النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة الفرقان: الآية ٤٨ الشيخ(١): هذا إسنادٌ صحيح لا يُختلف في عدالة رُواته. وأخرج الترمذيُّ(٢) حديث ابن مسعود؛ قال: سألني النبيُّ ﴾: ((ما في إداوتك)) فقلت: نبيذ. فقال: ((تمرةٌ طيِّةٌ وماءٌ طَهور)) قال: فتوضأ منه. قال أبو عيسى: وإنما رُويَ هذا الحديثُ عن أبي زيد، عن عبد الله، عن النبيِّ ﴾، وأبو زيد رجلٌ مجهول عند أهل الحديث، لا تُعرف له روايةٌ غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوءَ بالنبيذ؛ منهم سفيانُ وغيره، وقال بعض أهل العلم: لا يُتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعيِّ وأحمدَ وإسحاق، وقال إسحاق: إن ابتُلي رجلٌ بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيَمَّم أحبُّ إلي. قال أبو عيسى: وقولُ مَن يقول: لا يتوضأ بالنبيذ؛ أقربُ إلى الكتاب والسنة وأشبهُ(٣)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وهذه المسألة مطوَّلةٌ في كتب الخلاف؛ وعمدتهم التمسُّكُ بلفظ الماء، حَسبما تقدم في ((المائدة)) بيانُه، والله أعلم. الثانية عشرة: لمَّا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ وقال: ﴿لَيْطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، توقَّف جماعةٌ في ماء البحر؛ لأنه ليس بمنزل من السماء؛ حتى رووا عن عبد الله بن عمر وابن عمرٍو معاً أنه لا يتوضأ به (٤)؛ لأنه نار، ولأنه طبق جهنم. ولكنَّ النبيَّ # بيَّن حكمّه حين قال لمن سأله: ((هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتته))(٥) أخرجه مالك(٦). (١) في (م): قلت، بدل: قال الشيخ. وهو خطأ، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في سنن الدار قطني (٢٤٥). والحديث أخرجه أيضاً أحمد (٤١٤٩)، ومسلم (٤٥٠). (٢) برقم (٨٨)، وهو في مسند أحمد (٣٨١٠). (٣) قوله: والسنة، ليس في (ظ)، وقوله: وأشبه، ليس في (د) و (ز) و(ف). (٤) سيأتي قريباً. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٤١٣/٣ . (٦) في الموطأ ٢٢/١. وسلف ٢١٢/٨. ٤٤٢ سورة الفرقان: الآية ٤٨ وقال فيه أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيح. وهو قول أكثرِ الفقهاء من أصحاب النبيِّ ﴾، منهم أبو بكر وعمرُ وابن عباس، لم يروا بأساً بماء البحر، وقد كره بعضُ أصحاب النبيِّ # الوضوءَ بماء البحر؛ منهم ابنُ عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو: هو نار(١). قال أبو عمر(٢): وقد سأل(٣) أبو عيسى الترمذيُّ [محمدَ بنَ إسماعيل البخاريَّ] عن حديث مالك هذا، عن صفوان بن سُلَيم، فقال: هو عندي حديثٌ صحيح. قال أبو عيسى: فقلت للبخاري: هُشيم يقول فيه: ابن أبي بَرْزة. فقال: وَهم فيه، إنما هو المغيرة بنُ أبي بُرْدة. قال أبو عمر: لا أدري ما هذا من البخاريِّ رحمه الله، ولو كان [عنده] صحيحاً، لَأخرجه في مصنَّفه الصحيح عنده، ولم يفعل؛ لأنه لا يعوِّل في الصحيح إلَّا على الإسناد. وهذا الحديثُ لا يحتجُّ أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأن العلماءَ تلقَّوه بالقَبول له والعملِ به، ولا يخالف في جملته أحدٌ من الفقهاء، وإنما الخلافُ بينهم في بعض معانيه. وقد أجمع جمهورُ(٤) العلماء وجماعةُ أئمَّةِ الفتوى بالأمصار من الفقهاء أنَّ البحر طهورٌ ماؤه، وأنَّ الوضوء به جائز؛ إلَّا ما روي عن عبد الله بن عمر بنِ الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما كرها الوضوءَ بماء البحر، ولم يتابعهما أحدٌ من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرَّج علیه، ولا التفت إليه؛ لحديث هذا الباب(٥). وهذا يدلُّك على اشتهار الحديثِ عندهم، وعملهم به وقبولهم له، وهو أولى عندهم من الإسناد الظاهرِ الصحة لمعنىّ تردُّه (١) سنن الترمذي إثر الحديث (٦٩). قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في التعليق عليه: هذا رأي لعبد الله ابن عمرو إن صح إسناده إليه. اهـ. وأثر ابن عمر وابن عمرو أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣١ . (٢) في التمهيد ٢١٨/١٦ . وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في (م): سئل، وهو خطأ. (٤) في (م): زيادة: من، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في التمهيد ٢٢١/١٦. (٥) جاء في حاشية (ظ) ما نصه: لعل إنما كره رضي الله تعالى عنهما الوضوء بماء البحر لأن ماء البحر يضر بالاستعمال للعين وسائر البدن ... والله أعلم. ٤٤٣ سورة الفرقان: الآية ٤٨ الأصول. وبالله التوفيق. قال أبو عمر (١): صفوان بن سُلَيم مولى حميد بنِ عبد الرحمن بن عوف الزُّهري، من عُبَّاد أهلِ المدينة وأتقاهم لله، ناسكاً، كثيرَ الصدقة بما وجد من قليلٍ وكثير، كثيرَ العمل، خائفاً لله، يُكنى أبا عبد الله، سكن المدينةً لم ينتقل عنها، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومئة. ذكر عبد الله بنُ أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يُسأل عن صفوان بنِ سُلَيم، فقال: ثقةٌ من خيار عبادِ الله وفضلاء المسلمين(٢). وأما سعيد بنُ سلمة فلم يروِ عنه فيما علمتُ إلَّا صفوان، والله أعلم. ومَن كانت