النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة الشعراء: الآيات ٨٣ - ٨٩
وَأَجْعَل ◌ِّي لِسَانَ
قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ
صِدْقٍ فِ اَلْآَخِينَ ﴿٨ وَلَجْعَلْنِ مِنْ وَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٥) وَأَغْفِرِ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الضَّالِّينَ ﴿﴿ وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ
٨٩٦
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقِى بِلِضَّلِينَ﴾ ((حُكْماً)) معرفةً بِكَ
وبحدودِكَ وأحكامِكَ. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: فهماً وعلماً؛ وهو راجعٌ إلى
الأول. وقال الكلبي: نبوَّةً ورسالةٌ إلى الخلق. ﴿وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِينَ﴾ أي: بالنبيين من
قبلي في الدرجة(١). وقال ابن عباس: بأهل الجنة، وهو تأكيدُ قولِه: ﴿هَبْ لِي
حُكمَا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِىِ الْأَخِينَ﴾ قال ابن عباس: هو اجتماع الأمم
عليه. وقال مجاهد: هو الثناء الحسن(٢). قال ابن عطية: هو الثناءُ وخُلْدُ المكانةِ
بإجماع المفسرين، وكذلك أجابَ اللهُ دعوته، وكلُّ أمةٍ تتمسَّكُ به وتُعطِّمه، وهو على
الحنيفية التي جاء بها محمدٌ #. قال مكي: وقيل: معناه: سؤاله أن يكون من ذريته
في آخر الزمان من يقول الحق، فأُجيبتِ الدعوةُ في محمدٍ ﴾. قال ابن عطية: وهذا
معنّى حسنٌ، إلّا أنَّ لفظ الآية لا يُعطيه إلا بتحكُّم على اللفظ (٣). وقال القُشيري: أرادَ
الدعاءَ الحسنَ إلى قيام الساعة، فإنَّ زيادةَ الثوابِ مطلوبةٌ في حقِّ كلِّ أحد.
قلتُ: وقد فعلَ اللهُ ذلك؛ إذ ليس أحدٌ يُصلِّي على النبيِّ # إلا وهو يُصلِّ على
إبراهيم، وخاصَّةً في الصلوات، وعلى المنابر التي هي أفضل الحالات وأفضل
الدرجات، والصلاة دعاءٌ بالرحمة. والمراد باللسان القول، وأصلُه جارحةُ الكلام.
(١) تفسير البغوي ٣/ ٣٩٠ بنحوه، وذكر الواحدي في الوسيط ٣٥٦/٣ قول ابن عباس ومقاتل، وذكر ابن
الجوزي في زاد المسير ٦/ ١٣٠ قول مقاتل.
(٢) قول مجاهد في معاني القرآن للفراء ٢٨١/٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٣٥/٤.
٤٢
سورة الشعراء: الآيات ٨٣ - ٨٩
قال القُتبيُّ: وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة، وقد تُكنِّي العربُ بها عن
الكلمة؛ قال الأعشى(١):
إِنِّي أَتَتْني لسانٌ لا أُسَرُّ بِها مِن عَلْوُ لا عَجَبٌ منها ولا سَخَرُ(٢)
قال الجوهري: يُروى مِن علوُ، بضمِّ الواو وفتحها وكسرها، أي: أتاني خبر من
أعلى - والتأنيث للكلمة. وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر(٣). وروى أشهب عن
مالكٍ قال: قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَجْعَل لِّيِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْأَخِينَ﴾ لا بأس أن يُحِبَّ
الرجلُ أن يُثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله تعالى؛
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِّى﴾ (٤) [طه: ٣٩] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًا﴾ [مريم: ٩٦] أي: حبًّا في قلوب عباده وثناءً
حسناً، فنبّه تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَل لِی لِسَانَ صِدْقٍ فی آلآخِنَ﴾ على استحباب اكتساب ما
يُورِثُ الذِّكرَ الجميل(٥). الليث بن سليمان: إذ هي الحياة الثانية. قيل:
قد ماتَ قومٌ وَهُمْ في النَّاسِ أَحْياءُ(٦)
قال ابن العربي(٧): قال المحقّقون من شيوخ الزهد: في هذا دليلٌ على الترغيب
في العمل الصالح الذي يُكسب الثناء الحسن؛ قال النبيُّ ﴾: ((إذا مات ابنُ آدم انقطعَ
عملُه إلا من ثلاث)) الحديث(٨). وفي روايةٍ: إنه كذلك في الغرس والزرع، وكذلك
(١) وهو أعشى باهلة كما في إصلاح المنطق ص ٣٠، والكامل ١٤٣١/٣.
(٢) تأويل مشكل القرآن ص ١١١.
(٣) الصحاح (سخر) من قوله: والتأنيث للكلمة ... إلى هذا الموضع.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٢٤.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٣٣/٣.
(٦) هذا عجز بيتٍ صدره: ((موت التقيِّ حياةٌ لا انقطاع لها))، وقائله سابق بن عبد الله البربري، وهو في
زهر الأكم في الأمثال والحكم ١/ ١٧٤ -١٧٥ .
(٧) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٢٤ .
(٨) كلمة الحديث من (م)، والحديث سلف ٨/١ .
٤٣
سورة الشعراء: الآيات ٨٣ - ٨٩
فيمن ماتَ مرابطاً يُكتَبُ له عملُه إلى يوم القيامة. وقد بينَّاه في آخر ((آل عمران))(١)
والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَجْعَلْنِ مِنْ وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ دعاءٌ بالجنة ويمن يرثها، وهو يردُّ قولَ
بعضهم: لا أسألُ جنةً ولا ناراً.
قوله تعالى: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِىِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ كان أبوه وعدَه في الظاهر أن يؤمن
به، فاستغفرَ له لهذا، فلمَّا بانَ أنه لا يفي بما قال تبرَّأَ منه. وقد تقدَّم هذا المعنى(٢).
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ أي: المشركين(٣). و((كان)) زائدة.
﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، ولا تعذبني يوم
القيامة(٤). وفي البخاري عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ قال: ((إنَّ إبراهيمَ يرى أباه يوم
القيامة عليه الغَبَرةُ والقَتَرةُ)) والغبرة هي القتَرة. وعنه عن النبيِّ # قال: ((يَلقى إبراهيمُ
أباه فيقول: يا ربِّ، إنَّكَ وعدتني ألَّا تُخزِني يومَ يُبعثون، فيقول الله تعالى: إنِّي
حرَّمتُ الجنةَ على الكافرين)) انفرد بهما البخاري رحمه الله(٥).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ ((يَوْمَ)) بدلٌ من ((يومَ)) الأوَّل. أي: يومَ لا
ينفعُ مالٌ ولا بنونَ أحداً (٦). والمراد بقوله: ﴿وَلَا بَنُونَ﴾ الأعوانَ؛ لأنَّ الابنَ إذا لم
يَنفَعْ فغيرهُ متى ينفع؟! وقيل: ذكَّرَ البنينَ؛ لأنَّه جرى ذِكْرُ والدِ إبراهيم، أي: لم ينفعه
إبراهيم.
