النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة الشعراء: الآيات ٢٠٤ - ٢١٣ فيها ألفاً مقصورة. ويجوز ((ذِكْرَى)) بالتنوين، ويجوز أن يكون ((ذِكرى)) في موضعٍ رفعٍ على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي: إنذارُنا ذكرى. وقال الفرَّاء: أي: ذلِكَ ذكرى، وتلِكَ ذكرى(١). وقال ابن الأنباري(٢): قال بعض المفسِّرين: ليس في (الشعراء)» وقفٌ تامٌّ إلَّا قوله: ﴿إِلَّا لَمَا مُنذِرُونَ﴾ وهذا عندنا وقفٌ حسن، ثم تبتدئ (ذِكْرَى)) على معنى: هي ذكرى، أو (٣): يُذَكِّرهم ذكرى، والوقف على ((ذِكْرَى)) أجود. ﴿وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ في تعذيبهم حيثُ قَدَّمنا الحُجَّةَ عليهم وأعذَرْنا إليهم(٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا نَزََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿ وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٨َ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٨٦) فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (١)﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ يعني القرآن، بل ينزل به الروح الأمين. ﴿وَمَا يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ . إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ أي: برمي الشُّهُبِ كما مضى في سورة ((الحِجرٍ)) بيانه(٥). وقرأ الحسن ومحمد بن السَّمَيْفَع: ((وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُون))(٦) قال المهدَوي: وهو غيرُ جائزٍ في العربية ومخالفٌ للخطّ. وقال النَّخَاسِ (٧): وهذا غلطٌ عند جميع النَّحْويِّين، وسمعتُ علي بن سليمان يقول: سمعتُ محمد بن يزيد يقول: هذا غلطٌ عند العلماء، إنما يكون بدخول شبهة؛ لمَّا رأى الحسنُ في آخره ياءً ونوناً وهو في موضعِ رفعٍ اشتبه عليه بالجمع المُسَلَّمِ فغَلِطَ، وفي (١) إعراب القرآن ١٩٣/٣ -١٩٤٠. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٨٤/٢، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ١٠٢/٤-١٠٣ ٠ (٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٨١٤/٢. (٣) في (د) و(م): أي. (٤) تفسير البغوي ٣٩٩/٣ . (٥) ١٨٧/١٢-١٩٠. (٦) المحرر الوجيز ٢٤٥/٤، وهي في إعراب القرآن ١٩٤/٣، والمحتسب ١٣٣/٢ عن الحسن، وفي الشاذة ص١٠٨ عن الحسن والأعمش. (٧) في إعراب القرآن ٣/ ١٩٤ . ٨٢ سورة الشعراء: الآيات ٢١٠ - ٢١٣ الحديث: ((احذروا زلَّة العالم))(١) وقد قرأ هو مع الناس: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، ولو كان هذا بالواو في موضعِ رفعٍ لَوَجبَ حذفُ النُّونِ للإضافة. وقال الثعلبي: قال الفرَّاء: غلِطَ الشيخُ - يعني الحسن - فقيل ذلك للنَّضرِ بن شُمَيل، فقال: إنْ جازَ أنْ يُحتَجَّ بقولِ رؤية والعجَّاجِ وذويهما، جاز أن يُحتَجَّ بقول الحسن وصاحبه، مع أنَّا نعلَمُ أنَّهما لم يقرأا بذلك إلَّا وقد سمِعا في ذلك شيئاً(٢). وقال المؤرِّج: إنْ كان الشيطانُ من شاطَ يشيطُ كان لقراءتِهما وجه. وقال يونس بن حبيب: سمعتُ أعرابيًّا يقول: دخَلْنا بساتينَ من ورائها بَساتون، فقلتُ: ما أشبه هذا بقراءة الحسن(٣)! قوله تعالى: ﴿فَلَ نَّعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ قيل: المعنى: قُلْ لِمَنْ كفر هذا. وقيل: هو مخاطبةٌ له عليه الصلاة والسلام وإن كان لا يفعل هذا؛ لأنَّه معصومٌ مختارٌ، ولكنَّه خُوطِبَ بهذا والمقصودُ غيره. ودلَّ على هذا قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ أي: لئلّا (٤) يتَّكِلوا(٥) على نسبِهم فيَدَعوا(٦) ما يجِبُ عليهم(٧). (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٠٨١، والبيهقي ٢١١/١٠ من حديث عمرو بن عوف ﴾، بلفظ: (اتقوا زلَّة العالم))، وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وهو متروك، واتهمه الشافعي وأبو داود بالكذب. ميزان الاعتدال ١٠٦/٣-٤٠٧ . وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٠٢) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن معاذ مرفوعاً بلفظ: ((إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاث: جدال منافق، وزلة عالم، ودينار تقطع أعناقكم)). ثم قال: قال الدارقطني: وقد وقفه شعبة عن عمرو بن مرة، والموقوف هو الصحيح. (٢) وذكره الزمخشري في الكشاف ١٣١/٣ . (٣) قول يونس بن حبيب أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٥/٤ . (٤) في النسخ: لا، والمثبت من إعراب القرآن. (٥) في (م): يتكلون. (٦) في (م): فيدعون. (٧) إعراب القرآن ١٩٥/٣. ٨٣ سورة الشعراء: الآيات ٢١٤ - ٢٢٠ وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ وَتَّكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الَّحِيمِ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ ( الْمُؤْمِنِينَ الَّذِى يَرَبِكَ حِينَ تَّقُوُ (١٨) وَتَقَلُّكَ فِي السَّجِدِينَ ﴿٧َ إِنَُّ هُوَ السَّيِيعُ الْعَلِيمُ قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ خَصَّ عشيرته