النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ ومئون، وهلَكَ باقيهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ١٤٢ ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا نَتَّقُونَ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُ الْمُرْسَلِينَ (٢٦) فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِيَ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ ﴿ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ١٤٥ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَزُرُوعِ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيمٌ ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُونَا فَرِهِينَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَلَا تُطِيعُواْ أَفَ الْمُسْرِفِينَ ﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِنَ ﴿﴿ مَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِعَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ ١٥٢) وَلَا تَمَشُوهَا ١١٥٥ ﴿ قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُرْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومِ الصَّدِقِينَ فَأَخَذَهُمُ ١٥٧ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَظِيمِ (٥) الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ تُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيِزُ ١٥٩ الرَّحِيمُ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ تَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ذكر قصةَ صالح وقومِه وهم ثمود؛ وكانوا يسكنون الحِجْر كما تقدَّم في ((الحجر))(١) وهي ذواتُ نخلٍ وزروعٍ ومياه. ﴿أَتُتْرَكُونَ فِ مَا هَهُنَآ﴾ يعني: في الدنيا ﴿َمِنِينَ﴾ من الموت والعذاب(٢). قال ابن عباس: كانوا معمَّرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم، ودلَّ على قوله: ﴿وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] فقرَّعهم صالحٌ ووبَّخهم وقال: أتظنُّون أنكم باقون في الدنيا بلا موت ﴿فِي جَنَّتٍ وَعُيُونِ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيرٌ﴾؟! الزمخشري: فإن قلتَ: لِمَ قال: ((ونَخْلٍ)) بعد قوله: ((في (٣) جَنَّاتٍ)) والجنةُ(٤) تتناولُ النخلَ أوَّلَ شيءٍ كما يتناول النَّعمُ الإبلَ كذلك من بين الأزواج، حتى إنهم (١) ٢٣٨/١٢. (٢) زاد المسير ١٣٨/٦، ومجمع البيان ١٧٣/١٩ . (٣) في النسخ: (و)بدل ((في). (٤) في (د) و(ز) و(م): والجنات. ٦٢ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ لَيذكرون الجنةَ ولا يقصدون إلا النَّخلَ، كما يذكرون النَّعم ولا يُريدون إلا الإبل؛ قال زهير: من النَّواضِحِ تَسْقي جَنَّةٌ سُحُقًا(١) كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَي مُقَتَّلَةٍ يعني النخل؛ والنخلة السَّحُوق: البعيدة الطول(٢). قلت(٣): فيه وجهان: أحدهما: أن يخُصَّ النخلُ بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على انفراده عنها بفضله عنها. والثاني: أن يريد بالجنَّاتِ غيرَها من الشجر؛ لأنَّ اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النَّخل. والطّلْعَة: هي التي تطلع من النَّخلة كنصل السيف، في جوفه شماريخُ القِنوِ، والقِنو: اسمٌ للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشَماريخه(٤). و((هَضِيمٌ)) قال ابن عباس: لطيفٌ ما دام في كُفُرَّاه. والهضيمُ: اللطيف الدقيق، ومنه قولُ امرئ القيس: عَليَّ هَضيمَ الكَشْحِ رَيَّ المُخَلْخَلِ(٥) الجوهري: ويُقال للطّلع: هَضيم، ما لم يخرج من كُفُرَّاه؛ لدخول بعضه في بعض. والهضيمُ من النساء: اللطيفةُ الكَشْحين(٦). ونحوه حكى الهروي؛ قال: هو المُنضَمُّ في وعائه قبل أن يظهر، ومنه رجلٌ هضيمُ الجنبين أي: مُنضَمُّهما؛ هذا قول أهل اللغة. (١) الكشاف ١٢٣/٣، والبيت في ديوان زهير ص٣٧، قال شارحه: المقتَّلة: المذلّة يعني الناقة. يقول: كأنَّ عينيَّ من كثرة دموعهما في غربي ناقةٍ يُنُضح عليها، قد قُتِّلت بالعمل حتى ذلَّت. (٢) ينظر الصحاح (سحق). (٣) يعني الزمخشري. (٤) الكشاف ١٢٣/٣ . (٥) ديوان امرئ القيس ص١٥، وصدر البيت: ((إذا قلتُ هاتي نؤِّليني تمايَلَتْ)). قال شارحه: نؤِّليني من النوال: وهو العطية. تمايلت: عطفت. ريًّا: أي: ممتلئةً لحماً وشحماً في موضع الخلخال من ساقيها، أي: ليست بناتئة العظام. (٦) الصحاح (هضم). ٦٣ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ وحكى الماورديُّ وغيره في ذلك اثني عشر قولاً: أحدهما: أنه الرُّطَبُ اللَّيِّن. قاله عكرمة. الثاني: هو المُذَنَّبُ من الرُّطَبِ. قاله سعيد بن جُبَير. قال النَّخَّاس: وروى أبو إسحاق عن يزيد - هو ابن أبي زياد كوفيٍّ ويزيد بن أبي مريم شاميٍّ - ((ونَخْلٌ طَلْعُها هَضيمٌ)) قال: منه ما قد أَرْطَبَ ومنه مُذَنَّب. الثالث: أنه الذي ليس فيه نوى. قاله الحسن. الرابع: أنه المُتَهِشِّمُ المُتَفَتِّتُ إذا مُسَّ تَفتَّتَ. قاله مجاهد. وقال أبو العالية: يتهشَّمُ في الفم. الخامس: هو الذي قد ضمَرَ بركوب بعضِه بعضاً. قاله الضخَّاك ومقاتل. السادس: أنَّه المتلاصقُ بعضُه ببعض. قاله أبو صخر. السابع: أنه الطَّلعُ حين يتفرَّقُ ويخضَرُّ. قاله الضحاك أيضاً. الثامن: أنَّه اليانِعُ النَّضيج. قاله ابن عباس. التاسع: أنَّه المُكتِزُ قبل أن ينشَقَّ عنه القِشْرُ. حكاه ابن شجرة؛ قال: كأنَّ حَمولةٌ تُجْلَى عليهِ هَضِيمٌ ما يُحَسُّ له شُقُوقُ العاشر: أنه الرِّخو. قاله الحسن. الحادي عشر: أنه الرَّخْصُ اللطيف أوَّل ما يخرج، وهو الطَّلعُ النَّضِيدُ. قاله