﴿إِلَّا مَنْ أَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ هو استثناءٌ من الكافرين، أي: لا ينفعه مالُه ولا بنوه.
(١) ٥/ ٤٨٩ .
(٢) ١٠/ ٤٠٠-٤٠١ .
(٣) الوسيط ٤٥٦/٣ .
(٤) سلف هذا المعنى ٥/ ٤٧٧ .
(٥) في صحيحه (٤٧٦٨ -٤٧٦٩) .
(٦) إملاء ما منَّ به الرحمن للعكبري على هامش الفتوحات الإلهية ١١٦/٤ .
٤٤
سورة الشعراء: الآيات ٨٣ - ٨٩
وقيل: هو استثناءٌ من غير الجنس، أي: لكن ((مَنْ أَتَى اللهَ بقلبٍ سليم)) ينفعه لسلامة
قلبه(١). وخصَّ القلب بالذكر؛ لأنه الذي إذا سَلِمَ سلِمَتِ الجوارحِ، وإذا فسدَ فسدَتْ
سائرُ الجوارح. وقد تقدَّم في أوَّل ((البقرة))(٢). واختُلِفَ في القلب السليم فقيل: من
الشكِّ والشرك، فأما الذنوبُ فليس يسلَمُ منها أحد. قاله قتادة وابن زيد وأكثرُ
المفسرين. وقال سعيد بن المسيِّب: القلبُ السليم: الصحيح، وهو قلب المؤمن؛
لأنَّ قلبَ الكافرِ والمنافقِ مريضٌ؛ قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾ [البقرة: ٧].
وقال أبو عثمان النَّيسابوري(٣): هو القلبُ الخالي عن البدعة، المطمئن إلى السُّنَّة.
وقال الحسين(٤): سليمٌ من آفة المال والبنين(٥). وقال الجُنيد: السليم في اللغة:
اللديغ؛ فمعناه: أنه قلبٌ كاللديغ من خوف الله (٦). وقال الضَّحَّاك: السليم:
الخالص(٧).
قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي الخالص من
الأوصاف الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة، والله أعلم. وقد رُويَ عن عروة
أنه قال: يا بَنيَّ لا تكونوا لعَّانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئاً قط؛ قال الله تعالى: ﴿إذْ
جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ (٨). وقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق،
وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور(٩). وفي (صحيح مسلم)) من حديث
(١) الكشاف ١١٨/٣.
(٢) ٢٨٦/١-٢٨٧.
(٣) في (د) و(ز): الساري، وفي (ظ) و(م): السيَّاري، والصواب: أبو عثمان النيسابوري: واسمه سعيد بن
أبي سعيد، المعروف بالعيَّار، وهو عالم زاهد، توفي سنة ٤٥٧هـ. السير ٨٦/١٨-٨٩ .
(٤) وهو ابن الفضل، وقد سلف مراراً. ووقع في (م): الحسن .
(٥) من قوله: واختلف في القلب السليم ... إلى هذا الموضع في تفسير البغوي ٣/ ٣٩٠. وذكر الواحدي
في الوسيط ٣٥٦/٣ قول ابن المسيب.
(٦) المحرر الوجيز ٢٣٥/٤-٢٣٦، وزاد المسير ١٣١/٦.
(٧) النكت والعيون ٤/ ١٧٧ .
(٨) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٦٥ .
(٩) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢ / ٩٠ .
٤٥
سورة الشعراء: الآيات ٨٩ - ١٠٤
أبي هريرة عن النبيِّ ﴾ قال: ((يدخلُ الجنةَ أقوامٌ أفئِدتُهم مثلُ أفئدةِ الطير))(١) يريد
- والله أعلم - أنها مثلُها في أنَّها خاليةٌ من كلِّ ذنب، سليمةٌ من كلِّ عيب، لا خبرةً
لهم بأمور الدنيا، كما روى أنس بن مالك قال: قال رسول اللـه ﴿ قال: ((أكثرُ أهلٍ
الجنةِ البُلْهُ)) وهو حديث صحيح(٢). أي: البُلْه عن معاصي الله. قال الأزهري(٣):
الأبلَهُ هنا: هو الذي طُبعَ على الخير، وهو غافلٌ عن الشَّرِّ لا يعرفه. وقال القُتبيّ(٤):
البُلْهُ: هم الذين غلبَتْ عليهم سلامةُ الصُّدورِ وحسنُ الظَّنِّ بالناس.
وَقِيلَ لَمْ أَيْنَ مَا
قوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴾ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾
فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ
كُمْ تَعْبُدُونَ (١٧ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُ أَوْ يَنَصِرُونَ
ثَلَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ
وَحُدُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
٩٤١
فَمَا لَنَا مِن
٩٩
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا الْمُجْرِمُونَ
٩٨
◌ُّبِينٍ ( إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (
شَفِعِينَ ﴿ وَلَ صَدِيقٍ حَيْمٍ ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
١٠٢
إِنَّ فِ ذَلِكَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٠٣٩
لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ أي: قُرِّبت وأُدنِيَتْ ليدخلوها(٥). وقال
(١) صحيح مسلم (٢٨٤٠). وأخرجه أحمد (٨٣٨٢).
(٢) بل هو ضعيف، فقد أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٩٨٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار
(٢٩٨٢)، وابن عدي في الكامل ١١٦٠/٣، والقضاعي في مسند الشهاب (٩٩٠)، والبيهقي في
الشعب (١٣٦٧) من طريق سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس مرفوعاً. سلامة بن روح
قال فيه أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي محله عندي محل الغفلة، وقد عدَّ هذا
من منكراته، ثم هو لم يسمع من جد أبيه عقيل بن خالد، إنما أخذ من كتبه .
وأخرجه القضاعي (٩٨٩) من طريق عبد السلام بن محمد الأموي، عن سعيد بن كثير بن عفير، عن
يحيى بن أيوب، عن عقيل، به. عبد السلام بن محمد قال فيه الدار قطني: ضعيف جداً. وقال الخطيب:
صاحب مناكير.
(٣) في تهذيب اللغة ٦/ ٣١٢.
: (٤) في غريب الحديث ١٠٩/١ .
(٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٨٧/٢ .
