النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة الشعراء: الآيات ٢٣ - ٥١ يجِدِ اللعينُ من تقريرهِ على التربية وغيرِ ذلكَ حُجَّةً رجع إلى معارضة موسى في قوله: ((رسولُ ربِّ العالمين)) فاستفهمه استفهاماً عن مجهولٍ من الأشياء . قال مكيٍّ وغيرُه: كما يُستفهَمُ عن الأجناس؛ فلذلك استفهمَ بـ ((ما)). قال مكي: وقد وردَ له استفهامٌ بـ ((من)) في موضعٍ آخر، ويُشبِهُ أنَّها مواطن، فأتى موسى بالصِّفاتِ الدالّة على الله من مخلوقاته التي لا يُشارِكُه فيها مخلوق، وقد سأل فرعونُ عن الجنسِ ولا جِئْسَ للهِ تعالى؛ لأنَّ الأجناسَ مُحدَثة، فَعَلِمَ موسى جهلَه، فأضربَ عن سؤاله، وأعلَمَه بعظيم قدرة الله التي تُبيِّنُ للسامع أنَّه لا مشاركةَ لفرعونَ فيها. فقال فرعون: ﴿أَلَا تَسْتَعُونَ﴾ على معنى الإغراءِ والتَّعُبِ من سفَهِ المقالةِ إذْ كانت عقيدةُ القوم أنَّ فرعونَ ربُّهم ومعبودُهم، والفراعنةُ قبلَه كذلك. فزاد موسى في البيان بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَيِكُم الْأَوَّلِينَ﴾(١) فجاء بدليلٍ يفهمونه عنه؛ لأنَّهم يعلمون أنه قد كان لهم آباءُ، وأنَّهم قد فَنَوا، وأنَّه لابُدَّ لهم من مُغَيِّر، وأنَّهم قد كانوا بعدَ أن لم يكونوا، وأنَّهم لابُدَّ لهم من مُكَوِّن(٢). فقال فرعون حينئذٍ على جهةِ الاستخفاف: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾(٣) أي: ليس يجيبني عمَّا أسأل، فأجابه موسى عليه السلام عن هذا بأنْ قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي (٤): ليس ملكُه كمُلكِكَ؛ لأنَّكَ إنَّما تملِكُ بلداً واحداً لا يجوز أمرُكَ في غيره، ويموت من لا تُحِبُّ أن يموت، والذي أرسلني يملِكُ المشرقَ والمغرب ﴿وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾(٥) . وقيل: عَلِمَ موسى عليه السلام أنَّ قصْدَه في السؤال معرفةُ مَنْ سألَ عنه، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الربِّ اليوم. ثم لمَّا انقطعَ فرعونُ - لعنه الله - في باب الحُجَّةِ رجعَ إلى الاستعلاءِ والتغلُّبِ، فتوغَّدَ موسى بالسَّجْنِ، ولم يقُلْ: ما دليلُكَ على أنَّ هذا الإلهَ أرسلَكَ؛ لأنَّ فيه (١) المحرر الوجيز ٢٢٨/٤ - ٢٢٩. (٢) إعراب القرآن ٣/ ١٧٨. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٩/٤ . (٤) في (م): إن . (٥) إعراب القرآن ١٧٨/٣ . ٢٢ سورة الشعراء: الآيات ٢٣ - ٥١ الاعترافَ بأنَّ ثَمَّ إلهاً غيرُه. وفي تَوعُدِه بالسَّجْنِ ضَعْفٌ. وكان فیما یُروی أنه یفزَعُ منه فزعاً شديداً حتى كان اللَّعينُ لا يُمسِكُ بولَه. ورُويَ أنَّ سَجْنَه كان أشدَّ من القتل. وكان إذا سجَنَ أحداً لم يُخرِجْه من سجنهِ حتى يموت، فكان مَخُوفاً. ثم لمّا كان عند موسى عليه السلام من أمرِ الله تعالى ما لا يُرِعْهُ تَوَعُدُ فرعون ﴿قَالَ﴾ له على جهةٍ اللُّطفِ به والطّمع في إيمانه: ﴿أُوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ تُِيٍ﴾ فيتَضِحُ لكَ به صدقي. فلمَّا سمعَ فرعون ذلك طمِعَ في أن يجِدَ أثناءه موضِعَ معارضة ﴿فَقَالَ﴾ له: ﴿فَأْتِ بِيِةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾(١). ولم يَحتَجِ الشَّرطُ إلى جوابٍ عند سيبويه؛ لأنَّ ما تقدَّم يكفي منه(٢). ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ من يدِهِ فكان ما أخبرَ الله من قصَّتِهِ. وقد تقدَّم بيانُ ذلك وشرحُه في ((الأعراف(٣)) إلى آخر القصة. وقال السَّحَرةُ لمَّا توعَّدهم فرعونُ بقَطْعِ الأيدي والأرجُلِ: ﴿لَا ضَيْرِّ﴾ أي: لا ضرَرَ علينا فيما يَلْحَقُنا من عذاب الدنيا(٤)، أي: إنَّما عذابُكَ ساعةً فنصبرُ لها وقد لقينا اللهَ مؤمنين. وهذا يدُلُّ على شِدَّةِ استبصارِهم وقُوَّةِ إيمانهم. قال مالك: دعا موسى عليه السلام فرعونَ أربعين سنةً إلى الإسلام، وأنَّ السَّحَرةَ آمنوا به في يوم واحد(٥). يُقال: لا ضَيْرَ ولا ضَوْرَ ولا ضَرَّ ولا ضَرَرَ ولا ضارُورةً بمعنّى واحد. قالَه الهَرَوي(٦). وأنشدَ أبو عبيدة: فإنَّكَ لا يَضُورُكَ بعدَ حَوْلٍ أَظبيٍّ كانَ أُمُّكَ أَم حِمارُ(٧) وقال الجوهري(٨): ضَارَه يَصُورُه ويَضيرُهُ ضَيْراً وضَوْراً، أي: ضَرَّه. قال (١) المحرر الوجيز ٢٢٩/٤. (٢) إعراب القرآن ١٧٨/٣. (٣) ٩/ ٢٩٢-٢٩٩. (٤) الوسيط ٣٥٣/٣. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٢٣/٣ . (٦) وقاله الزجاج في معاني القرآن ٩١/٤ دون قوله: ولا ضارورة. (٧) قائله خداش بن زهير، وهو في خزانة الأدب ٢٨٩/٩ . (٨) في الصحاح (صور). ٢٣ سورة الشعراء: الآيات ٥٠ - ٦٨ الكسائي: سمعتُ بعضَهم يقول: لا ينفعني ذلكَ ولا يَضُورني. والتَّضوُّرُ: الصِّياحُ والتَّلَوِّي عند الضرب أو الجوع. والصُّورَة بالضمِّ: الرَّجلُ الحقيرُ، الصغيرُ الشأن. ﴿إَِّ إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ يُريدُ: نتقلبُ إلى ربِّ كريمٍ رحيمٍ. ﴿إِنَّا نَطَمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبَّنَا خَطَآ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((أَنْ)) في موضع نصبٍ، أي: لأنْ كُنَّا. وأجاز الفرَّاءُ كسْرَها على أن تكون مُجازاةً(١). ومعنى: ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. الفرَّاء (٢): أول مؤمني زماننا. وأنكره الزَّجَّاج (٣) وقال: قد رُويَ أنه آمنَ معه ستُّ مئة ألفٍ وسبعون ألفاً، وهم الشِّرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْزِمَةٌ قَلِلُونَ﴾. رُويَ ذلك عن ابن مسعودٍ وغيره(٤). فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ (٥٢) قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُ مُتَّبَعُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ ٥٤ الْمَدَايِنِ خَشِرِينَ ﴿﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْدِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعُ ٥٥ وَكُرٍ وَمَقَاءٍ كَرِيِمٍ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا ٥٧ فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَنَّتٍ وَعُونٍ حَذِرُونَ فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا فَتْبَعُوهُمْ تُشْرِقِنَ ® ٥٩ بَنِيّ إِسْرَوِيلَ فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ لَمُدْرَكُونَ ® وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِنَ (® بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْقَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ وَأَنْجَنَا مُوسَى وَمَنْ قَّعَهُ: أَجْمَعِينَ (٥َ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِنَ ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهَوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٣٠) قوله تعالى: ﴿وَأَوْخَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ﴾ لمَّا كان من سُنَّتِهِ تعالى في عباده إنجاءُ المؤمنين المُصدِّقين من أوليائه، المعترفينَ برسالة رسلهِ وأنبيائه، (١) إعراب القرآن ٣/ ١٨٠، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٢٨٠. (٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٨٠ . (٣) في معاني القرآن له ٤/ ٩١ . (٤) أخرجه الطبري ١٧/ ٥٧٣ عن ابن مسعود وأبي عبيدة. ٢٤ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ وإهلاك الكافرين المُكذّبين لهم من أعدائه، أمرَ موسى أن يخرُجَ ببني إسرائيل ليلاً وسمَّاهم عبادَه؛ لأنَّهم آمنوا بموسى. ومعنى: ((إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)) أي: يتّبعكم فرعونُ وقومُه لِيَرُدُّوكم(١). وفي ضمنٍ هذا الكلام تعريفُهم أنَّ اللهَ يُنجيهم منهم، فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سَحَراً، فتركَ الطريقَ إلى الشام على يسارِهِ، وتوجَّه نحو البحر، فكان الرجلُ من بني إسرائيلَ يقول له في ترك الطريق، فيقول: هكذا أُمِرْتُ. فلمَّا أصبحَ فرعونُ وعَلِمَ بِسُرَى موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم، وبعثَ إلى مدائن مصر لِتلحَقَه العساكر، فرُويَ أنَّه لحِقَه ومعه مئةُ ألفٍ (٢) أذْهَم من الخيل حاشى(٣) سائر الألوان. ورُويَ أنَّ بني إسرائيل كانوا ستَّ مئة ألفٍ وسبعينَ ألفاً. والله أعلمُ بصِحَّته، وإنَّما اللازمُ من الآيةِ الذي يُقطَعُ به أنَّ موسى عليه السلام خرجَ بجمعِ عظيمٍ من بني إسرائيل، وأنَّ فرعونَ تَبِعَه بأضعافٍ ذلك. قال ابن عباس: كان مع فرعونَ ألفُ جبَّارٍ كلُّهم عليه تاجٌ، وكلُّهم أميرُ خيل. والشِّرْذِمَةُ: الجمعُ القليلُ المحتقَرُ، والجمعُ الشَّراذِمِ (٤). قال الجوهري: الشِّرذمة: الطائفةُ من الناس، والقِطعةُ من الشيء . وثوبٌ شراذمُ أي: قِطَع(٥). وأنشدَ الثعلبيُّ قولَ الراجز: شَراذِمٌ يَضحَكُ منها النَّؤَّاقْ جاءَ الشِّتاءُ وثِيَابي أَخْلاق النَّوَّاقُ من الرجال: الذي يَروضُ الأمور ويُصلِحُها. قالَه في الصحاح(٦). واللام في قوله: (لَشِرْذِمٌ)) لامُ توكيدٍ، وكثيراً ما تدخلُ في خبرٍ إِنَّ، إلّا أن الكوفيين لا يُجيزونَ: إِنَّ زيداً لَسوفَ يقوم. والدليل على أنه جائزٌ قوله تعالى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) الوسيط ٣/ ٣٥٤، وتفسير البغوي ٣٨٦/٣. (٢) في المحرر الوجيز: ست مئة ألف. (٣) في (د) و(ز) و(م): سوى ، وكلاهما بمعنى . (٤) من قوله: فخرج موسى ... إلى هذا الموضع من المحرر الوجيز ٢٣١/٤-٢٣٢. (٥) الصحاح (شرذم). (٦) (نوق)، ويروى بالتاء (التَّوَّاق) على أنه اسم ابنه. اللسان (توق). ٢٥ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ وهذه لامُ التوكيد بعينها وقد دخلت على سوف. قاله النَّخَّاس(١). ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ﴾ أي: أعداءٌ لنا لمخالفتهم دينِنا وذهابِهم بأموالنا التي استعاروها على ما تقدم. وماتت أبكارهم تلك الليلة. وقد مضى هذا في ((الأعراف)) و((طه (٢)) مستوفّى. يُقال: غاظني كذا وأغاظني. والغيظُ: الغضبُ، ومنه التغيُّظُ والاغتياظ. أي: غاظونا بخروجهم من غير إذن(٣). ﴿وَإِنَّا تَجَمِيعُ حَذِرُونَ﴾ أي: مُجتمِعٌ مُستِعدٌّ أخَذْنا حِذْرَنا وأسلِحَتنا. وقُرِئَ: ((حاذِرُونَ)) ومعناه معنى ((حَذِرُونَ(٤)) أي: فَرِقونَ خائفون. قاله الجوهري(٥): وقُرِئَ: ((وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)) و ((حَذِرُونَ)) و((حَذُرونَ)) بضمِّ الذَّالِ. حكاه الأخفش، ومعنى ((حَاذِرُونَ)): مُتأهِّبون، ومعنى ((حَذِرُونَ)): خائفون. قال النَّخَّاس: ((حَذِرُونَ)) قراءةُ المدنيين وأبي عَمرو، وقراءةُ أهلِ الكوفة: ((حَاذِرُونَ))(٦) وهي معروفةٌ عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، و((حَادِرُونَ)» بالدَّالِ غيرِ المُعجَمةِ قراءةُ أبي عباد(٧)، وحكاها المهدَويُّ عن ابن أبي عمار، والماورديُّ والثعلبيُّ عن سُمَّيْط بن عجلان(٨). قال النَّحَّاس: أبو عبيدةَ يذهبُ إلى أنَّ معنى ((حَذِرُونَ)) و((حَاذِرُونَ)) واحد. وهو قول سيبويه، وأجاز: هو حَذِرٌ زيداً، كما يُقال: حاذرٌ زيداً، وأنشد: (١) في إعراب القرآن ٣/ ١٨٠. (٢) ١٠٨/١٤- ١١١ . (٣) تفسير البغوي ٣/ ٣٨٧ دون قوله: ومنه التغيظ والاغتياظ. قال الزجاج في معاني القرآن ٩٢/٤: من قال: أغاظني، فقد لحن . (٤) وهو قول أبي عبيدة كما سيأتي . (٥) في الصحاح (حذر). (٦) السبعة ص٤٧١، والتيسير ص ١٦٥، والنشر ٣٣٥/٢ . (٧) إعراب القرآن ٣/ ١٨٠، لكن الذي في مطبوعه: عن ابن أبي عمار بدل أبي عباد. (٨) هذه القراءة في المحتسب ١٢٨/٢ عن ابن أبي عمار، وفي الشاذة ص ١٠٦ عن ابن أبي عمار ومحمد ابن السميفع، وفي المحرر الوجيز ٢٣٢/٤ عن ابن أبي عمار وسميط بن عجلان. وذكرها الأزهري في تهذيب اللغة ٤٠٩/٤ عن عبد الله بن مسعود ٢٦ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ حذِرٌ أُموراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما ليسَ مُنْجِيَهُ من الأقدارِ (١) وزعم أبو عمر الجَرْميُّ أنه يجوز: هو حَذِرٌ زيداً على حَذْفٍ مِنْ. فأمَّا أكثرُ النَّحْوِيِّينَ فيُفرِّقونَ بين حَذِرٍ وحاذِرٍ، منهم الكسائي والفرَّاء ومحمد بن يزيد، فيذهبون إلى أنَّ معنى حَذِرٍ: في خِلْقَتِه الحذرُ، أي: مُتيقّظُ مُتنبّةٌ، فإذا كان هكذا لم يَتَعدَّ، ومعنى حاذرٍ مُستَعِدٌّ، وبهذا جاء التفسير عن المُتقدِّمين. قال عبد الله بن مسعود في قولٍ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّا تَجَمِعُ حَذِرُونَ﴾ قال: مُؤْدون في السلاحِ والكُراع مُقْوون، فهذا ذاك بعينِه. وقوله: مُؤْدون: معهم أداة. وقد قيل: إنَّ المعنى: معنا سلاحٌ وليس معهم سلاحٌ؛ يُحرِّضهم على القتال، فأمَّا ((حادِرونَ)) بالدَّال المهملة فمُشتَقٌّ من قولِهم: عينٌ حَذْرَةٌ أي: ممتلِئَةٌ، أي: نحن ممتلئون غيظاً عليهم (٢)، ومنه قول الشاعر: وعَينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ شُقَّتْ مآقيهمَا مِنْ أُخُرْ(٣) وحكى أهل اللغة أنَّه يُقال: رجلٌ حادِرٌ إذا كان مُمتلئَ اللحم(٤)، فيجوز أن يكون المعنى: الامتلاءُ من السلاح. المَهْدَويُّ: الحادر: القويُّ الشدید. قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني: من أرض مصر(٥). وعن عبد الله ابن عَمرٍو قال: كانت الجنَّاتُ بحافتي النيل في الشِّقتين جميعاً من أسوانَ إلى رشيد، وبين الجنات زروعٌ. والنيل سبعةُ خِلجان: خليجُ الاسكندرية، وخليجُ سَخَا، وخليجُ دِمْياط، وخليجُ سَرْدُوس، وخليج مَنْف، وخليج الفيوم، وخليج المَنْهَى، متصلةٌ لا ينقطِعُ منها شيءٌ عن شيء، والزُّروعُ ما بين الخِلْجان كلِّها. وكانت أرضُ مصرَ كلُّها (١) سلف ٢٨٨/١٠. (٢) إعراب القرآن ٣/ ١٨١. (٣) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص١٦٦. قال شارحه: بدرة: تبدُر بالنظر. شُقَّت مآقيهما: تفتحت، فكأنها انشقت. من أُخُر: من مآخير العين. (٤) تهذيب اللغة ٤ / ٤٠٧ . (٥) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٧٤ . ٢٧ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ تُروى من ستةَ عشرَ ذراعاً بما دَبَّروا وقدَّروا من قناطِرها وجسورِها وخلجانها(١)؛ ولذلك سُمِّي النيلُ - إذا غلق ستةَ عشرَ ذراعاً - نيلَ السلطان، ويُخلَع على ابنٍ أبي الردَّاد، وهذه الحال مستمِرَّةٌ إلى الآن. وإنما قيل: نيلُ السلطان؛ لأنَّه حينئذٍ يجب الخَراجُ على الناس . وكانت أرضُ مصرَ جميعُها تُروى من إصبعٍ واحدةٍ من سبعةَ عشرَ ذراعاً، وكانت إذا غلق النيلُ سبعةَ عشرَ ذراعاً ونُوديَ عليه إصبعٌ واحدٌ من ثمانيةً عشرَ ذراعاً، ازدادَ في خَراجِها ألفُ ألفِ دينار. فإذا خرجَ عن ذلِكَ ونُوديَ عليه إصبعاً واحداً من تسعةَ عشرَ ذراعاً نقَصَ خَراجُها ألفُ ألفِ دينار. وسببُ هذا ما كان ينصرفُ في المصالح والخِلْجان والجسور والاهتمام بعمارتها. فأمَّا الآن فإنَّ أكثرَها لا يُروى حتى يُنادى إصبعٌ من تسعةَ عشرَ ذراعاً بمقياس مصر. وأمَّا أعمالُ الصعيد الأعلى، فإنَّ بها ما لا يتكاملُ رِيُّهُ إلَّا بعد دخول الماء في الذراع الثاني والعشرين بالصعيد الأعلى(٢). قلتُ: أمَّا أرضُ مصرَ فلا تُروى جيمعُها الآن إلَّا من عشرين ذراعاً وأصابع؛ لِعِلُوِّ الأرض وعدم الاهتمام بعمارة جُسورِها، وهو من عجائب الدنيا، وذلك أنَّه يزيد إذا انصبَّتِ المياهُ في جميع الأرض حتى يسيح على جميع أرض مصر، وتبقى البلادُ كالأعلام لا يُوصَلُ إليها إلا بالمراكبِ والقياسات. ورويَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه قال: نِيلُ مصرَ سيدُ الأنهار، سخّر اللهُ له كلَّ نهرٍ بين المشرق والمغرب، وذلَّلَ اللهُ له الأنهار، فإذا أرادَ اللهُ أن يُجريَ نيلَ مصرَ أمرَ كلَّ نهرٍ أن يَمُدَّه، فأمدَّتْهُ الأنهارُ بمائها، وفَجَّرَ الله له عيوناً، فإذا انتهى إلى ما أراد اللهُ عزَّ وجلَّ، أوحى الله تبارك وتعالى إلى كلِّ ماءٍ أن يرجع إلى عنصره. وقال قيس بن الحجاج [عمَّن حدَّثه](٣): لمَّا افتتحَتْ مصرُ أتى أهلُها إلى عَمرو (١) معاني القرآن للنحاس ٨١/٥. (٢) ذكره النحاس في معاني القرآن ٥/ ٨١، وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص١٠٣ . (٣) ما بين حاصرتين من المصادر. ٢٨ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ ابن العاص حين دخل بؤونةُ من أشْهُرِ العجم(١) فقالوا له: أيها الأميرُ، إنَّ لِنِيلِنا هذا سُنَّةً لا يجري إلَّا بها. فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كان لاثنتي عشرةَ ليلةً تخلو من هذا الشهر عَمَدْنا إلى جاريةٍ بِكْرٍ بين أبويها، فأرضَيْنا أبويها، وحَمَلْنا عليها من الحُليِّ والثيابٍ أفضلَ ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عَمرو: هذا لا يكون في الإسلام؛ وإنَّ الإسلامَ يهدُمُ ما قبله. فأقاموا بؤونة وأبيب(٢) ومسرى لا يجري قليلٌ ولا كثير، وهمُّوا بالجَلاء، فلما رأى ذلك عمرو بنُ العاص كتبَ إلى عمر بن الخطاب ، فأعلَمِه بالقِصَّة، فكتب إليه عُمر بن الخطاب: إنَّكَ قد أصبتَ بالذي فعلتَ، وإنَّ الإسلامَ يهدُمُ ما قبلَه، ولا يكونُ هذا. وبعثَ إليه ببطاقةٍ في داخلٍ كتابه، وكتبَ إلى عَمرو : إني بعثتُ إليكَ ببطاقةٍ داخل كتابي، فألْقِها في النيل إذا أتاك كتابي. فلمَّا قَدِمَ كتابُ عُمر إلى عمرو بن العاص أخذَ البطاقةَ ففتحَها فإذا فيها: من عبد الله أميرِ المؤمنين عمر إلى نيلِ مصر، أمَّا بعد: فإنْ كنتَ إنما تجري من قِبَلِكَ فلا تَجْرِ، وإنْ كان اللهُ الواحدُ القهَّارُ هو الذي يُجريكَ، فنسألُ اللهَ الواحدَ القَّارَ أن يُجرِيَكَ. قال: فألقى البطاقة في النِّيل قبل الصليب بيوم واحد (٣)، وقد تهيَّأَ أهلُ مصر للجَلاء والخروجِ منها؛ لأنَّه لا تقومُ مصلحتُهم فيها إلَّا بالنِّيل. فلما ألقى البطاقةَ في النِّيل، أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله تعالى في ليلةٍ واحدةٍ ستةً عشر ذراعاً، وقطعَ اللهُ تلك السُّنَّةَ السُّوءَ (٤) عن أهل مصر من تِلكَ السَّنة(٥). (١) في النسخ: القبط. والمثبت من المصادر. (٢) في (د) و(م): فأقاموا أبيب. (٣) كلمة ((واحد)) من (ظ). (٤) المثبت من المصادر، وكلمة ((السوء)) ليست في النسخ، وفي (ظ): ((السيرة)) بدل: ((السنة)). (٥) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ١٠٤، وأبو الشيخ في العظمة (٩٤١)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٦٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٣٧/٤٤ من طريق ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، به. ابن لهيعة سيئ الحفظ. تهذيب التهذيب ٤١١/٢-٤١٣ . وفي إسناده إبهام الراوي الذي روی عنه قیس بن الحجاج. ٢٩ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ قال كعب الأحبار: أربعةُ أنهارٍ من الجنة وضعَها اللهُ تعالى في الدنيا: سَيْحان وجَيحانْ والنيل والفرات، فسَيْحانُ نهرُ الماءِ في الجنة، وجَيْحانُ نهرُ اللَّبنِ في الجنة، والنِّيلُ نهرُ العسلِ في الجنة، والفراتُ نهر الخمرِ في الجنة(١). وقال ابن لَهيعَة: الدِّجلةُ نهرُ اللَّبنِ في الجنة. قلت: الذي في الصحيح من هذا حديثُ أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((سَيْحَانُ وجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلٌّ من أنهار الجنة)) لفظ مسلم(٢). وفي حديث الإسراء من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعة رجلٍ من قومه قال: وحدَّث نبيُّ اللهِ ﴾ («أنَّه رأى أربعةَ أنهارٍ يخرجُ من أصلِها نهرانِ ظاهرانِ ونهرانِ باطنانٍ، فقلتُ: يا جبريلُ ما هذه الأنهار؟ قال: أما النَّهرانِ الباطنانِ فنهرانِ في الجنة، وأمَّا الظَّاهرانِ فالنيلُ والفرات)) لفظ مسلم(٣). وقال البخاريُّ من طريق شَريك عن أنس: ((فإذا هو في السماءِ الدُّنيا بنهرينٍ يَطَّرِدان، فقال: ما هذانِ النَّهرانِ يا جبريل؟ قال: هذا النِّيلُ والفراتُ عنصرُهما، ثم مضى في السماء فإذا هو بنهرٍ آخرَ عليه قصرٌ من اللؤلؤِ والزَّبرجَدِ، فضرب بيده فإذا هو مِسْكٌ أذْفَرٌ، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا هو الكوثر الذي خَبَأَ لكَ ربُّك)). وذكر الحديث(٤). والجمهورُ على أنَّ المُرادَ بالعيون عيونُ الماء . وقال سعيد بن جُبير: المرادُ عيون الذهب . وفي الدخان [٢٥-٢٦]: ﴿كَمْ تَرَكُوْ مِن جَّتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ﴾. قيل: إنَّهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أوَّلٍ مصرَ إلى آخرها(٥). وليس في الدخان ((وكنوز)). ((وكنوز)) جمع كنز، وقد مضى هذا في سورة («براءة))(٦). والمُرادُ بها هاهنا الخزائن. وقيل: الدفائن. وقال الضحَّاك: (١) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص١٠٣ ، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١٠٤٢). (٢) في صحيحه (٢٨٣٩). وأخرجه أحمد (٩٦٧٤). (٣) في صحيحه (١٦٤): (٢٦٥). وأخرجه أحمد (١٧٨٣٣). (٤) صحيح البخاري (٧٥١٧). قوله: ((يطَّرِدان)) أي: يجريان. النهاية (طرد). (٥) النكت والعيون ٢٥١/٥ . (٦) ١٠ /١٨١ . ٣٠ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ الأنهار. وفيه نظر؛ لأنَّ العيونَ تشملها . ﴿وَمَقَارِ كَرِيمٍ﴾ قال ابن عمر وابن عباس ومجاهد: المقام الكريم: المنابر. وكانت ألفَ مِنْبرٍ لألفِ جَبَّارٍ يُعِّمون عليها فرعونَ ومُلْكَه. وقيل: مجالس الرؤساء والأمراء. حكاه ابن عيسى، وهو قريبٌ من الأول. وقال سعيد بن جُبير: المساكن الحِسان(١). وقال ابنُ لَهيعة: سمعتُ أنَّ المقام الكريم الفَيُّومِ(٢). وقيل: كان يوسفُ عليه السلام قد كتبَ على مجلسٍ من مجالسه: ((لا إلهَ إلَّ اللهُ، إبراهيمُ خليلُ اللهِ» فسمَّاها اللهُ كريمةً بهذا. وقيل: مَرابِطُ الخيل، لتفرُّدِ الزُّعماء بارتباطها عُدَّةً وزينةً، فصار مقامُها أكرمَ منزلٍ بهذا. ذكره الماوردي(٣). والأظهرُ أنَّها المساكنُ الحِسانُ كانت تُكرَمُ عليهم. والمَقامُ في اللغةِ يكون الموضعَ ويكون مصدراً. قال النَّخَّاس: المَقامُ في اللُّغةِ: الموضع؛ من قولك: قامَ يقومُ، وكذا المقاماتُ واحِدُها مَقامة، كما قال: وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ (٤) وفيهم مَقَاماتٌ حِسانٌ وجوهُھُمْ والمقامُ أيضاً المصدَرُ من قامَ يقومُ. والمُقام بالضَّمِّ: الموضِعُ، مِنْ أقامَ. والمصدرُ أيضاً مِنْ أقامَ يُقِيمُ(٥). قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ يريدُ أنَّ جميعَ ما ذكره اللهُ تعالى من الجنَّاتِ والعُيونِ والكنوزِ والمقام الكريم أورثَه اللهُ بني إسرائيل. قال الحسنُ وغيره: رجعَ بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاكِ فرعونَ وقومِه. وقيل: أرادَ بالوراثة هنا ما استعاروه من حُليٍّ آلٍ فرعونَ بأمر الله تعالى. قلتُ: وكلا الأمرين حصلَ لهم. والحمد لله. (١) النكت والعيون ١٧٢/٤ و٢٥١/٥، وفيه: الحسن بدل ابن عمر. (٢) معاني القرآن للنحاس ٨٢/٥، والمحرر الوجيز ٢٣٢/٤. (٣) في النكت والعيون ٤/ ١٧٢ . (٤) قائله زهير بن أبي سلمى، وسلف ٢/ ٣٧٤ . (٥) معاني القرآن للنحاس ٨٢/٥. ٣١ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ ﴿فَتْبَعُوهُمْ تُشْرِقِينَ﴾ أي: فتَبعَ فرعونُ وقومُه بني إسرائيل. قال السُّدِّيُّ: حين أشرقتِ الشَّمسُ بالشُّعاعِ. وقال قتادة: حين أشرقتِ الأرضُ بالضياء . قال الزَّجَّاج (١): يقال: شَرَقَتِ الشمسُ إذا طلعَتْ، وأشرقَتْ إذا أضاءت. واختُلِفَ في تأخّرٍ فرعونَ وقومِه عن موسى وبني إسرائيل على قولين: أحدهما - لا شتغالِهم بدَفْنِ أبكارِهم في تلك الليلة؛ لأنَّ الوباءَ في تلك الليلة وقعَ فيهم، فقوله: ((مُشْرِقِينَ)) حالٌ لقوم فرعون. الثاني - إنَّ سحابةً أظلَّتْهم وظُلْمة، فقالوا: نحنُ بَعْدُ في الليل، فما تقشَّعَتْ عنهم حتى أصبحوا. وقال أبو عبيدة: معنى: ﴿فَأَتْبَعُهُم تُشْرِقِينَ﴾: ناحية المشرق. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون: ((فَاتَّبَعُوهُمْ مُشَرِّقِينَ)) بالتشديد وألف الوصل (٢)؛ أي: نحو المشرق؛ مأخوذٌ من قولهم: شرَّقَ وغرَّبَ إذا سارَ نحوَ المشرق والمغربِ (٣). ومعنى الكلام: قدَّرْنا أن يرِثَها بنو إسرائيل فاتَّبعَ قومُ فرعونَ بني إسرائيل مُشَرِّقين فهلكوا، وورثَ بنو إسرائيلَ بلادهم. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرََّ الْجَمْعَانِ﴾ أي: تقابلا(٤)، بحيث يرى كلُّ فريقٍ صاحِبَه، وهو تفاعلٌ من الرؤية. ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أي: قَرُبَ مِنَّا العدوُّ ولا طاقةَ لنا به(٥). وقراءةُ الجماعة: (لَمُدْرَكُونَ)) بالتخفيف من أدرك. ومنه: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]. وقرأ عُبيد بن عمير والأعرج والزُّهري: (لَمُدَّرَكُونَ)) بتشديد الدال من ادَّرك(٦). قال الفرَّاء(٧): حفَرَ واحتفَرَ بمعنَى واحد، وكذلك ((لَمُدْرَكُونَ)) و («لَمُدَّرَكُونَ)» (١) في معاني القرآن له ٤/ ٩٢ . (٢) الشاذة ص ١٠٧ عن الحسن والذماري، وزاد المسير ١٢٦/٦ عن الحسن وأيوب السختياني. (٣) من قوله: قال السدي ... إلى هذا الموضع من النكت والعيون ٤/ ١٧٣ . (٤) بعدها في النسخ: الجمعان. (٥) الوسيط ٣٥٤/٣، وتفسير البغوي ٣٨٧/٣ . (٦) المحتسب ١٢٩/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٣/٤ عن عبيد بن عمير والأعرج، وهي قراءة شاذة. (٧) في معاني القرآن له ٢٨٠/٢ . ٣٢ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ بمعنّى واحد. النَّخَاس(١): وليس كذلك يقولُ النَّحْوِيُّون الحُذَّاق، إنما يقولون: مُدْرَكون: مُلْحَقون، ومُدَّرَكون: مُجتَهدٌ في لَحاقهم، كما يُقال: كسبتُ بمعنى أصبْتُ وظَفِرْتُ، واكتسبْتُ بمعنى اجتهدْتُ وطلبْتُ، وهذا معنى قول سيبويه. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ لمَّا لحِقَ فرعونُ بجمعه جَمْعَ موسی وقَرُبَ منهم، ورأتْ بنو إسرائيلَ العدوَّ القويَّ والبحرَ أمامَهم ساءت ◌ُظُنونُهم، وقالوا لموسى على جهةِ التَّوبيخ والجَفاء: ((إِنَّا لَمُدْرَكُونَ))، فردَّ عليهم قولَهم وزَجَرهم ﴾ أي: لم يُدْرِكوكم (٣) ﴿إِنَّ مَعِىَ وذكَّرهم وعْدَ اللهِ سبحانه له بالهداية والظّفر(٢). ﴿ كَـ رَبِ﴾ أي: بالنصر على العدوِّ(٤). ﴿سَيَهْدِينٍ﴾ أي: سيدُلُّني على طريق النجاة(٥)، فلمَّا عَظُمَ البلاءُ على بني إسرائيل، ورأَوا من الجيوشِ ما لا طاقةَ لهم بها، أمرَ اللهُ تعالى موسى أنْ يضرِبَ البحرَ بعصاه، وذلك أنَّه عزَّ وجلَّ أرادَ أن تكون الآيةُ متصلةً بموسى ومُتعلِّقةً بفعلٍ يفعله، وإلَّا فضَرْبُ العصا ليس بفارقٍ للبحر، ولا معينَ على ذلك بذاتِهِ إلَّا بما اقترنَ به من قدرةِ الله تعالى واختراعه (٦). وقد مضى في ((البقرة))(٧) قصةُ هذا البحر. ولمَّا انفلقَ صار فيه اثنا عشرَ طريقاً على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقفَ الماءُ بينها كالطّودِ العظيم، أي: الجبل العظيم(٨). والطّوْدُ: الجبل، ومنه قول امرئ القيس(٩) : (١) في إعراب القرآن ٣/ ١٨٢ . (٢) المحرر الوجيز ٢٣٢/٤ - ٢٣٣ . (٣) تفسير البغوي ٣٨٨/٣، وزاد المسير ١٢٦/٦. (٤) مجمع البيان ١٥٥/١٩ . (٥) الوسيط ٣/ ٣٥٤، وتفسير البغوي ٣٨٨/٣، وزاد المسير ١٢٦/٦. (٦) المحرر الوجيز ٢٣٣/٤. (٧) ٨٩/٢ - ٩٠. (٨) المحرر الوجيز ٢٣٣/٤ . (٩) في ديوانه ص ٣١٠. ٣٣ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ فبينا المرءُ في الأحياءِ طَوْدٌ رَماهُ الناسُ عن كَثَبٍ فمالا(١) وقال الأسود بن یَعْفُر : حَلُّوا بأنْقِرةٍ يَسيلُ عليهمُ ماءُ الفُراتِ يجيءُ من أَظْوَادِ جمع طود أي: جبل(٢). فصارَ لموسى وأصحابِه طريقاً في البحر يَبَساً، فلمَّا خرجَ أصحابُ موسى وتكامل آخِرُ أصحاب فرعون على ما تقدَّم في (يونس))(٣) انصَبَّ عليهم وغَرِقَ فرعونُ، فقال بعضُ أصحاب موسى: ما غَرِقَ فرعونُ؛ فنبذَ على ساحلِ البحرِ حتى نظروا إليه. وروى ابن القاسم عن مالك قال: خرجَ مع موسى عليه السلام رَجُلانِ من التُّجارِ إلى البحر، فلمَّا أتَوا إليه قالا له: بِمَ أمرَكَ الله؟ قال: أُمرِتُ أن أضرِبَ البحرَ بعصايَ هذه فيَجِفَّ(٤). فقالا له: افعَلْ ما أمرك الله فلن يُخلِفَكَ. ثم ألْقَيا أنفُسَهما في البحر تصديقاً له، فما زالَ كذلك البحرُ حتى دخلَ فرعونُ ومَنْ معه، ثم ارتدَّ كما كان(٥). وقد مضى هذا المعنى في سورة ((البقرة))(٦). قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ أي: قرَّبناهم إلى البحر؛ يعني فرعونَ وقومه. قاله ابن عباس وغيره؛ قال الشاعر: وكلُّ يومٍ مَضى أو ليلةٍ سلَفَتْ فيها النفوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ(٧) أبو عبيدة (٨): ((أَزْلَفْنَا)): جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة: ليلة جَمْع. (١) النكت والعيون ٤ / ١٧٤ . (٢) تفسير الطبري ١٧/ ٥٨٥، والبيت ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٨٦/٢ من غير نسبة. ".(٣) ٤٥/١١ . (٤) المثبت من (ظ) وأحكام القرآن لابن العربي، وفي (د) و(ز): فينغرق، وفي (م): فينغلق . . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٢٣/٣. (٦) ٢/ ٩٣ .. (٧) النكت والعيون ٤ / ١٧٥ . (٨) في مجاز القرآن ٢/ ٨٧ . ٣٤ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٦٨ وقرأ عبد الله بن الحارثِ وأُبيُّ بن كعب وابن عباس: ((وَأَزْلَقْنَا)) بالقاف(١) على معنى أهلكناهم، من قوله: أزلقَتِ الناقةُ وأزلقَتِ الفرسُ فهي مُزْلِقٌ إذا أزلقَتْ ولدَها(٢). ﴿وَأَنْجَنَا مُوسَى وَمَنْ مَّعَهُ أَجْعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ يعني فرعون وقومه(٣). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةٌ﴾ أي: علامةً على قدرة الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّه لم يؤمن من قوم فرعونَ إلَّا مؤمن آل فرعون واسمه حِزْقيل(٤)، وابنتُه آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى(٥) العجوز التي دلَّت على قبر يوسف الصِّدِّيق عليه السلام(٦). وذلك أنَّ موسى عليه السلام لمَّا خرجَ ببني إسرائيل من مصر أظلمَ عليهم القمرُ فقالَ لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسفَ عليه السلام لمَّا حضره الموتُ أخذَ علينا موثقاً من الله ألَّا نَخرُجَ من مصر حتى نَنقُلَ عظامَه معنا. قال موسى: فأيُّكم يدري أين (٧) قبرُه؟ قال: ما يعلَمُه إلَّا عجوزٌ لبني إسرائيل. فأرسلَ إليها، فقال: دُلِيني على قبر يوسف. قالت: لا واللهِ لا أفعَلُ حتى تُعطيني حُكمي. قال: وما حُكمها؟ قالت: حُكمي أنْ أكونَ معكَ في الجنة. فَتَقُلَ عليه، فقيل له: أعطِها حُكمَها. فدلَّتَهْمُ عليه، فاحتفَروه واستخرجوا عظامَه، فلمَّا أقلُّوها، فإذا الطريقُ مثلُ ضوءِ النهار(٨). في روايةٍ: فأوحى الله إليه أنْ أعْطِها، ففعل، فأتَتْ بهم إلى بُحيرة، فقالت لهم: أنْضِبوا (١) في المحتسب ١٢٩/٢ عن عبد الله بن الحارث، والشاذة ص ١٠٧ عن أبي وابن عباس رضي الله عنهما. وزاد ابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ١٢٧ عن ابن مسعود وأبي رجاء والضحاك وابن يعمر. (٢) تهذيب اللغة ٨/ ٤٣١ بنحوه. (٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٧٥ . (٤) في الوسيط: خربيل. (٥) في الوسيط: موشا، وفي تفسير البغوي: مأمويا. (٦) الوسيط ٣٥٥/٣، وتفسير البغوي ٣٨٨/٣. (٧) كلمة ((أين)) من (ظ). (٨) النكت والعيون ٤/ ١٧٤ . ٣٥ سورة الشعراء: الآيات ٥٢ - ٧٧ هذا الماء . فأنْضَبوه، واستخرجوا عظامَ يوسف عليه السلام، فتبيَّنت لهم الطريقُ مثلَ ضوءِ النهار(١). وقد مضى في ((يوسف))(٢). وروى أبو بُردةً عن أبي موسى، أنَّ رسول الله :﴿ نزلَ بأعرابيٍّ فأكرمَه، فقال رسول الله﴾: ((حاجَتُكَ؟)) قال: ناقةٌ أرحَلُها، وأَعنُزاً أخْلُبُها. فقال رسول الله ﴾: ((فَلِمَ عَجَزْتَ أن تكونَ مثلَ عجوزٍ بني إسرائيل؟)) فقال أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حالَ هذه العجوز التي احتكمَتْ على موسى أن تكون معه في الجنة(٣). ٧٠ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قوله تعالى: ﴿وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إَِزَهِيمَ ◌َ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَتَظَلُّ لَمَا عَلَكِفِينَ (٨) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٨) أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ (٨) قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابَلْنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٨٢) قَالَ أَفَءَيْتُم ◌َا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٥) أَنْتُمْ وَمَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ (٣) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيَ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿وَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ إِتَزَهِيمَ﴾ نبَّه المشركين على فَرْطِ جهلهِم إذْ رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه وهو أبوهم. والنبأُ الخبر(٤)؛ أي: اقصُصْ عليهم يا محمدُ خبرَه وحديثَه وعَيْبَه على قومه ما يعبدون(٥). وإنما قال ذلك مُلزِماً لهم الحُجَّة. والجمهورُ من القُرَّاء على تخفيف الهمزة الثانية، وهو أحسن الوجوه؛ لأنَّهم قد أجمعوا على تخفيف الثانية من كلمةٍ واحدةٍ نحو آدم. وإن شئتَ حقّقتَهما فقلتَ: ((نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ)). وإن شئتَ خفَّفتَهما فقلتَ: ((نبا ابراهيم). وإن شئتَ خفَّفتَ الأولى. وثَمَّ (١) أخرجها أبو يعلى (٧٢٥٤)، وابن حبان (٧٢٣)، والحاكم ٥٧١/٢-٥٧٢ من حديث أبي موسى الأشعري ﴾. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا حديث غريب جداً، والأقرب أنه موقوف. (٢) ١١/ ٤٦٢ . (٣) هو تتمة حديث أبي موسى السالف. (٤) معاني القرآن للنحاس ٨٥/٥ . (٥) تفسير الطبري ٥٨٩/١٧ بنحوه . : ٣٦ سورة الشعراء: الآيات ٦٩ - ٧٧ خامسٌ إلا أنَّه بعيدٌ في العربية، وهو أن تُدْغَمَ الهمزةُ في الهمزة كما يُقال: رأَاس للذي يبيع الرؤوس، وإنما بَعُدَ لأنك تجمَعُ بين همزتين كأنَّهما في كلمةٍ واحدة، وحَسُنَ في فَعَّال؛ لأنه لا يأتي إلا مُدغماً (١). ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: أيُّ شيءٍ تعبدون؟ ﴿قَالُوْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ وكانت أصنامُهم من ذهبٍ وفضةٍ ونحاسٍ وحديدٍ وخشب. ﴿فَتَظَلُّ لَمَا عَكِفِينَ﴾ أي: فنقيمُ على عبادتها. وليس المرادُ وقتاً معيَّناً، بل هو إخبارٌ عمَّا هم فيه. وقيل: كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، وكانوا في الليل يعبدون الكواكب. فيُقال: ظلَّ يفعل كذا، إذا فعلَه نهاراً، وبات يفعل كذا، إذا فعله ليلاً (٢). ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَّكُمْ﴾ قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم؟ أو: هل يسمعون دعاءكم؟ قال الشاعر: القائدُ الخيلَ مَنْكُوباً دَوابِرُها قد أُحْكِمتْ حَكَمَاتِ القِدِّ والأَبَقا(٣) قال: والأَبَقِ الكَثَّان فحذف. والمعنى: وأُحِكِمتْ حكماتِ الأَبَقَ(٤). وفي الصحاح: والأَبَق بالتحريك: القِنَّب(٥). ورُوي عن قتادة أنه قرأ: ((هَلْ يُسْمِعُونَكُمْ)) بضمِّ الياء، أي: هل يسمعونكم أصواتهم ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾(٦)؟ ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ: يَضُرُونَ﴾ أي: هل تنفعكم هذه الأصنام وترزقكم، أو تملك لكم خيراً أو ضرًّا إن (١) إعراب القرآن ٣/ ١٨٢. (٢) تفسير البغوي ٣٨٨/٣ ببعضه. (٣) قائله زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص٤٩ . قال شارح الديوان: أي: قادها في الغزو فأبعد بها حتى نكبت دوابرها، والدوابر: مآخير الحوافر، أي: أكلت الأرضُ دوابرها. قد أُحكمت: أي: قد جُعل لها القِدُّ حَكَمات، والحَكّمة: التي تكون على الأنف. (٤) نقله النحاس في إعراب القرآن ١٨٢/٣-١٨٣ عن الأخفش. وينظر معاني القرآن للأخفش ٦٤٦/٢. (٥) الصحاح (أبق). (٦) إعراب القرآن ١٨٣/٣، وقراءة قتادة هذه في المحتسب ١٢٩/٢، والشاذة ص ١٠٧ ، وفيه عن ابن يعمر أيضاً. ٠٫٠ ٣٧ سورة الشعراء: الآيات ٦٩ - ٧٧ عصيتُم (١)؟! وهذا استفهامٌ لتقرير الحُجَّة، فإذا لم ينفعوكم ولم يضرُّوا فما معنى عبادتكم لها؟! ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فزعوا(٢) إلى التقلید من غیر حُجَّةٍ ولا دليل. وقد مضى هذا القولُ فيه(٣). قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ من هذه الأصنامِ(٤) ﴿أَنْتُمْ وَمَابَآؤُكُمُ اُلْأَقْدَمُونَ﴾ الأوَّلون(٥) ﴿فَإِنَهُمْ عَدُوٌّ لِ﴾ واحدٌ يؤدِّي عن جماعة، وكذلك يُقال للمرأة: هي عدوُّ الله وعدوَّةُ الله. حكاهما الفرَّاء. قال علي بن سليمان: من قال: عدوَّة الله وأثبتَ الهاء قال: هي بمعنى معادية، ومن قال: عدو للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب(٦). ووصف الجماد بالعداوة بمعنى أنهم عدوٌّ لي إن عبَدْتُهم يوم القيامة، كما قال: ﴿كَلَّأَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]. وقال الفرَّاء: هو من المقلوب، مجازُه: فإنِّي عدوٍّ لهم؛ لأنَّ مَنْ عاديتَه عاداك(٧). ثم قال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ قال الكلبيُّ: أي: إلَّا مَنْ عَبَدَ ربَّ العالمين، أي: إلا عابِدَ ربَّ العالمين، فحذف المضاف. قال أبو إسحاق الزَّجَّاج: قال النَّحويُّون: هو استثناءٌ ليس من الأوَّل، وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأوَّل على أنهم كانوا يعبدون اللهَ عزَّ وجلَّ، ويعبدون معه الأصنام، فأعلَمَهم أنه تبرَّأ مما يعبدون إلا الله. وتأوَّله الفرَّاء على الأصنام وحدَها، والمعنى عنده: فإنهم لو عبدتُهم عدوٌّ لي يوم (١) تفسير الطبري ١٧ / ٥٩٠ بنحوه. (٢) في (م): فنزعوا. (٣) ٢١٦/١٤. (٤) مجمع البيان ١٥٩/١٩ . (٥) تفسير البغوي ٣٨٩/٣ . (٦) إعراب القرآن ١٨٣/٣. (٧) تفسير البغوي ٣٨٩/٣ . ٣٨ سورة الشعراء: الآيات ٦٩ - ٨٢ القيامة، على ما ذكرنا(١). وقال الجُرْجاني: تقديرُه: أفرأيتُم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون، إلَّا ربَّ العالمين، فإنهم عدوٍّ لي. وإلا بمعنى دون وسوى، كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: دون الموتة الأولى. وَإِذَا وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْفِينِ (٦) قوله تعالى: ﴿الَّذِىِ خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ وَالَّذِىَ أَْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ وَالَّذِى يُسِتُنِى ثُمَّ تجْچِينِ ). مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ خَطِيَّقِ يَوْمَ الذِينِ قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَدِينٍ﴾ أي: يرشدني إلى الدين(٢). ﴿وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينٍ﴾ أي: يرزقني(٣). ودخول ((هو)) تنبيهٌ على أنَّ غيرَه لا يُطعِمُ ولا يسقي، كما تقول: زيدٌ هو الذي فعل كذا، أي: لم يفعَلْه غيرُه. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ قال: ((مَرِضْتُ)) رعايةٌ للأدب، وإلا فالمرضُ والشِّفاءُ من الله عزَّ وجلَّ جميعاً. ونظير هذا(٤) قولُ فتى موسى: ﴿وَمَآ أَنسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ (٥) [الكهف: ٦٣]. ﴿وَالَّذِى يُسِتُنِ ثُمَّ يُحْيِينٍ﴾ يريد البعثَ، وكانوا ينسِبون الموتَ إلى الأسباب، فبيَّن أنَّ الله هو الذي يميت ويُحيي. وكلُّه بغير ياء: ((يهدين)) ((يشفين))؛ لأنَّ الحذفَ في رؤوس الآي حسنٌ؛ لتتَّفِقَ كلُّها. وقرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ومحلِّه من العربية هذه كلَّها بالياء؛ لأنَّ الياءَ (١) من قوله قال أبو إسحاق ... إلى هذا الموضع من إعراب القرآن ١٨٣/٣، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٩٣/٤، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٨١/٢ . (٢) الوسيط ٣٥٥/٣ . (٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٧٥ . (٤) في (م): ونظيره. (٥) تفسير البغوي ٣٨٩/٣، وذكر الآية (٧٩) من الكهف ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾، والآية (٨٢) ﴿فَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يْلُغَآ أَشُدَهُمَا﴾ بدلاً من تلك الآية. ٣٩ سورة الشعراء: الآيات ٧٨ - ٨٢ اسمٌ، وإنما دخلتِ النونُ لِعلَّةِ(١). فإن قيل: فهذه صفةٌ لجميع الخلق، فكيف جعلها إبراهيمُ دليلاً على هدايته ولم يهتدٍ بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها احتجاجاً على وجوب الطاعة؛ لأنَّ من أنعَمَ وجبَ أن يُطاعَ ولا يُعصى ليلتزمَ غيرُه من الطاعة ما قد التزمَها، وهذا إلزامٌ صحيح. قلت: وتجوَّز بعضُ أهل الإشارات في غوامض المعاني، فعدلَ عن ظاهر ما ذكرناه إلى ما تدفعه بداهة (٢) العقول من أنه ليس المرادُ من إبراهيم. فقال: ﴿وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينٍ﴾ أي: يُطعمني لذّةَ الإيمان ويسقيني حلاوةً القبول. ولهم في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِینِ﴾ وجهان: أحدهما - إذا مرضتُ بمخالفتِهِ شَفاني برحمته. الثاني - إذا مرضتُ بمقاساة الخلق، شفاني بمشاهدة الحقِّ(٣). وقال جعفر بن محمد الصادق: إذا مرضتُ بالذنوب شفاني بالتوبة(٤). وتأوَّلوا قوله: ﴿وَالَّذِى يُمِتُنِ ثُمَّ يُحْبِينٍ﴾ على ثلاثة أوجه: فالذي يُميتني بالمعاصي يُحييني بالطاعات. الثاني: يُميتني بالخوف يُحييني بالرجاء. الثالث: يُميتني بالطمع ويُحييني بالقناعة(٥). وقول رابع: يُميتني بالعدل ويُحييني بالفضل. وقول خامس: يُميتني بالفراق ويُحييني بالتَّلاق. وقول سادس: يُميتني بالجهل ويُحييني بالعقل، إلى غير ذلك مما ليس بشيءٍ منه مرادٌ من الآية؛ فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما تكون لمن حذَقَ وعرفَ الحقَّ، وأما من كان في عمّى عن الحقِّ ولا يعرف الحقَّ، فكيف تُرمَزُ له الأمورُ الباطنة، وتُترَكُ الأمورُ الظاهرة؟ هذا محالٌ، والله أعلم. (١) إعراب القرآن ١٨٤/٣. (٢) في (د) و(ز) و(ظ): بداية. وفي (م): بدائه. والمثبت من النكت والعيون. (٣) النكت والعيون ١٧٥/٤ -١٧٦ . (٤) المحرر الوجيز ٢٣٥/٤ . (٥) النكت والعيون ٤/ ١٧٦ . ٤٠ سورة الشعراء: الآيات ٧٨ - ٨٢ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَقِ يَوْمَ الذِينِ﴾ ((أَطَمْعُ)) أي: أرجو (١). وقيل: هو بمعنى اليقين في حقِّه، وبمعنى الرجاء في حقِّ المؤمنين سواه. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: ((خَطَايَايَ)) وقال: ليست خطيئةً واحدة. قال النَّخَّاس: خطيئةٌ بمعنى خطايا معروفٌ في كلام العرب، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَعْتَفُواْ بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] ومعناه: بذنوبهم. وكذا: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] معناه الصلوات، وكذا (خَطيئَتي)) إن كانت خطايا. والله أعلم(٢). قال مجاهد: يعني بخطيئتِه قولَه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿إِّ سَقِيمٌ﴾ وقوله: إنَّ سارةَ أختُهُ (٣). زاد الحسن: وقوله للكوكب: ﴿هَذَا رَبِ﴾(٤) وقد مضى بيان هذا مستوفّى(٥). وقال الزَّجَّاج: الأنبياء بشرٌ، فيجوز أن تقعَ منهم الخطيئة، نعم لا تجوز عليهم الكبائر؛ لأنَّهم معصومون عنها (٦). ﴿يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يوم الجزاء حيث يُجازى العبادُ بأعمالهم. وهذا من إبراهيم إظهارٌ للعبودية، وإن كان يعلم أنه مغفورٌ له. وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة، قلتُ: يا رسول الله، ابنُ جَدْعانَ كان في الجاهلية یصِلُ الرَّحم، ويُطعِمُ المسكين، فهل ذلك نافِعُه؟ قال: ((لا ينفَعُه، إنه لم يقُلْ يوماً: رَبِّ اغْفِرْ لي خِطِيئتي يومَ الدِّين))(٧). (١) تفسير البغوي ٣/ ٣٩٠ . (٢) إعراب القرآن ١٨٤/٣، ومعاني القرآن للنحاس ٨٧/٥. (٣) معاني القرآن للنحاس ٨٧/٥-٨٨. وأخرجه الطبري ٥٩٢/١٧-٥٩٣، وهو في تفسير مجاهد ٤٦٢/٢ - ٤٦٣. وقد سلف مرفوعاً ٢٢٢/١٤ من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) تفسير البغوي ٣٩٠/٣ . (٥) ٤٣٨/٨ . (٦) معاني القرآن ٩٤/٢. قال الرازي في تفسيره ١٤٦/٢٤: الجواب الصحيح أن يُحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يُسمَّى ذلك خطأً، فإن من ملك جوهرةً وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها بدينار قيل: إنه أخطأ. وترك الأولى على الأنبياء جائز. (٧) صحيح مسلم (٢١٤). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢٤٦٢١)، وأخرجه أحمد (٢٤٨٩٢) بنحوه.