّدِّي. وقيل: هو من قول الله تعالى. ومعناه: وبُورِكَ فيمَنْ سبَّحَ اللهَ تعالى ربَّ العالمين. حكاه ابن شجرة(١). قوله تعالى: ﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ، أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الهاء عمادٌ وليست بكنايةٍ في قول الكوفيين(٢). والصحيح أنَّها كنايةٌ عن الأمرِ والشأن(٣) ((أَنا اللهُ العزيزُ)) الغالبُ الذي ليس كمثله شيء ((الحَكِيمُ)) في أمرِهِ وفِعْلهِ(٤). وقيل: قال موسى: يا ربِّ، مَنِ الذي نادى؟ فقال له: ((إِنَّهُ)) أي: إنِّي أنا المُنادي لك، أَنا اللهُ(٥). قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِى عَصَاٌ﴾ قال وهب بن مُنبِّه: ظَنَّ موسى أنَّ الله أمرَه أنْ يرفُضَها فرفَضَها(٦). وقيل: إنَّما قال له ذلك؛ ليعلم موسى أنَّ المُكَلِّمَ له هو الله، وأنَّ موسى رسوله؛ وكلُّ نبيٍّ لابُدَّ له من آيةٍ في نفسه يعلم بها نبؤَّتَه. وفي الآية حذف: أي: وألْقِ عصاكَ، فألقاها من يدِه فصارت حَيَّةً(٧) تهتز كأنَّها جانٌّ: وهي الحيَّةُ الخفيفةُ الصغيرةُ الجسم(٨). وقال الكلبي: لا صغيرةً ولا كبيرة(٩). (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٩٥/٤ . (٢) وهو قول الفراء في معاني القرآن ٢٨٧/٢ . (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٢٥٠ . ونقل الطبري ١٤/١٨ عن بعض نحويِّي الكوفة أنهم يسمُّونها الهاء المجهولة. (٤) مجمع البيان ١٩٩/١٩ بنحوه . (٥) زاد المسير ١٥٦/٦ عن السدي . (٦) النكت والعيون ١٩٦/٤ . (٧) المحرر الوجيز ٢٥٠/٤، وزاد المسير ١٥٦/٦. (٨) تفسير الرازي ٢٤/ ١٨٤ . (٩) وقاله الفراء في معاني القراء ٢/ ١٨٧ . ١٠٨ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ وقيل: إنَّها قُلِبَتْ له أوّلاً حيَّةً صغيرةً، فلمَّا أنَسَ منها قُلِبَتْ حِيَّةً كبيرةً(١). وقيل: انقلبت مرَّةً حيَّةً صغيرة، ومرَّةً حيَّةً تسعى وهي الأنثى، ومرَّةً ثعباناً وهو الذَّكرُ الكبيرُ من الحيَّات. وقيل: المعنى: انقلبَتْ ثعباناً تهتزُّ كأنَّها جانٌّ، لها عِظَمُ الثُّعبان وخِفَّةُ الجانٌّ واهتزازُه وهي حيَّةٌ تسعى(٢). وجمع الجانُ چِنَّان(٣)؛ ومنه الحديث: نھی عن قتل الجِنَّانِ التي في البيوت (٤). ﴿وَلَى مُدْبِرًا﴾ خائفاً على عادة البشر ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: لم يرجعْ. قاله مجاهد(٥). وقال قتادة: لم يلتفِتْ(٦). ﴿يَمُوسَى لَا تَخَفْ﴾ أي: من الحية وضررها. ﴿إِ لَا يَخَافُ لَّدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ وتمَّ الكلامُ ثم استثنى استثناءً منقطعاً فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلٌُّ﴾. وقيل: إنه استثناءٌ من محذوف، والمعنى: إنِّي لا يخافُ لديَّ المرسلون، وإنَّما يخاف غيرُهم مِمَّن ظَلم ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْمٍ﴾ فإنَّه لا يخاف. قاله الفرَّاء. قال النَّخَّاس: استثناءٌ من محذوفٍ مُحال؛ لأنَّه استثناءٌ من شيءٍ لم يُذكَرْ، ولو جازَ هذا لجازَ: إنِّي لأَضرِبُ القومَ إلَّا زيداً، بمعنى: إنِّي لا أضرِبُ القومَ، وإنَّما أضرِبُ غيرَهم إلَّا زيداً، وهذا ضِدُّ البيان، والمجيءُ بما لا يُعرَفُ معناه. وزعمَ الفرَّاء أيضاً أنَّ بعضَ النَّحْوِيِّين يجعل إلَّا بمعنى الواو، أي: ولا مَنْ ظلم؛ قال: وكلُّ أخٍ مفارِقُه أخوهُ لَعَمْرُ أبيكَ إِلَّ الْفَرْقَدَانِ(٧) قال النَّخَاس: وكَوْنُ ((إِلَّا)) بمعنى الواو لا وجهَ له، ولا يجوز في شيءٍ من الكلام، ومعنى ((إلَّا)) خلافُ الواو؛ لأنَّكَ إذا قلتَ: جاءني إخوتُكَ إلَّا زيداً ممَّا دخلَ (١) لطائف الإشارات ٢٦/٣ . (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢٠٠/١٩ . (٣) الصحاح (جنن). (٤) أخرجه أحمد (١٥٥٤٧)، والبخاري (٣٣١٢)، ومسلم (٢٢٣٣) من حديث أبي لبابة ﴾. (٥) أخرجه الطبري ١٥/١٨، وهو في تفسيره ٤٦٩/٢ . (٦) أخرجه عبد الرازق في تفسيره ٧٩/٢، والطبري ١٥/١٨. (٧) سلف ٥٤/١١ . ١٠٩ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ فيه الإخوةُ، فلا نِسبةَ بينهما ولا تقارُبّ(١). وفي الآية قولٌ آخر: وهو أن يكون الاستثناءُ متصلاً، والمعنى: إلَّا مَنْ ظلمَ من المرسلين بإتيان الصغائرِ التي لا يَسلَمُ منها أحد، سوى ما رُويَ عن يحيى بن زكريا عليهما السلام، وما ذكره الله تعالى في نبيِّنا عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ذكره المَهدَويُّ واختاره النخَّاسِ، وقال: عَلِمَ اللهُ من عصى منهم يُسِرُّ الخيفةَ(٢)، فاستثناه فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فإنه يخافُ وإنْ كنتَ قد غفرتَ له(٣). الضَّحَّاك: يعني آدَمَ وداود عليهما السلام. الزَّمخشري(٤): كالذي فَرَطَ من آدمَ ويونسَ وداودَ وسليمانَ وإخوةٍ يوسف، ومن موسى عليه السلام بِوَكزِه القبطي. فإن قال قائلٌ: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيلُ العلماءِ بالله عزَّ وجلَّ أن يكونوا خائفين من معاصيهم وَجِلين، وهم أيضاً لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيءٌ لم يأتوا به، فهم يخافون من المُطالبةِ به(٥). وقال الحسن وابن جُريج: قال الله لموسى: إني أَخَفْتُكَ لقتلِكَ النفس. قال الحسن: وكانتِ الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ(٦). قال الثعلبي والقشيري والماوردي(٧) وغيرهم: فالاستثناء على هذا صحيح، أي: إلَّا مَنْ ظلمَ نفسَه من النبيِّين والمرسلين فيما فعَلَ من صغيرةٍ قبل النبوة. وكان موسى خافَ من قتل القِبطيٍّ وتابَ منه. وقد قيل: إنَّهم (١) من قوله: ﴿يَمُوسَى لَا تَفْ﴾ ... إلى هذا الموضع دون ذكر البيت من إعراب القرآن ١٩٩/٣ -٢٠٠. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٢٨٧ . (٢) قوله: ((يُسِرُّ الخيفة)) من إعراب القرآن وهو ليس في النسخ. (٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٠٠. (٤) في الكشاف ١٣٨/٣. (٥) إعراب القرآن ٣/ ٢٠٠ . "(٦) هذا بتمامه من قول الحسن وحده كما أخرجه الطبري ١٦/١٨، أما قول ابن جريج فلفظه: لا يُخيف (الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه. (٧) في النكت والعيون ٤/ ١٩٧ بنحو ما سيرد . ١١٠ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ بعد النبوة معصومونَ من الصغائر والكبائر. وقد مضى هذا في ((البقرة))(١). قلتُ: والأوّلُ أصَحُّ لِتنصُّلِهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة، فإذا أحدثَ المُقرِّبُ حدَثاً فهو وإنْ غُفِرَ له ذلك الحدَثُ فَأَثْرُ ذلك الحدثِ باقٍ، وما دام الأَثرُ والتُّهمَةُ قائمةً فالخوف كائنٌ، لا خَوْفَ العقوبةِ ولكِنْ خَوْفَ العَظِمةِ، والمُتَّهِمُ عند السلطان يجِدُ لِلِتُّهمَةِ حزازةً تؤدِّيه إلى أن يُكَدَّر عليه صفاءُ الثقة. وموسى عليه السلام قد كان منه الحدَثُ في ذلك الفرعوني، ثم استغفر وأقَرَّ بالظلم على نفسه، ثم غفَرَ له، ثم قال بعد المغفرة: ﴿رَبٍ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِنَ﴾ [القصص: ١٧] ثم ابتُليَ من الغدِ بالفرعونيِّ الآخَرِ وأراد أن يبطِشَ به، فصار حدَثاً آخر بهذه الإرادة. وإنَّما ابتُليَ من الغدِ؛ لقوله: ﴿فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وتلك كلمةٌ اقتدارٍ من قولهِ: لن أفعل، فعُوقِبَ بالإرادة حينَ أرادَ أن يبطِشَ ولم يفعل، فسُلُّطَ عليه الإسرائيليُّ حتى أفشى سرَّه؛ لأنَّ الإسرائيليَّ لمَّا رآه تشمَّرَ للبطش ظنَّ أنه يُريدُه، فأفشى عليه فـ ﴿قَالَ يَمُوسَىَ أَتْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كُمَا فَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ﴾ [القصص: ١٩] فهربَ الفِرعونيُّ وأخبر فرعونَ بما أفشى الإسرائيليُّ على موسى، وكان القتيلُ بالأمس مكتوماً أمْرُه لا يُدْرَى