٤٦
سورة الشعراء: الآيات ٩٠ - ١٠٤
الزَّجَّاج: قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها. ﴿وَبُرْزَتِ﴾ أي: أَظْهِرت(١) ﴿اَلْجَحِمُ﴾ يعني
جهنم. ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ أي: للكافرين الذين ضلُّوا عن الهدى. أي: تظهر جهنّم لأهلها قبل
أن يدخلوها حتى يستشعروا الرَّوعَ والحُزن، كما يستشعر أهلُ الجنة الفرحَ؛ لعِلْمِهم
أنَّهم يدخلون الجنة.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُمْ تَعْبُدُونَ. مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الأصنام والأنداد(٢) ﴿هَلْ يَصُرُونَكُمْ﴾
من عذاب الله ﴿أَوْ يَصِرُونَ﴾ لأنفسهم(٣). وهذا كلُّه توبيخ(٤). ﴿فَكُبِكِبُواْ فِيهَا﴾ أي:
قُلبوا على رؤوسهم. وقيل: دُهْوِروا وأُلقيَ بعضُهم على بعض. وقيل: جُمعوا. مأخوذٌ
من الكَبْكَبَة وهي الجماعة. قاله الهرويّ . وقال النخَّاس: هو مُشتقٌّ من كَوْكَبِ الشيءِ
أي: مُعظمه. والجماعة من الخيل كَوْكَبٌ وكَبْكَبة(٥). وقال ابن عباس: جُمِعوا
فطرِحوا في النار. وقال مجاهد: دُهْوِروا. وقال مقاتل: قُذِفوا(٦). والمعنى واحد.
تقول: دهورتَ الشيءَ إذا جمعته ثم قذفتَه في مَهْوَاةٍ. يُقال: هو يُدَهْوِرُ اللُّقَمَ إذا
كَبَّرها (٧). ويقال في الدعاء: كَبَّ اللهُ عدوَّ المسلمين، ولا يُقال: أكَبَّه. وكَبْكَبهَ. أي:
كبَّه وقلَبَه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا﴾(٨) والأصل: كُبِّبوا، فأُبدِلَ من الباء
الوسطى كافٌ استثقالاً لاجتماع الباءات(٩). قال السُّدِّي: الضمير في ((كُبْكِبُوا))
لمشركي العرب ﴿وَالْفَاوُونَ﴾ الآلهة ﴿وَجُودُ إِيْلِسَ﴾ من كان من ذُرِّيته(١٠). وقيل: كلُّ
(١) معاني القرآن للزجاج ٩٤/٤، وعبارة: ((ونظرهم إليها)) منه، وفي نسخة (ظ): ((ونظرهم إياها)).
(٢) مجمع البيان ١٩/ ١٦١ .
(٣) تفسير البغوي ٣٩١/٣ .
(٤) زاد المسير ١٣١/٦.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٨٩/٥ .
(٦) تفسير البغوي ٣٩١/٣، وقول ابن عباس ومجاهد أخرجهما الطبري ١٧/ ٥٩٧-٥٩٨ .
(٧) المحكم لا بن سیده (دهر).
(٨) الصحاح (كبب) و(كبكب) و(قلب).
(٩) غريب القرآن لابن قتيبة ص٣١٨ .
(١٠) معاني القرآن للنحاس ٨٩/٥.
٤٧
سورة الشعراء: الآيات ٩٠ - ١٠٤
مَنْ دعاه إلى عبادة الأصنام فاتَّبعه(١). وقال قتادة والكلبي ومقاتل: ((الْغَاوُونَ)): هم
الشياطين(٢). وقيل: إنَّما تُلقى الأصنامُ في النار وهي حديدٌ ونحاسٌ لِيُعذَّبَ بها
غیرُهم.
﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا
حينئذٍ . ﴿وَاللَّهِ﴾ حلفوا بالله ﴿إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في خسارٍ وتبارٍ وحَيْرةٍ عن
الحقِّ بَيِّنةٍ إذِ (٣) انَّخذنا مع الله آلهةً فعبدناها كما يُعبَدُ، وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ نُوِِّكُمْ
بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: في العبادة، وأنتم لا تستطيعون الآنَ نصْرَنا ولا نَصْرَ أنفسكم.
﴿وَمَآ أَضَّنَآ إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادةَ الأصنام. وقيل:
أسلافنا الذين قلَّدناهم. قال أبو العالية وعكرمة: ((المُجْرِمُونَ)) إبليس وابن آدم القاتل
هما أوّل من سنَّ الكفر والقتل وأنواع المعاصي. ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ﴾ أي: شفعاءَ
يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين (٤). ﴿وَلاَ صَدِيقٍ حَيمٍ﴾ أي: صديقٍ
مُشفق(٥). وكان عليٍّ ﴾ يقول: عليكم بالإخوان، فإنَّهم عُدَّةُ الدنيا وعُدَّةُ الآخرة، ألا
تسمَعُ إلى قول أهل النار: ﴿قَمَا لَنَا مِنْ شَفِعِينَ وَلَا صَدِقٍ حَيمٍ﴾. الزَّمخشري: وجَمَعَ
الشافعَ؛ لكثرةِ الشافعين، ووحَّدَ الصديق؛ لقِلَّته، ألا ترى أنَّ الرجلَ إذا امتُحِنَ
بإرهاق ظالم مضَتْ جماعةٌ وافرةٌ من أهل بلده لشفاعته؛ رحمةً له وحسبةً، وإن لم
تسبِقْ له بأكثرهم معرفة، وأما الصَّديق فهو الصادق في وِدادِكَ، الذي يُهِمُّه ما يُهِمُّك
فأعَزُّ من بيض الأَنُوق(٦)؛ وعن بعض الحكماء أنه سُئِلَ عن الصَّديق فقال: اسمٌ لا
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/٣، وتفسير الطبري ١٧/ ٥٩٨ بنحوه.
(٢) تفسير البغوي ٣٩١/٣ . وذكره النحاس في معاني القرآن ٩١/٥، والماوردي في النكت والعيون
١٧٨/٤ عن قتادة. وأخرجه عنه الطبري ٥٩٨/١٧ .
(٣) في (د) و(ز) و(م): إذا.
(٤) تفسير البغوي ٣٩١/٣ ونسب القول الأول لمقاتل والقول الثاني للكلبي. وقول عكرمة أخرجه الطبري
٥٩٩/١٧
(٥) أخرجه الطبري ١٧/ ٦٠٠ عن مجاهد بلفظ: شفيق .
(٦) قال الميداني في مجمع الأمثال ٢/ ٤٤: الأَنوق: الرَّخّمة، وعزَّ بيضُها لأنه لا يُظفر به؛ لأن أوكارها
في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة.
٤٨
سورة الشعراء: الآيات ٩٠ - ١٠٤
معنى له . ويجوز أن يُريد بالصديق الجمع(١). والحميم: القريبُ والخاصُّ، ومنه
حامَّةُ الرجل، أي: أقرباؤه، وأصل هذا من الحميم: وهو الماء الحار، ومنه الحَمَّام
والحُمَّى، فحامَّةُ الرَّجُلِ الذين يحرِقُهم ما أحرقَه؛ يقال: وهو حُزانَتُه، أي: يُحزِنُهم
ما يُحِنُه(٢). ويقال: حُمَّ الشيء وأَحَمَّ إذا قَرُبَ، ومنه الحُمَّى؛ لأنها تُقَرِّبُ من
الأجل. وقال علي بن عيسى: إنما سُمِّيَ القريبُ حميماً؛ لأنَّه يَحْمَى لغضبِ صاحبه،
فجعله مأخوذاً من الحَمِيَّة. وقال قتادة: يُذهِبُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ مودَّةَ الصَّديق
ورِقَّةَ الحميم (٣). ويجوز: ((ولا صَديقٌ حَميمٌ)) بالرفع على موضع ((مِن شافعينَ))؛ لأنَّ
(مِن شافعينَ)) في موضع رفع، وجَمْعُ صديقٍ أصدِقاءُ وصُدَقَاءُ وصِداق، ولا يُقال:
صُدُقٌ؛ للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيُّون أنه يُقال في جمعه: صُدْقان.
