النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سورة الفرقان: الآيتان ٦١ - ٦٢ تأوَّل أنَّ السُّرُج: النجومُ وأنَّ البروج النجوم، [وليس يجبُ أنْ يُتْأوَّل لهم هذا] فيجيء المعنى: نجوماً ونجوماً. النخَّاس(١): ولكنَّ التأويلَ لهم أنَّ أبانَ بن تغلب قال: السُّرُج: النجومُ الدراري. الثعلبي: كالزُّهَرَة والمشترِي وزُحَل والسمَاكَين(٢) ونحوها. ﴿وَقَمَرًّا مُنِيبًا﴾ ينير الأرض إذا طلع. ورَوى عِصْمَةُ عن الأعمش: ((وَقُمْراً)) بضمٌ القاف وإسكان الميم؛ وهذه قراءةٌ شاذة، ولو لم يكنْ فيها إلا أنَّ أحمدَ بن حنبل - وهو إمامُ المسلمين في وقته ــ قال: لا تكتبوا ما يحكيه عِصمة الذي يروي القراءات، وقد أُولِع أبو حاتم السِّجسْتاني بذكرٍ ما يرويه عِصمةُ هذا(٣). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ ﴾ شُكُورًا فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿خِلْفَةٌ﴾ قال أبو عبيدة: الخِلفَةُ: كلُّ شيء بعد شيءٍ، وكلُّ واحدٍ من الليل والنَّهارِ يَخْلُفُ صاحبَه(٤)، ويقال للمبْطُون: أصابَه خِلفةٌ، أي: قيامٌ وقعودٌ يَخلفُ هذا ذاك. ومنه خِلْفَةُ النبات؛ وهو ورقٌ يخرج بعد الورق الأوَّل في الصيف(٥). ومن هذا المعنى قولُ زهير بن أبي سلمی: بها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفةً وَأَظْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ من كُلِّ مَجْثَمٍ (٦) (١) في إعراب القرآن ١٦٦/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) السماك: نجم معروف ، وهما سماكان: رامح وأعزل. اللسان (سمك). (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٣، وذكر هذه القراءة أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٢١٧. (٤) ذكر قول أبي عبيدة الواحدي في الوسيط ٣٤٥/٣، والطبرسي في مجمع البيان ١٢٣/١٩. (٥) ينظر تهذيب اللغة ٣٩٩/٧ - ٤٠٠، ولسان العرب (خلف). (٦) ديوان زهير بن أبي سلمى ص٥. قال شارحه ثعلب: العين: البقر ، الواحدة عَيْنَاء والطَّلا: ولد البقرة وولد الظبية الصغير. اهـ. والمجثم: مكان الجثوم. معجم متن اللغة (جثم). ٤٦٢ سورة الفرقان: الآية ٦٢ الرِّئم: ولدُ الظبي، وجمعُه آرام؛ يقول: إذا ذهب فوجٌ جاء فوج (١). ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دَأَباً (٢) : أَكَلَ النملُ الذي جَمعَا ولها بالماطِرُونِ(٣) إذا سَكَنتْ مِن جِلَّقٍ بِيَعَا(٤) خِلْفةٌ حتى اذا ارْتبعَتْ حولَها الزيتونُ قدِيَنَعَا في بيوت(٥) وَسْطَ دَسْكَرةٍ(٦) قال مجاهد: ((خِلْفَةً)) من الخِلاف؛ هذا أبيضُ؛ وهذا أسود، والأوَّل أقوى(٧). وقيل: يتعاقبان في الضياء والظّلام، والزيادة والنقصان(٨). وقيل: هو من باب حذف المضاف، أي: جعلَ الليلَ والنهار ذَوَي خِلفة، أي: اختلاف(٩). ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: يتذكر، فيعلم أنَّ الله لم يجعلُهُ كذلك عبثاً، فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نِعَمه عليه في العقل والفكر والفهم. (١) تهذيب اللغة ١٥/ ٢٨٢. (٢) اختلف في قائل هذه الأبيات. قال المبرد في الكامل ٤٩٨/٢: قال أبو عبيدة: هذا الشعر يُخْتَلف فيه. فبعضهم ينسبه إلى الأحوص ، وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية قال أبو الحسن [علي بن سليمان الأخفش]: الصحيح أنه ليزيد. اهـ. ونسبها الجاحظ في الحيوان ٤/ ١٠ لأبي دهبل. (٣) الماطرون: موضع بالشام قرب دمشق. معجم البلدان ٤٢/٥-٤٣. (٤) وقع في المصدرين السالفين: خرفةٌ ، بدل: خلفة. والأبيات برواية المصنف في تفسير الطبري ٤٨٨/١٧، والمحرر الوجيز ٢١٧/٤ وعنه نقل المصنف. قال البغدادي في خزانة الأدب ٢٧٩/٣ (طبعة دار صادر): ارتبعت: دخلت في الربيع ، وجِلَّق: مدينة بالشام. (٥) في المصادر: في قباب. (٦) في المصادر عدا الحيوان للجاحظ: حول دسكرة ، والدسكرة: يشبه قصراً حوله بيوت - وجمعها دساکر - تكون للملوك. خزانة الأدب ٢٧٩/٣ -٢٨٠. (٧) المحرر الوجيز ٢١٧/٤، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٤٥٥، وأخرجه الطبري ٤٨٦/١٧. (٨) تفسير البغوي ٣٧٥/٣. (٩) الكشاف ٩٩/٣. ٤٦٣ سورة الفرقان: الآية ٦٢ وقال عمرُ بن الخطاب وابن عباس والحسن: معناه: من فاته شيءٌ من الخير باللیل أدرگه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدرگه بالليل(١). وفي الصحيح: ((ما من امرئٍ تكونُ له صلاةٌ بالليل، فغلَبه عليها نومٌ، فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر؛ إلَّا كَتَب الله له أجرَ صلاته وكان نومُه عليه صدقةٌ))(٢). وروى مسلمُ(٣) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللـه﴾: ((من نامَ عن حزبه، أو عن شيءٍ منه فقرأه فيما (٤) بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كُتِبَ(٥) له كأنما قرأَه من الليل)). الثانية: قال ابن العربي(٦): سمعتُ ذا الشهيد الأكبر يقول: إن الله تعالى خَلَق العبدَ حيًّا عالماً، وبذلك كمالُه، وسلَّطَ عليه آفةَ الثَّوم، وضرورةَ الحَدَث، ونقصان الخِلقَة، إذ الكمالُ للأوَّل الخالق، فمتى(٧) أمكنَ الرجلُ من دفع النوم بقلَّة الأكل، والسهرِ في طاعة الله؛ فليفعل. ومِن الغَبْن العظيم أنْ يعيشَ الرجلُ ستين سنةً، ينامُ ليلَها، فيذهبُ النصفُ من عمره لغواً، وينامُ سُدس النَّهار راحةً، فيذهبُ ثلثاه، ويبقى له من العمر عشرون سنة، ومن الجهالة والسَّفاهة أن يُتْلِف الرجلُ ثلثي عُمرِه في لذةٍ فانية، ولا يُتلِفَ عمرَه بسهرٍ في لذةٍ باقية عند الغنيِّ الوفيّ، الذي ليس بعديم(٨) ولا ظلوم. (١) المحرر الوجيز ٢١٧/٤-٢١٨، وقول عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن أخرجه الطبري ١٧/ ٤٨٥ - ٤٨٦. (٢) أخرجه أحمد (٢٤٤٤١)، وأبو داود (١٣١٤)، والنسائي٢٥٧/٣ عن عائشة. دون قوله: فيصلي مابين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر. وهو بلفظ المصنف في أحكام القرآن لابن العربي ١٤١٦/٣ .. (٣) في صحيحه (٧٤٧). (٤) في (ظ): ما. وليست في (د) و (ز). والمثبت من (م) وهو الموافق لصحيح مسلم. (٥) في (د) و(ز): كتب الله. (٦) في أحكام القرآن ١٤١٦/٣. (٧) في (م) وأحكام القرآن لابن العربي: فما. (٨) في النسخ الخطية: بعدوم، والمثبت من (م)، وأحكام القرآن. ٤٦٤ سورة الفرقان: الآية ٦٢ الثالثة: الأشياءُ لا تتفاضلُ بأنفسها؛ فإن الجواهرَ والأعراضَ من حيث الوجودُ متماثلة، وإنما يقع(١) التفاضل بالصفات. وقد اختُلِف أيُّ الوقتين أفضل، الليل أو النهار. وفي الصوم غنيةٌ في الدِّلالة، والله أعلم؛ قاله ابن العربي(٢). قلت: والليل عظيمٌ قذْره؛ أَمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقال: ﴿قُرِ الَِّلَ﴾ [المزمل: ٢] على ما يأتي بيانه. وَمَدَح المؤمنين على قيامه فقال: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] وقال عليه الصلاة والسلام: ((والصدقة تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئ الماء النَّار، وصلاةُ الرَّجل في جوف الليل)) (٣) وفيه ساعةٌ يُستجاب فيها الدُّعاء، وفيه يَنْزِل الربُّ تبارك وتعالى(٤) حسبما يأتي بيانُه إنْ شاء الله تعالى. الرابعة: قرأ حمزة وحدَه: ((يَذْكُرَ)) بسكون الذَّال وضمِّ الكاف(٥) وهي قراءة ابن وثَّاب وطلحة والنَّخَعي(٦). وفي مصحف أُبيّ: ((يَتَذَكَّرَ)) بزيادة تاء(٧). وقرأ الباقون: ((یذَّگَّرَ)) بتشديد الكاف(٨). ويَذْكُرَ ويَذَّكَّر بمعنَّى واحد (٩). وقيل: معنى ((يَذْكُرَ)) بالتخفيف، أي: يذكر ما نسيَه (١) في النسخ الخطية: معنى. والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٢) في أحكام القرآن ١٤١٧/٣. (٣) هو قطعة من حديث معاذ بن جبل ﴾. أخرجه أحمد (٢٢٠١٦)، والترمذي (٢٦١٦) ، والنسائي في الکبری (١١٣٣٠)، وابن ماجه (٣٩٧٣). (٤) يشير إلى حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (٧٥٨): أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا. حين يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له ، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له)). (٥) السبعة ص ٤٦٦، والتيسير ص ١٦٤. (٦) ينظر البحر المحيط ٦/ ٥١٢. (٧) قراءة أبي بن كعب ذكرها الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٧١، والزمخشري في الكشاف ٩٩/٣. (٨) المحرر الوجيز ٢١٨/٤. والكلام من أول المسألة منه. (٩) تفسير الطبري ٤٨٩/١٧. ٤٦٥ سورة الفرقان: الآيتان ٦٢ - ٦٣ في أحد الوقتين في الوقت الثاني، أو ليذكر(١) تنزيه الله وتسبيحه فيها. ﴿َوْ أَرَدَ شُكُورًا﴾ يقال: شكر يشكر شُكراً وشُكوراً؛ مثل: كَفر يكفُر كُفراً وكُفوراً. وهذا الشُّكر(٢) على أنَّهما (٣) جعلَهما قَواماً لمعاشهم، وكأنَّهم لمَّا قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ قال(٤): هو الذي يَقْدِر على هذه الأشياء(٥). قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَسْئُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. لمَّا ذكر جهالاتٍ المشركين، وطعنَهم في القرآن والنبوّة؛ ذكر عباده المؤمنین أيضاً، وذكّر صفاتهم، وأَضافَهم إلى عبوديَّته تشريفاً لهم، كما قال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وقد تقدَّم. فمن أطاعَ الله وعبدَه، وشغل سمعَه وبصَرَه ولسانَه وقلبَه بما أمرَه؛ فهو الذي يستحقُّ اسم العبودية، ومن كان بعكس هذا شملَه قولُه تعالى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنَْمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني في عدم الاعتبار؛ كما تقدَّم في ((الأعراف))(٦). وكأنَّه قال: وعبادُ الرَّحمن هم الذين يمشون على الأرض هوناً(٧)، فحذف ((هم))؛ كقولك: زيدٌ الأمير، أي: زيدٌ هو الأمير. فـ ((الَّذِينَ)) خبرُ مبتدأ محذوف؛ قاله الأخفش(٨). (١) في (ظ): لیذکروا. (٢) في (م): الشكور. (٣) في (ظ): أنه. (٤) في النسخ عدا (ظ): قالوا. والمثبت من (ظ) (٥) ينظر تفسير الرازي ٢٤/ ١٠٧. (٦) ٩ /٣٩٠. (٧) لفظة: هوناً، من (ظ). (٨) كلام الأخفش في معاني القرآن له ٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٣: أن قوله: ﴿وعباد الرحمن .. ﴾ مبتدأ ليس له خبر إلا في المعنى. ٤٦٦ سورة الفرقان: الآية ٦٣ وقيل: الخبرُ قوله في آخر السورة: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الآية: ٧٥] وما بين المبتدأ والخبر أوصافٌ لهم، وما تعلَّق بها؛ قاله الزَّجَّاج(١). قال: ويجوز أنْ يكون