الأقربين بالإنذار؛ لِتنحَسِمَ أطماعُ سائرٍ عشيرتِه وأطماعُ الأجانبِ في مُفارقته إيَّاهم على الشِّرك(١). وعشيرتُه الأقربون قريش. وقيل: بنو عبد مناف. ووقع في ((صحيح مسلم)): ((وأنذِر عشِيرتَكَ الأقربِينَ، ورَهطَكَ مِنهم المُخلَصِين))(٢). وظاهرُ هذا أنَّه كان قرآناً يُتلى وأنه نُسِخَ؛ إذ لم يثبُتْ نقلُه في المصحفِ ولا تواتر، ويَلزَمُ على ثبوتِهِ إشكالٌ، وهو أنَّه كان يَلزَمُ عليه ألَّا يُنذِرَ إلَّا مَنْ آَمنَ من عشيرتِه؛ فإنَّ المؤمنينَ هم الذين يُوصَفون بالإخلاص في دين الإسلام وفي حبِّ النبيِّ ﴾ لا المشركون؛ لأنَّهم ليسوا على شيءٍ من ذلك، والنبيُّ # دعا عشيرتَه كلَّهم مؤمِنَهم وكافِرَهم، وأنذَرَ جميعَهم ومَنْ معهم ومَنْ يأتي بعدَهم ﴾، فلم يثبُتْ ذلك نقلاً ولا معنّى(٣). وروى مسلمٌ من حديث أبي هريرةَ قال: لمَّا نزلَتْ هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ دعا رسول الله ﴾ قريشاً، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: ((يا بني كعبٍ بن لؤيٍّ، أنقذوا أنفُسَكم من النَّار، یا بني مُرَّةَ بن كعب، أنقِذوا أنفُسَكم من النَّار، يا بني عبدٍ شمسٍ، أنقذوا أنفُسْكم من النَّار، يا بني عبد منافٍ، أنقذوا أنفُسَكم من الثَّار، يا بني هاشم، أنقِذُوا أَنفُسَكم من النَّار، يا بني عبدِ المُطَّلبِ، أنقذوا أنفُسَكم من النَّار، يا فاطمةُ أنقذي نفسَكِ من النَّار، فإِنِّي لا أملِكُ لكم من الله شيئاً غيرَ أنَّ لكم رَحِماً سأَبُلُّها بِبَلالها)»(٤). (١) مجمع البيان ١٩/ ١٨٧ بنحوه. (٢) صحيح مسلم (٢٠٨) من حديث عبد الله بن عباس﴾. وأخرجه البخاري أيضاً (٤٩٧٢). (٣) المفهم ٣٨٥/٧ . (٤) صحيح مسلم (٢٠٤). وأخرجه أحمد (٨٧٢٦). قال السندي في حاشيته على المسند: قوله: ((بيلالها)) = ٨٤ سورة الشعراء: الآيات ٢١٤ - ٢٢٠ الثانية: في هذا الحديث والآية دليلٌ على أنَّ القُرْبَ في الأنساب لا ينفَعُ مع البُعدِ في الأسباب، ودليلٌ على جواز صِلَةِ المؤمنِ الكافرَ وإرشادِهِ ونصيحتِه؛ لقوله: ((إنَّ لكم رَحِماً سأَبُلُّها بيِلالها))(١)، وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يَنْهَنَّكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية [الممتحنة: ٨]، على ما يأتي بيانُه هناكَ إن شاء الله(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَلَكَ لِمَنْ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ تقدَّم في سورة ((الحِجرِ))(٣) و(سبحان))(٤) يُقال: خفضَ جناحَه إذا لانَ. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ أي: خالفوا أمرَكَ. ﴿فَقُلْ إِّ بَرِّةٌ مَِّّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بريءٌ من معصيتِكم إيَّأْيَ؛ لأنَّ عصيانَهم إِيَّاه عصيانٌ للهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلَّا بما يرضاه، ومَنْ تبرَّأَ منه فقد تبرَّأَ اللهُ اامنه (٥) ... قوله تعالى: ﴿وَتَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي: فَوِّضْ أمركَ إليه، فإنَّه العزيزُ الذي لا يُغالَبُ، الرَّحيمُ الذي لا يخذُلُ أولياءه(٦). وقرأ العامَّة: ((وتوكّلْ)) بالواو، وكذلك هو في مصاحفهم. وقرأ نافع وابن عامر: ((فَتَوَكَّلْ)) بالفاء، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام(٧). ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقومُ إلى الصلاة في قول أكثر المفسرين: ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: = قيل: بكسر الباء، جمع بَلَل: وهو كلُّ ما بلَّ الحلقَ من ماءٍ أو لبنٍ أو غيره. ويُروى بفتحها على المصدر، أي: أصِلُكم في الدنيا. قيل: شبّه القطيعة بالحرارة تُطفأُ بالماء. (١) المفهم ٧/ ٣٨٤. (٢) قوله: ((إن شاء الله)) من (م). (٣) ٢٥٤/١٢-٢٥٥ . (٤) ٥٩/١٣ - ٦٠ . (٥) إعراب القرآن ١٩٥/٣. (٦) مجمع البيان ١٨٩/١٩. (٧) السبعة ص ٤٧٣، والتيسير ص١٦٧ . ٨٥ سورة الشعراء: الآيات ٢١٤ - ٢٢٣ يعني: حينَ تقومُ حيثُما كُنْتَ(١). ﴿وَتَقَلُّكَ فِي السَِّدِينَ﴾ قال مجاهد وقتادة: في المُصلِّينَ(٢). وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدمَ ونوحٍ وإبراهيمَ حتى أخرجَه نبيًّا(٣). وقال عكرمة: يراك قائماً وراكعاً وساجداً. وقاله ابنُ عباسٍ أيضاً (٤). وقيل: المعنى: إنَّكَ ترى بقلبِكَ في صلاتِكَ مَنْ خلفَكَ كما ترى بعينِكَ مَنْ قُدَّامَكَ. ورُويّ عن مجاهد؛ ذكره الماورديُّ(٥) والثعلبيُّ. وكان عليه الصلاة والسلام يَرى مَنْ خلفَه كما يَرى مَنْ بين يديه، وذلك ثابتٌ في الصحيح(٦)، وفي تأويل الآية بعيد. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ تقدَّم. ٢٢٢ ﴿٣َ تَُّ عَلَى كُلِّ أَقَّاءٍ أَشِيِمٍ قوله تعالى: ﴿هَلْ أُبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُنَ ®) قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَُّ عَلَى كُلِّ أَفََّكٍ أَشِيمٍ﴾ إنَّما قال: (تَتَزَّلُ)) لأنها أكثرُ ما تكون في الهواء، وأنها تمرُّ في الريح(٧). ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ﴾ تقدَّم في ((الحجر))(٨). فـ((يُلْقُونَ السَّمْعَ)) صفةٌ الشياطين ((وَأَكْثَرُهُمْ)) يرجِعُ إلى الكهنة (٩). وقيل: إلى الشياطين(١٠). (١) الوسيط ٣٦٥/٣. وأخرج الطبري ١٧ / ٦٦٦ قول مجاهد. (٢) معاني القرآن للنحاس ٥/ ١٠٧، وأخرجه الطبري ١٧ / ٦٦٧ -٦٦٨ عن مجاهد. (٣) معاني القرآن للنحاس ١٠٧/٥. (٤) أخرجه عنهما الطبري ١٧/ ٦٦٦ - ٦٦٧ . (٥) في النكت والعيون ١٨٩/٤، وأخرجه الطبري ١٧ / ٦٦٧ . (٦) صحيح البخاري (٧١٨)، وصحيح مسلم (٤٣٤) من حديث أنس بن مالك ﴾. وأخرجه أحمد (١٢٠١١). (٧) إعراب القرآن ٣/ ١٩٥. (٨) ١٨٧/١٢ -١٨٨. (٩) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٤. (١٠) إعراب القرآن ١٩٥/٣. ٨٦ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ ﴿ أَ تَّرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ قوله تعالى: ﴿ وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ٢٢٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَذَّكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَقَبِعُهُمُ الْغَاوُنَ﴾ فيه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ﴾ جمع شاعر، مثل جاهل وجُهَلاء. قال ابن عباس: هم الكفار يَتَّبِعُهُم ضُلَالُ الجِنِّ والإنس(١). وقيل ﴿الْغَاوُونَ﴾: الزائِلونَ عن الحقِّ، ودَلَّ بهذا أنَّ الشعراءَ أيضاً غاوون؛ لأنَّهم لو لم يكونوا غاوينَ ما كان أتباعُهم كذلك(٢). وقد قدَّمنا في سورة (النور))(٣) أنَّ من الشِّعر ما يجوزُ إنشادهُ، ويُكرَهُ، ويَحرُمُ. روى مسلمٌ من حديث عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفتُ رسولَ اللهِ ﴾. يوماً (٤) فقال: ((هل معَك من شعرِ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ شيءٌ؟)) قلتُ: نعم. قال: ((هِيه)) فأنشدتُه بيتاً. فقال: ((هِيه)) ثم أنشدتُه بيتاً، فقال: ((هِيه)) حتى أنشدتُه مئةَ بيت(٥). هكذا صوابُ هذا السندِ وصحيحُ روايَتِهِ. وقد وقعَ لبعضٍ رُواةٍ كتابٍ مُسلمٍ: عن عمرو بن الشَّريد عن الشَّريدِ أبيه، وهو وَهَمٌ؛ لأنَّ الشَّريدَ هو الذي أردفَه رسولُ الله ◌ِ﴾، واسمُ أبي الشَّريدِ سُوَيْد. وفي هذا دليلٌ على حفظِ الأشعارِ والاعتناءِ بها إذا تضمَّنَتِ الحِكَمَ والمعاني المُستحسنةَ شرعاً وطبعاً، وإنَّما استكثَر النبيُّ﴾ من شعر أمية؛ لأنَّه كان حكيماً؛ ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام: ((وكاد أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ (٦)) (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ٥٧٣، وأخرجه الطبري ١٧ / ٦٧٥. (٢) إعراب القرآن ١٩٦/٣. (٣) ٢٧٩/١٥ - ٢٨٠ . (٤) كلمة ((يوماً) من صحيح مسلم. (٥) صحيح مسلم (٢٢٥٥). وأخرجه أحمد (١٩٤٧٦). (٦) أخرجه البخاري (٦١٤٧)، ومسلم (٢٢٥٦) (٣) من حديث أبي هريرة ﴾. ومن قوله: هكذا صواب هذا السند ... إلى هذا الموضع من المفهم ٥٢٦/٥-٥٢٧. وقال مؤلفه: قوله: (هيه)) بكسر الهاء الأولى، وسكون الثانية للوقف. وهي ((إيه)) التي للاستزادة، وأبدل من الهمزة هاءً، = ٨٧ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ فأما ما تضمَّنَ ذِكْرَ اللهِ وحمدَه والثناءَ عليه فذلك مندوبٌ إليه، كقول القائل: الحمدُ للهِ العليِّ المنان صارَ الثريدُ في رؤوس العيدان أو ذِكْرَ رسولِ الله ﴿ أو مَدْحَه كقول العباس: مُسْتودَعِ حيثُ يُخصَّفُ الورَقُ مِن قبلها طِبْتَ في الطِّلال وفي أنتَ ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ ثمَّ هبطتَ البلادَ لا بشرٌ أَلْجَمَ نَسْراً وأهلَه الغَرَقُ بل نطفةٌ تركّبُ السَّفِينَ وقَدْ إذا مَضَى عالَمٌ بَدا طَبَقُ تُنقَلُ مِن صَالبٍ إلى رَحِمٍ فقال له النبيُّ ﴿﴿: ((لا يَفْضُضُ اللهُ فاكَ))(١). أو الذبَّ عنه، کقول حسان: هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهُ وعندَ اللهِ في ذاك الجزاءُ وهي أبياتٌ ذكرها مسلمٌ في ((صحيحه))(٢) وهي في السير أتَّمُّ. أو الصلاةَ عليه، كما روى زيدُ بن أسلم: خرجَ عمرُ ليلةً يحرُسُ، فرأى مِصباحاً في بيتٍ، وإذا عجوزٌ تَنفِشُ صوفاً وتقول: صلَّى عليه الطيِّبون الأخيار على محمدٍ صلاةُ الأبراز يا ليتَ شِغري والمنايا أطواز قد كنتَ قوَّاماً بُكاً بالأسحار هل يَجمَعنِّي وحبيبيَ الدارْ يعني النبيَّ#؛ فجلس عمرُ يبكي (٣). = وهي اسمٌ لفعل الأمر الذي هو: زِدْ. وهي مبنيةٌ على الكسر؛ لوقوعها موقع المبني الذي هو الأمر. وفي الصحاح: إذا قلت: إيه يا رجل، فإنما تأمره بأن يزيدك من حديثه المعهود. وإن قلت: إيه بالتنوين، كأنك قلت: هاتٍ حديثاً؛ لأن التنوين تنكير. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٢٧/٣ - ١٤٢٨. وأخرجه الطبراني في الكبير (٤١٦٧)، والحاكم ٣٢٨/٣ وقال: هذا حديث تفرد به رواتُه الأعراب عن آبائهم، وأمثالهم من الرواة لا يضعون. (٢) برقم (٢٤٩٠) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٢٤). ٨٨ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ وكذلك ذِكْرَ أصحابِهِ ومَدْحَهم ﴾؛ ولقد أحسن محمد بن سابق حيثُ قال: كما رضيتُ عَتيقاً صاحبَ الغارِ إنِّي رضيتُ عليًّا للهُدَى عَلَماً وما رضيتُ بقتلِ الشيخِ في الدارِ وقد رضيتُ أبا حفصٍ وشيعتَهُ فهل عليَّ بهذا القولِ من عارٍ إلَّا مِنَ اجلِكَ فاعْتِقْني من النارِ (١) كلُّ الصحابةِ عندي قُدوةٌ عَلَمٌ إِنْ كُنتَ تعلمُ أَنِّي لا أحِبُّهِمُ وقال آخرُ فأحسَنَ : وحُبُّ أصحابِه نورٌ بِبُرهانٍ حُبُّ النبيِّ رسولِ الله مُفْتَرَضٌ من كان يعلَمُ أنَّ اللهَ خالِقُهُ لا يَرمِيَنَّ أبا بكرٍ بِبُهتانٍ ولا الخليفةَ عثمانَ بنَ عفَّانِ ولا أبا حفصٍ الفاروقَ صاحِبَهُ أمَّا عليٍّ فمشهورٌ فضائِلُهُ والبيت لا يَستوِي إلا بأركانِ قال ابن العربي (٢): أمَّا الاستعاراتُ في التشبيهاتِ فمأذونٌ فيها وإنِ استغرَقَتِ الحدَّ وتجاوزتِ المُعتادَ؛ فبِذلِكَ يضرِبُ المُلَكُ المُوثَّلُ بالرؤيا المثَلَ، وقد أنشد کعب بن زهير النبيَّ ٹ: مُتَيَّمٌ إِثْرَها لم يُفْدَ مَكْبُولُ بانَتْ سعادُ فقلبي اليومَ مَتْبوُلُ إلا أَغَنُّ غَضيضُ الظَّرْفِ مَكحول وما سُعادُ غَدَاةَ البَيْنِ إِذْ رَحَلُوا كأنَّهُ مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلولُ تجلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتسمتْ فجاء في هذه القصيدة من الاستعاراتِ والتشبيهاتِ بكلِّ بديع، والنبيُّ # يسمع ولا يُنكِرُ في تشبيهه رِيقَها بالرَّاح. وأنشد أبو بكر ووذَّعَنَا مِنَ اللهِ الكلامُ فَقَدْنا الوحيَ إِذْ وَلَّيتَ عنَّا (١) الأبيات دون البيت الثالث في تاريخ ابن عساكر ٤٢/ ٥٣٣. (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٣٤. ٨٩ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ تَوارثَهُ القَراطيسُ الكرامُ سوى ما قد تركتَ لنا رهيناً عليكَ به الشَّحيةُ والسَّلامُ فقد أورَثْتَنا ميراثَ صِدْقٍ فإذا كان رسولُ الله ﴿ يسمَعُه وأبو بكر يُنشِدُه، فهل للتقليدِ والاقتداءِ موضعٌ أرفَعُ من هذا؟! قال أبو عمر: ولا يُنكِرُ الحسَنَ من الشِّعرِ أحدٌ من أهل العلم ولا من أولي النُّهى، وليس أحدٌ من كبار الصَّحابةِ وأهلِ العلم وموضعِ القُدوةِ إلَّا وقد قال الشعر، أو تمثّلَ به، أو سمِعَه فَرَضِيَه، ما كان حكمةً أو مباحاً، ولم يكن فيه فُحْشٌ ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلِكَ فهو والمنثورُ من القول سواءٌ لا يحِلُّ سماعُه ولا قولُه. وروى أبو هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله :﴿ على المنبر يقول: ((أصدقُ كَلِمةٍ - أو أَشْعَرُ كلمةٍ - قالَتْها العربُ قولُ لَبِيد: أَلَا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطِلُ أخرجه مسلم، وزاد: ((وكادَ أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسلِمَ))(١). ورُوي عن ابن سيرينَ أنه أنشدَ شعراً فقال له بعضُ جُلسائه: مثلُكَ يُنشِدُ الشِّعرَ يا أبا بكر؟! فقال: ويلَكَ يا لُكَع، وهلِ الشِّعرُ إلَّا كلامٌ لا يُخالِفُ سائرَ الكلام إلّ في القوافي، فخسَنُه حسنٌ وقبيحُه قبيح؟! قال: وقد كانوا يتذاكرون الشِّعر. قال: وسمعتُ ابنَ عُمَرَ يُنشِدُ: يُحِبُّ الخمرَ من مالِ النَّدامَى ويَكرهُ أنْ يُفارِقَهُ الغَلُوسُ(٢) وكان عُبيد الله بن عبد الله بن عُثْبة بن مسعود - أحدُ فُقهاءِ المدينةِ العشرة ثم المشيخةِ السبعة - شاعراً مجيداً مُقدَّماً فيه(٣). وللزُّبير بن بكّار القاضي في أشعاره كتاب، وكانتْ له زوجةٌ حسنةٌ تُسمَّى عَثْمة، فعتِبَ عليها في بعض الأمر فطلقَّها، وله فيها أشعارٌ كثيرة، منها قوله : (١) صحيح مسلم (٢٢٥٦) (٣). وأخرجه أيضاً البخاري (٦١٤٧) بتلك الزيادة، وقد سلفت قريباً. (٢) التمهيد ١٩٤/٢٢-١٩٥. والغَلوس تصغير الغَلَس: وهو ظلمة آخر الليل. الصحاح (غلس). وأثر ابن سيرين أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧١). (٣) التمهيد ٧/٩. ٩٠ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ فبادِيهِ مع الخافي يَسيرُ تغَلَغَلَ حُبُّ عَثْمةً في فؤادي ولا حُزنٌ ولم يبلُغْ سُرورُ تغَلَغَلَ حيثُ لم يبلُغْ شَرَابٌ أطيرُ لَوَ انَّ إنساناً يَطيرُ(١) أكادُ إذا ذكرتُ العهدَ منها وقال ابن شهاب: قلتُ له: تقول الشِّعَر في نُسكِكَ وفضلِكَ؟! فقال: إنَّ المصدورَ إذا نَفَثَ بَرَأَ. الثانية: وأمَّا الشِّعرُ المذمومُ الذي لا يَحِلُّ سماعُه وصاحبُه مَلومٌ، فهو المُتكلِّمُ بالباطل حتى يُفضِّلوا أجبنَ الناس على عنترة، وأشخّهم على حاتم، وأن يَبهتوا البريء ويُفسِّقوا التَّقيَّ، وأن يُفرِّطوا في القول بما لم يفعله المرء؛ رغبةً في تسلية النَّفْسِ وتحسينِ القول(٢)، كما رُويَ عن الفَرَزدقِ أنَّ سليمانَ بنَ عبدِ الملك سمِعَ قولَه : وبِتُّ أَفُضُّ أغلاقَ الخَامِ فيِتْنَ بجانبيَّ مُصَرَّعاتٍ فقال: قد وجبَ عليك الحَدُّ. فقال: يا أمير المؤمنين، قد درأَ اللهُ عني الحَدَّ بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾(٣). وروي أنَّ النعمانَ بنَ عدِيٌّ بنِ نَضْلةً كان عاملاً لعمر بن الخطاب ﴾ فقال: مَنْ مُبْلِغُ الحسناءِ أنَّ حليلَها بمَيْسَانَ(٤) يُسقَى في زُجاجٍ وحَنْتَمٍ ورقَّاصةٌ تَجْذو(٦) على