مَنْ قَتَلَه، فلمَّا عَلِمَ فرعونُ بذلك، وجَّه في طلب موسى يقتُلَه، واشتدَّ الطَّلَبُ، وأخذوا مَجامِعَ الظُّرُق؛ جاءَ رجلٌ يسعى فـ ﴿قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ أُلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِقْتُلُوَكَ﴾ الآية [القصص: ٢٠]، فخرج كما أخبر الله. فَخوفُ موسى إنَّما كان من أجل هذا الحدَثِ، فهو وإن قَرَّبه ربُّه وأكرَمَه واصطفاه بالكلام فالتُّهمَةُ الباقيةُ ولَّتْ به ولم يُعقّبْ. قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَ فِ جَمِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوٌَّ﴾ تقدَّم في ((طه))(٢) القولُ فيه. ﴿فِي نِسْعِ مَيَتٍ﴾ قال النَّخَّاس(٣): أحسَنُ ما قيل فيه أنَّ المعنى: هذه الآيةُ داخلةٌ (١) ١ / ٤٥٨ - ٤٦٠ . (٢) ١٤ / ٤٩ - ٥٠ . (٣) في إعراب القرآن ٢٠١/٣ . ١١١ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٤ في تسع آيات. المهدَويُّ: المعنى: ((أَلْقِ عَصاكَ)) ((وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْئِكَ))، فهما آيتانِ من تسع آيات(١). وقال القُشَيريُّ: معناه: كما تقول: خرجتُ في عشرة نَفَرٍ وأنتَ أحَدُهم. أي: خرجتُ عاشِرَ عشرة. فـ ((في)) بمعنى ((من)) لِقُرْبها منها، كما تقول: خُذْ لي عشراً من الإبل فيها فحلان أي: منها. وقال الأصمعيُّ في قول امرئ القيس: وهل يَنْعمَنْ مَنْ كان آخِرُ عهدِهِ ثلاثينَ شهراً في ثلاثةِ أحوالٍ (٢) في بمعنى من. وقيل: في بمعنى مع (٣)، فالآيات عشرةٌ منها اليد، والتسع: الفَلْقُ والعصا والجرادُ والقُمَّلُ والطُّوفانُ والدَّمُ والضفادعُ والسِّنينَ والطّمْسُ. وقد تقدَّم بيانُ جميعِه(٤). ﴿إِلَى فِرْعَونَ وَقَوْمِةٍ﴾ قال الفرَّاء: في الكلام إضمارٌ لدِلالةِ الكلامِ عليه، أي: إنك مبعوثٌ أو مُرسلٌ إلى فرعونَ وقومه(٥). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَلِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله. وقد تقدَّم. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَتْهُمْ مَايَنُنَا مُبْصِرَةً﴾ أي: واضحةً بيِّنة(٦). قال الأخفش(٧): ويجوزُ مَبْصَرة وهو مصدر، كما يُقال: الولدُ مَجْبَنة. ﴿قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ مُّبِينٌ﴾ جَرَوا على عادتهم في التكذيب؛ فلهذا قال: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَقَتْهَاَ أَنْفُهُمْ ظُلْمًا وَعُواْ﴾ أي: تيقّنوا أنَّها من عند الله وأنَّها ليست سحراً، ولكنَّهم كفروا بها وتكبَّروا أن يؤمنوا بموسى(٨). وهذا يدلُّ على أنهم كانوا مُعانِدين. و((ظُلْماً)) و((عُلُوًّا)) منصوبان على نعتٍ (١) وقاله النحاس في معاني القرآن ١١٨/٥. (٢) ديوان امرئ القيس ص٢٧، وفيه: وهل يَعِمَنْ من كان أحدثَ عهدهِ. (٣) معاني القرآن للنحاس ١١٨/٥. (٤) عند تفسير الآية (١٠١) من سورة الإسراء. (٥) معاني القرآن للفراء ٢٨٨/٤ بنحوه . (٦) تفسير البغوي ٤٠٨/٣، وزاد المسير ١٥٨/٦. (٧) فيما نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٢٠١/٣. (٨) معاني القرآن للزجاج ١١١/٤ بنحوه . ١١٢ سورة النمل: الآيات ٧ - ١٦ مصدرٍ محذوف، أي: وجَحدوا بها جُحوداً ظلماً وعُلُوًّا. والباء زائدة، أي: وجحدوها. قاله أبو عبيدة(١). ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: آخِرُ أمرِ الكافرين الطاغين، انظر ذلك بِعَينٍ قلبِكَ وتدَبَّرْ فيه. الخطابُ له والمُرادُ غیرُه(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ. وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدِّ وَقَالَ بَيُّهَا النَّاسُ عُلِمْنَا مَنَطِقَ الَّيْرِ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ ﴾ وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًاً﴾ أي فهماً. قاله قتادة، وقيل: علماً بالدين والحكم وغيرهما كما قال: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وقيل: صنعة الكيمياء. وهو شاذ(٣). وإنَّما الذي آتاهما اللهُ النبوّةُ والخلافةُ في الأرض والزَّبورُ. ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي الآية دليلٌ على شرف العلم وإنافةِ مَحلِّه وتَقدُّم حَمَلتِهِ وأهلهِ، وأنَّ نعمةَ العلم من أجَلِّ النِّعَمِ وأجْزَلِ القِسَم، وأنَّ مَنْ أُوتِيَه فقد أُوتِيَ فضلاً على كثيرٍ من عباد الله المؤمنين؛ ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقد تقدَّم هذا في غيرِ موضع. قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَطَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ قال الكلبي: كان لداودَ ﴾ تسعةَ عشرَ ولداً، فوَرِثَ سليمانُ من بينهم نُبوَّتَه ومُلْكَه، ولو كان وراثةَ مال لَكانَ جميعُ أولادِهِ فيه سواء(٤). وقاله ابنُ العربي(٥)؛ قال: فلو كانت وراثةَ مالٍ لا نقسمَتْ على العدد، فَخصَّ اللهُ سليمانَ بما كان لداودَ (١) فيما نقله عنه الطبرسي في مجمع البيان ١٩/ ٢٠٢. (٢) تفسير الطبري ٢٤/١٨ بنحوه. (٣) النكت والعيون ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ . وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦١٧٩). (٤) النكت والعيون ١٩٨/٤ . (٥) في أحكام القرآن ١٤٣٦/٣ . ١١٣ سورة النمل: الآيتان ١٥ - ١٦ من الحكمة والنبوَّة، وزادَه من فضله ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده. قال ابن عطية(١): داودُ من بني إسرائيل، وكان ملِكاً، وورِثَ سليمانُ مُلكَه ومنزِلَتَه من النبوَّة، بمعنى : صار إليه ذلكَ بعد موتٍ أبيه، فسُمِّي ميراثاً تجوُّزاً، وهذا نحوُ قوله: ((العلماءُ ورَثَةُ الأنبياء))(٢). ويَحتمِلُ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّا معشَرَ الأنبياءِ لا نُورَتُ))(٣) أنْ يُريدَ أنَّ ذلِكَ مِنْ فِعْلِ الأنبياءِ وسيرتِهم، وإن كان فيهم مَنْ وُرِثَ مالُه كزكرياء على أشهرِ الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنَّا معشرَ المسلمين إنَّما شغَلَتْنا العبادةُ، والمُرادُ أنَّ ذلِكَ فِعْلُ الأكثر. ومنه ما حكى سيبويه: إنَّا معشرَ العربِ أقرى النَّاسِ لِلصَّيف. قلتُ: قد تقدَّم هذا المعنى في ((مريم)) (٤) وأنَّ الصحيحَ القولُ الأوَّلُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّا معشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ)) فهو عامٌّ، ولا يخرجُ منه شيءٌ إلَّا بدلیل. قال مقاتل: كان سليمانُ أعظمَ مُلكاً من داودَ وأقضى منه، وكان داودُ أشدَّ تعبُّداً من سليمان(٥). قال غيرُه: ولم يبلُغْ أحدٌ من الأنبياء ما بلَغَ ملكُه؛ فإنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى سخّر له الإنسَ والجِنَّ والطيرَ والوحشَ، وآتاه ما لم يُؤْتِ أحداً من العالمين، ووَرِثَ أباه في المُلْكِ والنبوَّة، وقام بعدَه بشريعته، وكلُّ نبِيٍّ جاء بعد موسى مِمَّنْ بُعِثَ أو لم يُبعَثْ فإنَّما كان بشريعة موسى، إلى أن بُعِثَ المسيحُ عليه السلام فنسخَها. وبينَه وبينَ الهجرة نحوٌ من ألفٍ وثمانِ مئة سنة. واليهودُ تقول: ألفٌ وثلاثُ مئةٍ واثنتانٍ وسِتُّون سنة. وقيل: إنَّ بين موتِه وبينَ مولدِ النبيِّ:﴿ نحواً من ألفٍ وسبع مئة، واليهودُ تُنقِصُ منها ثلاثَ مئة سنة، وعاش نَيِّفاً وخمسين سنة. (١) في المحرر الوجيز ٢٥٣/٤ . (٢) سلف ٥/ ٦٤. (٣) سلف ٧٨/١١ . (٤) عند تفسير الآية (٦). (٥) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٩١، وعرائس المجالس ص٢٩٤، وتفسير البغوي ٤٠٩/٣. ١١٤ سورة النمل: الآيتان ١٥ - ١٦ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَّأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي: قال سليمانُ لبني إسرائيل على جهةِ الشُّكرِ لِعَمِ الله: ((عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)) أي: تفضَّلَ اللهُ علينا على ما ورَّثنا من داود من العلمِ والنبوَّةِ والخلافةِ في الأرض في أنْ فَهَّمَنا من أصواتِ الطيرِ المعاني التي في نفوسنا. قال مقاتلٌ في الآية: كان سليمانُ جالساً ذاتَ يوم إذْ مرَّ به طائرٌ يطوف، فقال الجُلسائه: أتدرونَ ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلامُ عليكَ أيُّها الملِكُ المُسَلَّطُ والنبيُّ لبني إسرائيل، أعطاكَ اللهُ الكرامةَ، وأظهركَ على عدوِّكَ، إني منطلِقٌ إلى أفراخي ثم أمُرُّ بكَ الثانية - وإنه سيرجعُ إلينا الثانية - ثمَّ رجعَ فقال: إنَّه يقول: السلامُ عليكَ أيُّها الملِكُ المُسَلَّطُ، إنْ شئتَ أن تأذَنَ لي كيما أكتسِبَ على أفراخي حتى يشِبُّوا، ثم آتيكَ فافعَلْ بي ما شئتَ. فأخبرَهم سليمانُ بما قال، وأذِنَ له فانطلَقَ. وقال فَرْقَد السََّخِيُّ: مرَّ سليمانُ على بلبلِ فوقَ شجرةٍ يُحرِّكُ رأسَه ويُميلُ ذَنَبَه، فقال لأصحابه: أتدرونَ ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا نبيَّ الله. قال: إنَّه يقول: أكلتُ نِصْفَ تمرةٍ فعلى الدنيا العَفَاءِ(١). ومرَّ بهُدهدٍ فوق شجرة وقد نصب له صبيٍّ فخًّا، فقال له سليمان: احذَرْ يا هُذْهُدُ. فقال: يا نبيَّ الله، هذا صبيٍّ لا عقْلَ له فأنا أسخَرُ به. ثم رجعَ سليمانُ فوجدَه قد وقَعَ في حِبالةِ الصبيِّ وهو في يده، فقال: هُذْهُدُ ما هذا؟ قال: ما رأيتُها حتى وقعتُ فيها يا نبيَّ الله. قال: ويحك! فأنتَ ترى الماء تحتَ الأرض أما ترى الفَخَّ؟! قال: يا نبيَّ الله، إذا نزلَ القضاءُ عميّ البصرُ(٢). وقال كعب: صاحَ وَرَشان(٣) عند سليمانَ بنِ داود، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال: إنه يقول: لِدُوا للموتِّ وابْنوا للخراب. وصاحَتْ فاختة(٤)، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنَّها تقول: ليتَ هذا الخَلْقَ لم يُخلَقوا، وليتَهم إذْ خُلِقوا عَلِموا (١) عرائس المجالس ص٢٩٧، وتفسير البغوي ٤٠٩/٣ . (٢) سيرد نحوه عند تفسير الآية (٢٠). (٣) الوَرَشان: طائر يشبه الحمامة. اللسان (ورش). (٤) جمعها فواخت: وهي ضربٌ من الحمام المُطوَّق. اللسان (فخت). ١١٥ سورة النمل: الآيتان ١٥ - ١٦ لماذا خُلِقوا. وصاح عنده طاوس، فقال: أتدرونَ ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنَّه يقول: كما تَدينُ تُدان. وصاح عنده هُدهد، فقال: أتدرونَ ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنَّه يقول: من لا يَرَحَمْ لا يُرحَمْ. وصاحَ صُرَدٍّ عنده، فقال: أتدرونَ ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا الله یا مذنبین، فمِنْ ثَمَّ نھی رسول الله # عن قتله - وقيل: إن الصُّرَدَ هو الذي دلَّ آدَمَ على مكان البيت، وهو أوَّلُ من صام؛ ولذلك يُقال للصُّردِ: الصوَّامِ. رُويَ عن أبي هريرة - وصاحت عنده طِيطَوى(١)، فقال: أتدرونَ ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنَّها تقول: كلُّ حيٍّ مَيِّتْ، وكلُّ جديدٍ بالٍ. وصاحت خُطَّافةٌ عنده، فقال: أتدرونَ ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنَّها تقول: قدِّموا خيراً تجدوه. فمِنْ ثمَّ نهى رسول اللـه # عن قتلها - وقيل: إنَّ آدمَ خرجَ من الجنة فاشتكى إلى اللهِ الوَحشة، فأنْسَه اللهُ تعالى بالخُظَّافِ وألزمَها البيوت، فهي لا تُفارقُ بني آدمَ أُنْساً لهم. قال: ومعها أربعُ آياتٍ من كتاب اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَوْ أَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ أَرَأَيْتَهُ﴾ [الحشر: ٢١] إلى آخرِها وتمدُّ صوتَها بقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ - وهدرَتْ حمامةٌ عند سليمانَ فقال: أتدرونَ ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنَّها تقول: سُبحانَ ربيّ الأعلى عدد ما في سماواتِه وأرضِه. وصاح قُمْريٌّ عند