النَّخَاسِ: وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ هذا جمعُ ما ليس بنعتٍ، نحو: رغِيفٍ ورُغْفانٍ. وحكوا
أيضاً: صديقٌ وأَصادِقُ. وأَفاعِلُ إنما هو جمع أَفْعَل إذا لم يكن نعتاً نحو: أشجَعُ
وأَشاجِعُ. ويُقال: صديقٌ للواحد والجماعة وللمرأة(٤)؛ قال الشاعر:
نَصَبْنَ الهوى ثم ارتمينَ قلوبَنَا بأعْيُنِ أعداءٍ وهُنَّ صَديقُ(٥)
ويُقال: فلانٌ صُدَيِّقي، أي: أخَصُّ أصدقائي، وإنما يُصَغَّرُ على جهة المدح،
كقول حُباب بن المنذر: (أنا جُذَيْلُها المُحكَّك، وعُذَيْقُها المرَجَّب) ذكره
الجوهري(٦). النَّخَّاس: وجَمْعُ حميم أحِمَّاء وأَحِمَّة، وكرهوا أفِعْلاء للتضعيف . ﴿فَلَوْ
(١) الكشاف ١١٩/٣.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٩٠/٥ ١
(٣) النكت والعيون ١٧٨/٤ -١٧٩ .
(٤) إعراب القرآن ٣/ ١٨٥.
(٥) قائله جرير، وهو في ديوانه ١/ ٣٧٢ ، وفيه: ((بِأَسْهُمٍ)) بدل: ((بأعيُنٍ)). والمعنى كما يقول شارحه:
استَملْنَ أهواءنا فمالَتْ إليهن .
(٦) في الصحاح (صدق). الجِذْل واحد الأجذال: وهي أصول الحطب العِظام، والجِذْل المحكك: الذي
يُنصب في المعاطنِ لتُحَكَ به الإبل الجربى، أراد أنه يشفى برأيه وتدبيره. الصحاح (جذل) و(حكك).
والعُذيق تصغير عَذْق: وهي النخلة. والترجيب هنا: إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط .
المحکم لا بن سیدہ (رجب).
٤٩
سورة الشعراء: الآيات ١٠٤ - ١٢٢
أَنَّ لَنَا كَرَّةَ﴾ ((أنَّ)) في موضع رفع، المعنى: ولو وقع لنا رجوعٌ إلى الدنيا لآمنًا حتى
يكون لنا شفعاء(١). تمنّوا حين لا ينفعُهم التمنِّ. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة
والمؤمنون؛ قال جابر بن عبد الله: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ الرجلَ ليقول في الجنة: ما
فَعَلَ فلانٌ وصديقُه في الجحيم(٢)، فلا يزالُ يشفَعُ له حتى يُشَفِّعَه اللهُ فيه، فإذا نجا
قال المشركون: ﴿فما ◌َنَا مِنْ شَفِعِينَ وَلَّ صَدِقٍ حَيمٍ﴾))(٣). وقال الحسن: ما اجتمعَ ملأٌ
على ذِكْرِ الله، فيهم عبدٌ من أهل الجنة، إلَّا شفَّعَهُ اللهُ فيهم، وإنَّ أهلَ الإيمان لَيشفَعُ
بعضُهم في بعضٍ وهم عند الله شافعونَ مُشَفَّعون. وقال كعب: إنَّ الرَّجُلينِ كانا
صديقينِ في الدنيا، فَيَمُرُّ أحدُهما بصاحبه وهو يُجَرُّ إلى النار، فيقول له أخوه: واللهِ
ما بقي لي إلا حسنةً واحدةً أنجو بها، خُذْها أنتَ يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى
أنا وإيَّاكَ من أصحاب الأعراف. قال: فيأمرُ اللهُ بهما جميعاً فيدخلان الجنة.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِزُ الرَّحِيمُ﴾ تقدَّم والحمد لله.
إِنّی
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوعُ أَلَا نَنَّقُونَ
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ ()
وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
١٠٨
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٩١
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ..
قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٩) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ (١٧) وَمَآ أَنَّ
بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9) قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَلنُوعُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُنِ (٧) فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَيْنَهُمْ فَتْحًا وَجِِّى وَمَنْ فَعِىَ
المَرْجُومِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فَأَنْجَهُ وَمَن ◌َّعَهُ فِ اٌلْقُلْكِ اُلْمَشْحُونِ ﴿٣) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ اٌلْبَاقِينَ
١٢٠
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةٌّ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ تُؤْمِينَ (٣)
قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: (كَذَّبَتْ)) والقومُ مُذكَّر؛ لأنَّ المعنى:
(١) إعراب القرآن ٣/ ١٨٥.
(٢) في (م): الجحيم ، وكلاهما بمعنى .
(٣) الوسيط ٣٥٧/٣، وتفسير البغوي ٣٩١/٣.
٥٠
سورة الشعراء: الآيات ١٠٥ - ١٢٢
كذَّبت جماعةُ قوم نوح، وقال: ((المُرْسَلين)) لأنَّ مَنْ كذَّبَ رسولاً فقد كذَّب الرسل؛
لأنَّ كلَّ رسولٍ يأمرُ بتصديقٍ جميع الرسل . وقيل: كذّبوا نوحاً في النبؤَّة وفيما
أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ذكَرَ الجنس والمُرادُ نوحٌ عليه السلام(١).
وقد مضى هذا في ((الفرقان))(٢).
﴿إِذْ قَالَ لَمْ أَخُوهُرْ نُوعُ﴾ أي: ابنُ أبيهم وهي أُخوَّةُ نسبٍ لا أُخوَّةَ دين(٣). وقيل:
هي أُخوَّةُ المجانسة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾
[إبراهيم: ٤] وقد مضى هذا في ((الأعراف))(٤). وقيل: هو من قولِ العرب: يا أخا بني
تميم. يُريدون: يا واحداً منهم. الزمخشري: ومنه بيتُ الحماسة:
لا يَسْألونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهِمْ فِي النَّائباتِ على ما قال بُرْهانا(٥)
﴿أَلَا نَّقُونَ﴾ أي: ألا تَّقون اللهَ في عبادة الأصنام.
﴿إِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ أي: صادقٌ فيما أُبلِّغُكم عن الله تعالى. وقيل: ((أَمِينٌ)) فيما
بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصِدْقَه من قبل؛ كمحمدٍ { # في قريش .