كلِّ مَنْسِمٍ (٧) إذا شئتُ غنّتْني دَهاقينُ(٥) قريةٍ (١) الأبيات سلفت ٢٥٦/٢ . (٢) من قوله: أن يفرطوا ... إلى هذا الموضع في أحكام القرآن لابن العربي ١٤٢٩/٣. (٣) الأغاني ٣٧٣/٢١. (٤) اسم كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط. معجم البلدان ٢٤٢/٥ . (٥) كلمة فارسية معرَّبة، جمع دهقان: وهو التاجر. اللسان (دهقن). (٦) من الجُذو: وهو القيام على رؤوس الأصابع . اللسان (جذا). (٧) أي: مِفْصل. اللسان (نسم). ٩١ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ ولا تَسْقِني بالأصغرِ المُنثَلِّمِ (١) فإن كنتَ نَدْماني فِالأَكْبَرِ اسْقِني تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ(٢) المُتهدِّمِ لعَلَّ أميرَ المؤمنين يَسوءُه فبلغَ ذلِكَ عُمرَ، فأرسل إليه بالقُدوم عليه. وقال: إي واللهِ إني ليَسوءُني ذلك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ، وإنَّما كانَتْ فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَقَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ فقال له عمر: أمَّا عُذرُكَ فقد دراً عنكَ الحَدَّ، ولكِنْ لا تعمَلْ لي عملاً أبداً وقَدْ قُلتَ ما قُلتَ(٣). وذكر الزُّبِيرُ بنُ بِكَّارٍ قال: حدَّثني مصعب بن عثمان أنَّ عُمرَ ابنَ عبد العزيز لمَّا وَليَ الخلافةَ لم يكن له هَمّ إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص، فكتبَ إلى عامله على المدينة: إنِّي قد عرفتُ عُمرَ والأحوصَ بالشَّرِّ والخُبثِ، فإذا أتاكَ كتابي هذا فاشدُدْ عليهما واحمِلْهما إليَّ. فلمَّا أتاه الكتابُ حملَهما إليه، فأقبل على عمر فقال: هِيه! ولا كَليالي الحجِّ أَقْلَتْنَ ذَا هَوی فلم أَرَ كالثَّجمیرِ منظَرَ ناظرٍ إذا راحَ نحوَ الجمرةِ البيضُ كالدُّمَی وكم مالئٍ عينيه من شيءٍ غيرِهِ أمَّا واللهِ لِو اهتممتَ بحجِّكَ لم تنظُرْ إلى شيءٍ غيرِك، فإذا لم يفلَتِ الناسُ منكَ في هذه الأيام فمتى يفلَتون؟! ثم أمر بنَفْسِه، فقال: يا أمير المؤمنين، أوَ خَيرٌ من ذلك؟ فقال: ما هو؟ قال: أُعاهِدُ اللهَ أنّي لا أعودُ إلى مثل هذا الشِّعر، ولا أذكرُ النِّساءَ في شعرٍ أبداً، وأُجَدِّدُ توبةً، فقال: أوَ تفعَلُ؟ قال: نعم. فعاهدَ اللهَ على توبته وخلاه، ثم دعا بالأحوص، فقال: هِیه! اللهُ بيني وبينَ قَيِّمِها يَفِرُّ مِنِّي بها وأَتَّبِعُ بَلِ اللهُ بين قَيِّمِها وبينَك. ثم أمرَ بنَفِْهِ، فكلَّمه فيه رجالٌ من الأنصار فأبى، وقال: (١) من ثَلِمَ الإناء إذا كُسِرَ حرفُه. اللسان (ثلم). (٢) وهو القصر. معجم الألفاظ الفارسية المعربة ص٤٨ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٢٩/٣- ١٤٣٠. ٩٢ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ واللهِ لا أردُّه ما كان لي سلطان، فإنَّه فاسقٌ مُجاهِرٌ(١). فهذا حُكم الشِّعرِ المَذْمومِ وحُكمُ صاحبِه، فلا يحِلُّ سماعُه ولا إنشادُه في مسجدٍ ولا غيرِهِ، كمنثورِ الكلامِ القبيحِ ونحوِه. وروى إسماعيل بن عَيَّاش، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرةً قال: قال رسول اللـه ﴾: ((حَسَنُ الشِّعرِ كَحسَنِ الكلامِ، وقبيحُه كقَبِيحِ الكلام(٢)) رواه إسماعيل عن عبد الله الشَّامي، وحديثُه عن أهل الشَّام صحيحٌ فيما قال يحيى بنُ مَعينٍ وغيرُه(٣). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: «الشِّعرُ بمنزلةِ الكلامِ، حَسَنُه كحَسَنِ الكلام، وقبيحُه كَقبیحِ الكلام»(٤). الثالثة: روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: «لَأَنْ يمتلئَ جَوفُ أحدِكُمْ قَيْحاً يَرِيهِ (٥) خيرٌ مِنْ أنْ يمتلِئَ شِعْراً))(٦)، وفي الصحيح أيضاً عن أبي سعيدِ الخُدريِّ قال: بينا نحنُ نسيرُ مع رسولِ الله﴾ إذْ(٧) عرَضَ شاعِرٌ يُنشِدُ، فقال رسول اللـه ﴾: ((خُذوا الشَّيطانَ - أو: أمْسِكوا الشَّيطان - لَأَنْ يمتلِئَّ جوفُ رجلٍ قيحاً خيرٌ له مِنْ أنْ يمتلِئَ شِعراً»(٨). قال عُلماؤنا: وإنما فعلَ النبيُّ :# هذا مع هذا الشاعرِ لِمَا عَلِمَ من حاله، فلعلَّ هذا الشاعرَ كان مِمَّنْ قد عُرِفَ من حاله أنَّه قدِ اتَّخذَ الشِّعرَ طريقاً للتكسُّبِ، فُيفرِطُ في المدحِ إذا أُعطي، وفي الهَجْوِ والذُّمِّ إذا مُنِعَ، فيؤذي (١) الأغاني ٩/ ٦٤-٦٥. (٢) أخرجه الدار قطني (٤٣٠٩). وله شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه أبو يعلى (٤٧٦٠)، والدار قطني (٤٣٠٦) و(٤٣٠٧). (٣) تهذيب التهذيب ١/ ١٦٣ . (٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٦٥)، والطبراني في الأوسط (٧٦٩٢)، والدارقطني (٤٣٠٨). (٥) قبلها في (د) و(م): حتى. (٦) صحيح مسلم (٢٢٥٧). وأخرجه أحمد (٧٨٧٤)، والبخاري (٦١٥٥). (٧) في (م): إذا. (٨) صحيح مسلم (٢٢٥٩). وأخرجه أحمد (١١٠٥٧). ٩٣ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ الناسَ في أموالِهم وأعراضِهم، ولا خلافَ في أنَّ مَنْ كان على مِثْلِ هذه الحالة فكلُّ ما يكتسِبُهُ بالشِّعرِ حرام، وكلُّ ما يقولُه من ذلك حرامٌ عليه، ولا يحِلُّ الإصغاءُ إليه، بل يجبُ الإنكارُ عليه، فإنْ لم يمكِنْ ذلِكَ لمن خافَ من لسانه قطعاً تعيَّنَ عليه أن يُداريَه بما استطاع، ويُدافِعَه بما أمكن، ولا يحِلُّ أن (١) يُعطى شيئاً ابتداءً؛ لأنَّ ذلك عونٌ على المعصية، فإنْ لم يجِدْ من ذلك بُدَّا أعطاه بِنَّةِ وقاية العِرض، فما وَقَى به المرءُ عِرْضَه كُتِبَ له به صدقة. وقوله(٢): ((لَأَنْ يمتلِئَ جوفُ أحدِكم قيحاً يَرِيهِ(٣)) القيح: المِدَّة يُخالِطُها دم. يُقال منه: قاحَ الجُرْعُ يَقِيحُ وتَقَّحَ وقَيَّحَ. و((يَرِيه)) قال الأصمعي: هو من الوَرْيِ على مثال الرَّمْىِ، وهو أن يَدْوَى جوفُه، يُقال منه: رجلٌ مَوْريٌّ، مُشدَّدٌ غيرُ مهموز. وفي الصِّحاح: ورى القيحُ جوفَه يَرِيهِ وَرْياً إذا أكله(٤). وأنشد اليزيديُّ: قالتْ له وَرْياً إذا تَنْحَنَحَا (٥) وهذا الحديث أحسنُ ما قيلَ في تأويله: إنَّه الذي قد غلَبَ عليه الشِّعرُ، وامتلأ صدرُه منه دونَ عِلْمٍ سواه ولا شيءٍ من الذِّكْرِ مِمَّن يخوضُ به في الباطل، ويسلكُ به مسالكَ لا تُحمَدُ له، كالمُكثرِ من اللَّغَطِ والهَذَرِ والغِيبةِ وقَبيح القول(٦). ومَنْ كان الغالبُ عليه الشِّعرُ لَزِمَتْه هذه الأوصافُ المذمومةُ الدَّنِيَّةُ، لحكم العادة الأدبيّة. وهذا المعنى هو الذي أشارَ إليه البخاريُّ في («صحيحه)) لمَّا بوَّبَ على هذا الحدیث («باب ما يُكرَهُ أن يكون الغالِبُ على الإنسانِ الشِّعرُ)). وقد قيل في تأويله: إنَّ المُرادَ بذلك (١) قبلها في (م): له. (٢) قبلها في (م): قلت. (٣) قبلها في النسخ: حتى. وهي ليست في لفظ الحديث كما سلف. (٤) الصحاح (ورى). (٥) من قوله: قال علماؤنا ... إلى هذا الموضع من المفهم ٥٢٨/٥-٥٢٩ . (٦) التمهيد . .١٩٦/٢٢. ٩٤ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ الشِّعرُ الذي هُجيَ به النبيُّ # أو غيرُه. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ القليل من هَجْرِ النبيِّ ﴾ وكثيرَه سواءٌ في أنَّه كفرٌ ومذموم، وكذلك هَجْوُ غيرِ النبيِّ ﴾ من المسلمين مُحرَّمٌ قليلُه وكثيرُه، وحينئذٍ لا يكون لتخصيص الذَّمِّ بالكثيرِ معنّى(١). الرابعة: قال الشافعي: الشِّعرُ نوعٌ من الكلامِ، حَسَنُه كحسَنِ الكلامِ، وقبيحُه كقبيحِ الكلام، يعني أنَّ الشِّعرَ ليس يُكرَهُ لذاتِه، وإنَّما يُكرَهُ لمُضمَّناتِه، وقد كان عند العرب عظيمَ الموقع؛ قال الأوَّلُ منهم: وجُرحُ اللِّسانِ كِجُرْح اليدِ(٢) وقال النبيُّ ﴾ في الشِّعر الذي يَرُدُّ به حسَّان على المشركين: ((إنَّه لأَسرَعُ فيهم من رَشْقِ بالنَّبْلِ)) أخرجه مسلم(٣). وروى التِّرمِذيُّ(٤) وصحَّحه عن أنس(٥) أنَّ النبيَّ لَ﴾ دخلَ مَّةً في عُمرة القضاء وعبدُ اللهِ بنُ رَوَاحً يمشي بين يديه ويقول: اليومَ نَضْرِبْكُمْ على تنزِيلِهِ حَلُّوا بني الكفَّارِ عن سبيلِهِ ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليلِهِ ضرباً يُزيلُ الهامَ عن مَقِيلِهِ فقال عمر: يا ابن رَوَاحة، في حرَمِ اللهِ، وبينَ يدَيْ رسول الله ﴾؟! فقال رسول الله﴾: ((خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرَعُ فيهم من نَصْحِ النَّبْل))(٦). الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلِتُّعَرَآهُ يَنَّعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ لم يختلفِ القُرَّاءُ في رفع ((وَالشُّعَراءُ)) فيما علمتُ. ويجوز النصب على إضمار فعلٍ يُفسِّره ((يَتَّبِعُهُمُ))(٧)، وبه قرأ (١) المفهم ٥/ ٥٣٠ . (٢) عجز لبيت، صدره: ولو عن نثا غيره جاءني. قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص ١٨٥ . والنَّنا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن وسيئ. اللسان (نثا). (٣) في صحيحه (٢٤٩٠). (٤) في سننه (٢٨٤٧). (٥) تحرف في النسخ إلى: ابن عباس. (٦) من بداية المسألة إلى هذا الموضع من أحكام القرآن لابن العربي ١٤٢٩/٣. (٧) إعراب القرآن ١٩٦/٣ . ٩٥ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ عيسى بن عمر؛ قال أبو عبيد: كان الغالبَ عليه حبُّ النصب؛ قرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] و﴿حَمَّالَةَ اُلْخَطَبِ﴾ [المسد: ٤] و﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا﴾ [النور: ١]. وقرأ نافعٌ وشيبةُ والحسن والسُّلَميّ: ((يَتْبَعُهُمْ)) (١) مُخفَّفاً. الباقون ((يَتَّبِعُهُمُ))(٢). وقال الضَّحَّاك: تهاجى رَجُلانِ أحدُهما أنصاريٌّ والآخرُ مهاجريٌّ على عهد رسول الله ﴾، مع كلِّ واحدٍ غُواةُ قومِه وهم السفهاء، فنزلت. وقاله ابن عباس (٣). وعنه: هم الرُّواةُ للشّعر(٤). وروى عنه عليُّ بن أبي طلحة أنَّهم هم الكفار يَتْبعُهم ضُلَّالُ الجِنِّ والإنس. وقد ذكرناه. وروى غُضَيْف عن النبيِّ ﴾: ((من أحدثَ هجاءً في الإسلام فاقطعوا لسانه)»(٥). وعن ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ ﴾ لمَّا افتتحَ مكةَ رنَّ إبليسُ رَّةً وجمع إليه ذُرِّيتَه، فقال: ((ايئسوا أن تُريدوا أمةً محمدٍ على الشِّركِ بعدَ يومِكم هذا، ولكِنْ أقْشوا فيهما - يعني مكة والمدينة - الشِّعْرَ(٦)). السادسة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَّرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ يقول: في كلِّ لغوٍ يخوضون(٧)، ولا يتَّبعون سَنَنَ الحقِّ؛ لأنَّ مَنِ اتَّبِعَ الحقَّ وَعَلِمَ أنَّه يُكتَبُ علیه ما يقولُه تَثَبَّتَ، ولم يكن هائماً يذهبُ على وجهه لا يُبالي ما قال(٨). نزلت في عبد الله ابن الزِّبَعْرى ومُسافِعٍ بن عبد مناف وأميَّة بن أبي الصلت(٩). (١) الشاذة ص١٠٨، والكشاف ١٣٣/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٢٤٦/٤. وقراءة نافع في السبعة ص٤٧٤، والتيسير ص١١٥ . (٣) أخرجه عنهما الطبري ١٧ / ٦٧٥. (٤) أخرجه الطبري ١٧/ ٦٧٣ . (٥) أخرجه الطبراني في الكبير ١٨/ (٦٦١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٣/٨: فيه إسحاق بن أبي فروة، وهو متروك. (٦) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٣١٨)، وفيه: ((النَّوح)) بدل ((الشِّعر)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣/٣ : رجاله موثقون. (٧) أخرجه الطبري ٦٧٦/١٧ عن ابن عباس﴾. ونقله الماوردي في النكت والعيون ٤/ ١٩٠ عن قطرب. (٨) إعراب القرآن ١٩٦/٣. (٩) المحرر الوجيز ٢٤٦/٤ . ٩٦ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ ﴿وَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ يقول: أكثرهم يكذبون، أي: يدلُّون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه. وقيل: إنها نزلت في أبي عَزَّةَ الجُمَحيِّ حیث قال: بأنَّكَ حَقٍّ والمليكُ حَميدُ أَلَا أبلِغا عنِّي النبيَّ محمداً تَأَوَّهَ منِّي أغظُمٌ وجُلودُ (١) ولَكنْ إذا ذُكِّرتُ بَدْراً وأهلَهُ ثم استثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد الله بن رَوَاحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول الحق، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في كلامهم(٢) ﴿وَنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ وإنما يكون الانتصار بالحقِّ، وبما حدَّه اللهُ عزَّ وجلَّ، فإن تجاوزَ ذلكَ فقدِ انتصرَ بالباطل(٣). وقال أبو الحسن البرَّاد(٤) لمَّا نزلَتْ: ((والشُّعراءُ)): جاءَ حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبيِّ #، فقالوا: يا نبيَّ الله، أنزلَ اللهُ تعالى هذه الآية، وهو تعالى يعلمُ أنَّا شُعراءُ؟ فقال: ((اقرؤوا ما بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ - الآية - أنتم ﴿وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ أنتم))(٥) أي: بالردِّ على المشركين. قال النبيُّ﴾: (انْتَصِروا ولا تقولوا إلَّ حقًّا، ولا تذكروا الآباءَ والأُمَّهات)) فقال حسان لأبي سفيان: وعندَ اللهِ في ذاك الجزاءُ هجوتَ محمداً فأجَبْتُ عنهُ لعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ وإنَّ أبي ووالدتي وعِرْضي فشَرُّكما لخيرِكما الفِداءُ أتشتُمُهُ ولستَ له بِكُفٍ (١) البيتان في طبقات فحول الشعراء ٢٥٣/٢١-٢٥٤، وجمهرة الأمثال ٣٨٧/٢. (٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٨٧ . (٣) إعراب القرآن ١٩٦/٣ . (٤) واسمه سالم مولى تميم الداري كما وقعت تسميته في رواية الطبري، وقد ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٥٦/٩ . وتحرف في النسخ إلى: المبرد. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥١٨/٨، والطبري ١٧/ ٦٨٢. : ٩٧ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ وبحري لا تُكدِّرُهُ الدِّلاءُ(١) لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ وقال كعب: يا رسول الله، إنَّ الله قد أنزل في الشعر ما قَدْ علمتَ، فكيف ترى فيه؟ فقال النبيُّ ﴾: ((إنَّ المؤمنَ يُجاهِدُ بنفْسِه وسيفهِ ولسانهِ، والذي نفسي بيدهِ لَكأنَّ ما ترمونَهم به نَضْحُ النَّبْل))(٢). وقال كعب : وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ جاءت سَخِینُ کي تُغالِبَ ربَّها فقال النبيُّ ﴾: ((لقد مدحَكَ اللهُ يا كعبُ في قولِكَ هذا))(٣). وروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ اُلْفَاوُونَ﴾: منسوخٌ بقوله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾(٤). قال المَهْدَويُّ: والصحيح(٥) عن ابن عباس أنَّه استثناء. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنْقَبٍ يَقَلِبُونَ﴾ في هذا تهديدٌ لمنِ انتصرَ بظلم(٦). قال شُرَيح (٧): سيعلَمُ الظالمون كيفَ يَخْلُصون من بين يَديِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النُّصرةَ. وقرأ ابن عباس: ((أَيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ)) بالفاء والتاء(٨)، ومعناهما واحد. ذكره الثعلبي(٩). (١) الأبيات في السيرة النبوية لابن هشام ٤٢٤/٢ . (٢) أخرجه أحمد (٢٧١٧٤) من حديث كعب بن مالك ﴾. (٣) أخرجه الحاكم ٤٨٩/٣ من حديث البراء بن عازب بنحوه. والسَّخينة: طعام حار يصنع من دقيق وسمن، أغلظُ من الحساء، وأرقُّ من العصيدة. اللسان (سخن). (٤) ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٧٢/٢. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٧١)، وأبو داود (٥٠١٦) من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﴾. (٥) في (م): وفي الصحيح. (٦) إعراب القرآن ١٩٦/٣ . (٧) قوله: ((قال شريح)) من (م). (٨) زاد المسير ٦/ ١٥٢. (٩) الشاذة ص١٠٨ . وذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ١٥٢/٦ عن ابن عباس وأبي بن كعب وأبي = ٩٨ سورة الشعراء: الآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ ومعنى: ﴿أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: أيَّ مصيرٍ يصيرون، وأيَّ مَرْجِعٍ يرجعون؛ لأنَّ مصيرَهم إلى الثَّار، وهو أقبَحُ مصير، ومرجِعُهم إلى العقاب(١) وهو شرُّ مَرْجِع. والفرق بين المُنقلَبِ والمَرجِع أنَّ المُنقلبَ الانتقالُ إلى ضِدِّ ما هو فيه، والمرجعُ العَوْدُ من حالٍ هو فيها إلى حالٍ هو فيها إلى حالٍ كان عليها، فصار كلُّ مرجعٍ مُنقلَباً، وليس كلُّ مُنقَلَبٍ مرجِعاً، والله أعلم، ذكره الماوردي(٢). و((أَيَّ) منصوبٌ بـ ((يَنْقَلِبُونَ)) وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوباً بـ ((سَيَعْلَمُ)) لأنَّ أيًّا وسائرَ أسماءِ الاستفهامِ لا يعمَلُ فيها ما قبلَها فيما ذكر النَّحْوِيُّون؛ قال النَّخَّاس: وحقيقةُ القولِ في ذلك أنَّ الاستفهام معنّى وما قبله معنّى آخر، فلو عمِلَ فيه ما قبلَه لَدخَلَ بعضُ المعاني (٣) في بعض (٣). = العالية، وأبي مجلز، وأبي عمران الجوني، وعاصم الجحدري. (١) في (م): العقاب. (٢) في النكت والعيون ١٩١/٤ . (٣) إعراب القرآن ١٩٦/٣. سورة النمل مكيةٌ كلُّها في قول الجميع، وهي ثلاثٌ وتسعون آية. وقيل: أربعٌ وتسعون آية (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ قوله تعالى: ﴿طِسْنَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ) هُدًى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَّمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْأَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ وَإِنَّكَ لَتْلَى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿ِسِنَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ ثُِينٍ﴾ مضى الكلام في الحروف المُقطَّعة في ((البقرة))(٢) وغيرها. و((تِلْكَ)) بمعنى هذه، أي: هذه السورةُ آياتُ القرآن وآياتُ كتابٍ مبين(٣). وذَكَرَ القرآنَ بلفظ المعرفة، وقال: ﴿وَكِتَابٍ ثُِّينٍ﴾ بلفظ النَّكرِة، وهما في معنى المعرفة؛ كما تقول: فلانٌ رجلٌ عاقل، وفلانٌ الرجلُ العاقلُ. والكتاب: هو القرآن، فجمّعَ له بين الصِّفتين: بأنَّه قرآنٌ وأنَّه كتاب؛ لأنَّه ما يظهر بالكتابة، ويظهر بالقراءة(٤). وقد مضى اشتقاقُهما في ((البقرة))(٥). وقال في سورة الحجر [١- ٢]: ﴿الَّرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبٍ وَقُرْءَانِ تُّبِينٍ﴾ فأخرجَ الكتابَ بلفظ المعرفة والقرآنَ بلفظِ النَّكِرة؛ وذلك لأنَّ القرآنَ والكتابَ اسمانٍ يصلُحُ لكلِّ واحدٍ منهما أن يُجْعَلَ معرفةً، وأن يُجعَلَ صفةً. (١) الكشاف ٣/ ١٣٤. (٢) ٢٣٧/١-٢٤٢ . (٣) معاني القرآن للنحاس ١١٣/٥. (٤) النكت والعيون ١٩٢/٤. (٥) ١٦١/١-١٦٢ و٢٤٥. ١٠٠ سورة النمل: الآيات ١ - ٦ ووصفَه بالمبين لأنَّ بَيَّنَ فيه أمرَه ونهيَه وحلالَه وحرامَه ووعدَه ووعيدَه(١)، وقد تقدّم (٢). قوله تعالى: ﴿هُدِّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِينَ﴾ ((هُدَى)) في موضع نصبٍ على الحال من الكتاب، أي: تلكَ آيَاتُ الكتابِ هاديةً ومُبَشِّرة(٣). ويجوزُ فيه الرفعُ على الابتداء، أي: هو هدى(٤). وإن شئتَ على حذفِ حرف الصِّفة، أي: فيه هدى. ويجوزُ أن يكون الخبرُ («لِلْمُؤْمِنِينَ)). ثم وصفهم فقال: ﴿الَِّنَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وقد مضى في أوّل ((البقرة)) (٥) بيانُ هذا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ أي: لا يُصدِّقون بالبعث. ﴿زَيََّ لَمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ قيل: أعمالَهم السيئةَ حتى رأَوها حسنة(٦). وقيل: زيًَّا لهم أعمالَهم الحسنةَ فلم يعملوها. وقال الزَّجَّاج (٧): جعلنا جزاءهم على كفرهم أنْ زيّنًا لهم ما لهم فيه. ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: يتردّدون في أعمالهم الخبيثة، وفي ضلالتهم. عن ابن عباس. أبو العالية: يتمادَون. قتادة: يلعبون. الحسن: يتحيَّرون؛ قال الراجز: وَمَهْمَهٍ أطرافُهُ فِي مَهْمَهِ أَعْمَى الهُدى بالحائرينَ العُمَّهِ(٨) قوله تعالى: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ لَّمْ سُوَهُ الْعَذَابِ﴾ وهو جهنم. ﴿وَهُمْ فِ الْأَخِرَوَ هُمُ (١) النكت والعيون ٤/ ١٩٢. (٢) ٢٤١/١١ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٠٧ . (٤) يعني: في موضع رفع على خبر ابتداءٍ مضمر كما في المحرر الوجيز ٢٤٨/٤ . (٥) ٢٥١/١ - ٢٧٤. (٦) الوسيط ٣٦٨/٣. (٧) في معاني القرآن له ١٠٨/٤ . (٨) النكت والعيون ١٩٣/٤. والرجز قائله رؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه في مجموع أشعار العرب ص١٦٦ .