الهروي. الثاني عشر: أنه البَرْنِيُّ(١). قاله ابن الأعرابي؛ فعيل بمعنى فاعل، أي: هنيءٌ مريءٌ من انهضام الطعام(٢). والطّلع: اسمٌ مشتَقٌّ من الطُّلوع وهو الظهور، ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات(٣). قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُتًا فَرِمِينَ﴾ النَّحتُ: النَّجْرُ والبَرْي؛ نحثَه يَنْحِتُه - بالكسر - نَحْتاً أي (٤): بَراه، والنُّحَاتَةُ: البُرايَةِ. والمِنْحَتُ: ما يُنحَتُ به(٥). (١) وهو ضرب من التمر، أصفر مدوَّر، وهو أجود التمر. اللسان (برن). (٢) النكت والعيون ٤/ ١٨٢-١٨٣ دون القول الخامس والحادي عشر والثاني عشر. وذكر النحاس في إعراب القرآن ١٨٧/٣ القول الحادي عشر. وذكر البغوي في تفسيره ٣٩٥/٣ القول الأول والرابع والخامس والعاشر. وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ١٣٨/٦ الأقوال الخمسة الأولى والقول الثامن والتاسع. وأخرج الطبري القول الأول والرابع والسادس والثامن. وقال النحاس في معاني القرآن ٩٦/٥ : هاضم مريء ولطيف. (٣) النكت والعيون ٤/ ١٨٣ . (٤) في (د) و(ز) و(م): إذا. (٥) الصحاح (نحت). ٦٤ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ وفي ((وَالصَّافَّاتِ)) [٩٥] قال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ﴾. وكانوا ينحِتونها من الجبال لمَّا طالَتْ أعمارُهم وتهدَّم بناؤهم من المَدَرِ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع(١): ((فَرِهِينَ)) بغير ألف، الباقون: ((فَارِهِينَ)) بألف(٢)، وهما بمعنّى واحدٍ في قول أبي عبيدة وغيره، مثل: ((عِظَاماً نَخِرَةً» و (نَاخِرَة)). وحكاه قطرب، وحكى: فَرُهَ يفرُهُ فهو فارِهٌ، وفَرِهَ يَفْرَهُ فهو فَرِهٌ وفارِهٌ إذا كان نشيطاً. وهو نصبٌ على الحال(٣). وفرَّقَ بينهما قومٌ فقالوا: ((فَارِهِينَ)): حاذقين بنَحْتِها. قاله أبو عبيدة (٤) ورُويَ عن ابن عباس وأبي صالح وغيرهما(٥). وقال عبد الله بن شدَّاد: ((فَارِهِينَ)): مُتجبِّرِين(٦). ورُويَ عن ابن عباس أيضاً أن معنى: ((فَرِهِينَ)) بغير ألف: أشِرِينَ بَطِرين. وقاله مجاهد(٧). ورُويَ عنه: شرهين(٨). الضحاك: كُيِّسين(٩). قتادة: مُعْجَبين. قاله الكلبي(١٠). وعنه: ناعمين(١١). وعنه أيضاً: آمنين. وهو قول الحسن. وقيل: مُتخيِّرين. قاله الكلبي والسُّدِّي. ومنه قول الشاعر: قصدتُ له لأختَبِرَ الطُّباعا إلى فَرِهِ يُماجِدُ كلَّ أمرٍ وقيل: مُتَعجِّبين. قاله خُصيف(١٢). وقال ابن زيد: أقوياء(١٣). وقيل: فَرِهين (١) قوله: ((ونافع)) من (م). (٢) السبعة ص ٤٧٢ ، والتيسير ص١٦٦ . (٣) إعراب القرآن ١٨٨/٣. وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٨٩/٢ . (٤) في مجاز القرآن ٨٨/٢ . (٥) إعراب القرآن ١٨٧/٣، والنكت والعيون ١٨٣/٤: وأخرجه عنهما الطبري ١٧/ ٦٢١ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٩٦/٥، وأخرجه الطبري ٦٢٢/١٧ . (٧) إعراب القرآن ١٨٧/٣ ومعاني القرآن للنحاس ٩٦/٥ عن مجاهد، والنكت والعيون ١٨٣/٤، وتفسير البغوي ٣٩٦/٣ عن ابن عباس (٨) النكت والعيون ١٨٣/٤، والمحرر الوجيز ٢٤٠/٤، وتفسير البغوي ٣٩٦/٣. (٩) النكت والعيون ١٨٣/٤، وتفسير البغوي ٣٩٦/٣. وأخرجه الطبري ١٧/ ٦٢٢. (١٠) معاني القرآن للنحاس ٩٦/٥ عن قتادة. وأخرجه عنه الطبري ١٧/ ٦٢٣ . (١١) ذكره البغوي ٣٩٦/٣ عن عكرمة. (١٢) من قوله: وعنه أيضاً ... إلى هذا الموضع من النكت والعيون ٤/ ١٨٣. (١٣) المحرر الوجيز ٢٤٠/٤. وأخرجه الطبري ١٧ / ٦٢٣ . ٦٥ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ فَرِحين. قاله الأخفش. والعرب تُعاقِبُ بين الهاء والحاء؛ تقول: مَدَهْتُه ومَدَحْتُه(١)، فالفَرِهُ: الأشِرُ الفَرِحُ، ثم الفرح بمعنى المَرح مذمومٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تّمْشِ فِى اُلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. قوله تعالى(٢): ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَطِيعُونِ. وَلَا تُطِيعُواْ أَقَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قيل: المُرادُ الذين عقَروا الناقة. وقيل: التسعةُ رهطٍ (٣) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (٤). قال السُّدِّيُّ وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح: إنَّ قومَكَ سيَعْقِرون ناقتَك. فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كُنَّا لِنَفْعل. فقال لهم صالح: إنَّه سيولَدُ في شهركم هذا غلامٌ يَعقِرُها ويكون هلاكُكم على يديه. فقالوا: لا يولَدُ في هذا الشهر ذَكَرٌ إلا قتلناه. فؤُلِدَ لتسعةٍ منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم وُلِدَ للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولَدْ له قبل ذلك. وكان ابنُ العاشرِ أزرقَ أحمرَ، فنبتَ نباتاً سريعاً، وكان إذا مَرَّ بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياءً لكانوا مثل هذا. وغضبَ التسعة على صالح؛ لأنَّه كان سببَ قتْلهِم أبناءَهم، فتعصَّبوا وتقاسموا بالله لنُبيَّنَّه وأهله. قالوا : نخرجُ إلى سفرٍ فيرى الناسُ سفرَنا فنكونُ في غار، حتى إذا كان الليل وخرج صالحٌ إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا: ما شَهِدْنا مَهلِكَ أهلِه وإنَّا لَصادقون، فيُصدِّقوننا ويعلمون أنَّا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالحٌ لا ينام معهم في القرية، وكان يأوي إلى مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظَهم، فلمَّا دخلوا الغارَ أرادوا أن يخرجوا، فسقطَ عليهم الغارُ فقتلَهم، فرأى ذلك ناسٌ ممَّن كان قدِ اطلَّعَ على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عبادَ الله، أما رضيَ صالحٌ أن أمرَ بقتل أولادِهم حتى قتلَهم. فأجمعَ أهلُ القرية على قتل الناقة. وقال ابن إسحاق: إنما اجتمعَ التِّسعةُ على سبِّ صالحٍ بعد (١) تفسير البغوي ٣٩٦/٣. (٢) هذه العبارة من (ظ). (٣) في (م): الرهط. (٤) هما قول واحد، وقد ذكره البغوي في تفسيره ٣٩٦/٣ عن مقاتل. ٦٦ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ عَقْرِهُم الناقةَ وإنذارِهم بالعذاب(١) على ما يأتي بيانُه في سورة النمل(٢) إن شاء الله تعالى. ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ﴾ هو من السِّحرِ في قول مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي(٣). أي: أُصِبتَ بالسِّحرِ فبَطَلَ عقلُكَ(٤)؛ لأنَّكَ بشرٌ مثلُنا فَلِمَ تدَّعي الرسالةَ دوننا؟ وقيل: من المعلَّلين بالطعام والشراب. قاله ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد أيضاً فيما ذكر الثعلبي(٥). وهو على هذا القول من السَّخْرِ وهو الرئة (٦)، أي: بشَرٌ، لك سَخْرٌ أي: رئة، تأكل وتشرب مثلنا، كما قال لبيد(٧): فإنْ تسألينا فِيمَ نحنُ فإنَّنَا عصافيرُ من هذا الأنامِ المُسَخَّرِ قال امرؤ القيس(٨): ونُسْحَرُ بالطّعامِ وبِالشَّرابِ(٩) ﴿فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في قولك. ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ قال ابن عباس: إن كنتَ صادقاً فادعُ اللهَ يُخرِجْ لنا من هذا الجبل ناقةً حمراءَ عُشَراء(١٠)، فتضعُ ونحن ننظر، وترِدُ (١) عرائس المجالس ص ٧٠-٧١ . (٢) عند تفسير الآية (٤٨) وما بعدها. (٣) وذكر هذا القول عنهما البغوي في تفسيره ٣٩٦/٣، وذكره عن مجاهد النحاس في معاني القرآن ٠٩٧/٥ (٤) مجمع البيان ١٩/ ١٧٣ . (٥) وذكره البغوي في تفسيره ٣٩٦/٣ عن ابن عباس ﴾. (٦) المحرر الوجيز ٢٤٠/٤. (٧) في (د) و(ز) و(ظ): امرؤ القيس ، والمثبت من (م). (٨) في (د) و(ز) و(ظ): أيضاً، والمثبت من (م). (٩) سلف وما قبله ٢/ ٢٧٢ . (١٠) وهي التي بلغت في حملها عشرة أشهر. تهذيب اللغة ١/ ٤١٠. ٦٧ سورة الشعراء: الآيات ١٤١ - ١٥٩ هذا الماء فتشرَبُ وتغدو علينا بمثله لبناً(١). فدعا الله وفعل الله ذلك فـ لقَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ)) أي: حظّ من الماء(٢)، أي: لكم شِرْبُ يوم ولها شِرْبُ يوم، فكانت إذا كان يوم شِرْبِها شربت ماءَهم كلَّه أوَّلَ النهار، وتسقيهم اللَّبنَ آخِرَ النهار، وإذا كان يومُ شِرْبِهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم(٣)، ليس لهم في يوم وُرودِها أن يشربوا من شِرْبها شيئاً، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئاً. قال الفرَّاء: الشّرب: الحظّ من الماء(٤). قال النَّخَّاس: فأمَّا المصدرُ فيقال فيه: شَرِبَ شَرْباً وشُرْباً وشِرْباً وأكثرها المضمومة؛ لأنَّ المكسورةَ والمفتوحةَ يشتركان مع شيءٍ آخر، فيكون الشِّرْبُ الحظّ من الماء، ويكون الشَّرْبُ جمعَ شاربٍ، کما قال: فقلتُ للشَّرْبِ في دُرْنَى وقد ثَمِلُوا(٥) إلَّا أنَّ أبا عمرو بن العلاء والكسائي يختاران الشَّرْبَ بالفتح في المصدر، ويحتجَّان برواية بعض العلماء أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((إنَّها أيامُ أكلٍ وشَرْبٍ))(٦). ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَوٍ﴾ لا يجوز إظهار التضعيف هاهنا؛ لأنَّهما حرفان مُتحرِّكان من جنسٍ واحد . ﴿فَيَأْخُذُكُمْ﴾ جواب النهي، ولا يجوز حذفُ الفاءِ منه، والجزم كما جاء في الأمر إلَّا شيئاً رُويَ عن الكسائي أنه يجيزه. ﴿فَمَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَلِمِينَ﴾ أي: على عَقْرِها لمَّا أيقَنوا بالعذاب، وذلك أنَّه أنظرهم ثلاثاً فظهرت عليهم العلامةُ في كلِّ يوم، وندموا ولم ينفَعْهُم الَّدمُ عند مُعاينةِ العذاب. وقيل: لم ينَفْعُهم النَّدمُ؛ لأنهم لم (١) الوسيط ٣٦٠/٣. (٢) قوله: ((من الماء)) من (م). (٣) الوسيط ٣/ ٣٦٠ عن مقاتل. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٨٨/٢ . (٥) هذا صدر بيت قائله الأعشى، وهو في ديوانه ص ١٠٧، وعجزه: ((شيموا وكيف يشيب الشاربُ الثَّمِلُ)). قال الأصمعي: كانت دُرنى باباً من أبواب فارس دون الحيرة. وقال غيره: باليمامة. معجم ما استعجم ٠٥٥٠/٢ (٦) سلف ٤ / ٤٦ . ٦٨ سورة الشعراء: الآيات ١٥٩ - ١٧٥ يتوبوا، بل طلبوا صالحاً عليه السلام ليقتلوه لمّا أيقنوا بالعذاب(١). وقيل: كانت ندامتُهم على تَرْكِ الولدِ إذْ لم يقتُلوه معها. وهو بعيد. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ﴾ إلى آخرها. تقدَّم. ويُقال: إنه ما آمنَ به من تلك الأمم إلا ألفان وثمانُ مئةِ رجلٍ وامرأة. وقيل: كانوا أربعةَ آلاف. وقال كعب: كان قومُ صالحِ اثنَي عشَرَ ألفَ قبيلٍ، كلُّ قبيلٍ نحُو اثنَي عشَرَ ألفاً من سوى النساء والذُّرِّية، ولقد كانّ قومُ عادٍ مثلَهم ستَّ مرات. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوِطٌ أَلَا نَتَّقُونَ ١٦٠ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (٧) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٢٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَدُونَ (١) قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنَتَهِ يَلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اٌلْمُخْرَمِنَ (١٢) قَالَ إِّ لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ (١٨) رَبِّ نَجِى وَأَهْلِى مِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٩ وَأَمَّطَرْنَا فَجَيِّنَهُ وَأَهْلَهُْ أَبْمَعِينُ (٢٠) إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ (١٧) ثُمَّ دَقَرْنَا اُلْأَخَرِينَ عَلَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٨) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْتُهُم ◌ُؤْمِنِينَ (3) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ الْمُرْسَلِينَ﴾ مضى معناه وقصته في ((الأعراف))(٢) و((هود))(٣) مستوفّى والحمد لله. قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُنَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ كانوا ينكحونهم في أدبارهم، وكانوا يفعلون ذلك بالغُرباء على ما تقدَّم في ((الأعراف)). ﴿وَتَدَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَيِكُمْ﴾ يعني فروجَ النساء، فإنَّ الله خلقَها للنكاح(٤). قال إبراهيم بن مُهاجر: قال لي مجاهد: كيف يقرأ عبد الله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزَّوَجِكُمْ﴾؟ قلتُ: (١) إعراب القرآن ١٨٨/٣. (٢) ٢٧٣/٨ - ٢٨٠ . (٣) ١٧٣/١١ - ١٩٠. (٤) الوسيط ٣٦١/٣. ٦٩ سورة الشعراء: الآيات ١٦٠ - ١٧٥ (وتذرونَ ما أصلحَ لكم ربُّكم من أزواجِكم)) قال: الفرج، كما قال: ﴿فَأْتُهُرَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللّه﴾ (١) [البقرة: ٢٢٢]. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُّ عَادُونَ﴾ أي: متجاوزون لحدود الله. ﴿قَالُوا لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ يَلُوطُ﴾ عن قولك هذا ﴿لَتَكُنَنَّ مِنَ الْمُخْرَمِينَ﴾ أي: من بلدنا وقريتنا. ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ يعني اللواط ﴿مِّنَ الْقَالِينَ﴾ أي: المُبغِضين(٢)، والقِلى البغض؛ قلَيْتُه أقلِيه قِلّى وقَلاءُ(٣). قال: فلستُ بمقليٍّ الخِلالِ ولا قَالي (٤) وقال آخر : عليكِ السلامُ لا مُلِلْتِ قرِيبةٌ ومَالَكِ عندي إنْ نأيتٍ قَلَاءُ(٥) ﴿رَبِّ ◌َخِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من عذابٍ عملهم(٦). دعا اللهَ لمَّا أيِسَ من إيمانهم ألَّا يُصيبَه من عذابهم. قال تعالى: ﴿فَنَجِّنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌ﴾ ولم يكن إلا ابنتاه على ما تقدَّم في ((هود))(٧). ﴿إِلَّا عَجُوزَا فِىِ الْغَيِرِينَ﴾ روى سعيد عن قتادة قال: غبرَتْ في عذاب الله عزَّ وجلَّ. أي: بَقيَتْ. وأبو عبيدة يذهب إلى أنَّ المعنى: من الباقين في الهَرَمِ، أي: بَقِيَتْ حتى هَرِمَتْ(٨). قال النَّخَّاس(٩): يُقال للذاهب: غابر، والباقي: غابر، كما قال: لا تَكْسَعِ الشَّوَلَ بأغْبارِها إنّكَ لا تَدْرِي مَنِ النَّاتجُ(١٠) (١) معاني القرآن للنحاس ٩٨/٥، وهذه القراءة شاذة . (٢) الوسيط ٣٦١/٣، وتفسير البغوي ٣٩٦/٣، وزاد المسير ١٤٠/٦. (٣) الصحاح (قلا). (٤) قائله امرؤ القيس، وقد سلف ١٢/ ١٤٣ . (٥) قائله نُصيب بن رباح، وهو في ديوانه ص ٥٧ . (٦) الوسيط ٣٦١/٣، وزاد المسير ١٤٠/٦. (٧) ١١ / ١٧٧ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ١٨٩/٣. وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٨٩/٢. (٩) في معاني القرآن له ٩٩/٥ . (١٠) قائله الحارث بن حلزة، وقد سلف ٢٢٥/١٢ . ٧٠ سورة الشعراء: الآيات ١٧١ - ١٩١ وكما قال: له الإلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ (١) فما وَنَى محمدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ أي: ما بقي . والأغبار: بقيَّات الألبان. ثُمَّ دَقَّرْنَا الْآَخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم بالخَسْفِ والخَصْبِ(٢)؛ قال مقاتل: خسفَ اللهُ بقوم لوطٍ، وأرسل الحجارةَ على مَنْ كان خارجاً من القرية. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ يعني الحجارة(٣) ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾. وقيل: إنَّ جبريلَ خسَفَ بقريتهم وجعلَ عاليها سافلها، ثم أتبعَها اللهُ بالحجارة . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لم يكن فيها مؤمنٌ إلا بيت لوطٍ وابنتاه. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا نَتَّقُونَ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ آَّ وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (4) أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨٥) أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ ﴿١٨) وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِ (١٨) وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَمَا أَنْتَ وَتَّقُواْ أَلَّذِىِ خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَِّينَ [١٨) قَالْوَاْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِنَ (٨٥) إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُتُكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ (٨) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ W قَالَ رَبِيَّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ يَوْمِ الُلَّةَّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٨٢) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَمُؤَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ١٩٠ قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ اَلْمُرْسَلِينَ﴾ الأيكُ: الشجرُ المُلتَفُّ الكثيرُ، الواحدة أيكة. ومن قرأ: ((أصحابُ الأيكَةِ)) فهي الغَيضة. ومن قرأ: ((لَيْكَةٍ)) فهو اسم (١) الرجز للعجاج بن رؤبة، وقد سلف ٢٧٩/٩ . (٢) الوسيط ٣٦١/٣، وزاد المسير ١٤٠/٦. (٣) زاد المسير ٦/ ١٤٠. ٧١ سورة الشعراء: الآيات ١٧٦ - ١٩١ القرية. ويُقال: هما مثلُ بَكَّةَ ومَّة. قاله الجوهري(١). وقال النَّخَاس(٢): وقرأ أبو جعفر ونافع: ((كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ)) وكذا قرأ(٣) في ((ص)) (٤). وأجمعَ القُرَّاءُ على الخفضِ في التي في سورة ((الحِجرِ))(٥) والتي في سورة (ق)(٦)، فيجب أن يُرَدَّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذْ كان المعنى واحداً. فأمَّا ما حكاه أبو عبيد من أنَّ ((لَيْكةَ)) هي اسمُ القرية التي كانوا فيها، وأنَّ ((الأيكة)) اسمُ البلد فشيءٌ لا يثبتُ ولا يُعرَفُ من قالَه فيثبُتُّ علمُه، ولو عُرِفَ مَنْ قالَه لكان فيه نظر؛ لأنَّ أهل العلم جميعاً من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافِه. وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أُرسِلَ شعيبٌ عليه السلام إلى أُمَّتين: إلى قومِه من أهل مَذْيَن، وإلى أصحاب الأيكة؛ قال: والأيكةُ: غَيضَةٌ من شجرٍ مُلْتَفٍّ. وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحابُ الأيكةِ أهلَ غَيضَةٍ وشَجَرٍ، وكانت عامَّةُ شجرِهم الدَّومَ، وهو شجَرُ المُقْل. وروى جُوَبير (٧) عن الضَّحَّاك قال: خرجَ أصحابُ الأيكةِ - يعني حين أصابهم الحرُّ - فانضَمُّوا إلى الغَيضَةِ والشَّجر، فأرسلَ اللهُ عليهم سحابةً فاستَظَلُّوا تحتَها، فلمَّا تتامُّوا(٨) تحتَها أُحرقوا. ولو لم يكن هذا إلا ما رُويَ عن ابن عباس قال: والأيكةُ: الشَّجَرُ. ولا نعلمُ بين أهل اللغة اختلافاً أنَّ الأيكةَ الشَّجرُ المُلتَفُّ، فأمَّا احتجاجُ بعضٍ من احتَجَّ بقراءةٍ مَنْ قرأَ في هذين الموضعين بالفتح أنَّه في الشواءِ (٩) ((ليكة)) فلا حُجَّةَ له؛ والقول فيه: إنَّ (١) في الصحاح (أيك). (٢) في إعراب القرآن ١٨٩/٣ - ١٩٠. (٣) في (د) و(ز) و(م): قرأ . (٤) الآية (١٣)، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر أيضاً. السبعة ص ٤٧٣، والتيسير ص١٦٦، والنشر ٣٣٦/٢. (٥) الآية (٧٨). (٦) الآية (١٤). (٧) في جميع النسخ: ابن جبير، والصواب ما أُثبت من إعراب القرآن . (٨) في (٥) و(ز) و(م): تكاملوا. وكلاهما بمعنى. (٩) في (د) و(ز) و(م): السواد . ٧٢ سورة الشعراء: الآيات ١٧٦ - ١٩١ أصلَه ((الأيكة)) ثمَّ خُفْفَتِ الهمزةُ فَأُلقيَتْ حركتُها على اللام فسقطَتْ، واستغنيتَ(١) عن ألفِ الوصل؛ لأنَّ اللامَ قد تحرَّكتْ، فلا يجوز على هذا إلَّا الخفض، كما تقول: بالأحمر تُحقِّقُ الهمزةَ، ثم تُخفِّفُها: بِلَحْمرٍ، فإن شئتَ كتبتَ في الخَطِّ على ما كتبتَه أوَّلاً، وإن شئتَ كتبتَه بالحذف، ولم يَجُزْ إلا الخفضُ. قال سيبويه(٢): واعلم أنَّ ما لا ينصرفُ إذا دخلَتْ عليه الألفُ واللامُ أو أُضيفَ انصرفَ. ولا نعلمُ أحداً خالفَ سيبويه في هذا . وقال الخليل(٣): الأيكةُ: غَيْضَةٌ تُنِتُ السِّدرَ والأراكَ ونحوهما من ناعم الشجر. ﴿إِذْ قَالَ لَّمْ شُعَيْبُ﴾ ولم يقُلْ أخوهم شعيب؛ لأنَّه لم يكن أخاً لأصحابِ الأيكة في النَّسب، فلمَّا ذكر مَدْيَنَ قال: ((أخاهُمْ شُعَيْباً))؛ لأنَّه كان منهم (٤). وقد مضى في (الأعراف)»(٥) القولُ في نسبه. قال ابنُ زيد: أرسلَ اللهُ شُعيباً رسولاً إلى قومِه أهلِ مدين، وإلى أهلِ البادية وهم أصحابُ الأيكة(٦). وقاله قتادة، وقد ذكرناه(٧). ﴿أَلَا نَتَّقُونَ﴾ تخافون الله ﴿ إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ. فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ الآية. وإنَّما كان جوابُ هؤلاءِ الرُّسُلِ واحداً على صيغةٍ واحدة؛ لأنَّهم مُتَّفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة، والامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة(٨). ﴿أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين للكيلِ والوزن(٩). ﴿وَزِنُواْ بِلْقِسْطَاسِ ۔۔ (١) في النسخ: واستغنت. والمثبت من إعراب القرآن. (٢) في الكتاب ٢٢١/٣ . (٣) في العين ٤٢٣/٥. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٣٩٧، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٤١/٦ عن مقاتل. (٥) ٢٨١/٩. (٦) تفسير الطبري ١٧/ ٦٣٣. (٧) ٢٨٦/٩ . (٨) تفسير البغوي ٣٩٧/٣، ومجمع البيان ١٧٩/١٩ بنحوه. (٩) الوسيط ٣٦٢/٣، وزاد المسير ١٤٢/٦. ٧٣ سورة الشعراء: الآيات ١٧٦ - ١٩١ الْمُتَقِيمِ﴾ أي: أعطوا الحقَّ. وقد مضى في ((سبحان))(١) وغيرها. ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ تقدَّم في ((هود))(٢) وغيرها. ﴿﴿وَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال مجاهد: الجِبِلَّة: هي الخَليقة. وجُبِلَ فلانٌ على كذا، أي: خُلِقَ؛ فالخُلُقُ جِبِلَّةٌ وجُبُلَّةٌ وجِبْلَةٌ وجُبْلَةٌ وَجَبْلَةٌ. ذكره النَّخَّاس في (معاني القرآن))(٣). ((والجِبِلَّة)) عطفٌ على الكاف والميم (٤). قال الهروي: الجِبِلَّةُ والجُبْلَةُ والجِبِلُّ والجُبُلُّ والجَبْلُ لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿جِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]. قال النَّحَّاس في كتاب ((إعراب القرآن)) له(٥): ويُقال: جُبُلَّةٌ والجمعُ فيهما جَبَّالٌ، وتُحذَفُ الضَّمَّةُ والكسرةُ من الباء، وكذلك التشديدُ من اللام، فيُقال: جُبْلَةٌ وجُبَلٌ، ويُقال: جِبْلَةٌ وجِبَالٌ، وتُحذَفُ الهاءُ من هذا کلِّه. وقرأ الحسن باختلافٍ عنه: ((والجُبُلَّةَ الأوَّلينَ)) بضمِّ الجيم والباء؛ ورُوي عن شيبةً والأعرج(٦). الباقون بالكسر. قال: والموتُ أعظمُ حادثٍ فيما يَمرُّ على الجِبِلَّه (٧) ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ﴾ الذين يأكلون الطعامَ والشرابَ على ما تقدَّم. ﴿وَإِن تَظُتُّكَ لَمِنَ الْكَذِينَ﴾ أي: ما نظنُّك إلَّا من الكاذبين في أنَّكَ رسولُ الله تعالى. ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: جانباً من السماء وقطعةً منه، فننظر إليه، كما (١) ٧٦/١٣ . (٢) ١١ / ١٩٢. (٣) ١٠٢/٥ . (٤) إعراب القرآن ٣٩١/٣. (٥) ٣٩١/٣. (٦) المحتسب ١٣٢/٢ والشاذة ص١٠٧ عن الحسن وأبي حصين، والمحرر الوجيز ٢٤٢/٤ عن الحسن وابن محيصن، وزاد المسير ٦/ ١٤٢ عن الحسن وأبي مجلز وأبي رجاء وابن يعمر وابن أبي عبلة. (٧) قائله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو في ديوانه ص٧٣ . ٧٤ سورة الشعراء: الآيات ١٧٦ - ١٩١ قال: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًاً يَقُولُواْ سَحَابٌ قَرَّكُمْ﴾(١) [الطور: ٤٤]. وقيل: أرادوا: أنزِلْ علينا العذاب. وهو مبالغةٌ في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكِسْفُ: جمع كِسْفةٍ مثل سِذْرٍ وسِذْرةٍ (٢). وقرأ السُّلَميُّ وحفص: ((كِسَفاً)) جمع كِسْفَة أيضاً: وهي القطعة والجانب، تقديره كِسْرة وكِسَر. قال الجوهري: الكِسْفة: القطعة من الشيء؛ يُقال: أعطني كِسْفةً من ثوبك، والجمع كِسْفُ وكِسَفٌ. ويُقال: الكِسْفُ والكِسْفَةُ واحد. وقال الأخفش: من قرأ ((كِسْفاً)) جعله واحداً، ومن قرأ: ((كِسَفاً)» جعله جمعاً. وقد مضى هذا في سورة ((سبحان))(٣). وقال الهروي: ومن قرأ: ((كِسْفاً)) على التوحيد فَجمعُه أكساف وكسوف، كأنه قال: أو تُسقِطَه علينا طبقاً واحداً، وهو من كسفتَ الشيء كَسْفاً إذا غّيتَه(٤). ﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ. قَالَ رَبِىّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد؛ أي: إنَّما عليَّ التبليغُ وليس العذابُ الذي سألتُم إليَّ، وهو يُجازيكم(٥). ﴿فَكَذَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ اُلُلَّةِ﴾ قال ابن عباس: أصابهم حرِّ شديد، فأرسلَ اللهُ سبحانه سحابةً فهربوا إليه ليستَظِلُّوا بها، فلمَّا صاروا تحتَها صِيحَ بهم فهلَكوا (٦). وقيل: أقامَها اللهُ فوقَ رؤوسهم، وألهبَها حرًّا حتى ماتوا من الوَمَدِ (٧). وكان من أعظم يومٍ في الدنيا عذاباً. وقيل: بعثَ اللهُ عليهم سَموماً، فخرجوا إلى الأيكة يستظِلُّون بها، فأضَرمَها اللهُ عليهم ناراً فاحترقوا . وعن ابن عباسٍ أيضاً وغيرِهِ: إنَّ الله تعالى فتحَ عليهم باباً من أبواب جهنّم، (١) تفسير الطبري ٦٣٦/١٧، وأخرج عن ابن عباس أنه قال: ﴿كِسَنَا﴾: قطعاً. وأخرج أيضاً عن الضحاك أنه قال: جانباً من السماء . (٢) مجاز القرآن ٢/ ٩١. (٣) عند تفسير الآية (٩٢). (٤) المحرر الوجيز ٤٨٥/٣. وقد سلف أيضاً في سورة الإسراء. (٥) الوسيط ٣٦٢/٣، وتفسير البغوي ٣٩٧/٣ بنحوه. (٦) معاني القرآن للنحاس ١٠٣/٥. (٧) في النسخ: الرمد. والوَمَدُ: الحر الشديد مع سكون الريح. تاج العروس (ومَدَ). ٧٥ سورة الشعراء: الآيات ١٧٦ - ١٩٦ وأرسلَ عليهم هَدَّةٍ(١) وحرًّا شديداً فأخذَ بأنفاسِهم، فدخلوا بيوتَهم، فلم ينفعهم ظِلِّ ولا ماءٌ، فأنضجهمُ الحرُّ، فخرجوا هرباً إلى البريّة، فبعثَ اللهُ عزَّ وجلَّ سحابةً فأظَلَّتْهم، فوجدوا لها برداً ورُوحاً ورِيحاً طيبةً، فنادى بعضُهم بعضاً، فلمَّا اجتمعوا تحتَ السحابة ألهبَها اللهُ تعالى عليهم ناراً، ورجفَتْ بهمُ الأرض، فاحترقوا كما يحترقُ الجرادُ في المقلى، فصاروا رَماداً، فذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ كَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيهً﴾ [هود: ٩٤-٩٥]، وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الْقُللَّةِ إِنَُّ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وقيل: إنَّ الله تعالى حبسَ عنهمُ الريحَ سبعةً أيام، وسلَّطَ عليهم الحرَّ حتى أخذَ بأنفاسِهم، ولم ينفعهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فكانوا يدخلون الأسرابَ ليتبرَّدوا فيها فيجدوها أشدَّ حرًّا من الظاهر، فهربوا إلى البريَّة، فأظلَّتهم سحابةٌ وهي الظُّلَّة، فوجدوا لها برداً ونسيماً، فأمطرَتْ عليهم ناراً فاحترقوا. وقال يزيد الجُرَيْريُّ: سلَّطَ اللهُ عليهم الحرَّ سبعةَ أيامٍ ولياليهنَّ، ثم رُفِعَ لهم جبلٌ من بعيد، فأتاه رجلٌ، فإذا تحتّه أنهارٌ وعيونٌ وشجرٌ وماءٌ بارد، فاجتمعوا كلَّهم تحته، فوقع عليهم الجبل وهو الظُّلَّة. وقال قتادة: بعثَ اللهُ شُعيباً إلى أُمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، فأهلكَ اللهُ أصحاب الأيكة بالظّلَّة، وأمَّا أصحاب مدين فصاح بهم جبريلُ صبيحةً فهلكوا أجمعين(٢). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قيل: آمنَ بشعيبٍ من الفئتين تِسعُ مئة نفر. عَلَى قَلِكَ ١٩٢ نَزَّلَ بِهِ اُلُحُ الْأَمِينُ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ بِسَانٍ عَرَبٍِّ مُبِينٍ (٢٥) وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ لِتَّكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِنَ (9َ) قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَغْزِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ عادَ إلى ما تقدَّم بيانه(٣) في أوّل السُّورةِ من إعراض المشركين عن القرآن. ﴿نَزَّلَ بِ الرُُّعُ الْأَمِيْنُ عَلَى قَلِكَ﴾ ((نَزَلَ)) مخفَّفاً قرأ نافع (١) الهَدَّة: صوتٌ ما يقع من السماء. تاج العروس (هدد). (٢) تفسير البغوي ٢/ ١٨٢ . (٣) كلمة ((بيانه)) من (م). ٧٦ سورة الشعراء: الآيات ١٩٢ - ٢٠٣ وابن كثير وأبو عمرو. الباقون: (نَزَّلَ)) مشدّداً ((بِهِ الرُّوحَ الأَمِينَ)) نصباً(١)، وهو اختيارُ أبي حاتم وأبي عبيد؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَنَزِيلُ﴾ وهو مصدر نزَّلَ. والحُجَّةُ لمن قرأ بالتخفيفِ أنْ يقول: ليس هذا بمصدر (٢)؛ لأنَّ المعنى: وإنَّ القرآنَ لَتنزيلُ ربِّ العالمين، نزَلَ به جبريلُ إليك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾(٣) [البقرة: ٩٧] أي: يتلوه عليكَ، فيعيه قلبُك. وقيل: ليثبُتَ قلبُكَ(٤). ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِنَ بِسَانٍ عَرَّةٍ مُبِينٍ﴾ أي: لئلا يقولوا: لَسْنا نفهمُ ما تقول. ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ اَلْأَوَّلِينَ﴾ أي: وإنَّ ذِكْرَ نُزولهِ لَفي كُتُبِ الأوَّلين، يعني الأنبياء(٥). وقيل: أي: إنّ ذِكْرَ محمدٍ عليه الصلاة والسلام في كتُبِ الأوَّلين، كما قال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والزُّبُر: الكُتُب، الواحد زَبُور، كرسول ورُسُل(٦)، وقد تقدَّم. وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى ٩٧ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَّْ ءَايَةً أَنْ يَعْلَمَُ عُلَمَنُاْ بَنِىّ إِسْرَةِ يلَ كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِی فَقَرَأَمُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ ( بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( لَا يُؤْمِنُونَ بِهِهِ حَّ يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ا فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةٌ قُلُوبٍ أَلْمُجْرِمِنَ ◌ّـ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنَظَرُونَ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ قوله تعالى: ﴿أَوَلَزْ يَكُنْ لَهُمْ ءَايَةٌ أَنْ يَعْلَمَمُ عُلَمَُّاْ بَنِىّ إِسْرَائِيلَ﴾ قال مجاهد: يعني عبد الله بن سَلام وسلمان وغيرهما ممَّن أسلم (٧). وقال ابن عباس: بَعثَ أهلُ مكة (١) وقرأ عاصم في رواية حفص عنه ((نزل)) بالتخفيف و((الروح)) بالرفع. السبعة ص ٤٧٣، والحجة للقراء السبعة ٣٦٩/٥. (٢) في (م): بمقدر. (٣) إعراب القرآن ٣/ ١٩١ . (٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٨٣ . (٥) تفسير الطبري ١٧/ ٦٤٣ - ٦٤٤ . (٦) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٨٤ . (٧) أخرجه الطبري ٧/ ٦٤٤ - ٦٤٥ بنحوه، وهو في تفسير مجاهد ٤٦٦/٢. ٧٧ سورة الشعراء: الآيات ١٩٧ - ٢٠٣ إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمدٍ عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إنَّ هذا لَزمانُه، وإنَّا لَنجِدُ في التوراة نعتَه وصفتَه(١). فيرجِعُ لفظُ العلماء إلى كلِّ من كان له عِلْمٌ بكتُبِهِم أسلمَ أو لم يُسلِمْ على هذا القول. وإنما صارت شَهادة أهلِ الكتاب حُجَّةً على المشركين؛ لأنَّهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب؛ لأنَّهم مظنونٌ بهم علمٌ. وقرأ ابن عامر: ((أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ)). الباقون: ((أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً))(٢) بالنصب على الخبر، واسم يكن ((أَنْ يَعْلَمَهُ)) والتقدير: أوَ لَمْ يكُنْ لهم عِلمُ علماءِ بني إسرائيل الذين أسلموا آيةً واضحةً؟ وعلى القراءة الأولى اسم كان «آيةٌ) والخبر ((أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ إِسرائيل)) (٣). وقرأ عاصم الجَحْدَريُّ: ((أنْ تَعْلَمَهُ عُلَماءُ بني إِسرائيل)) (٤). ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ أي: على رجلٍ ليس بعربيِّ اللسان ﴿فَقَرَمُ عَلَيْهِم﴾ بغيرِ لُغةِ العرب لَمَا آمنوا ولَقالوا: لا نفقَه، نظيرُه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا﴾ الآية [فصلت: ٤٤]. وقيل: معناه: ولو نَزَّلناه على رجلٍ ليس من العرب لَما آمنوا به أَنَفَةٌ وكبراً (٥). يُقال: رجلٌ أعجمٌ وأعجميٍّ إذا كان غيرَ فصيحِ وإن كان عربيًّا، ورجلٌ عجميٌّ وإن كان فصيحاً يُنسَبُ إلى أصله؛ إلا أنَّ الفرَّاءَ أجازَ أن يُقال: رجلٌ عجميٍّ بمعنى أعجميّ(٦). وقرأ الحسن: ((على بعضِ الأعْجَمِيِّينَ)) مشدّدةً بياءينٍ جعلَه نِسْبةً. ومن قرأ: (الأعْجَمِينَ)) فقيل: إنه جمع أعجم. وفيه بُعد؛ لأنَّ ما كانَ من الصفات الذي مؤنَّتُه فعلاء لا يُجمَعُ بالواو والنون، ولا مؤنَّئُه(٧) بالألف والتاء؛ لا يُقال: أحمرون ولا (١) تفسير البغوي ٣٩٨/٣، وزاد المسير ١٤٥/٦. (٢) السبعة ص ٤٧٣، والتيسير ص ١٦٦ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٠١. (٤) إعراب القرآن ١٩٢/٣، والشاذة ص١٠٧، وزاد المسير ١٤٥/٦ وذكر هذه القراءة أيضاً عن الشعبي والضحاك . (٥) تفسير البغوي ٣٩٩/٣. (٦) إعراب القرآن ١٩٢/٣. وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٨٣/٢. (٧) كلمة ((مؤنثه)) من النسخ الخطية، وهي ليست في (م). ٧٨ سورة الشعراء: الآيات ١٩٧ - ٢٠٣ حَمْراوات. وقيل: إنَّ أصلَه الأعجميِّين(١) - كقراءة الحسن(٢) - ثم حُذِفَتْ ياءُ الَّسَب، وجُعِلَ جَمْعُه بالياءِ والنونِ دليلاً عليها. قاله أبو الفتح عثمان بن جِنِّي(٣). وهو مذهب (٤) سيبويه (٤). قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ﴾ يعني القرآن، أي: الكفر به ﴿فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. وقيل: سلَكْنا التكذيبَ في قلوبهم، فذلك الذي منعَهم من الإيمان. قاله يحيى بن سلام. وقال عكرمة: القسوة(٥). والمعنى متقارب، وقد مضى في ((الحجر))(٦). وأجاز الفرَّاء الجزمَ في ((لا يُؤْمنُونَ))؛ لأنَّ فيه معنى الشرط والمجازاة. وزعمَ أنَّ من شأن العرب إذا وضعتْ لا موضع كي لا في مثل هذا ربما جَزَمَتْ ما بعدها وربما رفعَتْ؛ فتقول: ربطتُ الفرسَ لا ينفلِت بالرفع والجزم؛ لأنَّ معناه: إنْ لم أرِبِظْه ينفلِتْ، والرفعُ بمعنى: كيلا ينفلِتُ(٧). وأنشدَ لبعضٍ بني عُقيل: وحتى رأينا