الخبر: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾. و((يَمْشُونَ)) عبارةٌ عن عيشهم، ومدَّةِ حياتهم، وتصرفاتِهم، فذكر من ذلك العُظم؛ لاسيما وفي(٢) الانتقال في الأرض وهي(٣) معاشرة الناس وخلطتهم. قوله تعالى: ﴿هَوْنًا﴾ الهَوْنُ مصدر الھيِّن، وهو من السَّكينة والوَقَار. وفي التفسير: يمشون على الأرض حُلماء(٤) متواضعين، يمشون في اقتصاد. والقَصدُ والتُّؤَدَةُ وحُسْنُ السَّمْت من أخلاق النبوة(٥). وقال ﴾: ((أيُّها النَّاس، عليكم بالسَّكينة، فإنَّ البِرَّ ليس في الإيضاع))(٦). ورُويَ في صفتهِ ﴿ أنَّه إذا زال؛ زال تَقُلُّعاً، ويخطو تَكَفُّؤْاً، ويمشي هَوْناً، ذرِيعَ المِشية إذا مشى، كأنَّما ينحظُ من صَبَب(٧). (١) في معاني القرآن له ٧٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ١٦٧. (٢) بعدها في (م) ذلك. (٣) في (م): وهو. والمثبت من النسخ الخطية وهو الموافق المحرر الوجيز ٢١٨/٤ والكلام منه، وينظر البحر المحيط ٥١٢/٦. (٤) في النسخ الخطية: حكماء . والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الوسيط للواحدي ٣٤٥/٣. والقول فيه منسوب للحسن وعطاء والضحاك ومقاتل. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤١٧. (٦) أخرجه أحمد (٢٠٩٩)، والبخاري (١٦٧١) عن ابن عباس. واللفظ الذي ذكره المصنف هو لفظ البخاري. وقال الإمام البخاري - رحمه الله - إثر الحديث: أوضعوا: أسرعوا. (٧) هو قطعة من حديث هند بن أبي هالة؛ أخرجه الترمذي في الشمائل (٧)، والطبراني في الكبير ٢٢/(١٥٥) - (١٥٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٤٣٠)، وأخرجه القاضي عياض في الشفا ٣٣٤/١ (شرح الشفا للملا علي القاري)؛ بإسنادين أحدهما من طريق الترمذي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٧/٨: رواه الطبراني وفيه من لم يسم، وقال المناوي في فيض القدير ٩٠/٥: رمز المصنف [السيوطي] إلى حسنه، ولعله لاعتضاده عنده اهـ. ينظر تنزيه الشريعة المرفوعة ٤٦/١، وينظر كلام الملا علي القاري حول إسنادي القاضي عياض في شرح االشفا ٣٣٤/١ - ٣٣٦. ٤٦٧ سورة الفرقان: الآية ٦٣ التقلُّع: رفعُ الرِّجْل بقوّة، والتكفُّؤُ: الميلُ إلى سَنَن الممشى (١) وقَصْده، والهَون: الرِّفقُ والوَقار، والذَّربعُ: الواسعُ الخَطو(٢)، أي: إنَّ مشيَه كان يرفعُ فيه رجليه(٣) بسرعة، ويمدُّ خَطْوَه؛ خلافَ مِشية المختال، ويَقصِد سَمْتَه(٤)؛ وكلُّ ذلك برفقٍ وتثبتٍ دونَ عَجَلة. كما قال: كأنَّما ينحظُ من صَبَب(٥)؛ قاله القاضي عياض(٦). وكان عمرُ بن الخطاب ﴾ يُسْرِعُ جِبلَّةً؛ لا تكلُّفاً(٧). قال الزُّهري: سرعة المشي تَذْهب ببهاء الوجه. قال ابن عطية(٨): يريد الإسراعَ الحثيث لأنَّهُ يُخِلُّ بالوقار، والخيرُ في التوسط. وقال زيدُ بن أسلم: كنتُ أسأل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ فما وجدتُ من ذلك شفاءً، فرأيتُ في المنام من جاءني فقال لي: هم الذين لا يريدون أنْ يُفسدوا في الأرض(٩). قال القُشيري: وقيل: لا يمشون لإفسادٍ ومعصية، بل في طاعة الله والأمورِ المباحة من غير هَوَكُ(١٠). وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَحًاْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨]. وقال ابن عباس: بالطّاعة والمعروف والتَّواضع(١١). (١) في (م): المشي، والمثبت من النسخ الخطية. وهو الموافق للمطبوع من الشفا. وفي شرح الشفا للملّ علي القاري ٣٥٦/١: سنن المشي. قال: وفي نسخة: الممشى؛ على أنه مصدر ميمي أو اسم مكان. اهـ وسنن الطريق: نهجه وجهته. القاموس (سنن). (٢) في (م): الخطا. (٣) في (م): رجله. (٤) أي: مقصده في طريقه بدون ميل عن وسطه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأَقْصِدْ فِى مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. شرح الشفا للملا علي القاري ٣٥٦/١. (٥) أي: منحدر. شرح الشفا ١/ ٣٥٧. (٦) في الشفا ١/ ٣٠٧، ٣١٨. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤١٧ . (٨). في المحرر الوجيز ٢١٨/٤، وكلام الزهري السالف منه. (٩) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٩١ . (١٠) في (د): هول، وفي (ظ): هزل، والمثبت من (ز) و(م)، والهَوَك: الحمق. القاموس المحيط (هوك). (١١) أخرجه الطبري ٤٩١/١٧. وفيه: والعفاف. بدل: والمعروف. ٤٦٨ سورة الفرقان: الآية ٦٣ الحسن: حلماء؛ إنْ جُهِل عليهم لم يَجهلوا(١). وقيل: لا يتكبَّرون على الناس(٢). قلت: وهذه كلُّها معانٍ متقاربة، ويجمعُها العلمُ بالله، والخوفُ منه، والمعرفةُ بأحكامه، والخشيةُ من عذابه وعقابه؛ جَعَلَنا اللهُ منهم بفضله ومنِّه. وذهبت فرقةٌ إلى أنَّ((هَوْناً)) مرتبطٌ بقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾، إي(٣): إنَّ المشيَ هو هون (٤). قال ابنُ عطية(٥): ويُشبه أنْ يُتَأول هذا على أنْ تكون أخلاقُ ذلك الماشي هَوْناً مناسبةً لمشيه، فيرجعُ القول إلى نحو ما بيَّنَّه. وأمَّا أنْ يكون المرادُ صفةَ المشي وحدَه فباطل؛ لأنَّه رُبَّ ماشٍ هَوْناً رويداً وهو ذئبٌ أطلس(٦). وقد كان رسول اللـه # يَتَكفَّأُ في مشيه كأنَّما يمشي (٧) في صبب. وهو عليه الصلاة والسلام الصدرُ في هذه الأمَّة. وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((من مشى منكم في طمعٍ فليمش رويداً)) (٨) إنما أراد في عَقْد نفسه، ولم يُرد المشيَ وحده، ألا ترى أنَّ المبطلين المتحلِّين بالدِّين تَمسَّكوا بصورة المشي فقط؛ حتى قال فيهم الشاعر ذمًّا لهم: كلّهم يمشي رُوَيْد كلُّهم يَظْلُبُ صَيْد(٩) (١) أخرجه أحمد في الزهد ص٣٣٨، والطبري ٤٩٢/١٧. ووقع في (ظ) بدل لفظ حلماء: حكماء، وفي (ز) والمحرر الوجيز: حلماً، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق للمصادر. (٢) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٩٢ عن ابن زيد. (٣) لفظة: أي. من (ظ). (٤) في (ظ): الهون. (٥) في المحرر الوجيز ٢١٨/٤. وما قبله منه. (٦) الأطلس: الذئب الأمعط الذي تساقط شعره، وهو أخبثها. معجم متن اللغة (طلس). (٧) في (م) ينحط، والمثبت من النسخ الخطية والمحرر الوجيز. (٨) قطعة من حديث عبد الله بن مسعود أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٩٩)، وفيه إبراهيم بن زياد العجلي؛ قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٢/١: قال الأزدي: متروك الحديث .اهـ. وذكر ابن الجوزي طرفه في الموضوعات (٨٧٢). (٩) المحرر الوجيز ٢١/٤، والبيت لأبي جعفر المنصور كما في عيون الأخبار لابن قتيبة ٢٠٩/١، = ٤٦٩ سورة الفرقان: الآية ٦٣ قلت: وفي عكسه أنشدَ ابن العربيّ(١) لنفسه. تواضعتُ في العلياء والأصلُ كابر وحزتُ قِصابَ السَّبقِ بالهَوْن في الأمرِ وجُلُّ سكونِ النَّاس من عِظَم الکبرِ سكونٌ فلا خبثُ السريرة أصلُه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ قال النَّخَّاس(٢): ليس ((سَلَاماً)) من التسليم؛ إنَّما هو من التسلُّم؛ تقول العرب: سلاماً، أي: تَسلُّماً (٣) منك، أي: براءةً منك. منصوبٌ على أحد أمرين: يجوز أنْ يكون منصوباً بـ ((قَالُوا))، ويجوزُ أنْ یکون مصدراً؛ وهذا قولُ سيبويه(٤). قال ابن عطية(٥): والذي أقوله: إنَّ ((قَالُوا)) هو العاملُ في ((سَلَاماً)) لأنَّ المعنى: قالوا هذا اللفظ. وقال مجاهد: معنى ((سَلَاماً)): سَدَاداً (٦). أي: يقولُ للجاهل كلاماً يدفعُه به برفقٍ ولين. فـ ((قَالُوا)) على هذا التأويل عاملٌ فِي قوله: ((سَلَاماً)) على طريقة النحويين؛ وذلك أنَّه بمعنى قولاً. وقالت فرقةٌ: ينبغي للمخاطب أنْ يقولَ للجاهل: سلاماً؛ بهذا اللفظ. أي: سلَّمنا سلاماً أو تسليماً، ونحو هذا، فيكون العاملُ فيه فعلاً من لفظه على طريقة النحویین. مسألة: هذه الآيةُ كانت قبل آية السيف، نُسِخ منها ما يخصُّ الكفرة وبقي أدبُها في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر سيبويه النسخَ في هذه الآية في كتابه(٧)، وما تكلّم = والعقد الفريد لابن عبد ربه ١٦٥/٣. وفيهما: كلكم. بدل: كلهم. وخاتل. بدل: يطلب. وهو في مدح عمرو بن عبيد وبعده: غیر عمرو بن عبيد. (١) في أحكام القرآن ١٤١٧/٣ . (٢) في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٦٨ . (٣) في النسخ الخطية: تسليماً. والمثبت من (م) وهو الموافق للمصادر. (٤) في الكتاب ٣٢٤/١ . (٥) في المحرر الوجيز ٢١٨/٤ . (٦) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٩٤ . (٧) ٣٢٥/١. ٤٧٠ سورة الفرقان: الآية ٦٣ فيه على نسخِ سواه؛ ورجَّح به أنَّ المرادَ السلامةُ لا التسليم؛ لأنَّ المؤمنين لم يؤمروا قَطُ بالسَّلام على الكفرة. والآيةُ مكِيَّةٌ، فنسخَتها آيةُ السَّيف(١). قال النَّخَّاس(٢): ولا نعلم لسيبويه كلاماً في معنى النَّاسخ والمنسوخ إلَّ في هذه الآية. قال سيبويه(٣): لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أنْ يُسَلِّموا على المشركين، لكنَّه على معنى قوله: تَسلُّماً (٤) منكم، ولا خير ولا شرَّ بيننا وبينكم. المبرِّد: كان ينبغي أنْ يُقال: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ بحربهم ثُمَّ أمروا بحربهم. محمد بن يزيد(٥): أخطأ سيبويه في هذا وأساءَ العبارة. ابن العربي(٦): لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أنْ يُسلِّموا على المشركين، ولا نُهوا عن ذلك، بل أُمِروا بالصَّفح والهجر الجميل، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقفُ على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم، ولا يداهنهم. وقد اتَّفق النَّاسُ على أنَّ السفية من المؤمنين إذا جفاك يجوزُ أنْ تقول له: سلامٌ عليك. قلت: هذا القول أشبهُ بدلائل السنَّة. وقد بيَّنَّاً في سورة مريم (٧) اختلاف العلماء في جواز التسليم على الكفار، فلا حاجةً إلى دعوى النَّسخ؛ والله أعلم. وقد ذكر النضرُ بن شُميل قال: حدثني الخليلُ قال: أتيتُ أبا ربيعةَ الأعرابيّ، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلَّمنا، فردّ(٨) علينا السلام، وقال لنا: استووا. وبقينا متحيرين ولم ندرٍ ما قال. فقال لنا أعرابيٍّ إلى جنبه: أَمَرَكم أنْ (١) المحرر الوجيز ٢١٨/٤ . (٢) في الناسخ والمنسوخ ٥٦٩/٢ - ٥٧٠ . وكلام سيبويه والمبرِّد الآتيان منه. (٣) في الكتاب ٣٢٥/١. (٤) في (د) و(ظ) تسليماً. والمثبت من (ز) و(م)، وهو الموافق للكتاب. (٥) هو المبرِّد. (٦) في أحكام القرآن ١٤١٨/٣ .. (٧) عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَكٌ﴾ [الآية: ٤٧]. (٨) في (د) و(ز): فلما سلمنا فرد، وفي (م): فلما سلمنا رد، والمثبت من (ظ) والتمهيد. ٤٧١ سورة الفرقان: الآيتان ٦٣ - ٦٤ ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىٌ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. فصَعِدنا إليه فقال: هل لكم في خبزٍ فطير، ولبنٍ هجير، وماءٍ نَمِير؟ فقلنا: الساعةَ فارقناه. فقال: سلاماً. فلم ندر ما قال. قال: فقال الأعرابيّ: إنَّه سالمكُم (١)؛ مُتاركةٌ(٢) لا خيرَ فيها ولا شرّ. فقال الخليل: هو من قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾. قال ابن عطية: ورأيتُ في بعض التواريخ أنَّ إبراهيم بن المهديّ(٣) - وكان من المائلين على عليّ بن أبي طالب ﴾ - قال يوماً بحضرة المأمون وعنده جماعة: كنتُ أرى عليّ بن أبي طالب في النوم، فكنتُ أقولُ له: من أنت؟ فكان يقول: عليُّ بن أبي طالب. فكنتُ أجيء معه إلى قنطرةٍ، فيذهبُ، فيتقدمني في عبورها، فكنتُ أقول: إنَّما تدَّعي هذا الأمر بامرأةٍ، ونحن أحقُّ به منك، فما رأيتُ له في الجواب بلاغةً كما يُذْكر عنه. قال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: فكان يقولُ لي: سلاماً سلاماً (٤). قال الراوي: وكأنَّ إبراهيمَ بن المهديّ لا يحفظ الآية. أو ذَهَبَتْ عنه في ذلك الوقت. فبَّه المأمونُ على الآية من حَضَرَه وقال: هو والله يا عم عليٍّ بن أبي طالب، وقد جاوبَك بأبلغ جواب، فَخَزِي(٥) إبراهيمُ واستحيا. وكانت رؤيا لا محالة صحيحة(٦). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرِيّهِمْ سُخَدًا وَقِيَمًا قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَبِئُونَ لِرَيْهِمْ سُقَدًا وَقِيَمًا﴾ قال الزجاج (٧) : بَاتَ الرجل (١) في (د) و(م): سألكم. والمثبت من (ز)و (ظ) وهو الموافق للتمهيد ١٣٢/٧ والكلام منه. (٢) في (د) و(ز): منازلة. (٣) هو الأمير أبو إسحاق. الملقب بالمبارك. كان، فصيحاً، بليغاً، عالماً، أديباً، شاعراً، رأساً في فن الموسيقا. بويع بالخلافة زمن المأمون، ثم هُزم جمع إبراهيم، واختفى إبراهيم زماناً إلى أن ظفر به المأمون، فعفا عنه. توفي سنة أربع وعشرين ومئتين . ينظر سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٥٧ - ٥٦١. (٤) لفظة: سلاماً (الثانية) من (ز) و(ظ) والمصادر. (٥) في المحرر الوجيز: فحزن. (٦) المحرر الوجيز ٢١٩/٤. وذكر هذه القصة الأصفهاني في الأغاني ١٢٦/١٠. (٧) في معاني القرآن له ٤/ ٧٥ . ٤٧٢ سورة الفرقان: الآيات ٦٤ - ٦٦ يَبيتُ: إذا أدركَهُ اللَّيل، نَامَ أو لم ينم. قال امرؤ القيس(١): فبتنا قياماً عند رأس جوادِنا يزاولُنا عن نفسه ونزاولُه(٢) وأنشدوا في صفة الأولياء: واذْرِ الدموعَ على الخدود سِجاما(٣) امنع جفونَك أنْ تذوقَ مناماً يا من على سَخَط الجليل أقاما واعلم بأنَّك ميتٌ ومُحَاسَبٌ فرضِي بهم واختصَّهُم خُذَّاما لله قومٌ أخلصوا في حبِّه باتوا هنالك سُجَّداً وقِياما قومٌ إذا جَنَّ الظلامُ عليهم لا يعرفونَ سوى الحلال طعاما(٥) خُمْصَ البطونِ من التعفُّف ضُمَّراً(٤) وقال ابنُ عباس: من صلَّى ركعتين أو أكثر بعد العشاء، فقد باتَ لله ساجداً وقائماً (٦). وقال الكلبيُّ: من أقام ركعتين بعد المغرب، وأربعاً بعد العشاء، فقد بات ساجداً وقائماً. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتٌَّ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرَّا وَمُقَامًا قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمْ﴾ أي: هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وَجِلُون من عذاب الله. ابن عباس: يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم. (١) كذا في النسخ، والبيت لزهير، وهو في ديوانه ص ١٣٢. (٢) في ديوان زهير: فبتنا عراةً. قال شارحه ثعلب: عُراةً: مؤتزرون تجردوا للفرس من صعوبته. يزاولنا عن نفسه ونزاوله: يعالجنا ونعالجه، ويجذبنا ونجذبه. (٣) سجمَ الدمع: سال. مختار الصحاح (سجم). (٤) في (د) و(ز): من الحرام تعففاً. (٥) لم نقف عليها. (٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٣٤٥ من طريق الكلبي عن ابن عباس . ٤٧٣ سورة الفرقان: الآيات ٦٥ - ٦٧ ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي: لازماً دائماً غيرَ مفارق، ومنه سُمِّي الغريمُ؛ لملازمته. ويقال: فلانٌ مُغْرَمٌ بكذا، أي: لازمٌ له مُولِعٌ به. وهذا معناه في كلام العرب فيما ذكر ابن الأعرابيّ وابنُ عرفة وغيرهما. وقال الأعشى(١): إنْ يُعاقِب يكنْ غراماً وإنْ يع طِ جزيلاً فإنَّه لا يبالي وقال الحسن: قد علموا أنَّ كلَّ غريمٍ يُفارِق غريمَه إلَّا غريمَ جهنم(٢). وقال الزَّجَّاج(٣): الغرامُ أشدُّ العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشرّ(٤). وقال أبو عبيدة(٥): الهلاك. والمعنى واحد. وقال محمد بن كعب: طالبَهم الله تعالى بثمن الَّعيم في الدُّنيا، فلما لم(٦) يأتوا به؛ غَرَّمهم(٧) ثمنها بإدخالهم النار. ﴿إِنَّهَا سَآَمَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أي: بئس المُستقرُّ وبئسَ المُقام، أي: إنَّهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا أعرفَ بِعِظَم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقربَ إلى النُّجح. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُتْرِفُوا﴾ اختلفَ المفسرون في تأويل هذه الآية. فقال النَّخَّاس(٨): ومن أحسن ما قيل في معناه أنَّ من أنفق في غير طاعةِ الله فهو (١) في ديوانه ص٥٩ . (٢) أخرجه الطبري ١٧/ ٤٩٦ . (٣) في معاني القرآن له ٤/ ٧٥ . (٤) أخرجه الطبري ٤٩٦/١٧ . (٥) في مجاز القرآن ٢/ ٨٠ . (٦) في (د) و(ز) و(م): فلم يأتوا. والمثبت من (ظ) ومعاني القرآن للنحاس ٤٨/٥، وقول محمد بن كعب فيه، وأخرجه الطبري ١٧ / ٤٩٦. (٧) في (م) فأغرمهم. (٨) في إعراب القرآن له ١٦٧/٣ - ١٦٨ . والقول فيه بإسناده عن أبي عبد الرحمن الحبلي. ٤٧٤ سورة الفرقان: الآية ٦٧ الإسراف، ومن أمسكَ عن طاعة الله عزَّ وجلَّ فهو الإقتار، ومن أنفقَ في طاعة الله تعالى فهو القَوام. وقال ابن عباس: من أنفق مئة ألفٍ في حقِّ فليس بسَرَف، ومن أنفق درهماً في غير حقِّه فهو سَرَف، ومن منع من حقٍّ عليه فقد قتر (١). وقاله مجاهد وابن زيد وغيرهما(٢). وقال عون بن عبد الله: الإسرافُ أَنْ تُنفقَ مالَ غيرك(٣). قال ابن عطية(٤): وهذا ونحوه غير مرتبط بالآية، والوجهُ أنْ يُقال: إنَّ النفقة في معصيةٍ أمرٌ قد حَظرت الشريعةُ قليله وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنزَّهون عن ذلك، وإنَّما التأديبُ في هذه الآية هو في نفقة الطاعات، وفي (٥) المباحات، فأَدَبُ الشرع فيها ألَّا يُفرِّط الإنسانُ حتى يُضيع حقًّا آخر، أو عيالاً ونحو هذا، وألَّ يضيِقُ أيضاً ويُقُتِّر حتى يُجيع العيال ويُفرِط في الشحّ، والحسن في ذلك هو القَوام، أي: العدل، والقَوام في كلِّ واحدٍ بحسب عياله وحاله، وخِفَّة ظهره وصبره وجَلَده على الكسب، أو ضدِّ هذه الخصال، وخير الأمور أوساطُها، ولهذا تَرك رسول اللـه # أبا بكرٍ أن يتصدَّق بجميع ماله (٦)، لأنَّ ذلك وسط بنسبة جَلَده وصبره في الدِّين، ومنعَ غيره من ذلك. ونِعْم ما قال إبراهيمُ النَّخَعيّ: هو الذي لا يُجيع ولا يُعري، ولا يُنفقُ نفقةً يقول الناسُ: قد أسرف(٧). وقال يزيد بن أبي حبيب: هم الذين لا يلبسونَ الثيابَ لجمال، ولا يأكلون طعاماً للذَّةُ(٨). وقال يزيد أيضاً في هذه الآية: أولئك أصحابُ محمدٍ ﴾؛ كانوا لا يأكلون طعاماً (١) أخرجه الطبري عن ابن عباس ٤٩٧/١٧ - ٤٩٨ بنحوه. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤، وأخرج قوليهما الطبري ٤٩٨/١٧ . (٣) أخرجه الطبري ١٧/ ٥٠٠ - ٥٠١ . (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ٢٢٠ . وما قبله منه . (٥) في النسخ: في، بدون واو، والمثبت من المحرر الوجيز. (٦) أخرجه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥). (٧) أخرجه الطبري ١٧/ ٤٩٩ . (٨) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤ . ٤٧٥ سورة الفرقان: الآية ٦٧ للتنثُم واللَّذَّة، ولا يلبسون ثوباً (١) للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يَسُدُّ عنهم الجوعَ، ويُقوِّيهم على عبادة ربِّهم، ومن اللِباس ما يَستُر عوراتِهم، ويُكِتُّهم من الحرِّ والبرد (٢). وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوَّجه ابنته فاطمة: ما نفقتُك؟ فقال له عمر: الحسنةُ بين سيئتين، ثم تلا الآية. وقال عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سَرَفاً ألَّا يشتهيَ شيئاً إِلَّ اشتراه فأكله(٣). وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللـه﴾: ((إنَّ من السَّرَف أنْ تأكل كُلَّ ما اشتهيت))(٤). وقال أبو عبيدة: لَم يزيدوا على المعروف ولم يَبخلوا. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدََ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُفِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال الشاعر: ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقْتَصِد كِلَا طَرَفَيْ قصدِ الأمورِ ذميمُ(6) وقال آخر: ولم يَنْهها تاقت إلى كلِّ باطلٍ إذا المرءُ أعطى نفسَه كلَّ ما اشتهتْ دعتْهُ إليه من حلاوةِ عاجلٍ(٦) وساقتْ إليه الإثمَ والعارَ بالذي وقال عمرُ لابنه عاصم: يا بنيّ، كُلْ في نصف بطنك؛ ولا تطرخ ثوباً حتى (١) في (م): ثياباً. (٢) تفسير البغوي ٣٧٦/٣، وأخرجه الطبري ٥٠٠/١٧ . دون قوله: أولئك أصحاب محمد ﴾. وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٢٥/٨ (١٥٣٧٧) مختصراً. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧١ . (٤) سنن ابن ماجه (٣٣٥٢). وينظر تنزيه الشريعة المرفوعة ٢٥٦/٢، وفيض القدير ٥٢٧/٢. وسلف ٩/ ٢٠٢. (٥) البيت لأبي سليمان الخطابي كما نسبه له الثعالبي في يتيمة الدهر ٣٨٥/٤، وينظر خزانة الأدب ١٢٣/٢ وسلف ٢٢٩/٧ . (٦) البيتان لحسين بن محمد الملقب بالبارع البغدادي، كما في معجم الأدباء ١٥٣/١٠. ٤٧٦ سورة الفرقان: الآية ٦٧ تستَخْلِقَه، ولا تكنْ من قومٍ يجعلون ما رزقَهُم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. ولحاتم طيّ(١): وفرجَك نالا منتهى النَّمِّ أجمعًا إذا أنتَ قد أعطيتَ بطنكَ سؤله ﴿وَلَمْ يَقْتُوا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ والأعمش وعاصم ويحيى بن وثَّاب - على اختلاف عنهما - ((يَقْتُرُوا)) بفتح الياء وضمِّ التاء، وهي قراءةٌ حسنة؛ من قَتَر يَقْتُر. وهذا القياس في اللَّزم، مثل: قَعَد يَقْعُد. وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابنُ كثير بفتح الياء وكسر التاء؛ وهي لغةٌ معروفةٌ حسنة. وقرأَ أهلُ المدينة وابنُ عامر وأبو بكر عن عاصم بضمِّ الياء وكسر التاء(٢). قال الثعلبي: كلُّها لغات صحيحة. النَّخَاس(٣): وتَعجَّب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأنَّ أهلَ المدينة عندَه لا يقعُ في قراءتهم الشاذّ، وإنَّما يقال: أَقْتَر يُفْتِر: إذا افتقر، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وتأوَّل أبو حاتم لهم أنَّ المسرفَ يفتقرُ سريعاً. وهذا تأويلٌ بعيد، ولكنَّ التأويلَ لهم أنَّ أبا عُمَر الجَرْميّ حَكى عن الأصمعيّ أنه يُقال للإنسان إذا ضيَّق: قَتَر يَقْتُر ويَفْتِر [وقتَّرَ يُقَتِّرُ]، وأَقْتَر يُفْتِر (٤). فعلى هذا تصحُّ القراءة. وإنْ كان فتحُ الياء أصحَّ وأقربَ متناولاً، وأشهرَ وأعرف. وقرأ أبو عمرو والناس: ((قَوَاماً)) بفتح القاف؛ يعني: عدلاً. وقرأ حسَّان بن عبد الرحمن: ((قِوَاماً)) بكسر القاف، أي: مبلغاً وسِدَاداً ومِلاك حال(٥). والقِوام (١) في ديوانه ص٦٨، وسلف ٩/ ١٩٨. (٢) السبعة ص٤٦٦، والتيسير ص١٦٤، ورواية أبي بكر (وهو شعبة) عن عاصم بضم الياء وكسر التاء؛ ذكرها ابن مجاهد في السبعة . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ١٦٧ . (٤) وقعت العبارة في النسخ الخطية: قتر يقتر، وقتر يقتر، وفي (م): قتر يقتر ويقتر، وأقتر يُقتر. والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٥) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤، و((قَواما)) بفتح القاف هي قراءة العشرة، وقراءة حسان بن عبد الرحمن في القراءات الشاذة ص ١٠٥، والمحتسب ١٢٥/٢ . وحسان بن عبد الرحمن قال عنه ابن جني في المحتسب: صاحب عائشة. ولم نقف له على ترجمة. ٤٧٧ سورة الفرقان: الآيات ٦٧ - ٦٩ بالكسر(١): ما يدومُ عليه الأمر ويستقرّ. وقيل: هما لغتان بمعنّى. و(قَوَاماً)) خبر كان، واسمها مقدَّرٌ فيها، أي: كان الإنفاقُ بين الإسراف والقَتْر قَواماً (٢)؛ قاله الفراء(٣). وله قولٌ آخر يجعل ((بَيْنَ)) اسم كان وينصبها؛ لأن هذه الألفاظ كَثُر (٤) استعمالُها، فتُرِكت على حالها في موضع الرفع. قال النَّخَّاس(٥): ما أدري ما وجهُ هذا؛ لأنَّ ((بيناً)) إذا كانت في موضع رفع رُفعت؛ كما يقال: بَيْنُ عينيه أحمرُ. قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً (٨) يُضَعَفْ لَهُ اٌلْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُّدْ فِيهِ، مُهَانًا (٦)﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾. إخراجٌ لعباده المؤمنين من صفات الكَفَرة في عبادتهم الأوثان، وقَتْلِهِم النَّفْسَ بَوأد البنات، وغير ذلك من الظّلم والاغتيال والغارات، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحاً (٦). وقال مَن صَرفَ هذه الآيةَ عن ظاهرها من أهل المعاني: لا يليقُ بمن أضافهمُ الرحمن إليه إضافةً الاختصاص، وذكرهم ووصفهم(٧) من صفات المعرفة والتشريف وقوعُ هذه الأمور القبيحة منهم حتى يُمدَحوا بنفيها عنهم؛ لأنَّهم أعلى وأشرف، فقال: معناها لا يدعونَ الهوى إلهاً، ولا يُذلُّون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلاً لها. (١) في (د) و(م): والقوام بكسر القاف. والمثبت موافق لمعاني القرآن للنحاس ٥/ ٥٠ والكلام منه. (٢) مشكل إعراب القرآن ٥٢٥/٢ . (٣) في معاني القرآن له ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣ . (٤) في (د) و(ز): كثيراً، وفي (م): كثير. والمثبت من (ظ) وهو الموافق لمشكل إعراب القرآن ٥٢٥/٢ و الكلام منه. (٥) في إعراب القرآن له ١٦٨/٣. (٦) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤ . (٧) في (ظ): وذكر وصفهم، وفي المفهم: ووصفهم بما ذكرهم. ٤٧٨ سورة الفرقان: الآيتان ٦٨ - ٦٩ ومعنى ﴿إِلَّا بِآلْحَيّ﴾ أي: إلاَّ بسِكِّين الصبر، وسيف المجاهدة، فلا ينظرون إلى دنيا(١) ليست لهم بمحرَم بشهوةٍ فيكون سفاحاً؛ بل بالضرورة، فيكون كالنكاح. قال شيخنا أبو العباس (٢): وهذا كلامٌ رائق، غير أنَّه عند السَّبر مائق(٣)، وهي نبعةٌ باطنيَّة، ونزعةٌ باطليَّة، وإنَّما يَصحُ (٤) تشريفُ عباد الرحمن باختصاصِ الإضافة بعد أن تحلَّوا بتلك الصفات الحميدة، وتخلَّوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأَ في صدر هذه الآيات بصفات التحلِّي تشريفاً لهم، ثم أعقَبها بصفات التخلّي تقعيداً لها، والله أعلم. قلت: ومما يدلُّ على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أنَّ تلك الأمور ليست على ظاهرها ما رَوى مسلمٌ من حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: ((أَنْ تَذْعوَ لله ندًّا وهو خلقك)) قال: ثم أيّ؟ قال: ((أنْ تَقتلُ ولدَك مخافةَ أنْ يطعم معك)) قال: ثم أيّ؟ قال: ((أنْ تُزَانيَ حليلةَ جارك)). فأنزلَ الله تعالى تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٥) . والأثامُ في كلام العرب العِقاب، وبه فسَّر (٦) ابنُ زيدٍ وقتادةُ هذه الآية. ومنه قول الشاعر : جَزى اللهُ ابنَ عُروة حيث أَمسى: عُقوقاً والعُقوقُ له أثامُ(٧) (١) في (د) و(ز) و(م) ومطبوع المفهم: نساء، والمثبت من (ظ) وكذلك جاءت العبارة في نسخ المفهم كما ذكر محققوه، وينظر لطائف الإشارات ٦٥٠/٢ - ٦٥١ . (٢) في المفهم ٧/ ٣٨٣ . (٣) المائق: الهالك حمقاً وغباوة. اللسان ( موق). (٤) في (ظ) و(م): صح. (٥) أخرجه مسلم برقم (٨٦): (١٤١) دون ذكر الآية، وبرقم (٨٦): (١٤٢): مع ذكر الآية وفيه روی ابن مسعود أن السائل رجل. وأخرجه أحمد (٤١٣٤) والبخاري (٦٠٠١) بالسياق الذي ذكره المصنف. (٦) في (د) و(ز) و(م): قرأ، والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز ٢٢٠/٤ والكلام منه. (٧) البيت لبَلْعَاء بن قيس الكناني كما في مجاز القرآن ٨١/٢، وتفسير الطبري ٥٠٥/١٧ . وهو في = ٤٧٩ سورة الفرقان: الآيتان ٦٨ - ٦٩ أي: جزاءٌ وعقوبة. وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد: إنَّ ((أثاما)) وادٍ في جهنم جعله الله عقاباً للكفرة(١). قال الشاعر: لقيتَ المهالِك في حربثًا وبعدَ المهالك تَلْقى أَثاما(٢) وقال السُّدِّي: جبلٌ فيها(٣). قال: وإنَّ مُقامَنا ندعو عليكم بأبطَحَ ذي المجّاز له أَثامُ(٤) وفي صحيح مسلم(٥) أيضاً عن ابن عباس: أنّ ناساً من أهل الشرك قَتلُوا فأكثروا، وزَنَوا فأكثروا؛ فأتوا محمداً ﴾، فقالوا: إنَّ الذي تقولُ وتدعو إليه لحسن، ولو تُخبرنا أنَّ(٦) لِمَا عملْنا كفارة، فنزلت: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. ونزل: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. وقد قيل: إنَّ هذه الآية: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُوا﴾ نزلَتْ في وحشِيّ قاتل حمزة؛ قاله سعيدُ بن جبير وابنُ عباس، وسيأتي في ((الزُّمر)) بيانه(٧). = لسان العرب (أثم) منسوبٌ لشافع الليثي. (١) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤، وقول عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد أخرجه الطبري ٥١٣/١٧ - ٥١٤ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٥٨/٤ . (٣) كذا في النسخ، وقول السدي كما ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٥٨/٤ والكلام منه: الجزاء وهو المتوافق مع الشاهد الآتي . (٤) لفظ الشطر الأول في (م): وكان مقامنا ندعوا عليهم. وهو كذلك في اللسان (أثم) وفي (د) و(ز) و(ظ): وإن مقاماً يدعوا عليكم. والمثبت من ديوان بشر بن أبي خازم ص٢١١، والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. اللسان (بطح). وذو المجاز: موضع سوق بعرفة، كانت تقوم في الجاهلية ثمانية أيام. معجم البلدان ٥/ ٥٥ . (٥) برقم (١٢٢): (١٩٣)، وأخرجه البخاري (٤٨١٠). (٦) في (د) و(ز) و(م): وهو يخبرنا بأن. والمثبت من (ظ) وهو الموافق للمصادر. (٧) عند تفسير الآية (٥٣) منها. وخبر ابن عباس سيأتي ثمَّة مطولاً. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٣٤٩. ٤٨٠ سورة الفرقان: الآيتان ٦٨ - ٦٩ قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِأَلْحَّ﴾ أي: بما يحقُّ أنْ تُقْتَلَ به النفوس؛ من كفرٍ بعد إيمان، أو زِنّى بعد إحصان؛ على ما تقدَّم بيانُه في ((الأنعام))(١). ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ فيستحلُّون الفروجَ بغير نكاح ولا مِلك يمين. ودلَّت هذه الآية على أنَّه ليسَ بعد الكفر أعظمَ من قتل النفس بغير الحق، ثم الزِّنى؛ ولهذا ثبتَ في حد الزِّنا القتل لمن كان محصَناً، أو أَقْصى الجلدِ لمن كان غيرَ مُحْصَن. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ((يُضَاعَفْ. وَيَخْلُذْ)) جزماً، وقرأ ابنُ كثير: ((يُضَعَّفْ)) بشدِّ العين وطرح الألف؛ وبالجزم في ((يُضَعَّفْ. وَيَخْلُذْ))(٢). وقرأ طلحةُ بن سليمان: ((نُضَعِّفْ)) بضمِّ النون وكسرِ العين المشدَّدة، ((الْعَذَابَ)) نصب، ((وَيَخْلُذْ)) جزم، وهي قراءةُ أبي جعفر وشيبة. وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر: ((يُضَاعَفُ. وَيَخْلُدُ)) بالرفع فيهما على العطف والاستئناف. وقرأ طلحةُ بن سليمان: ((وَتَخْلُدْ)) بالتَّاء على معنى مخاطبة الكافر (٣). ورويَ عن أبي عمرو: ((وَيُخْلَدْ)) بضمِّ الياء من تحت وفتح اللام(٤). قال أبو علي(٥): وهي غلطٌ من جهة الرواية. و ((يُضَاعَفْ)) بالجزم بدلٌ من ((يَلْق)) الذي هو جزاءُ الشرط. قال سيبويه: مضاعفةُ العذاب لُقيُّ الأثام(٦). قال الشاعر: (١) ١٠٩/٩. (٢) السبعة ص ٤٦٧، والتيسير ص١٦٤، وفيهما قراءة ابن عامر: يُضَعَّفُ، ويَخْلُدُ، ووافق حمزةَ ونافعاً والكسائيَّ من السبعة في قراءتهم لهذين الحرفين: عاصم في رواية حفص، وأبو عمرو، وأما ما ذكره المصنف من قراءة ابن عامر، فهو في المحرر الوجيز ٤/ ٢٢٠ (والكلام منه): و کذلك ذکر عنه أبو عمرو الداني في جامع البيان ٣١٤/٢ أنه جَزَمَ هذين الحرفين، غير أنه قال: يُضَعَّفْ، بحذف الألف وتشديد العین، کقراءة ابن كثير. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤ - ٢٢١. وقد قرأ أبو جعفر: يُضَعَّفْ ويَخْلُدْ، كقراءة ابن كثير، وقراءة طلحة ابن سليمان: تخلّد؛ بالتاء، في المحتسب ١٢٥/٢، وينظر النشر ٢٢٨/٢ و٣٣٤. (٤) ذكر هذه الرواية ابن مجاهد في السبعة ص ٤٦٧ وقال: وهي غلط. (٥) في الحجة في القراءات السبع ٣٥٠/٥ . (٦) المحرر الوجيز ٢٢٠/٤ - ٢٢١.