هذه حاله، فهو مجهولٌ لا تقوم به حجّةٌ عند جمیعهم. وأما المغيرة بنُ أبي بُرْدة فقيل عنه: إنه غيرُ معروفٍ في حَمَلة العلم كسعيد بن سلمة. وقيل: لیس بمجهول. قال أبو عمر(٣): المغيرة بن أبي بُردة وجدت ذِكْره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب، وكان موسى يستعمله على الخيل، وفتح الله له في بلاد البربر فتوحاتٍ في البَرِّ والبحر. وروى الدار قطني من غير طريق مالكٍ عن أبي هريرة أنَّ رسول اللـه# قال: ((مَن لم يطهِّره ماء البحر فلا طهَّره الله)). قال: إسنادٌ حسن (٤). الثالثة عشرة: قال ابن العربي: توهَّمَ قومُ أنَّ الماء إذا فَضَلت للجُنب منه فضلةٌ لا يُتوضأ به، وهو مذهبٌ باطل؛ فقد ثبت عن ميمونة أنها قالت: أَجنبتُ أنا ورسولُ الله لَ﴾، (١) في التمهيد ٢٠٩/١٦، ٢١٧ - ٢١٨. (٢) بنحوه في العلل ومعرفة الرجال لأحمد ٤٩٥/٢ . (٣) في التمهيد ٢١٨/١٦ . (٤) سنن الدارقطني (٧٨). ٤٤٤ سورة الفرقان: الآية ٤٨ واغتسلت من جَفْنة وفضَلت فضلة، فجاء رسول اللـه# ليغتسل منها(١)، فقلت: إني قد اغتسلت منه. فقال: ((إنَّ الماء ليس عليه نجاسة، أو (٢): إن الماء لا يُجْنِب))(٣). قال أبو عمر(٤): وردت آثارٌ في هذا الباب مرفوعةٌ في النهي عن أن يتوضأَ الرجلُ بفضل المرأة. وزاد بعضهم في بعضها: ولكن ليغترفا جميعاً (٥). فقالت طائفة: لا يجوز أن يغترفَ الرجلُ مع المرأة في إناءٍ واحد؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما متوضِّئٌ [حينئذٍ] بفضل صاحبه. وقال آخرون: إنما كُره من ذلك أن تنفردَ المرأةُ بالإناء، ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها. وكلُّ واحد منهم روی بما ذهب إليه أثراً. والذي ذهب إليه الجمهور من العلماء وجماعةُ فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة؛ وتتوضأَ المرأةُ من فضله، انفردت المرأةُ بالإناء أو لم تنفرد. وفي مثل هذا آثارٌ كثيرةٌ صِحَاح. والذي نذهب إليه أنَّ الماء لا ينجِّسه شيء، إلَّا ما ظهر فيه من النجاسات، أو غلب عليه منها؛ فلا وجه للاشتغال بما لا يصحُّ من الآثار والأقوال. والله المستعان. روى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: حدَّثتني ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسولُ الله ﴾ من إناءٍ واحد من الجنابة. قال: هذا حديثٌ حسن صحيح(٦). وروى البخاريُّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا والنبيُّ # من إناءٍ واحد يقال له: الفَرَق(٧). (١) في (م): منه. (٢) في النسخ الخطية: و. (٣) أحكام القرآن ٣/ ١٤١٠. والحديث أخرجه أحمد (٢٦٨٠٢) ولفظه : .. فقال: ((إن الماء ليس عليه جنابة. أو: لا ينجسه شيء)» فاغتسل منه. وستأتي شواهده. (٤) في التمهيد ١٦٤/١٤-١٦٥ وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) سيأتي تخريج الراوية بنحو هذا اللفظ . (٦) سنن الترمذي (٦٢). وأخرجه أحمد (٢٦٧٩٧)، ومسلم (٣٢٢) دون قولها: من الجنابة. وهو عند البخاري (٢٥٣) إلا أنه قال: عن ابن عباس أن النبي # وميمونة ... (٧) صحيح البخاري (٢٥٠)، وأخرجه أحمد (٢٤٠١٤) (٢٥٦٣٤)، ومسلم (٣١٩): (٤١). والفَرَق = ٤٤٥ سورة الفرقان: الآية ٤٨ وفي صحيح مسلم(١) عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﴿ كان يغتسل بفضل ميمونة. وروى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: اغتسلَ بعضُ أزواج النبيِّ # في جَفْنة، فأراد رسولُ الله﴾ أن يتوضأً منه فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنباً. فقال: ((إنَّ الماء لا يُجْنِب)). قال: هذا حديثٌ حسن صحيح، وهو قول سفيان الثوريِّ ومالكٍ والشافعي(٢). وروى الدارقطني عن عَمْرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أتوضأ أنا والنبيُّ ﴾ من إناء واحد وقد أصابت الهِرَّةُ منه قبل ذلك. قال: هذا حديثٌ صحيح(٣). وروى أيضاً عن رجل من بني غِفَار قال: نهى رسولُ اللـه﴾ عن فضل طهورِ المرأة (٤). وفي الباب عن عبد الله بن سَرْجِس، وكره بعضُ الفقهاء فضلَ طهورِ المرأة، وهو قول أحمدَ وإسحاق(٥). الرابعة عشرة: روى الدارقطني عن زيد بن أسلم، [عن أسلم] مولى عمر بنٍ الخطاب: أنَّ عمر بنَ الخطاب كان يسخّن له ماءٌ في قُمْقُمَة ويغتسل به. قال: = بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلاً، النهاية (فرق). (١) برقم (٣٢٣)، وأخرجه أحمد (٣٤٦٥). (٢) سنن الترمذي ٩٤/١ حديث (٦٥). وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٠٢)، وأبو داود (٦٨)، والنسائي ١٧٣/١، وابن ماجه (٣٧٠). وسلف من حديث ميمونة رضي الله عنها أول هذه المسألة. (٣) في (د) و(ز) و(م): حسن صحيح، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في سنن الدار قطني (٢١٤). وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٦٨). قال البوصيري في الزوائد ١٠٥/١: هذا إسناد ضعيف. (٤) سنن الدارقطني (١٤٢). وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٦٥٥)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٣) و(٦٤)، والنسائي ١٧٩/١، وابن ماجه (٣٧٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن. (٥) قاله الترمذي