سليمان، فقال: أتدرونَ ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنَّه يقول: سُبحان ربيَ العظيم المهيمن(٢). وقال كعب: وحدَّثَهم سليمانُ فقال: الغرابُ يقول: اللهمَّ الْعَنِ العَشَار. والحِدأَةُ تقول: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. والقَطاةُ تقول: مَنْ سكتَ سَلِمَ. والببغاءُ تقول: ويلٌ لمن الدُّنيا هَمُّه. والضفدع يقول: سُبحانَ ربِّيَ القُدُّوس. والبازي يقول: سُبحانَ ربِّي وبحمدِه. والسرطان(٣) يقول: سُبحانَ المذكورِ بكلِّ لسانٍ في كلِّ مكان(٤). وقال مكحول: صاحَ دُرَّاجٌ(٥) عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. (١) الطيطوى: طائر من طيور الماء لا يفارق الآجام وكثرة الماء. معجم متن اللغة ٦٤٨/٣ . (٢) في عرائس المجالس: ((سبحان الحي الذي لا يموت أبداً) وفي تفسير البغوي: ((سبحان ربي الأعلى)). (٣) في عرائس المجالس: والعصفور. وفي تفسير البغوي: والضفدعة. (٤) عرائس المجالس ص٢٩٦، وتفسير البغوي ٤٠٩/٣ . وما بين اعتراض ليس فيهما. (٥) الدُّرَّاج: طائرٌ ظاهرٌ جناحه أغبر، وباطنه أسود، وهو شبيهٌ بالحجل. معجم متن اللغة (درج). ١١٦ سورة النمل: الآيتان ١٥ -١٦ قال: إنه يقول: الرَّحمنُ على العرش استوى(١). وقال الحسن: قال النبي8#: ((الديك إذا صاح قال: اذكروا الله يا غافلين(٢). وقال الحُسين(٣) بن علي بن أبي طالب: قال النبيُّ﴾: ((النَّسرُ إذا صاحَ قال: يا ابنَ آدمَ، عِشْ ما شئتَ فآخِرُكَ الموتُ. وإذا صاحَ العُقَابُ قال: في البُعْدِ من النَّاسِ الرَّاحة. وإذا صاحَ القُنْبرُ قال: إلهي الْعَنْ مُبْغِضي آلٍ محمدٍ. وإذا صاحَ الخُطَّاف قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ إلى آخرها، فيقول: ﴿وَلَ الضَّالِّينَ﴾ ويمدُّ بها صوتَه كما يمدُّ القارئ))(٤). قال قتادة والشَّعبي: إنَّما هذا الأمرُ في الطير خاصَّةً؛ لقوله: ﴿عُلِمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾ والنَّملةُ طائرٌ إذ قد يُوجَدُ له أجنحة. قال الشَّعبي: وكذلِكَ كانت هذه الثَّملةُ ذاتَ جناحين. وقالت فرقةٌ: بل كان في جميع الحيوان، وإنَّما ذكر الطير؛ لأنَّه كان جُنداً من جند سليمان يحتاجه في التَّظليلِ عن الشمس وفي البعث في الأمور، فخُصَّ بالذِّكْرِ لكثرة مداخَلِهِ، ولأنَّ أمْرَ سائرِ الحيوان نادرٌ وغيرُ مُتردِدٍ تَرداد أمرِ الطير(٥). وقال أبو جعفر النَّخَّاس(٦): والمنطِقُ قد يقَعُ لمِا يُفهِمُ بغير كلام، واللهُ جلَّ وعزَّ أعلَمُ بما أراد. قال ابن العربي(٧): من قال: إنه لا يعلم إلَّ منطقَ الطير فنُقصانٌ عظيم، وقدِ اتَّفقَ الناسُ على أنَّه كان يفهمُ كلامَ مَنْ لا يتكلَّمُ ويُخلَقُ له فيه القولُ من النبات، فكان كلُّ نبتٍ يقول له: أنا شجَرُ كذا، أنفَعُ من كذا، وأضُرُّ من كذا، فما ظنُّكَ بالحيوان؟! .(١) عرائس المجالس ص٢٩٧، وتفسير البغوي ٤٠٩/٣ . (٢) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٢٩٧ من طريق صالح بن بشير المزي، عن الحسن - وهو البصري - مرفوعاً. إسناده منقطع، وصالح المري ضعيف. تهذيب التهذيب ١٨٩/٢- ١٩٠. وذكره الديلمي في الفردوس (٣١٢٩) موقوفاً، وقال: عن الحسن، وربما هو ابن علي. (٣) في النسخ: الحسن. والمثبت من المصادر. (٤) هو في عرائس ص ٢٩٧، وتفسير البغوي ٤٠٩/٣ موقوف على الحسين ـ (٥) المحرر الوجيز ٢٥٣/٤. (٦) في إعراب القرآن ٢٠١/٣ . (٧) في أحكام القرآن ١٤٣٩/٣. ١١٧ سورة النمل: الآية ١٧ OV قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُهُ مِنَ الْجِنّ وَالْإِسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ﴾ ((حُشِرَ)) جُمِعَ(١)، والحَشْرُ: الجَمْعُ، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. واختلفَ الناسُ في مقدارٍ ◌ُنْدٍ سليمانَ عليه السلام، فيُقال: كان معسكرُه مئةَ فرسَخِ في مئة: خمسةٌ وعشرون للجنِّ، وخمسةٌ وعشرون للإنس، وخمسةٌ وعشرون للطير، وخمسةٌ وعشرون للوحش، وكان له ألفُ بيتٍ من قواريرَ على الخشب، فيها ثلاثُ مئةِ منكوحةٍ وسبعُ مئة سُرِّيَّة(٢). ابن عطية: واختُلِفَ في مُعسكرِه ومقدارِ جُنْدِهِ اختلافاً شديداً، غيرَ أنَّ الصحيحَ أنَّ مُلْكَه كان عظيماً مِلأَ الأرض، وانقادت له المعمورةُ كلُّها . ﴿فَهُمْ يُوزَّعُونَ﴾ معناهُ: يُرَدُّ أوَّلُهُم إلى آخرهم ويُكَفُّون. قال قتادة: كان لكلِّ صنفٍ وَزَعةٌ في رتبتهم ومواضعهم من الكرسيِّ ومن الأرض إذا مَشَوا فيها(٣). يقال: وزِعْتُهُ أُوزِعُه وزَعَاً أي: كفَفْتُه. والوازِعُ في الحرب: المُوكَلُ بالصفوف يزَعُ مَنْ تَقدَّمَ منهم (٤). روى محمد بن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكرٍ قالت: لمَّا وقفَ رسولُ الله # بذي طُوی - تعني يوم الفتح - قال أبو قُحافة - وقد كُفَّ بصرُه يومئذٍ - لا بنتِه: اظْهَري بي على أبي قُبَيْس. قالت: فأشَرفْتُ به عليه، فقال: ما تَرَيْنَ؟ قالت: أرى سواداً مُجتمِعاً. قال: تلكَ الخَيلُ. قالت: وأرى رجلاً من السَّواد مُقبِلاً ومُدبِراً. قال: ذلِكَ الوازِعُ يمنعُها أن تنتشِرَ. وذكر تمام الخبر(٥). ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما رُؤيَ الشيطانُ (١) المحرر الوجيز ٢٥٣/٤. (٢) الكشاف ١٤٠/٣، وذكره الواحدي في الوسيط ٣٧٢/٣، والبغوي في تفسيره ٤١٠/٣ عن محمد بن كعب القرظي. (٣) المحرر الوجيز ٢٥٣/٤. (٤) تهذيب اللغة ٩٩/٣ . (٥) أخرجه بهذا اللفظ ابن عبد البر في التمهيد ١١٧/١-١١٨. وأخرجه أحمد (٢٦٩٥٦). ١١٨ سورة النمل: الآية ١٧ يوماً هو فيه أصغَرَ ولا أدْحَرَ ولا أحقَرَ ولا أغْيَظَ منه في يوم عرفةَ، وما ذاكَ إلَّا لِما رأى من تَنزُّلِ الرحمةِ وتَجاوُزِ اللهِ عن الذنوبِ العِظامِ، إلّا ما رأى يوم بدر)» قيل: وما رأى يا رسول الله؟ قال: ((أما أنَّه رأى جبريلَ يَزَعُ الملائكة)» خرَّجه الموطأ(١). ومن هذا المعنى قولُ النَّابغة(٢) : على حينَ عاتبتُ المَشیبَ على الصِّبا وقلتُ أَلَمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ آخر: ولمَّا تلَاقَينا جَرَتْ من جُفونِنا دموعٌ وَزَعْنَا غَرْبَها بالأصابع (٣) آخر: من النَّاسِ إِلَّ وافِرُ العقلِ كامِلُهْ ولا يَزَعُ النَّفْسَ اللَّجوجَ عن الهوى وقيل: هو من التوزيع، بمعنى التفريق. والقوم أوزاع، أي: طوائف. وفي القصة: إنَّ الشياطين نسجَتْ له بساطاً فرسخاً في فرسخِ ذهباً في إبریسِمَ، وكان يُوضَعُ له کرسيٍّ من ذهبٍ وحولَه ثلاثةُ آلافٍ كُرسيٍّ من ذهبٍ وفضَّةٍ، فيقعدُ الأنبياءُ على كراسيٍّ الذَّهب، والعلماءُ على كراسيِّ الفِضَّةِ (٤). الثانية: في الآية دليلٌ على اتِّخاذِ الإمام والحُّام وَزَعةً يكُفُّون الناسَ ويمنعونَهم من تطاولِ بعضِهم على بعض؛ إذ لا يُمكِنُ الحكام ذلك بأنفسهم. وقال ابن عون: سمعتُ الحسنَ يقول وهو في مجلس قضائه لمَّا رأى ما يصنعُ الناسُ قال: واللهِ ما يُصلِحُ هؤلاء الناسَ إلا وَزَعةٌ(٥). وقال الحسنُ أيضاً: لا بُدَّ (١) ٤٢٢/١، وقد سلف ٣٣٩/٣. (٢) وهو الذبياني، وقد سلف ٣٠٨/٨ . (٣) قائله المعلوط السعدي كما في التمهيد ١/ ١١٧ . وذكر البيت الذي يليه من غير نسبة. (٤) عرائس المجالس ص٢٩٦ . (٥) التمهيد ١١٨/١ . ١١٩ سورة النمل: الآيات ١٧ - ١٩ للناس من وازع، أي: من سلطانٍ يَكُفّهم (١). وذكرَ ابنُ القاسم قال: حدَّثنا مالكٌ أنَّ عثمانَ بن عفان كان يقول: ما يَزَعُ الإمامُ أكثرُ ممَّا يَزعُ القرآن، أي: من الناس. قال ابن القاسم: قلتُ لمالك: ما يَزَعُ؟ قال: يَكُفُّ(٢). قال القاضي أبو بكر ابن العربي(٣): وقد جهِلَ قومُ المُرادَ بهذا الكلام، فظنُّوا أنَّ المعنى فيه (٤) أنَّ قُدرةَ السلطانِ تردَعُ الناسَ أكثرَ ممَّا تردَعُهم حدودُ القرآن، وهذا جهلٌ باللهِ وحکمتِه. قال: فإنَّ اللهَ ما وضعَ الحدودَ إلَّا مصلحةً عامَّةً كافَّةً قائمةً لِقوام الخلق، لا زيادةَ عليها، ولا نقصانَ معها، ولا يصلُحُ سواها، ولكنَّ الَّلَمةَ خاسوا بها، وقَصَّروا عنها، وأَتوا ما أَتوا بغير نية، ولم يقصِدوا وجه الله في القضاء بها، فلم يرتدع الخلقُ بها، ولو حكموا بالعدل، وأخلصوا النية، لاستقامَتِ الأمور، وصلَحَ الجمهور. قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنَّوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ بَكَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُوُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٨ فَنَسَّمَ صَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّّ أَنْعَمْتَ عَلَنَّ وَعَلَى وَالِدَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدِْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ فيه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَارِ النَّمْلِ﴾ قال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّه وادٍ بأرض الشام. وقال كعب: هو بالطائف. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ بَأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ قال الشَّعبي: كان للنملةِ جناحانِ فصارت من الطير؛ فلذلِكَ عَلِمَ منطِقَها، ولولا ذلك لَما عَلِمَه(٥). وقد مضى هذا ويأتي. وقرأ سليمان الثَّيمي بمكة: (نَمُلَةٌ)) و((النَّمُلُ)) بفتح النون وضمِّ الميم. (١) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٩١ . (٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١١٨/١. (٣) في أحكام القرآن ١٤٣٨/٣ -١٤٣٩. (٤) كلمة ((فيه)) من (م) ومن أحكام القرآن. (٥) النكت والعيون ١٩٩/٤ . ١٢٠ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ وعنه أيضاً ضَمُّهما جميعاً(١). وسُمِّيتِ النَّملةُ نملةً لتنمُّلِها وهو كثرةُ حركتِها وقِلَّةِ قرارِها(٢). قال كعب: مرَّ سليمانُ عليه السلام بوادي السَّدير من أوديةِ الطائف، فأتى على وادي النمل، فقامت نملةٌ تمشي وهي عرجاءُ تتكاوس(٣)، [وكانت(٤)] مثلَ الذِّئب في العِظَم، فنادت: ﴿يَأَيُّهَا النَّعْلُ﴾ الآية(٥). الزمخشري: سمعَ سليمانُ كلامَها من ثلاثةِ أميال، وكانت تمشي وهي عرجاءُ تتكاوس. وقيل: كان اسمُها طاخية (٦). وقال السُّهيلي(٧): ذكروا اسمَ النَّملةِ المُكلِّمةِ لسليمانَ عليه السلام، وقالوا: اسمها حرميا، ولا أدري كيف يُتَصَوَّرُ للنملة اسمُ عَلمٍ، والنمل لا يُسمِّي بعضُهم بعضاً، ولا الآدميُّون يمكنهم تسمية واحدةٍ منهم باسم عَلَم؛ لأنَّه لا يتميّز للآدميين بعضُهم من بعض، ولا هم أيضاً واقعون تحت ملكة بني آدم كالخيل والكلاب ونحوها، فإنَّ العلميةَ فيما كان كذلك موجودةٌ عند العرب. فإن قلتَ: إنَّ العلميةَ موجودةٌ في الأجناس كتُعَالة وأُسَامة وجَعَارٍ وقَئام في الضَّبع ونحو هذا کثیر، فليس اسمُ النملةِ من هذا؛ لأنَّهم زعموا أنه اسمُ عَلَمٍ لنملةٍ واحدةٍ معينةٍ من بين سائر النمل، وتُعالةُ ونحوُه لا يختَصُّ بواحدٍ من الجنس، بل كلُّ واحدٍ رأيتَه من ذلك الجنس فهو ثُعالة، وكذلك أُسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإنْ صَحَّ ما قالوه فله وجه، وهو أن تكون هذه النملةُ الناطقةُ قد سُمِّيتْ بهذا الاسم في التوراة أو (١) المحتسب ١٣٧/٢، والمحرر الوجيز ٢٥٣/٤، وهما قراءتان شاذتان. والقراءة الأولى ذكرها ابن خالويه في الشاذة ص١٠٨ عن طلحة بن مصرف والمعتمر بن سليمان، وذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ١٦١/٦ عن طلحة وأبي مجلز وأبي رجاء وعاصم الجحدري. (٢) النكت والعيون ٢٠٠/٤ . (٣) من الكَوْس: وهو المشي على رجلٍ واحدة، ومن ذوات الأربع على ثلاث قوائم. اللسان (كوس). (٤) كلمة ((وكانت)) من عرائس المجالس. (٥) عرائس المجالس ص٢٩٨-٢٩٩ . (٦) الكشاف ١٤١/٣. وهكذا وردت تسمية النملة في عرائس المجالس ص٢٩٩، وتفسير البغوي ٤١١/٣ عن الضحاك. (٧) في التعريف والإعلام ص١٢٦-١٢٧ .