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: فاستَتِروا بطاعة الله تعالى من عقابه. ﴿وَأَطِيعُونٍ﴾ فيما آمُرُكم به
من الإيمان.
﴿وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لا طمَعَ لي في مالكم .﴿إِن أَجْرِئَ﴾ أي: ما
جزائي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونٍ﴾ كرَّرَ تأكيداً.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ فيه مسألتان:
(١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٩٥.
(٢) ١٥/ ٤١٠ .
(٣) الوسيط ٣/ ٣٥٧ .
(٤) ٩ / ٢٦٢ .
(٥) الكشاف ١٢٠/٣، والبيت في الحماسة البصرية ٢٩/١، وقائله قُريط بن أنيف كما في خزانة الأدب
٤٤١/٧
٥١
سورة الشعراء: الآيات ١٠٥ - ١٢٢
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالُوَ أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ أي: نُصدِّقُ قولَك(١)؟ ﴿وَأَتَبَعَكَ
اُلْأَرْذَلُونَ﴾ الواو للحال، وفيه إضمارُ قد، أي: وقدِ اتَّبعَك(٢). «الأرْذَلُونَ)) جمع
الأرذَل، المُكَسَّر الأراذل، والأنثى الرُّذْلَى، والجمع الرُّذَّل. قال النَّاس: ولا يجوز
حذفُ الألفِ واللام في شيءٍ من هذا عند أحدٍ من النَّحْويين عَلِمْناهُ(٣). وقرأ ابنُ
مسعود والضحَّاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم: ((وَأَتْباعُكَ الأَرْذَلُون))(٤). النخَّاس:
وهي قراءةٌ حسنٌ، وهذه الواو أكثر ما (٥) تتبعها الأسماء، والأفعال بعد. وأتباع جمع
تَبَع، وتَع(٦) يكون للواحد والجمع؛ قال الشاعر:
له تَبَعٌ قد يعلمُ الناسُ أنَّهُ على من يُداني صَيِّفٌ وَرَبِيعُ (٧)
وارتفاعُ ((أتْباعُكَ)) يجوز أن يكون بالابتداء، و((الأرْذَلُونَ)) الخبر، التقدير: أنؤمِنُ
لكَ وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في قوله: ﴿أَنْؤْمِنُ
لَكَ﴾ والتقدير: أنؤمِنُ لكَ نحن وأتباعُكَ الأرذلون فنُعَدُّ منهم؛ وحَسُنَ ذلكَ الفصلُ
بقوله: ((لَكَ)) (٨) وقد مضى القول في الأراذل في سورة ((هود))(٩) مستوفّى . ونزيده هنا
بياناً وهي:
(١) الوسيط ٣/ ٣٥٧.
(٢) الكشاف ٣/ ١٢٠ .
(٣) إعراب القرآن ١٨٦/٣.
(٤) المحتسب ١٣١/٢، وذكر هذه القراءة أيضاً عن طلحة وابن السميفع وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري،
وهي قراءة شاذة .
(٥) في (د) و(ز) و(م): أكثرها.
(٦) في (م): وتبيع .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٩٠/٥ - ٩١، والبيت نُسب في المفضليات ص٢٧٢ إلى متمِّم بن نويرة.
(٨) المحتسب ١٣١/٢، ومجمع البيان ١٩/ ٦٤.
(٩) ٩٨/١١ - ١٠٠.
٥٢٠
سورة الشعراء: الآيات ١٠٥ - ١٢٢
الثانية: فقيل: إنَّ الذين آمنوا به بَنوه ونساؤه وكَنَّاته وبنو أبيه(١)، واختُلِفَ هل
كان معهم غيرهم أم لا؟ وعلى أن الوجهين كان فالكلُّ صالحون، وقد قال نوح:
﴿وَجِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والذين معه هم الذين اتَّبعوه، ولا يلحقهم من قول
الكفرة شَيْنٌ ولا ذَمٌّ، بل الأرذلون هم المكذِّبون لهم. قال السُّهيلي: وقد أُغريّ كثيرٌ
من العوام بمقالةٍ رُوِيَتْ في تفسير هذه الآية: هم الحاكَة والحجَّامون، ولو كانوا حاكةً
كما زعموا لكان إيمانُهم بنبيِّ الله واتِّاعُهم له مشرِّفاً لهم (٢) كما تشرَّف ◌ِلالٌ وسَلْمانُ
بسبقِهما للإسلام، فهما من وجوهٍ أصحابِ النبيِّ ﴾ ومن أكابرهم، فلا ذريةُ نوحِ
كانوا حاكةً ولا حجَّامين، ولا قولُ الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم
أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتِنا ذمَّا ولا نقصاً؛ لأنَّ هذه حكايةٌ عن قولِ الكفَرةِ إلَّا أن
تُجعلَ الكفرةُ حجةٌ ومقالتُهم أصلاً، وهذا جهلٌ عظيم(٣). وقد أعلم الله تعالى أنَّ
الصناعات ليست بضائرةٍ في الدين (٤).
قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ((كان)) زائدة، والمعنى: وما علمي
بما يعملون، أي: لم أُكَلَّفِ العلمَ بأعمالهم، إنما كُلِّفتُ أن أدعوَهم إلى الإيمان(٥)،
والاعتبار بالإيمان لا بالحِرَف والصَّنائع، وكأنَّهم قالوا: إنما اتّبعك هؤلاء الضعفاءُ
طمعاً في العِزَّةِ والمال، فقال: إني لم أقِفْ على باطن أمرهم، وإنما إليَّ ظاهِرُهم.
وقيل: المعنى: إني لم أعلَمْ أنَّ اللهَ يهديهم ويُضِلُّكم، ويُرشِدُهم ويُغويكم، ويُوفِّقُهم
ويخذلُكم(٦). ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾ أي: في أعمالهم وإيمانهم ﴿إِلَّ عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ﴾
وجواب (لو) محذوف، أي: لو شعرتُم أنَّ حسابَهم على ربِّهم لَما عِبْتُموهم
(١) في (د) و(ز) و(م): ابنه .
(٢) كلمة ((لهم)) ليست في (د) و(ز) و(م).
(٣) التعريف والإعلام ص ١٢٤ -١٢٥.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٩٥ .
(٥) الوسيط ٣٥٧/٣، وزاد المسير ١٣٥/٦.
(٦) تفسير البغوي ٣٩٣/٣.
٥٣
سورة الشعراء: الآيات ١٠٥ - ١٢٢
بصنائعهم (١). وقراءة العامَّة: ((تَشْعُرُونَ)) بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر. وقرأ
ابن أبي عَبْلَة ومحمد بن السَّمَيْفَعِ: ((لو يَشعرون)) بالياء(٢)، كأنَّه خبرٌ عن الكفارِ وتركِ
الخطاب لهم، نحو قوله: ﴿حََّ إِذَا كُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. ورُويَ أنَّ
رجلاً سألَ سفيان عن امرأةٍ زنَتْ وقتلَتْ ولدَها وهي مسلمة هل يُقطَعُ لها بالنار؟
فقال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِينَ﴾ أي: لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طردَ
الضُّعفاءِ کما طلبته قریش.