إثر الحديث (٦٣). وحديث عبد الله بن سرجس أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٤/١، والدارقطني (٤١٧)، ولفظه: نهى رسول الله # أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن شرعان جميعاً. وأخرجه بنحوه الدارقطني (٤١٨) موقوفاً، وقال: هو أولى بالصواب. ٤٤٦ سورة الفرقان: الآيتان ٤٨ - ٤٩ وهذا إسنادٌ صحيح(١). ورَوَى عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسولُ اللـه﴾ وقد سخَّنتُ ماءً في الشمس. فقال: ((لا تفعلي يا حُميراء؛ فإنه يورث البَرَص)). رواه خالد بنُ إسماعيل المخزوميُّ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهو متروك. ورواه عمرو بنُ محمد الأعسمُ(٢) عن فُليح، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشة. وهو منكر الحديث، ولم يروهِ غيرُه عن فليح، ولا يصحُّ عن الزهري؛ قاله الدار قطني(٣). الخامسة عشرة: كلُّ إناءٍ طاهر فجائزٌ الوضوءُ منه، إلَّا إناءَ الذهب والفضة؛ لِنهي رسولِ الله﴾ عن اتِّخاذهما. وذلك - والله أعلم - للتشبُّه بالأعاجم والجبابرة، لا النجاسةٍ فيهما. ومَن توضأ فيهما أجزأه وضوؤه، وكان عاصياً باستعمالها. وقد قيل: لا يُجزئ الوضوءُ في أحدهما. والأوَّلُ أكثر؛ قاله أبو عمر(٤). وكلُّ جلدٍ ذُكِّيَ فجائزٌ استعمالُه للوضوء وغيرِ ذلك. وكان مالكٌ يكره الوضوءَ في إناء جلدِ الميتة بعد الدِّباغ؛ على اختلافٍ من قوله. وقد تقدَّم في ((النحل))(٥). قوله تعالى: ﴿لِنُحْعِىَ بِ بَلْدَةً مَّيْئًا وَنُقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمَا وَأَنَاسِنَّ كَثِيرًا قوله تعالى: ﴿لِّمُحْعِىَ بِهِ﴾ أي: بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَّيْنَا﴾ بالجدوبة والمَخْل وعدم النبات. قال كعب: المطرُ روح الأرض يحييها الله به(٦). وقال: ((ميتاً) ولم يقل ميتةً؛ لأنَّ معنى البلدة والبلد واحد؛ قاله الزجاج. وقيل: أرادَ بالبلد المكان(٧). (١) سنن الدارقطني (٨٥) ومن طريقه البيهقي ٦/١، وما بين حاصرتين منهما. والقمقمة: ما يسخن فيه الماء من نحاس وغيره . النهاية (قمقم). (٢) في (ف) و(م): الأعشم . وهو خطأ. (٣) سنن الدارقطني برقم (٨٦) و(٨٧). (٤) في الكافي ١/ ١٦٢-١٦٣، وما بعده منه. وحديث النهي عن آنية الذهب والفضة أخرجه أحمد (٢٣٢٦٩)، والبخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة﴾. ورُوي عن غيره أيضاً. (٥) ٣٩٩/١٢. (٦) لفظة: به. من (م)، وقول كعب أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٣٤) دون قوله: يحيها الله به. (٧) زاد المسير ٦/ ٩٤، وكلام الزجاج السالف فيه، وهو في معاني القرآن له ٧١/٤ . ٤٤٧ سورة الفرقان: الآيتان ٤٩ - ٥٠ ﴿وَنُسُّفِيَهُ﴾ قراءةُ العامَّة بضمِّ النون. وقرأ عمرُ بن الخطاب، وعاصمٌ والأعمش فيما روى المفضَّل عنهما: ((نَسْقِيَهُ))؛ بفتح النون(١). ﴿مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾ أي: بَشَراً كثيراً، وأناسيُّ واحدُه إنسيّ - نحو جمع الْقُرْقُور(٢): قَرَاقير وقَرَاقِر - في قول الأخفش(٣) والمبرِّد وأحد قولي الفراء(٤)، وله قولٌ آخر، وهو أنْ يكونَ واحده إنساناً، ثم يُبدل من النون ياءً؛ فيقول: أناسيّ، والأصل: أناسين، مثل: سِرحان وسراحين، ويستان وبساتين؛ فجعلوا الياءَ عوضاً من النون، وعلى هذا يَجوزُ: سَراحيّ وبَساتيّ، لا فرق بينهما(٥). قال الفراء: ويجوز ((أَنَاسِي)) بتخفيف الياء(٦)؛ كأنهم أسقطوا الياء(٧) التي فيما بین لام الفعل وعينه؛ مثل قَراقِیر وقَراقِر. وقال: ((كَثِيراً)) ولم يقل: كثيرين؛ لأن فعيلاً قد يراد به الكثرة؛ نحو ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَنَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: القرآن (٨)، وقد جرى ذكره في أوّل السورة: قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ اٌلْفُرْقَانَ﴾ [الآية: ١]. وقوله: ﴿لَّقَدْ أَضَلَِّى عَنِ (١) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والمحرر الوجيز ٢١٣/٤، والبحر ٥٠٥/٦. وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجماعة. (٢) القرقور: ضربٌ من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة. اللسان (قرر). (٣) في معاني القرآن له ٦٤٣/٢ . (٤) في معاني القرآن له ٢٦٩/٢ ، وما بعده فيه. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٦٣/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٤/ ٧١ . (٦) معاني القرآن للفراء ٢٧٠/٢، وهي قراءة شاذة عن يحيى بن الحارث الذماري. القراءات الشاذة ص١٠٥، والبحر المحيط ٦/ ٥٠٥ . (٧) قوله: كأنهم أسقطوا الياء . من (ظ). (٨) في (د) و(ز): ليذكروا القرآن. ٤٤٨ سورة الفرقان: الآية ٥٠ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَلَفِى﴾ [الآية: ٢٩]. وقوله: ﴿أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ [الآية: ٣٠]. ﴿يَذَّكَّرُواْ فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ أي: جُحوداً له وتكذيباً به. وقيل: ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ))؛ هو المطر . رُوي عن ابن عباس وابن مسعود: وأنَّه ليس