أحسنَ الفِعْلِ بينَنا مُسَاكَنَةً لا يقرِفُ الشرَّ قارِفُ(٨) بالرفع لمَّا حذَفَ كي. ومن الجزم قول الآخر: لَظَالَمَا حَلَّأُثُمَاها (٩) لا تَرِدْ فخلِّياها والسُّجالَ(١٠) تَبْتَرِهُ(١١) (١) في (د) و(ز) و(م): الأعجمين . بياءٍ واحدة. (٢) في النسخ: الجحدري ، والصواب: الحسن، كما يقتضيه السياق. (٣) في المحتسب ٢/ ١٣٢ دون قوله: (ومن قرأ: ((الأعجمين)) فقيل: إنه جمع أعجم) وقد ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٣/٤ . (٤) الكتاب ٦٤٥/٣ . (٥) النكت والعيون ١٨٨/٤. (٦) ١٨٣/١٢. (٧) إعراب القرآن ١٩٣/٣. (٨) في (د) و(ز) و(ظ): ((يقرب)) و((قارب)) بدل ((يقرف)) و((قارف))، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للفراء ٣٨٣/٢، وتفسير الطبري ٥٠٥/١٩ . (٩) حلَّأَتَ الإبل عن الماء: إذا حبستها عن الورود. تهذيب اللغة ٢٣٧/٥ . (١٠) جمع سَجْل: وهي الدلو الضخمة المملوءة ماءً. اللسان (سجل). (١١) أي: تشرب الماء لتبرد به كبدها. اللسان (برد). ٧٩ سورة الشعراء: الآيات ١٩٧ - ٢٠٩ قال النَّخَّاس(١): وهذا كلُّه في (يُؤْمِنُونَ)) خطأُ عند البصريِّين، ولا يجوزُ الجزمُ بلا جازم، ولا يكونُ شيءٌ يعملُ عملاً فإذا حُذِفَ عَمِلَ عملاً أقوى من عملِه وهو موجود، فهذا احتجاجٌ بيِّنٌ. ﴿حَّ يَرَوْ اْعَذَابَ الْأَلِيمَ. فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي العذاب(٢). وقرأ الحسن: ((فَتَأْتِيَهُمْ)) بالتاء، والمعنى: فتأتيهم الساعةُ بغتةً، فأُضمِرَتْ لدلالة العذابِ الواقع فيها، ولكثرةٍ ما في القرآن من ذِكْرِها(٣). وقال رجلٌ للحسن وقد قرأ: ((فَتَأْتِيَهُمْ)): يا أبا سعيد، إنَّما يأتيهم العذاب بغتة. فانتهرَه وقال: إنَّما هي الساعةُ تأتيهم بغتةً أي: فجأةً. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ بإتيانها. ﴿فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: مُؤَخَّرون ومُمْهلون(٤). يطلبون الرجعة هنالك فلا يُجابونَ إليها. قال القُشيري: وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ ليس عطفاً على قوله: ﴿حََّ يَرَوْا﴾ بل هو جوابُ قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلمَّا كان جواباً للنفي انتصب، وكذلك قوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾. ثُمَّ جَاءَهُم ١٢٠٥ ١٢) أَفَرَوَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ مَّا كَانُواْ يُؤْعَدُونَ (٨) مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ (٢٧) وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَّا مُنْذِرُونَ ﴿ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ قوله تعالى: ﴿أَفِعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ﴾ قال مقاتل: قال المشركون للنبيّ ﴾: يا محمد، إلى متى تَعِدُنا بالعذاب ولا تأتي به؟ فنزلت: ﴿أَفَعَذَاِنَا يَسْتَعْدِلُونَ﴾(٥). ﴿أَفَرَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ﴾ يعني في الدنيا (٦). والمرادُ أهلَّ مكةَ في قول (١) في إعراب القرآن ١٩٣/٣. (٢) الوسيط ٣٦٣/٣، وتفسير البغوي ٣٩٩/٣. (٣) المحتسب ١٣٣/٢. (٤) المحرر الوجيز ٢٤٤/٤ . (٥) الوسيط ٣٦٣/٣، وتفسير البغوي ٣٩٩/٣، وزاد المسير ١٤٦/٦. (٦) تفسير البغوي ٣٩٩/٣ . ٨٠ سورة الشعراء: الآيات ٢٠٤ - ٢٠٩ الضَّحَّاك وغيره. ﴿ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ من العذاب والهلاك ﴿مَآ أَغْنَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُعَتَُّونَ﴾ ((ما)) الأولى استفهامٌ معناه التقرير، وهو في موضع نصب بـ ((أغنى))، و ((ما)) الثانية في موضع رفع، ويجوزُ أن تكون الثانيةُ نفياً لا موضِعَ لها(١). وقيل: ((ما)) الأولى حرفُ نفيٍ، و((ما)) الثانية في موضع رفعٍ بـ ((أغنى))(٢) والهاء العائدة محذوفة. والتقدير: ما أغنى عنهم الزمانُ الذي كانوا يُمَثَّعونَه(٣). وعن الزُّهري: إن عُمرَ بنَ عبد العزيزِ كانَ إذا أصبحَ أمسكَ بلحيتِه ثم قرأ: ﴿أَفَرَبَيْتَ إِن تَتَّعْنَهُمْ سِنِينَ. ثُرَّ جَلَّهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَآ أَغْنَ عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يُمْتَّمُونَ﴾ ثم يبكي ويقول: ولَيلُكَ نومٌ والرَّدَى لكَ لازمُ نهارُكَ يا مغرورُ سِهِوٌ وغَفلٌ ولا أنتَ في النُّوَّامِ ناجٍ فِسالمُ فلا أنتَ في الأَيقاظِ يقظانُ حازمٌ كما سُرَّ باللَّذاتِ في النومِ حالمُ تُسَرُّ بما يَفْنَى وتفرحُ بِالمنى كذلك في الدنيا تَعيشُ البهائمُ(٤) وتَسعى إلى ما سوف تكره غِبَّهُ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ((مِن) صلة، المعنى: وَمَا أَهْلَكْنَا قرية(٥). ﴿إِلَّا لَّا مُنذِرُونَ﴾ أي: رسل(٦). ﴿ذِكْرَى﴾. قال الكِسائي: ((ذِكْرَى)) في موضعِ نصبٍ على الحال(٧). النَّخَّاس: وهذا لا يُحَصِّل، والقول فيه قول الفرَّاء وأبي إسحاق أنها في موضع نصبٍ على المصدر؛ قال الفرَّاء: أي: يَذََّّرون ذِكْرَى؛ وهذا قولٌ صحيح؛ لأنَّ معنى ﴿إِلَّا لَمَا مُنذِرُونَ﴾: إلَّا لها مُذَّكِّرون. ((وذِكْرَى)) لا يتبيَّنُ فيه الإعراب؛ لأنَّ (١) إعراب القرآن ٣/ ١٩٣. (٢) البيان لابن الأنباري ٢/ ٢١٧ . (٣) الوسيط ٣٦٣/٣، وتفسير البغوي ٣٩٩/٣ . . (٤) أخرج هذه الأبيات أبو نعيم في الحلية ٣١٩/٥ - ٣٢٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤٣/٤٥. : (٥) مجمع البيان ١٩/ ١٨٥ . (٦) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٨٤، وتفسير البغوي ٣٩٩/٣ ." (٧) وقع في مطبوع إعراب القرآن ١٩٣/٣: في موضع نصبٍ على القطع، والصواب ما أثبتناه كما في مشكل إعراب القرآن ١/ ٥٣٠، والمحرر الوجيز ٢٤٤/٤ .