﴿إِنْ أَنَّ إِلَّا نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ يعني: إنَّ الله ما أرسلني أخُصُّ ذَوي الغنى دون الفقراء،
إنما أنا رسولٌ أُبلِّغُكم ما أُرسِلْتُ به، فمن أطاعني فذلك السعيدُ عند الله وإن كان
فقيراً.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ﴾ أي: عن سبِّ آلهتنا وعَيْبِ ديننا(٣) ﴿لَتَكُنَنَّ
مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي: بالحجارة. قاله قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل: من المقتولين (٤).
قال الثُّمالِيُّ: كلُّ رَجْم(٥) في القرآن فهو القتل، إلا في مريم [الآية: ٤٦]: ﴿لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ
لَأَرْجُمَنَّكٌ﴾ أي: لأُسبَّنَّكَ. وقيل: ((مِنَ المَرْجُومِينَ)): من المشتومين. قاله السُّدِّي.
ومنه قول أبي داود(٦).
﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ قَوْبِى كَذَّبُونِ. فَأَفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَجِى وَمَن ◌َّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ذلك
(١) الوسيط ٣٥٨/٣، وتفسير البغوي ٣٩٣/٣، وزاد المسير ١٣٥/٦.
(٢) وذكرها ابن خالويه في الشاذة ص١٠٧ عن الأعرج وأبي زرعة.
(٣) تفسير الطبري ١٧/ ٦٠٣ .
(٤) الوسيط ٣٥٨/٣، وتفسير البغوي ٣٩٣/٣، وزاد المسير ١٣٥/٦.
(٥) في (د) و(ز) و(م): مرجومين .
(٦) في (م): أبي دؤاد. وهذا الكلام في النكت والعيون ١٧٩/٤ ، وقول أبي داود هو:
كما يصدون عن لب كجفانٍ
صدَّت غُواةُ معدٍّ أن تُراجِمني
٥٤
سورة الشعراء: الآيات ١١٩ - ١٤٠
لمَّا يئسَ من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم(١).
﴿فَأَنْيَّنَهُ وَمَن مَعَهُ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ يريدُ السفينة، وقد مضى ذِكْرُها(٢).
والمشحون: المملوء(٣)، والشحن: ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم(٤). ولم
يؤنِّثِ الفُلكَ هاهنا؛ لأنَّ الفُلكَ هاهنا واحدٌ لا جمع.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاِينَ﴾ أي: بعد إنجائنا نوحاً ومَنْ آمن(٥).
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَُّ أَلَا نَتَّقُونَ (13) إِنِّ
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادُّ الْمُرْسَلِينَ
وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
١٢٦
لَكُ رَسُولُ أَمِينٌ (١٥) فَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
أَتَبَّنُونَ بِكُلِّ رِيعِ ءَايَةٌ تَعْبَئُونَ (٧٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ
٢٧
تَخْلُدُونَ ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٤) فَأَنَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (
وَتَّقُواْ الَّذِىّ
وَحَثَّاتٍ وَعُيُونٍ (٣٤) إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَيَنِينَ (٣)
أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ
قَالُواْ سَوَآءُ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ اُلْوَعِظِينَ ﴾ إِنْ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَ
٣٧
هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴾
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿ فَكَذَّبُهُ فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةٌ
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَمُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (
قوله تعالى: ﴿كَنَّبَتْ عَدُّ الْمُرْسَلِينَ﴾ التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة(٦). وتكذيبُهم
المرسلين كما تقدَّم. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُ أَلَا نَتَّقُونَ. إِّ لَكُ رَسُولُ أَمِينُ. فَأَنَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ . وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ بَيِّنُ المعنى، وقد تقدَّم.
(١) ٢/ ٢١٤.
(٢) ٢ / ٤٩٤ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٩٥ .
(٤) الوسيط ٣٥٨/٣، وتفسير البغوي ٣٩٣/٣، وزاد المسير ١٣٥/٦.
(٥) المصادر السابقة.
(٦) مجمع البيان ١٦٩/١٩ .
٥٥
سورة الشعراء: الآيات ١٢٣ - ١٤٠
قوله تعالى: ﴿أَثَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعْبَغُونَ﴾ الرِّيعُ: ما ارتفع من الأرض في قول
ابن عباسٍ وغيره، جمع رِيعة. وكم رِيعُ أرضِكَ؟ أي: كم ارتفاعُها(١). وقال قتادة:
الرِّيع: الطريق. وهو قول الضخَّاك والكلبي ومقاتل والسُّدِّي . وقاله ابن عباسٍ
أيضاً (٢). ومنه قول المُسيَّب بن عَلَس:
في الآلِ يَخْفِضُها ويَرفَعُها رِيعٌ يَلُوحُ كأَنَّهُ سَخْلُ(٣)
شبَّه الطريقَ بثوبٍ أبيض(٤). النَّخَّاس: ومعروفٌ في اللغة(٥) أن يُقال لِما ارتفعَ من
الأرض: رِيعٌ، وللطريق: رِيعٌ؛ قال الشاعر:
طِراقُ الخَوَافي مشرقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدَى لِيلِهِ فِي رِيشِه يَتَرِقْرَقُ(٦)
وقال عمارة: الرِّيع: الجبل، الواحد رِيعة، والجمع رِياع(٧). وقال مجاهد: هو
الفَجُّ بين الجبلين. وعنه: الثنية الصغيرة. وعنه: المنظرة(٨). وقال عكرمة ومقاتل:
كانوا يهتدون بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالاً طوالاً ليهتدوا بها؛ يدلُّ
عليه قوله تعالى: ﴿مَايَةٍ﴾ أي: علامة. وعن مجاهد: الرِّيع: بنيان الحَمَام؛ دليله:
﴿تَعَّئُونَ﴾ أي: تلعبون(٩)؛ أي: تبنون بكلِّ مكانٍ مُرتفع آيَةً علماً تلعبون بها على معنى
(١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٩٦ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٩٢/٥، والنكت والعيون ١٨٠/٤، والوسيط ٣٥٨/٣، وتفسير البغوي
٣٩٣/٣. وأخرجه الطبري ١٧ /٦٠٨ عن ابن عباس ﴾.
(٣) الصحاح (ريع) و(سحل).
(٤) النكت والعيون ٤/ ١٨٠ .
(٥) في معاني القرآن ٥/ ٩٢ .
(٦) قائله ذو الرمَّة، وهو في ديوانه ١/ ٤٨٨، وفيه: ((واقعٌ)) بدل ((مشرقٌ))، وقد قاله وهو يصف بازياً. قال
شارحه: طراق: بعضه على بعض. الخوافي: ما دون القوادم من جناح الطائر. يترقرق: يجيء ويذهب.
(٧) الصحاح (ريع).
(٨) أخرج تلك الأقوال الطبري ١٧ / ٦٠٨ - ٦٠٩ .