عامٌ بأكثرَ مطراً من عام، ولكنَّ الله يُصرِّفه حيث يشاء ، فما زِيد لبعضٍ نَقَّص من غيرهم(١). فهذا معنى التصريف. وقيل: ((صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ)) وابلاً وطَقًّا وطَلَّا ورِهاماً ورَذَاذاً (٢). وقيل: تصريفُه تنويعُ الانتفاع به في الشُّرب والسَّقي والزِّراعات به، والطّهارات وسقي البساتين والغسل وشبهه(٣). ﴿ لَِذَّكَُّواْ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ قال عكرمة: هو قولُهم في الأنواء: مُطِرْنَا بنوءِ كذا (٤). قال النَّحَّاس(٥): ولا نَعلمُ بين أهل التفسير اختلافاً أنَّ الكفرَ هاهنا قولُهم: مُطِرْنَا بنوءِ كذا وكذا؛ وأنَّ نظيرَه: فَعَلَ النَّجمُ كذا (٦)، وأنَّ كلَّ من نَسَب إليه فعلاً فهو كافر. وروى الربيع بن صَبيح (٧) قال: مُطِرِ النّاس على عهد رسول اللـه ﴿ ذاتَ ليلةٍ، فلمَّا أصبحَ قال النبيُّ ﴿: «أصبحَ النَّاسُ فيها رجلين شاكرٌ وكافر؛ فأمَّا الشاكر فيحمدُ (١) أخرجهما الطبري ١٧ / ٤٦٨ -٤٦٩ . (٢) ذكره الواحدي في الوجيز (بحاشية مراح لبيد) ٢/ ١٠٠، والبغوي في تفسيره ٣٧٢/٣، والزمخشري في الكشاف ٩٦/٣ . دون نسبة. ووقع في (د) و(ز) و(م) قبل قوله: ورذاذاً، ما نصه: الجوهري: الرهام الأمطار اللينة، وزاد بعدها في (د): الوابلة، وزاد في (ز): الواحدة: رهمة، بالكسر، ويجمع أيضاً: رِهَماً. ووقعت هذه الزيادة في (ف) بعد قوله: وشبهه؛ نهاية الكلام. (٣) تفسير الرازي ٩٨/٢٤. (٤) أخرجه الطبري ٤٦٩/١٧. دون قوله: مطرنا بنوء كذا. (٥) في إعراب القرآن ١٦٣/٣ - ١٦٤ . (٦) جاءت العبارة في إعراب القرآن للنحاس: وأن نظيره قول المنجم: فعل النجم كذا وكذا. (٧) البصري العابد، كان من عباد أهل البصرة وزُمَّادهم، إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان يهم كثيراً. توفي بالسند سنة ستين ومئة. سير أعلام النبلاء ٢٨٧/٧-٢٨٩. ٤٤٩ سورة الفرقان: الآيات ٥٠ - ٥٢ الله تعالى على سُقياه وغيائه، وأمَّا الكافرُ فيقول: مُطِرْنَا بنوءِ كذا وكذا)»(١). متفقٌ على صحَّته بمعناه(٢)، وسيأتي في الواقعة إنْ شاء الله(٣). ورُوي من حديث ابن مسعود عن النبيِّ ﴿ أَنَّه قال: ((ما من سَنَةٍ بأمطرَ من أخرى، ولكنْ إذا عَمِل قومٌ بالمعاصي، صَرف الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عَصَوا جميعاً صَرَف الله ذلك إلى الفيافي والبحار))(٤). وقيل: التَّصريف راجعٌ إلى الريح(٥)، وقد مضى في ((البقرة)) بيانه(٦) . وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: (لِيَذْكُرُوا))(٧) مخففَةَ الذَّال؛ من الذِّكر. الباقون مُثَقَّلاً من التذَثّر، أي: ليذْكُروا نِعمَ الله، ويعلَموا أنَّ من أَنَعْمَ بها لا يجوز الإشراكُ به؛ فالتذكُّر قريبٌ من الذِّكر، غير أنَّ التذكُّر يُطلَقُ فيما بَعُدَ عن القلب، فيحتاج إلى تكلُّفٍ في التذُر. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيْرًا ﴾ فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِذهُم بِهِ. چِهَادًا كَبِيرًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْبَةٍ نَّذِيرًا﴾ أي: رسولاً يُنْذِرهم، كما قَسَمْنَا المطرَ؛ ليخفَّ عليكَ أعباءُ النبوّة، ولكنَّا لم نفعلْ، بل جعلناك نذيراً للكلِّ؛ لترتفعَ(٨) درجتُك، فاشكر نعمةَ الله عليك(٩). (١) لم نقف عليه من طريق الربيع بن صبيح، وأخرجه بنحو هذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير (١٢٨٨٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) أخرجه بمعناه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١) من حديث زيد بن خالد الجُهني ﴾. وهو عند أحمد (١٧٠٦١). (٣) عند تفسير الآية (٧٥) منها. (٤) ذكره البغوي ٣/ ٣٧٢، وسلف بنحوه موقوفاً على ابن عباس وابن مسعود. (٥) تفسير البغوي ٣٧٢/٣ . (٦) ٢/ ٤٩٨ . (٧) السبعة ص ٤٦٥، والتيسير ص١٦٤ . (٨) في (د) و(ز): لرفع. (٩) الكلام بنحوه في الكشاف ٩٦/٣ ، وتفسير الرازي ٢٤/ ٩٩. ٤٥٠ سورة الفرقان: الآيات ٥١ - ٥٣ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ﴾ أي: فيما يدعونَك إليه من اتِّباع آلهتهم. ﴿وَحَهِدْهُم بِهِ﴾ قال ابن عباس: بالقرآن. ابن زيد: بالإسلام(١). وقيل: بالسيف؛ وهذا فيه بعدٌ؛ لأنَّ السورةَ مكيةٌ، ونَزْلَتْ قبلَ الأمر بالقتال(٢). ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطُه فُتور. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اٌلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ يَنْنَهُمَا بَّزَغَا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ عاد الكلامُ إلى ذِكْر النِّعم. و((مَرَجَ)): خَلَّى وخَلَط وأرسلَ. قال مجاهد: أرسلهما وأفاضَ أحدَهما في الآخر(٣). قال ابن عرفة: ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)) أي: خلطهما فهما يلتقيان؛ يقال: مَرَجْتُه إذا خلطته. ومَرِجَ الدِّينُ والأمرُ: اختلطَ واضطرب(٤)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فِّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾ [ق: ٥]. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي: ((إذا رأيتَ الناس مَرِجت عهودُهم، وخَفَّت أماناتُهم، وكانوا هكذا وهكذا)) وشبَّك بین أصابعه، فقلتُ له: كيفَ أصنعُ عند ذلك؟ جعلني الله فداك. قال: ((الزمْ بيتَك، واملِكُ عليكَ لسانكَ، وخُذْ ما (٥) تعرِف، ودعْ ما تُنكِر، وعليك بخاصَّةِ أمر نفسِك، ودعْ عنكَ أمرَ العامَّة)). خرَّجَه النسائي وأبو داود وغيرهما (٦). وقال الأزهريّ(٧): ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)): خلَّى بينهما؛ يقال: مَرَجْتُ الدابَّة: إذا حَلَّیتها ترعى. (١) أخرج القولين الطبري ١٧/ ٤٧٠ . (٢) ينظر تفسير الرازي ٢٤/ ١٠٠. (٣) تفسير مجاهد ٢/ ٤٥٤، وأخرجه الطبري ٤٧٢/١٧، وفيه: وأفاض أحدهما على الآخر. (٤) الصحاح (مرج). (٥) في (م): بما. (٦) السنن الكبرى للنسائي (٩٩٦٢)، وسنن أبي داود (٤٣٤٣). وهو عند أحمد (٦٩٨٧). (٧) لم نقف على كلامه، وقاله الزجاج في معاني القرآن ٤/ ٧٢ ، وينظر الصحاح (مرج). ٤٥١ سورة الفرقان: الآيتان ٥٣ - ٥٤ وقال ثعلب: المرجُ: الإجراء، فقوله: ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)) أي: أجراهما (١). وقال الأخفش: ويقولُ قومٌ: أمرجَ البحرين، مثل: مَرَجَ، فَعَلَ وأَفْعَلَ بمعنَى(٢). ﴿هَذَا عَذْبٌ قُرَاتٌ﴾ أي: حلوٌ شديدُ العُذُوبة. ﴿وَهَذَا مِلَعٌ أُجَاجٌ﴾ أي: فيه ملوحةٌ ومرارة. ورُويَ عن طلحة أنَّ قَرأ: ((وَهَذَا مَلِحٌ))؛ بفتح الميم وكسر اللام(٣). ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَنًا﴾ أي: حاجزاً من قدرته لا يَغْلِب أحدُهما على صاحبه؛ كما قال في سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلَْقِيَانِ. يَتْنَهُمَا بَّرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ﴾ [الآية: ١٩ -٢٠]. ﴿وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ أي: ستراً مستوراً يمنعُ أحدَهما من الاختلاط بالآخر. فالبَرْزَخ: الحاجز، والحِجْر: المانع. وقال الحسن: يعني بحر فارس وبحر الروم(٤). وقال ابن عباس وابن جبير: يعني بحر السماء وبحر الأرض(٥). قال ابن عباس: يلتقيان في كلِّ عامٍ وبينهما برزخٌ؛ قضاءٌ من قضائه (٦). ((وَحِجْراً مَحْجُوراً)): حراماً مُحرَّماً أنْ يَعْذُبَ هذَا المالحُ بالعذب، أو يملُح هذا العذْبُ بالمالح. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا @) فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَلِّ بَشَرًا﴾ أي: خَلَق من النُّطفة إنساناً. ﴿فَهُ﴾ أي: جَعلَ الإنسانَ ((نَسَباً وصِهْراً)). وقيل: ((مِنَ الْمَاءِ)) إشارةً إلى أصل الخلقة في أنَّ كلَّ حيٍّ مخلوقٌ من الماء. وفي هذه الآية تعديدُ النعمة على النَّاس في (١) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ١١/ ٧٣ عن ثعلب عن ابن الأعرابي. (٢) الصحاح (مرج). (٣) القراءات الشاذة ص١٠٥، والمحتسب ١٢٤/٢. والمحرر الوجيز ٢١٤/٤ . (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٠٨/٨ (١٥٢٥٩). (٥) النكت والعيون ٤/ ١٥٠، ونسب القول الأخير لمجاهد وابن جبير. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه ٢٧٠٩/٨ (١٥٢٦٩) ٤٥٢ سورة الفرقان: الآية ٥٤ إيجادهم بعد العدم، والتنبيهُ على العبرة في ذلك(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَمُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ النسب والصهر معنیان یعمَّان كلَّ قربى تكونُ بين آدمِيِّين(٢). قال ابن العربي (٣): النسبُ عبارةٌ عن خلطِ الماء بين(٤) الذكر والأنثى على وجه الشرع؛ فإنْ كان بمعصيةٍ كان خلقاً مطلقاً، ولم يكنْ نسباً محقَّقاً، ولذلك لم يدخل تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بنتُه من الزنى؛ لأنَّها ليست ببنتٍ له في أصحِّ القولين(٥) لعلمائنا، وأصحِّ القولين في الدين؛ وإذا لم يكن نسبٌ شرعاً فلا صِهْر شرعاً فلا يُحرِّم الزنى بنتَ أمُّ ولا أمّ بنتٍ (٦)، وما يُحرِّم مِن الحلال لا يُحَرِّم من الحرام؛ لأنَّ الله امتنَّ بالنَّسب والصّهْر على عباده، ورفع قدرَهُما، وعلَّقَ الأحكامَ في الحِلِّ والحُرْمَة عليهما، فلا يلحقُ الباطلُ بهما ولا يساويهما. قلت: اختلف الفقهاءُ في نكاح الرجل ابنته من زنى، أو أختِه أو بنتِ ابنه من زنى؛ فحرَّم(٧) ذلك قومٌ منهم: ابنُ القاسم، وهو قول أبي حنيفةَ وأصحابه، وأجازَ ذلك آخرون منهم: عبدُ الملك بن الماجشون، وهو قولُ الشافعيّ [على كراهة]، وقد مضى هذا في (النساء)» مجوّداً (٨). قال الفراء(٩): النسبُ: الذي لا يَحِلُّ نكاحه، والصَّهر: الذي يحلُّ نكاحه(١٠). (١) المحرر الوجيز ٢١٤/٤ . (٢) المحرر الوجيز ٢١٤/٤ . (٣) في أحكام القرآن ١٤١٤/٣. (٤) في النسخ الخطية: المائين. (٥) في (ظ): وبنته من الزنى ليست ببنتٍ له في أصح القولين، واضطربت العبارة في (د) و (ز) والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي. (٦) العبارة في أحكام القرآن لابن العربي: فلا يحرم الزنى ببنتٍ أماً، ولا بأم بنتاً. (٧) في (ظ): فمنع. (٨) ١٩٠/٦-١٩١، والكلام السالف في التمهيد ١٩١/٨، وما بين حاصرتين منه. (٩) في معاني القرآن له ٢/ ٢٧٠ . (١٠) قوله: والصهر الذي يحل نكاحه. من (م). : ٤٥٣ سورة الفرقان: الآية ٥٤ وقاله