(٩) تفسير البغوي ٣/ ٣٩٣. وأخرج قول مجاهد الطبري ١٧ / ٦١٠.
٥٦
سورة الشعراء: الآيات ١٢٣ - ١٤٠
أبنية الحمام وبروجها. وقيل: تعبئون بمن يمرُّ في الطريق؛ أي: تبنون بكلِّ موضعٍ
مُرتفعٍ لتشرفوا على السَّابلةِ فتسخروا منهم(١). وقال الكلبي: إنَّه عبثُ العشَّارين
بأموال من يَمرُّ بهم. ذكره الماوردي (٢). وقال ابن الأعرابي: الرِّيع: الصَّومعة،
والرِّيع: البرج من الحمام يكون في الصحراء . والرِّيع: التلُّ العالي. وفي الرِّيع
لغتان: كسر الراء وفتحها، وجمعها أرباع. ذكره الثعلبي .
قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ أي: منازل. قاله الكلبي. وقيل: حُصُوناً
مُشَيِّدة. قاله ابن عباس ومجاهد(٣). ومنه قول الشاعر:
تَّرَكْنا ديارَهُم مِنهم قِفَاراً وهَذَّمْنا المصانعَ وَالبُرُوجا
وقيل: قصوراً مُشيّدة. وقاله مجاهد أيضاً. وعنه: بروج الحمام. وقاله السُّدِّي(٤).
قلت: وفيه بُعدٌ عن مجاهد؛ لأنَّه تقدَّم عنه في الرِّيع أنه بنيان الحمام، فيكون
تكراراً في الكلام. وقال قتادة: مآجِلُ للماء تحت الأرض(٥). وكذا قال الزَّجَّاج (٦):
إنها مصانع الماء ، واحدتها مَصْنَعَةٌ ومَصْنَعٌ. ومنه قول لَبِيد(٧) :
وتَبقَى الجبالُ بَعْدَنا والمصانِعُ
بَلِينا وما تَبْلَى النجومُ الطوائِعُ
الجوهري: المصنّعةُ: كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنُعَة بضَمِّ
النون، والمصانع: الحصون(٨). وقال أبو عبيدة: يُقال لكل بناء: مصنعة(٩). حكاه
(١) الوسيط ٣٥٨/٣، وتفسير البغوي ٣٩٣/٣، وزاد المسير ١٣٦/٦.
(٢) في النكت والعيون ٤/ ١٨١ .
(٣) أخرجه الطبري ١٧ / ٦١١ عن مجاهد .
(٤) النكت والعيون ٤/ ١٨١ .
(٥) النكت والعيون ١٨١/٤، وزاد المسير ١٣٦/٦. وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في تفسيره ٧٤/٢،
والطبري ١٧ / ٦١١ .
(٦) في معاني القرآن له ٩٦/٤ .
(٧) في ديوانه ص١٦٨ .
(٨) الصحاح (صنع).
(٩) مجاز القرآن ٨٨/٢.
٥٧
سورة الشعراء: الآيات ١٢٣ - ١٤٠
المَهْدَوي. وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن: القصور العادية.
﴿لَعَلَّكُمْ تَّخْلُونَ﴾ أي: كي تخلدوا. وقيل: لعلَّ استفهامٌ بمعنى التوبيخ(١)، أي:
فهل تَخْلُدونَ؟ كقولك: لعلَّكَ تشتمني، أي: هل تشتمني . رُوي معناه عن ابن زيد .
وقال الفرَّاء : كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت(٢). وقال ابن عباس وقتادة:
كأنكم خالدون باقون فيها(٣). وفي بعض القراءات ((كَأَنَّكُمْ تُخَلَّدُون)» ذكره النحاس (٤).
وحكى قتادة: أنها كانت في بعض القراءات ((كأنكم خالِدون))(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ البطشُ: السَّطوةُ والأخذ بالعنف، وقد
بَطَش به يبطُشُ ويبطِشُ بَطْشاً، وباطشَه مُباطشةً(٦). وقال ابن عباس ومجاهد:
البَظْشُ: العَسْفُ قتلاً بالسيف وضرباً بالسوط(٧). ومعنى ذلك: فعلتُم ذلك ظلماً.
وقال مجاهد أيضاً: هو ضربٌ بالسياط(٨). ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر
فيما ذكر ابن العربي(٩). وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق. حكاه يحيى بن سَلَّام.
وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغضب من غير تَثْبُّتٍ. وكلَّه يرجع إلى قول ابن
عباس. وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفوٍ ولا إبقاء(١٠). قال ابن
العربي (١١): ويؤيِّد ما قال مالك قولُ الله تعالى عن موسى: ﴿فَلَمَآ أَنْ أَرَادَ أَن يَطِشَ
(١) المحرر الوجيز ٢٣٨/٤.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٨١ دون عبارة: لا تتفكرون بالموت، وهي في معاني القرآن للزجاج ٩٦/٤ .
(٣) أخرجه الطبري ١٧/ ٦١٢ عنهما بنحوه .
(٤) في معاني القرآن ٩٣/٥، ونسبها في المحرر الوجيز ٢٣٨/٤ إلى أُبيّ، وهي قراءة شاذة.
(٥) النكت والعيون ١٨١/٤، وهي قراءة شاذة أيضاً.
(٦) الصحاح (بطش).
(٧) معاني القرآن للنحاس ٩٤/٥ عن مجاهد .
(٨) النكت والعيون ٤/ ١٨٢.
(٩) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٢٥ .
(١٠) النكت والعيون ١٨٢/٤، وقول الكلبي ذكره الفراء في معاني القرآن ٢٨١/٢ .
(١١) في أحكام القرآن ١٤٢٥/٣ .
٥٨
سورة الشعراء: الآيات ١٢٣ - ١٤٠
بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَى أَتْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنُّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
جَارًا فِ الْأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩] وذلك أنَّ موسى عليه السلام لم يَسُلَّ عليه سيفاً ولا
طعنَه بِرُمح، وإنما وَكَزه وكانت منيَّتُه في وَكْزَتِهِ. والبطش يكون باليد، وأقلُّه الوكز
والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكلُّ مذمومٌ إلا بحقِّ .
والآية نزلت خبراً عمّن تقدَّم من الأمم، ووعظاً من الله عزَّ وجلَّ لنا في مجانبة
ذلك الفعل الذي ذمَّهم به وأنكره علیھم.
قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثيرٍ من هذه الأمة، لا سيّما
بالديار المصرية منذ وَلِيَتْها البحرية(١)، فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق.
وقد أخبر أن ذلك يكون، كما في ((صحيح مسلم))(٢) عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ﴾: «صِنفانٍ من أهل النار لم أرَهُما: قومٌ معهم سِياط كأذناب البقر
يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مُميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهُنَّ كأَسْنِمَةِ
البُخْتِ المائلة، لا يدخُلْنَ الجنةَ ولا يَجِدْنَ ريحَها، وإنَّ رِيحَها ليُوجَدُ من مسيرةٍ كذا
وكذا)). وخرَّج أبو داود(٣) من حديث ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((إذا
تبايعتُمْ بالعِينةِ، وأخذتُمْ أذناب البقر، ورضيتُم بالزرع، وتركتُم الجهادَ، سلَّطَ اللهُ
علیکم ذلًا لا ینزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم)).