الزَّجَّاج، وهو قول علي بن أبي طالب ﴾(١). واشتقاقُ الصِّهر من صَهرْتُ الشيءَ: إذا خلطتَه؛ فكلُّ واحدٍ من الصِّهرين قد خالطَ صاحبه، فسُمِّيت المناكِحُ صِهْراً؛ لاختلاط النَّاس بها(٢). وقيل: الصهرُ: قرابةُ النِّكاح؛ فقرابةُ الزوجةِ هم الأَخْتَان، وقرابةُ الزوجِ هم الأَخماء. والأصهارُ يقع عامًّا لذلك كلِّه؛ قاله الأصمعيّ. وقال ابن الأعرابي: الأَخْتَان: أبو المرأة وأخوها وعمُّها، كما قال الأصمعيّ، والصهرُ: زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمُّه. وقال محمد بن الحسن في رواية أبي سليمان الجُوزَ جَانيّ: أَخْتَانُ الرجل: أزواجُ بناته وأخواتِهِ وعماتِه وخالاتِه، وكلِّ ذاتٍ مَحْرمٍ منه، وأصهارُه: كلُّ ذي رَحِمِ مَحْرَمٍ من زوجته. قال النَّخَّاس(٣): الأَوْلَى في هذا أنْ يكونَ القولُ في الأصهار ما قال الأصمعي، وأنْ يكونَ من قِبَلِهما جميعاً؛ يقال: صَهَرْتُ الشيءَ، أي: خلطتُه؛ فكلُّ واحدٍ منهما قد خَلَط صاحبه. والأَوْلَى في الأَخْتَان ما قاله محمدُ بن الحسن لجهتين: إحداهما: الحديثُ المرفوع؛ رَوى محمدُ بنُ إسحاق عن يزيدِ بن عبد الله بن قُسَيط، عن محمدٍ بن أسامة بن زيد(٤) عن أبيه قال: قال رسول الله ﴾: ((أمَّا أنتَ يا علي فَخَتَنِي وأبو ولدي، وأنت منِّي وأنا منك))(٥). فهذا على أنَّ زوجَ البنت خَتَنٌ. (١) معاني القرآن للزجاج ٧٢/٤، ونسبه لعلي بن أبي طالب ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٢١٤/٤ . (٢) النكت والعيون ٤/ ١٥١ . (٣) في معاني القرآن ٣٩/٥. وأقوال الأصمعي وابن الأعرابي ومحمد بن الحسن السالفة منه. (٤) في (د) و (ز) عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أسامة بن زيد ... ، وفي (ظ) عن أبي أسامة بن زيد .. والمثبت من (م) ومعاني القرآن ومصادر التخريج. (٥) أخرجه أحمد (٢١٧٧٧)، والنسائي في الكبرى (٨٤٧١) مطولاً. ومحمد بن اسحاق. صدوق يدلِّس. تقريب التهذيب. وقد عنعن في هذا الحديث. أما قوله# لعلي ﴾: ((أنت منِّي وأنا منك)) فصحيح أخرجه البخاري (٤٢٥١) من حديث البراء بن عازب ﴾. ٤٥٤ سورة الفرقان: الآية ٥٤ والجهةُ الأخرى: أنَّ اشتقاقَ الخَتَنِ من ختَنَه: إذا قطعه؛ وكأنَّ الزوجَ قد انقطعَ عن أهله، وقطعَ زوجتَهُ عن أهلها. وقال الضحاك: الصِّهرُ قرابةُ الرَّضَاعِ. قال ابنُ عطية(١): وذلك عندي وَهَمِّ أوجَبه أنَّ ابنَ عباسٍ قال: حُرِّم من النسب سبعٌ، ومن الصهر خمس. وفي روايةٍ أخرى (٢) من الصِّهر سبعٌ، يريدُ قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُّهَثُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ اَلْأُخْتِ﴾. فهذا هو النسب. ثم يريد بالصهر قولَه تعالى: ﴿وَأَنَّهَتُكُمُ أَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْن اُلْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. ثمَّ ذكرَ المحصَنات. ومحمل هذا أنَّ ابنَ عباس أراد: حُرِّم من الصهر ما ذُكِر معه(٣)، فقد أشار بما ذكر إلى عُظمه وهو الصِّهر، لا أنَّ الرَّضاع صهرٌ، وإنَّما الرَّضاعِ عديلُ النسب؛ يَحرُم منه ما يَحرُم من النسب بحكم الحديث(٤) المأثور فيه. ومن رَوى: وحُرِّم من الصهر خمسٌ، أسقطَ من الآيتين الجمعَ بين الأختين والمحصّنات؛ وهنَّ(٥) ذواتُ الأزواج. قلت: فابن عطيّة جعلَ الرَّضاع مع ما تقدَّم نسباً، وهو قول الزجَّاج. قال أبو إسحاق(٦): النسبُ الذي ليسَ بصهر؛ من قوله جلَّ ثناؤه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكُّهَتُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهرُ من يَحِلُّ(٧) له التزويج. (١) في المحرر الوجيز ٢١٥/٤ . وقول الضحاك السالف منه. (٢) قول ابن عباس: حرِّم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، سلف ١٧٤/٦، ولم نقف على لفظ: خمس، عن ابن عباس، وقد أخرجه الطبري ٤٧٦/١٧ عن الضحاك . (٣) في المحرر الوجيز: مع ما ذكر معه. (٤) سلف ١٧٩/٦ . (٥) في (د) و (ز): ومن ، وفي (ظ): من. والمثبت من (م) والمحرر الوجيز. (٦) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن له ٤/ ٧٢ . (٧) لفظة: يحل. من (ظ). ٤٥٥ سورة الفرقان: الآيتان ٥٤ - ٥٥ قال ابن عطية (١): وحكى الزهراوي قولاً أنَّ النسبَ من جهة البنين، والصهرَ من جهة البنات. قلت: وذكرَ هذا القول النَّخَّاس(٢)، وقال: لأنَّ المصاهرةَ من جهتين تكون. وقال ابن سيرين: نزلَتْ هذه الآية في النبيِّ # وعليٍّ ﴾؛ لأنَّه جمعَه معه نسبٌ وصهر. قال ابن عطية(٣): فاجتماعُهما وُكادةُ حرمةٍ إلى يوم القيامة. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ على ما خلق ما يريده. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَيِّهِ، ظَهِيرًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ لما عَدَّد النعم وبيَّن كمال قدرته، عَجِبَ من المشركين في إشراكهم به من لا يقدِرُ على نفعٍ ولا ضَرّ، أي: إنَّ الله هو الذي خَلَق ما ذكره، ثمَّ هؤلاء بجهلهم(٤) يعبدون من دونه أمواتاً جمادات لا تَنفعُ ولا تَضرّ. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيبًا﴾ رُويَ عن ابن عباس: ((الكَافِرُ)) هنا أبو جهلٍ لعنه الله(٥)؛ وشرحه أنَّه يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه(٦). وقال عكرمة: ((الْكَافِرُ)» إبليس، ظهر على عداوة ربِّه. وقال مَطر(٧): ((الْكَافِرُ)) هنا الشيطان. (١) في المحرر الوجيز ٢١٥/٤ . (٢) في إعراب القرآن ٣/ ١٦٤ . (٣) في المحرر الوجيز ٢١٥/٤، وما قبله منه. (٤) في (م): لجهلهم. (٥) أخرجه بنحوه الطبري ٤٧٨/١٧. دون قوله: لعنه الله، وهي من (م). (٦) جاءت العبارة في إعراب القرآن للنحاس: أبو جهل وشيعته لأنه يستظهر بعبدة الأوثان على أولياء ربه. (٧) في (م): مطرف. والمثبت من النسخ الخطية وإعراب القرآن للنحاس ١٦٤/٣ ورواية ابن عباس وعكرمة ومطر منه. ٤٥٦ سورة الفرقان: الآيات ٥٥ - ٥٧ وقال الحسن: ((ظَهِيراً)) أي: مُعِيناً للشيطان على المعاصي(١). وقيل: المعنى؛ وكان الكافرُ على ربه هيِّناً ذليلاً، لا قَدْر له ولا وزن عنده؛ من قول العرب: ظهرتَ به، أي: جعلتَه خلف ظهرك، ولم تلتفت إليه(٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ◌ِهْرِيّ﴾ [هود: ٦٢] أي: هيِّناً ومنه قول الفرزدق: تميمَ بنَ بَدْرٍ (٣) لا تكونَنَّ حاجتي بِظَهْرٍ فلا يعيا عليَّ جوابُها(٤) هذا معنى قول أبي عبيدة: وظهير بمعنى مظهور(٥)، أي: كفرُ الكافر هينٌ على الله تعالى، والله مستهينٌ به؛ لأنَّ كفره لا يضره. وقيل: وكان الكافرُ على ربِّه الذي يعبدُه؛ وهو الصنم قويًّا غالباً يعملُ به ما يشاء؛ لأنَّ الجمادَ لا قدرةَ له على دفعٍ(٦) ونفع. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَشِيرًا وَنَذِيرًا (٨٦ قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا ٥٧ ﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ مُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾ يريد بالجنة مبشراً ونذيراً من النَّار؛ وما أرسلناك وكيلاً ولا مسيطراً. ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يريدُ على ما جئتكم به من القرآن والوحي. و((مِن)) ﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ﴾: لكن من شاء؛ فهو استثناءٌ منقطع، والمعنى: لكن من شاءَ ﴿أَنْ للتأكيد. (١) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٧٨ . (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٧٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ٩٧. (٣) في (م): قيس. (٤) النكت والعيون ١٥٢/٤، والبيت في ديوان الفرزدق ٨٦/١، وجاءت رواية البيت فيه: تميمَ بن زيدٍ لا تهونَنَّ حاجتي لديك ولا يعيا عليَّ جوابها (٥) مجاز القرآن ٢/ ٧٧. وقاله أيضاً الطبري ٤٧٩/١٧ . ورجحه. (٦) بعدها في (م): ضر. ٤٥٧ سورة الفرقان: الآيات ٥٦ - ٥٩ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ بإنفاقه من ماله في سبيل الله؛ فليُنْفِق. ويجوز أنْ يكونَ متصلاً ويقدَّر حذفُ المضاف؛ التقدير: إلَّ أجْرَ ﴿مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَيْهِ، سَبِيلًا﴾ باتباع ديني حتى ينالَ كرامةَ الدُّنيا والآخرة(١). قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا ٥٨ قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾ تقدَّم معنى التوكُل في ((آل عمران)) وهذه السورة(٢) وأنَّه اعتمادُ القلب على الله تعالى في كُلِّ الأمور، وأنَّ الأسبابَ وسائطُ أمرَ بها من غير اعتمادٍ عليها. ﴿وَسَبِّحْ بِحَيْدِهٍ﴾ أي: نزِّه اللهَ تعالى عمَّا يُضيفُه هؤلاء الكفارُ إليه(٣) من الشركاء. والتسبيحُ: التنزيه، وقد تقدَّم(٤). وقيل: ((وَسَبِّحْ)) أي: وصلِّ له؛ وتُسمَّى الصلاةُ تسبيحاً. ﴿وَكَفَى بِهِه ◌ِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾ أي: عليماً، فيجازيهم بها. قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى ٥٩ عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْشَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى اٌلْعَرْشِّ﴾ تقدَّم في الأعراف(٥). و((الذي)) في موضع خفضٍ نعتاً للحيّ. وقال: ((بَيْنَهُمَا)) ولم يقل: بينهنّ؛ لأنَّه أرادَ الصنفين والنوعين والشيئين؛ كقول القُطامِيّ (٦): وتغلِبَ قد تباينتا انقطاعا ألم يَحْزُنْكِ أنَّ حبالَ قيسٍ (١) ينظر المحرر الوجيز ٢١٥/٤ . (٢) ٢٩٠/٥-٢٩٢، وص٣٨٦-٣٨٧ من هذا الجزء. (٣) في (د) و (م) يصفه، بدل: يضيفه، وفي (م): به، بدل: إليه. (٤) ١ / ٤١٢ . (٥) ٢٣٧/٩ . (٦) في ديوانه ص٣٢ . ٤٥٨ سورة الفرقان: الآية ٥٩ أراد: وحبالَ تغلب؛ فثَّى، والحبالُ جمع؛ لأنَّه أرادَ الشيئين والنوعين(١). ﴿الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ قال الزَّجَّاج(٢): المعنى: فاسأل عنه. وقد حكى هذا جماعةٌ من أهل اللغة أنَّ الباء تكون بمعنى ((عن))؛ كما قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وقال الشاعر: هَلَّا سألتِ الخيل يا ابنةَ مالكِ إنْ كُنتِ جاهلةٌ بما لم تعلمي(٣) وقال امرؤ القيس(٤): فإنْ تسألوني بالنساء فإنَّني خبيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ أي: عن النساء، وعما لم تعلمي. وأنكره عليّ بن سليمان وقال: أهلُ النظر ينكرون أنْ تكونَ الباءُ بمعنى ((عن))؛ لأنَّ في هذا إفسادَ المعاني(٥)، [قال: ولكنَّ هذا مثلُ] قول العرب: لو لقيتَ فلاناً للقيَكَ به الأسد، أي: للقيَك بلقائك إيَّاه الأسد؛ المعنى: فاسأل بسؤالك إيَّاه خبيراً (٦). وكذلك قال ابنُ جبير: الخبيرُ هو الله تعالى: فـ((خَبِيراً)) نصب على المفعول به بالسؤال(٧). قلت: قول الزجَّاج يُخرَّج على وجهٍ حسن، وهو أنْ يكون الخبيرُ غيرَ الله، أي: فاسأل عنه خبيراً، أي: عالماً به، أي: بصفاته وأسمائه. (١) تفسير الطبري ١٧/ ٤٨٠، والبيت السالف فيه. (٢) في معاني القرآن له ٧٣/٤ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٤٢/٥، والبيت لعنترة، وهو في ديوانه ص ٢٥ . (٤) كذا في النسخ. والبيت لعلقمة بن عَبَدَة كما في تأويل مشكل القرآن ص٤٢٧ ، وأدب الكاتب ص٥٠٨ . (٥) بعدها في (ظ) منه، وجاءت العبارة في (م): لأن في هذا إفساداً لمعاني. (٦) معاني القرآن للنحاس ٤٢/٥ . وما سلف بين حاصرتين منه. (٧) ينظر المحرر الوجيز ٢١٦/٤، وقول ابن جبير أخرجه الطبري ٤٨١/١٧ . ٤٥٩ سورة الفرقان: الآيتان ٥٩ - ٦٠ وقيل: المعنى: فاسأل له خبيراً، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة. قال المهدويّ: ولا يحسنُ حالاً إذ لا يخلو أنْ تكون الحال من السائل أو المسؤول. ولا يصحُّ كونُها حالاً من الفاعل؛ لأنَّ الخبير لا يَحتاج أنْ يَسألَ غيره. ولا يكون من المفعول؛ لأنَّ المسؤول عنه - وهو الرحمن - خبيرٌ أبداً، والحالُ في أغلب الأمر [لِما] يتغيرُ وينتقل؛ إلَّا أنْ يُحمل على أنَّها حالٌ مؤكّدة؛ مثل: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، فيجوز(١). وأمَّا ((الرَّحْمَنُ)) ففي رفعه ثلاثةُ أوجه: يكون بدلاً من المضمر الذي في ((اسْتَوَى)). ويجوز أنْ يكونَ مرفوعاً بمعنى: هو الرحمن. ويجوز أنْ يكون مرفوعاً بالابتداء، وخبرُه: ((فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً). ويجوزُ الخفض، بمعنى: وتوكّل على الحيِّ الذي لا يموتُ الرَّحمنِ؛ يكون نعتاً. ويجوز النصبُ على المدح(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ تُقُورًا (٥) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أُسْبُدُواْ لِلَّحْمَنِ﴾ أي: لله تعالى. ﴿قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ على جهةِ الإنْكَار والتعجُّب، أي: ما نعرف الرحمن إلَّا رحمانُ اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب(٣). وزعم القاضي أبو بكر ابن العربيّ أنَّهم إنَّما جَهلوا الصفَةَ لا الموصوف، واستدلَّ على ذلك بقوله: ((وَمَا الرَّحْمَنُ))، ولم يقولوا: ومن الرَّحمن. قال ابن الحصَّار: وكأنَّه - رحمهُ الله - لم يقرأ الآيةَ الأخرى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾(٤) [الرعد: ٣٠]. (١) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٥٢٣/٢-٥٢٤ . وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٦٥/٣، وينظر مشكل إعراب القرآن. (٣) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٤ . (٤) قولا ابن العربي وابن الحصار سلفا ١/ ١٦٠. ٤٦٠ سورة الفرقان: الآيتان ٦٠ - ٦١ ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ هذه قراءةُ المدنيِّين والبصريين(١)، أي: لِمَا تأمُرنا أنت يا محمد. واختاره أبو عبيدٍ وأبو حاتم. وقرأ الأعمش وحمزةُ والكسائيُّ: ((يَأْمُرُنَا)) بالياء. يعنونَ الرحمن؛ كذا تأوَّله أبو عبيد، قال: ولو أقرُّوا بأنَّ الرحمن أمرَهم ما كانوا كفاراً. فقال النحاس(٢): وليس يجب أنْ يتأوَّل عن الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد، ولكنَّ الأَولى أنْ يكون التأويل لهم: أَنَسْجُدُ لِمَا يَأْمُرُنا النبيُّ ﴾؛ فتصحُ القراءةُ على هذا، وإنْ كانت الأُولى أبينَ وأقربَ مُتناولاً(٣). ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ أي: زادَهم قولُ القائل لهم: اسجدوا للرحمن؛ نفوراً عن الدِّين. وكان سفيانُ الثوريّ يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً. قوله تعالى: ﴿ثَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًّا مُنِیرًا قوله تعالى: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ أي: منازل؛ وقد تقدَّم ذكرها(٤). ﴿وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا﴾ قال ابن عباس: يعني الشمس(٥)؛ نظيره: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]. وقراءة العامة: ((سِرَاجاً)) بالتوحيد. وقرأ حمزة والكسائي: (سُرُجاً))(٦)، يريدون النجوم العِظَام الوَقَّادة. والقراءةُ الأُولى عند أبي عبيدٍ أولى؛ لأنَّه (١) قرأ: تأمرنا؛ بالتاء، من السبعة: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم. السبعة ص٤٦٦، والتسير ص ١٦٤ . (٢) في إعراب القرآن له ١٦٥/٣ . وما قبله منه. (٣) في (م): تناولاً. وقال الطبري رحمه الله في تفسيره ٤٨٢/١٧ بعد ذكر القراءتين: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةٍ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. (٤) ١٨٦/١٢. (٥) ذكره عن ابن عباس النحاس في إعراب القرآن ١٦٦/٣، وأخرجه الطبري ٤٨٤/١٧ عن قتادة. (٦) السبعة ص ٤٦٦، والتيسير ص ١٦٤.