(جَبَّارِينَ)): قتَّالين. والجبَّار: القتَّال في غير حقٍّ، وكذلك قولُه تعالى: ﴿إِن تُرِيدُ
إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَّارًا فِى الْأَرْضِ﴾. قاله الهروي. وقيل: الجبّار: المتسلِّط العاتي، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] أي: بمسلَّط. قال الشاعر:
سَلَبْنَا مِن الجَبَّارِ بالسَّيفِ مُلْكَهُ عَشِيًّا وأطرافُ الرِّمَاحِ شَوَارِعُ
(١) هم جماعة من الأتراك المماليك اشتراهم الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعلهم بطانته ، وأمّر
بعضهم ، وسبب تسميتهم البحرية أن التجار جلبوهم في البحر من بلاد القفجاق. السير ١٩١/٢٣- ١٩٢ .
(٢) (٢١٢٨)، وقد سلف ٣٤١/١٥.
(٣) في سننه (٣٤٦٢)، وقد سلف ٢٩٦/٢ .
٥٩
سورة الشعراء: الآيات ١٢٣ - ١٤٠
قوله تعالى: ﴿فَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ تقدَّم. ﴿ وَأَنَّقُواْ الَّذِيّ أَمَدِّكُمُ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من
الخيرات، ثم فسَّرها بقوله: ﴿أَمَذَّكُ بِأَنْعَمٍ وَبِنَ . وَحَنَّتٍ وَعُودٍ﴾ أي: سخّر ذلك لكم
وتفضَّل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يُعبدَ ويُشكَر ولا يُكفرَ.
﴿إِنَّ أَغَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ إن كفرتُم به وأصررتُم على ذلك.
﴿قَالُواْ سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَعِظِينَ﴾ كلُّ ذلك عندنا سواءٌ، لا نسمع
منك، ولا نلوي على ما تقولُه. وروى العباس عن أبي عمرو وبِشْر عن الكسائي:
(أَوَعَظتَّ)) مدغمةَ الظّاء في التاءُ(١)، وهو بعيد؛ لأنَّ الَّاء حرفُ إطباق، إنما يُدغَمُ
فیما قَرُب منه جدًّا وکان مثلَه ومخرجه.
﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ آلْأَوَّلِينَ﴾ أي: دينُهم. عن ابن عباس وغيره(٢). وقال الفرَّاء(٣):
عادةُ الأوّلين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ((خَلْقُ الأَوّلِينَ))، الباقون:
(خُلُقُ))(٤). قال الهروي: وقولُه عز وجل: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ آلْأَوَّلِينَ﴾ أي: اختلافهم
وكذبهم، ومن قرأ: ((خُلُقُ الأَوّلِينَ)) فمعناه عادتهم، والعرب تقول: حدَّثنا فلانٌ
بأحاديثِ الخَلْق، أي: بالخرافات والأحاديث المفتعلة(٥). وقال ابن الأعرابي:
الخلقُ: الدين، والخلقُ: الطبع، والخلقُ: المروءة. قال النَّخَّاس (٦): ((خُلُقُ الأَوَّلِينَ))
عند الفرَّاء يعني: عادةُ الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال:
((خُلُقُ الأَوَّلِينَ)): مذهبُهم وما جرى عليه أمرهم؛ قال أبو جعفر: والقولان متقاربان،
(١) وذكرها عنهما أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٣، وذكر أنها رُويت عن عاصم وقرأ بها ابن محيصن
وهي قراءة شاذة.
(٢) أخرجه الطبري ٦١٤/١٧ عن ابن عباس
(٣) في معاني القرآن له ٢/ ٢٨١ .
(٤) السبعة ص ٤٧٢، والتيسير ص١٦٦.
(٥) وقاله الفراء في معاني القرآن ٢٨١/٢.
(٦) في إعراب القرآن ١٨٦/٣ - ١٨٧ .
٦٠
سورة الشعراء: الآيات ١٢٣ - ١٤٠
ومنه الحديث عن النبيِّ﴾: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلُقاً))(١) أي: أحسنُهم
مذهباً وعادةً وما يجري عليه الأمرُ في طاعة الله عزَّ وجلَّ، ولا يجوز أن يكون مَنْ
كان حسنَ الخُلُقِ فاجراً فاضلاً، ولا أن يكون أكملَ إيماناً من السَّيِّىء الخُلُقِ الذي
ليس بفاجر. قال أبو جعفر: وحُكيَ لنا عن محمد بن يزيد أنَّ معنى ((خُلُقُ الأَوَّلِينَ)):
تكذيبُهم وتخرُّصُهم، غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى؛ لأنَّ فيها مدحَ آبائهم،
وأكثرُ ما جاء القرآن في صفتهم مدحُهم لآبائهم، وقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَنَا عَلَّ
أُقَتِ﴾ [الزخرف: ٢٢].
وعن أبي قِلابةَ أنه قرأ: ((خُلْق)) بضمِّ الخاء وإسكان اللام تخفيف ((خُلُقُ)). ورواها
ابن جُبير عن أصحاب نافع عن نافع(٢). وقد قيل: إن معنى ((خُلُقُ الأَوَّلِينَ)): دين
الأوّلين(٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ ﴾ [النساء: ١١٩] أي: دين الله.
و(خُلُقُ الأَوَّلِينَ)) عادة الأولين، حياةٌ ثم موتٌ ولا بعث(٤). وقيل: ما هذا الذي
أنكرتَ علينا من البنيان والبطش إلا عادةُ من قبلنا، فنحن نقتدي بهم ﴿وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ﴾ على ما نفعل.
وقيل: المعنى: خَلْقُ أجسام الأوّلين، أي: ما خَلْقُنا إلا كخَلْقِ الأوّلين الذين
خُلِقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شيءٌ مما تُحذّرنا به من العذاب(٥).
﴿فَكَذَّبُهُ كَأَهْلَكْنَهُمْ﴾ أي: بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ على ما يأتي في ((الحاقة))(٦).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال بعضُهم: أسلمَ معه ثلاث مئة ألفٍ
(١) أخرجه أحمد (٧٤٠٢)، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢) من حديث أبي هريرة﴾. وأخرجه
أحمد (٢٤٢٠٤)، والترمذي (٢٦١٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) المحرر الوجيز ٢٣٩/٤، وهي قراءة شاذة، والمشهور عن نافع مثل قراءة الجهمور: ﴿خُلُقُ الأوَّلين﴾.
(٣) النكت والعيون ٤/ ١٨٢.
(٤) تفسير البغوي ٣٩٥/٣ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٩٧ بنحوه.
(٦) عند تفسير الآية (٦).
: