النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة الفرقان: الآية ٤٧
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتِلَ لِبَاسًا﴾ يعني ستراً للخلق يقوم
مَقامَ اللِّباسِ في سَتر البدن. قال الطبري(١): وصف الليلَ باللباس تشبيهاً من حيث
يستر الأشياء ويغشاها.
الثانية: قال ابن العربي: ظنَّ بعضُ الغَفَلَةِ أنَّ مَن صلى عُرياناً في الظلام أنه
يُجزئه؛ لأنَّ الليل لباس. وهذا يوجب أن يصلِّيَ في بيته عرياناً إذا أغلق عليه بابه.
والسَّترُ في الصلاة (٢) عبادةٌ تختصُّ بها، ليست لأجل نظرٍ الناس. ولا حاجةً إلى
الإطناب في هذا.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ أي: راحةً لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال.
وأصلُ السُّبَات من التمدُّد(٣). يقال: سبتت المرأةُ شعرها، أي: نقضته وأرسلته.
ورجل مسبوت، أي: ممدودُ الخِلقة. وقيل للنوم: سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي
التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت: القطع (٤)؛ فالنوم انقطاعٌ عن الاشتغال، ومنه:
سبتُ اليهود ؛ لانقطاعهم عن الأعمال فيه. وقيل: السبت: الإقامة في المكان؛ فكأن
السُّباتَ سكونٌ مّا وثبوتٌ عليه(٥)؛ فالنوم سُبَاتٌ على معنى أنه سكونٌ عن الاضطراب
والحركة. وقال الخليل(٦): السُّبات نومٌ ثقيل، أي: جعلنا نومَكم ثقيلاً ليكمل
الإجمام والراحة.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ من الانتشار للمعاش، أي: النهار
سبب الإحياءِ للانتشار. شبه اليقظة فيه بتطابق الإحياء مع الإماتة(٧). وكان عليه الصلاة
(١) في تفسيره ٤٦٥/١٧-٦٦٦، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ٢١٢/٤ .
(٢) في النسخ: الظلام، والمثبت من أحكام القرآن ١٤٠٣/٣، والكلام منه.
(٣) تفسير غريب القرآن ص٣١٣ .
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٣٧١ .
(٥) المحرر الوجيز ٢١٢/٤ .
(٦) في العين ٢٣٨/٧ .
(٧) المحرر الوجيز ٢١٢/٤ .

٤٢٢
سورة الفرقان: الآيتان ٤٧ - ٤٨
والسلام إذا أصبح قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النُّشور))(١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىَ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُشْرَأْ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ
مَآءُ طَهُورًا (
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ الرِيَحَ بُثْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهْ﴾ تقدَّم في ((الأعراف))
مستوفيٍ(٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾.
فيه خمسة عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَ طَهُورًا﴾ يُتطهّر به؛ كما يقال: وَضوءٌ؛ للماء الذي
يُتوضأ به. وكلُّ ظَهورٍ طاهرٌ، وليس كلُّ طاهر ظَهورًا(٣). فالطّهور بفتح الطاء:
الاسم، وكذلك الوَضوءُ والوقود، وبالضم: المصدر، وهذا هو المعروفُ في اللغة؛
قاله ابنُ الأنباريّ، فبيَّن أن الماء المنزل من السماء طاهرٌ في نفسه مطهِّر لغيره، فإن
الطَّهور بناءُ مبالغةٍ في طاهر، وهذه المبالغةُ اقتضت أن يكونَ طاهراً مُطَهِّراً. وإلى هذا
ذهب الجمهور.
وقيل: إنَّ (طَهُوراً)) بمعنى طاهر، وهو قول أبي حنيفة، وتعلَّق بقوله تعالى:
﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يعني طاهراً. ويقول(٤) الشاعر:
أداوي بها قلبي عليَّ فُجُورُ
خليليَّ هل في(٥) نظرةٍ بعد توبة
(١) روي عن حذيفة وأبي ذر والبراء ؛ فحديث حذيفة أخرجه أحمد (٢٣٣٩١)، والبخاري (٦٣١٢)،
وحديث أبي ذر أخرجه أحمد (٢١٣٦٦)، والبخاري (٦٣٢٥)، وحديث البراء أخرجه أحمد (١٨٦٠٣)،
ومسلم (٢٧١١).
(٢) ٩/ ٢٥٢.
(٣) تهذيب اللغة ٣٩/١٣.
(٤) في (د) و(ف) و(م): وبقول، وهي مهملة في (ز)، وفي أحكام القرآن لابن العربي ١٤٠٤/٣ (والكلام
منه): وقال. والمثبت من (ظ).
(٥) في (ظ): من.

٤٢٣
سورة الفرقان: الآية ٤٨
عِذابِ الثَّنايا رِيقُهنَّ طَهُورُ (٢)
إلى رُجُعِ الأكفالِ غِيدٍ من الظُّبا(١)
فَوَصَف الرِّيقَ بأنه طهور، وليس بمطهِّر. وتقول العرب: رجلٌ نَؤوم، وليس ذلك
بمعنى أنه مُنِيمٌ لغيره، وإنما يرجع ذلك إلى فعلِ نفسِهِ.
ولقد أجاب علماؤنا عن هذا، فقالوا: وَصْف شراب الجنةِ بأنه طَهورٌ يفيد
التطهيرَ عن أوضار الذنوبِ(٣) وعن خسائس الصفات، كالغِلِّ والحَسَد، فإذا شربوا
هذا الشراب، يطهِّرهم اللهُ مِن رَخض الذنوبِ وأوضارِ الاعتقاداتِ الذميمة، فجاؤوا
الله بقلب سليم، ودخلوا الجنةَ بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ: ﴿سَلَمُ عَيْكُمْ
◌ِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ولما كانَ حكمه في الدنيا بزوال حكم الحَدَثِ
بجريان الماءِ على الأعضاء، كانت تلك حكمته ورحمته(٤) في الآخرة. وأما قول
الشاعر:
... رِيقُهُنَّ طَهُورُ
فإنه قصد بذلك المبالغةَ في وصف الرِّيقِ بالظُّهورية، لعذوبته وتعلُّقِه بالقلوب،
وطِيبهِ في النفوس، وسكونِ غليل المحبِّ برَشْفه حتى كأنه الماءُ الطَّهور. وبالجملة
فإنَّ الأحكام الشرعيةَ لا تثبت بالمجازات الشِّعرية؛ فإنَّ الشعراء يتجاوزون في
الاستغراق حدَّ الصِّدقِ إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى يُخرجهم ذلك إلى
البدعة والمعصية، وربَّما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون. ألا ترى إلى قول
(١) في المصادر: هيفٍ خصورُها. وقوله: رُجُح، هو جمع: رَجَاح وراجح، وهي ثقيلة العجيزة من
النسوة. والأكفال: جمع كَفَل، وهو العجز. والظبي الأغيد: الذي مالت عنقه ولانت أعطافه. اللسان
(رجع) (كفل) (غید).
(٢) ذكر أبو علي القالي في الأمالي ١/ ١٨٣: البيتين ضمن قصيدة، ونقل عن ابن الأنباري أنها لجميل بن
معمر العُذري ثم قال أبو علي: وليست هذه الأبيات في شعر جميل. اهـ. والبيت الثاني في اللسان
(رجح) دون نسبة.
(٣) أوضار، جمع وَضَر، وهو الوسخ من الدسم أو غيره.
(٤) قوله: ورحمته ، ليس في (م).

٤٢٤
سورة الفرقان: الآية ٤٨
بعضِهم :
لما كنتُ أدري علَّةً للتيثُمِ
ولو لم تُلامِسْ صفحةُ الأرضِ رِجلَها
وهذا کفر صُراح، نعوذ بالله منه.
قال القاضي أبو بكر بنُ العربي(١): هذا منتهى لُبابٍ كلام العلماء، وهو بالغٌّ في
فنّه؛ إلا أنِّي تأملتُ من طريق العربية، فوجدت فيه مَطلعاً مشرِّفاً(٢)، وهو أنَّ بناء
فَعولٍ للمبالغة، إلّا أنَّ المبالغةَ قد تكون في الفعل المتعدِّي كما قال الشاعر(٣).
ضَروبٌ بنصل السيفِ سُوقَ سِمَانِها
وقد تكون في الفعل القاصر، كما قال الشاعر:
نَؤُوم الضُّحا لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ (٤)
وإنما تؤخذ طهوريةُ الماء لغيره من الحسن نظافةً، ومن الشرع طهارةً؛ كقوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا يقبل اللهُ صلاةً بغير ظُهور))(٥). وأجمعت الأُمة لغةً وشريعةً على
أنَّ وصف ((طَهور)) يختصُّ بالماء، ولا يتعدّى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة؛
فكان اقتصارُهم بذلك على الماء أدلَّ دليلٍ على أنَّ الطَّهورَ هو المطهّر. وقد يأتي
فَعولٌ لوجه آخرَ ليس من هذا كلِّه، وهو العبارةُ به عن الآلة للفعل، لا عن الفعل،
كقولنا: وَقُود وسَحُور، بفتح الفاء(٦)، فإنها عبارةٌ عن الحطب والطعام(٧) المتسخّر
(١) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٠٤- ١٤٠٦، وما قبله منه .
(٢) في (د) و (م): مشرقاً، وفي أحكام القرآن: شريفاً.
(٣) هو أبو طالب، وسلف البيت بتمامه ١١٩/٥ .
(٤) هذا عجز بيت من معلقة امرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٧، وجاء أيضاً في ديوان كُثير عزة،
وسلف ص ٣٦٢ من هذا الجزء.
(٥) سلف ٣٦٦/٧ .
(٦) يعني فاء ((فَعول))، ووقع في (ظ): بفتح الواو والسين بدل قوله: بفتح الفاء .
(٧) في (د): المطعم، وفي (ظ) و(م): الطعم، وفي (ف): المطمع. والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما
في أحكام القرآن، وما سیرد بين حاصرتين منه.

٤٢٥
سورة الفرقان: الآية ٤٨
بهِ؛ فوَصفُ الماءِ بأنه ظهور - بفتح الطاء - أيضاً يكون خبراً عن الآلة التي يُتْطهّر بها.
فإذا ضُمَّت الفاء في الوقود والسَّحور والظّهور؛ عاد إلى الفعل وكان خبراً عنه. فثبت
بهذا أنَّ اسم الفَعول - بفتح الفاء - يكون بناءً للمبالغة، ويكون خبراً عن الآلة، وهو
الذي خطر ببال الحنفيَّة، ولكن قَصُرت أشداقُها عن لَوْكِه، وبعد هذا يقف البيانُ [به]
عن المبالغة، وعن الآلة على الدليل، فقوله (١) تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾،
وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً))(٢) يحتمل
المبالغةَ، ويحتمل العبارةَ به عن الآلة؛ فلا حُجَّةَ فيه لعلمائنا، لكن يبقى قولُه:
(لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) نصّاً في أنَّ فعله يتعدَّى إلى غيره.
الثانية: المياهُ المنزلة من السماء والمودعةُ في الأرض طاهرةٌ مطهّرة، على
اختلاف ألوانها وطُعومها وأرياحها، حتى يخالطَها غيرُها. والمخالطُ للماء على ثلاثة
أضرب :
ضرب يوافقه في صفتَيه جميعاً [وهي: الطهارةُ، والتطهير]، فإذا خالطه فغيَّره لم
يسلبه وصفاً منهما، لموافقته لهما، وهو التراب.
والضربُ الثاني يوافقه في إحدى صفتيه، وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيَّره؛ سلبَه
ما خالفه فيه، وهو التطهير، كماء الوردِ وسائرِ الطاهرات.
والضرب الثالث يخالفه في الصفتين جميعاً، فإذا خالطه فغيَّره؛ سلبه الصفتين
جميعاً؛ لمخالفته له (٣) فيهما، وهو النَّجَس.
الثالثة: ذهب المِصريُّون من أصحاب مالكٍ إلى أنَّ قليل الماء يفسده قليل
النجاسة، وأنَّ الكثير لا يفسده إلَّا ما غيَّر لونَه أو طعمه أو ريحه من المحرَّمات. ولم
(١) في (م): بقوله.
(٢) سلف ٢/ ٢٨٣ .
(٣) في النسخ الخطية: لهما، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن ١٤٠٧/٣، وما سلف
بین حاصرتین منه.

٤٢٦
سورة الفرقان: الآية ٤٨
يَحدُّوا بين القليل والكثير حدّاً يوقفُ عنده، إلَّا أنَّ ابنَ القاسم روى عن مالك في
الجُنُب يغتسل في حوض من الحياض التي تُسقى فيها الدوابّ، ولم يكن غَسَلَ ما به
من الأذى، أنه قد أفسد الماء، وهو مذهب ابنِ القاسم وأشهبَ وابنِ عبد الحكم ومَن
اتَّبعهم من المصريين، إلا ابنَ وهب؛ فإنه يقول في الماء بقول المدنيِين مِن أصحاب
مالك. وقولُهم ما حكاه أبو مصعبٍ عنهم وعنه(١): أنَّ الماء لا تُفسده النجاسةُ الحالَّة
فيه قليلاً كان أو كثيراً، إلَّا أنْ تظهرَ فيه النجاسةُ(٢) وتغيِّرَ منه طعماً أو ريحاً أو لوناً.
وذكر أحمد بنُ المعدَّل أنَّ هذا قولُ مالك بنٍ أنس في الماء. وإلى هذا ذهب إسماعيل
ابنُ إسحاق ومحمد بنُ بُكير وأبو الفَرَج والأَبهريُّ(٣) وسائر المنتحلين لمذهب مالكٍ
من البغداديين؛ وهو قول الأوزاعيٍّ والليث بنِ سعد والحسن بنٍ صالح وداود بنِ
عليّ. وهو مذهب أهلِ البصرة، وهو الصحيحُ في النظر وجَيِّدِ الأثر.
وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نجاسةٌ في الماء، أفسدته كثيراً كان أو قليلاً، إذا
تحقَّقت عمومُ النجاسة فيه. ووجه تحقُّقِها عنده أن تقع مثلاً نقطةُ بولٍ في بركة، فإن
كانت البركةُ يتحرك طرفاها بتحرُّك أحدهما، فالكلُّ نجس، وإن كانت حركة أحدٍ
الطرفين لا تحرِّك الآخرَ لم ينجس. وفي (المجموعة)) نحوُ مذهبٍ أبي حنيفة.
وقال الشافعيُّ بحديث القُلَّتين، وهو حديثٌ مطعون فيه؛ اختُلف في إسناده
ومتنه؛ أخرجه أبو داود والترمذيُّ وخاصَّةَ الدَّارَقُظْني، فإنه صدَّر به كتابَه وجمع
طرقه (٤).
قال ابن العربي(٥): وقد رام الدَّارَقُظْنيُّ على إمامته أنْ يصحِّحَ حديثَ القَّتين فلم
يقدر.
(١) في التمهيد ٣٢٧/١ (والكلام منه): وعن أهل المدينة.
(٢) في (م) زيادة: الحالة فيه.
(٣) في النسخ: أبو الفَرَج الأبهري، وهو خطأ.
(٤) سنن أبي داود (٦٣) و (٦٤) و (٦٥)، والترمذي (٦٧)، والدارقطني (١) - (٢٩) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما. وهو عند أحمد (٤٦٠٥)، والنسائي ٤٦/١، وابن ماجه (٥١٧).
(٥) في أحكام القرآن ١٤٠٨/٣ ، وما قبله منه.

٤٢٧
سورة الفرقان: الآية ٤٨
وقال أبو عمر بنُ عبد البر(١): وأمَّا ما ذهب إليه الشافعيُّ من حديث القلتين،
فمذهبٌ ضعيف من جهة النظر، غيرُ ثابتٍ في الأثر؛ لأنه قد تكلّم فيه جماعةٌ من أهل
العلم بالنقل، ولأنَّ القلتين لا يوقف على حقيقة مبلغِهما في أثرٍ ثابت ولا إجماع، فلو
كان ذلك حدّاً لازماً. لوجب على العلماء البحثُ عنه؛ ليقفوا على حدٍّ ما حدَّه
النبيُّ ﴾؛ لأنه من أصل دينهم وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضيَّعوه، فلقد بحثوا
عما هو أدونُ من ذلك وألطف.
قلت: وفيما ذكر ابنُ المنذر(٢) في القلتين من الخلاف يدُلُّ على عدم التوقيفِ
فيهما والتحدید.
وفي سنن الدَّارَقُظْنيّ(٣): عن حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر قال: القِلالُ:
الخوابي العِظَام. وعاصمٌ هذا هو أَحدُ رواةٍ حديثِ القَّتين. ويظهر من قول الدَّارَقُظْنيّ
أنها مثلُ قِلال هَجَر؛ لسياقه حديثَ الإسراءِ عن أنس بنِ مالك أنَّ النبيَّ # قال: «لمَّا
رُفعتُ إلى سِدرة المنتهى في السماء السابعة، نَبِقُها مثلُ قِلال هَجَر، وورقُها مثلُ آذانٍ
الفِيلة)»(٤) وذكر الحديث.
قال ابن العربي(٥): وتعلَّق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدريِّ في بئر بضاعة،
رواه النَّسائيُّ والترمذيُّ وأبو داود وغيرُهم (٦). وهو أيضاً حديثٌ ضعيف لا قَدَمَ له في
الصِّحَّة، فلا تعويلَ عليه.
(١) في التمهيد ٣٣٥/١.
(٢) في الأوسط ٢٦١/١-٢٦٣ .
(٣) برقم (٣١).
(٤) سنن الدارقطني (٣٣). وهو عند أحمد (١٢٦٧٣). والنَّبِقِ بفتح النون وكسر الباء، وقد تسكن: ثمر
السِّدْر. النهاية (نبق).
(٥) في أحكام القرآن ١٤٠٨/٣ .
(٦) سنن النسائي ١٧٤/١، والترمذي (٦٦)، وأبي داود (٦٦) و (٦٧). وهو عند أحمد (١١١١٩). قال
الترمذي: هذا حديث حسن. وبُضاعة: هي بئر معروفة بالمدينة، والمحفوظ ضم الباء، وأجاز بعضهم
كسرها. النهاية (بضع).

٤٢٨
سورة الفرقان: الآية ٤٨
وقد فاوضت الطوسيَّ الأكبر(١) في هذه المسألةِ فقال: إنَّ أخلص المذاهبٍ في
هذه المسألةِ مذهبُ مالك؛ فإنَّ الماء ظهورٌ ما لم يتغيَّر أحدُ أوصافه؛ إذ لا حديث في
الباب يُعوَّل عليه، وإنما المعوَّلُ على ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَآءِ مَآءُ طَهُورًا﴾، وهو ماءٌ(٢) بصفاته، فإذا تغيَّر عن شيء منها؛ خرج عن الاسم؛
لخروجه عن الصفة، ولذلك لمَّا لم يجد البخاريُّ إمامُ الحديث والفقه في الباب خبراً
يعوِّل عليه، قال: باب إذا تغيَّر وصفُ الماء، وأدخل الحديث الصحيح: ((ما مِن أحدٍ
يُكلَم في سبيل اللهِ - واللهُ أعلمُ بمن يُكلمَ في سبيلهِ - إلَّا جاء يومَ القيامة وجرحُه
يَثْعَب دماً، اللونُ لون الدم، والرِّيحُ ريح المسك))(٣). فَأَخبر # أنَّ الدمَ بحاله وعليه
رائحةُ المسك، ولم تُخرجه الرائحةُ عن صفة الدَّمَويَّة. ولذلك قال علماؤنا: إذا تغيّر
الماءُ بريح جيفةٍ على طرفه وساحله، لم يمنع ذلك الوضوءَ منه. ولو تغير بها وقد
وُضعت(٤) فيه، لَكان ذلك تنجيساً له للمخالطة، والأول(٥) مجاوَرةٌ [لا تعويل عليها].
قلت: وقد استُدلَّ به أيضاً على نقيض ذلك، وهو أنَّ تغير الرائحةِ يُخرجه عن
أصله. ووجهُ هذا الاستدلالِ أنَّ الدمَ لمَّا استحالت رائحتُه إلى رائحة المسك، خرج
عن كونه مستخبَئاً نجِساً، وأنه صار مِسْكاً، وإنَّ المسك بعضُ دم الغزال(٦). فكذلك
الماءُ إذا تغيّرت رائحته. وإلى هذا التأويل ذهب الجمهورُ في الماء. وإلى الأول ذهب
عبدُ الملك.
(١) هو الإمام الغزالي، وينظر الإحياء ١٢٩/١.
(٢) في (م): ما دام. والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
(٣) صحيح البخاري (٢٣٧) وهو من حديث أبي هريرة ﴾ (باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء).
وليس فيه لفظ الباب الذي ذكره المصنف، ولعله في نسخ المغاربة. وأخرجه أحمد (٧٣٠٢)، ومسلم
(١٨٧٦) : (١٠٥). وقوله: يثعب، أي: ينفجر. التمهيد ١٤/١٩.
(٤) في أحكام القرآن: وقعت.
(٥) في أحكام القرآن: والأولى. وما بين حاصرتين منه.
(٦) ينظر إكمال المعلم ٢٩٤/٦ . وقوله: وإن المسك بعض دم الغزال، هو تضمين لبيت المتنبي،
وصدره: فإنَّ تَفُق الأنامَ وأنت منهم، وهو في ديوانه ١٥١/٣ .

٤٢٩
سورة الفرقان: الآية ٤٨
قال أبو عمر(١): جعلوا الحكمَ للرائحة دون اللون، فكان الحكمُ لها، فاستدلُّوا
عليها في زعمهم بهذا الحديث. وهذا لا يُفهم منه معنىّ تَسكُن إليه النفس، ولا في
الدم معنى الماءِ فيقاسَ عليه، ولا يَشتغل بمثل هذا الفقهاءُ، وليس من شأن أهلِ العلم
اللَّغزُ (٢) به وإشكاله؛ وإنما شأنُهم إيضاحُه وبيانه، ولذلك أخذ الميثاقَ عليهم ليبيِّنْتَّه
للناس ولا يكتمونه، والماءُ لا يخلو تغيُّره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة
وتغيَّر، فقد أجمع العلماءُ على أنه غيرُ طاهرٍ ولا مطهِّر، وكذلك أجمعوا أنه إذا تغيَّر
بغير نجاسة أنه طاهرٌ على أصله. وقال الجمهور: إنه غيرُ مطهِّر إلَّا أنْ يكونَ تغيُّره مِن
تُربةٍ وحمأة. وما أجمعوا عليه فهو الحقُّ الذي لا إشكال فيه، ولا التباسَ معه.
الرابعة: الماء المتغيِّرُ بقُرارة(٣)، كزِرْنيخ أو جِيْرٍ يجري عليه، أو تغيَّرَ بطُحلُب أو
ورقِ شجرٍ يَنْبت عليه لا يمكن الاحترازُ منه؛ فاتفق العلماءُ أنَّ ذلك لا يمنع الوضوء به؛
لعدم الاحتزارِ منه والانفكاكِ عنه، وقد روى ابنُ وهبٍ عن مالك أنَّ غيرَه أولى منه (٤).
الخامسة: قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: ويكره سؤرُ النصرانيِّ وسائرِ الكفار
والمدمنِ خمراً، وما أكل الجِيَف؛ كالكلاب وغيرِها. ومن توضأ بسؤرهم(6) فلا شيءً
عليه حتى يستيقنَ النجاسة.
قال البخاريّ(٦): وتوضأ عمرُ ه مِن بيتِ نصرانية.
ذكر سفيان ابنُ عيينة قال: حدَّثونا عن زيد بنٍ أسلم، عن أبيه قال: لمَّا كنا بالشام
أتيت عمر بن الخطاب بماء، فتوضأ منه فقال: مِن أين جئتَ بهذا الماء؟ ما رأيت ماءً
(١) في التمهيد ١٥/١٩- ١٦.
(٢) في (ز) والتمهيد: اللغو.
(٣) القُرارة (بالضم) هي في الأصل: ما يلزقُ بأسفل القِدْر من شيء. ينظر القاموس (قرر).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٠٩/٣ .
(٥) في الكافي ١٥٧/١ (والكلام منه): بسؤرها.
(٦) في صحيحه قبل الحديث (١٩٣). وسلف الأثر ٣١٩/٧.

٤٣٠
سورة الفرقان: الآية ٤٨
عذباً؛ ولا ماءَ سماءٍ أطيبَ منه. قال: قلت: جئتُ به من بيت هذه العجوزِ النصرانية؛
فلما توضَّأ أتاها فقال: أيتها العجوز! أَسلِمي تَسلَمي، بعث اللهُ محمداً # بالحقّ.
قال: فكشفتْ عن رأسها؛ فإذا مِثْلُ الثَّغامة، فقالت: عجوزٌ كبيرة، وإنما أموت الآن!
فقال عمر : اللهم اشهَد. خرَّجه الدَّارَقُظْنيّ(١): حدَّئنا الحسين بنُ إسماعيل قال:
حدّثنا أحمد بنُ إبراهيم البُوشَنْجِيُّ قال: حدَّثنا سفيان، فذكره. ورواه أيضاً عن
الحسين بن إسماعيل قال: حدَّثنا خلاد بنُ أسلم، حدَّثنا سفيان، عن زيد بن أسلم،
عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطاب ﴾ توضأ من بيتِ نصرانية أتاها، فقال: أيتها العجوزُ
أسلمي .. وذكر الحديثَ(٢) بمثل ما تقدَّم.
السادسة: فأمَّا الكلبُ إذا ولغ في الماء، فقال مالك: يُغسل الإناءُ سبعاً ولا
يتوضأ منه، وهو طاهر. وقال الثوريّ: يتوضأ بذلك الماءِ ويُتيمم معه. وهو قولُ
عبد الملك بن عبد العزيز ومحمد بن مسلمة. وقال أبو حنيفة: الكلبُ نَجِس، ويغسل
الإناءُ منه لأنه نجس. وبه قال الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاق(٣).
وقد كان مالكٌ يفرِّق بين ما يجوز اتِّخاذُه من الكلاب وبين ما لا يجوز اتخاذُهُ
منها في غسل الإناءِ من وُلوغه. وتحصيلُ مذهبه أنه طاهرٌ عنده، لا ينجِّس ولوغُهُ شيئاً
ولغ فيه، طعاماً ولا غيرَه، إلَّا أنه استحبَّ هِرَاقً ما ولغ فيه من الماء ليَسَارَةُ(٤) مؤنتِه.
وكلبُ البادية والحاضرةِ سواء. ويُغسل الإناءُ منه على كل حالٍ سبعاً تعبُّداً. هذا ما
استقرَّ عليه مذهبُه عند المناظرين مِن أصحابه(٥).
ذكر ابنُ وهب قال: حدَّثنا عبد الرحمن بنُ زيد بنِ أسلم، عن أبيه، عن عطاء،
عن أبي هريرة قال: سئل رسولُ الله # عن الحِياض التي تكون فيما بين مكةً
(١) في سننه (٦٣). والثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر، يشبه به الشيب. وقيل: هي شجرة تبيضُّ كأنها
الثلج. النهاية (ثغم).
(٢) سنن الدار قطني (٦٤).
(٣) ينظر الأوسط ٣٠٦/١-٣٠٧، والتمهيد ٢٦٩/١٨-٢٧١.
(٤) في (ظ): إلا لعسارة.
(٥) الكافي ١٥٨/١.

٤٣١
سورة الفرقان: الآية ٤٨
والمدينة، فقيل له: إنَّ الكلاب والسِّباع تَرِدُ عليها. فقال: ((لها ما أخذت في بطونها،
ولنا ما بقي شرابٌ وطَهور)) أخرجه الدَّارَقَظْنيّ(١). وهذا نصٌّ في طهارة الكلابِ
وطهارة ما تَلِغ فيه.
وفي البخاريِّ(٢) عن ابن عمر: أنَّ الكلاب كانت تُقْبِل وتدبر في مسجد
رسولِ الله ◌ِ﴾، ولا يرشُّون شيئاً من ذلك.
وقال عمر بحضرة الصحابةِ لصاحب الحوضِ الذي سأله عمرو بنُ العاص: هل
تَرِد حوضَك السِّباع؟ فقال عمر: يا صاحبَ الحوض، لا تُخْبِرنا، فإِنَّا نَرِدُ على السباع
وترد علينا. أخرجه مالكٌ والدَّارَقُظْنيّ(٣). ولم يفرِّق بين السِّباع، والكلبُ مِن جملتها،
ولا حُجَّةَ للمخالف في الأمر بإراقة ما ولغ فيه (٤) وأنَّ ذلك للنجاسة، وإنما أمر بإراقته
لأنَّ النفسَ تعافة، لا لنجاسته؛ لأنَّ التنزُّهَ من الأقذار مندوبٌ إليه، أو تغليظاً عليهم؛
لأنهم نُهوا عن اقتنائها(٥)، كما قاله ابنُ عمر(٦) والحسن؛ فلما لم ينتهوا عن ذلك
غلَّظ عليهم في الماء، لِقلَّته عندهم في البادية، حتى يشتدَّ عليهم فيمتنعوا من اقتنائها.
وأما الأمرُ بغَسل الإناء فعبادةٌ؛ لا لنجاسته كما ذكرناه، بدليلين: أحدهما: أنَّ
الغسل قد دخله العدد. الثاني: أنه جُعل للتراب فيه مدخل؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((وعفِّروه الثامنةَ بالتراب)). ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه
(١) في سننه (٥٦). ورواه أيضاً عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بالإسناد نفسه، وجعله من حديث أبي سعيد
الخدري ، كما هو عند ابن ماجه (٥١٩)، والبيهقي ٢٥٨/١ . قال البيهقي: وعبد الرحمن بن زيد
ضعيف، لا يحتج بأمثاله.
(٢) برقم (١٧٤) تعليقاً. ووصله أحمد (٥٣٨٩)، وأبو داود (٣٨٢).
(٣) الموطأ ٢٣/١-٢٤، وسنن الدارقطني (٦٢).
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة﴾ فيما أخرجه مسلم (٢٧٩): (٨٩) ولفظه: ((إذا ولغ الكلب في إناء
أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار)).
(٥) سلف ٣١٢/٧ .
(٦) ينظر الاستذكار ١٩٣/٢٧.

٤٣٢
سورة الفرقان: الآية ٤٨
مدخل، كالبول(١). وقد جعل ﴿ الهِرَّ وما ولغ فيه طاهراً (٢)، والهرُّ سبعٌ لا خلاف في
ذلك؛ لأنه يفترس ويأكل المَيْته؛ فكذلك الكلبُ وما كان مِثْلُه من السِّباع؛ لأنه إذا
جاء نَصِّ في أحدهما كان نصّاً في الآخر. وهذا مِن أقوى أنواعِ القياس. هذا لو لم
يكن هناك دليل؛ وقد ذكرنا النصّ على طهارته، فسقط قولُ المخالف. والحمدُ لله.
السابعة: ما مات في الماء ممَّا لا دمَ له، فلا يضرُّ الماءَ إن لم يغيِّر ريحَه؛ فإنْ
أَنتنَ لم يُتوضأ به. وكذلك ما كان له دمٌ سائل من دوابٌ الماءِ، كالحوت والضفدع،
لم يُفسِد ذلك الماءَ موتُه فیه؛ إلا أن تتغيَّر رائحتُه، فإن تغيّرت رائحتُه وأنتن، لم يجز
التطهرُ به ولا الوضوءُ منه، وليس بنجِس عند مالك. وأما مالَه نَفْسٌ سائلة فمات في
الماء ونُزح مكانه، ولم يغيِّر لونَه ولا طعمه ولا ريحه، فهو طاهرٌ مطهّر، سواءٌ كان
الماء قليلاً أو كثيراً عند المدنيين. واستحبَّ بعضُهم أن يُنزحَ من ذلك الماءِ دِلاءٌ
لتطيبَ النفسُ به، ولا يحدُّون في ذلك حدًّا لا يتعدَّى. ويكرهون استعمالَ ذلك الماءِ
قبل نزحِ الدِّلاء، فإن استعمله أحدٌ في غسلٍ أو وضوء، جاز إذا كانت حالُه ما وصفنا.
وقد كان بعضُ أصحاب مالكِ يرى لمن توضَّأ بهذا الماءِ وإن لم يتغيَّر أن يتيمم،
فيجمعَ بين الطهارتين احتياطاً، فإن لم يفعل وصلَّى بذلك الماءِ أجزأه(٣).
وروى الدارقطني عن محمد بن سِيرين أنَّ زِنجِيّاً وقع في زمزم - يعني فمات -
فأمر به ابنُ عباس ﴾ فأخرج، فأمر بها أن تُنزَح. قال: فغلبتْهم عينٌ جاءتهم من
الرُّكن، فأمر بها فدُسِمت بالقباطِيِّ والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت
عليهم(٤). وأخرجه(٥) عن أبي الظُفيل أنَّ غلاماً وقع في بئر زمزم فنُزحت. وهذا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤١٠/٣-١٤١١. والحديث أخرجه أحمد (١٦٧٩٢)، ومسلم (٢٨٠) من
حديث عبد الله بن مغفّله.
(٢) سيأتي في المسألة الثامنة.
(٣) الكافي ١٥٦/١ - ١٥٨ .
(٤) سنن الدارقطني (٦٥)، وأخرجه البيهقي ٢٦٦/١ وقال: هذا بلاغ؛ فإن محمد بن سيرين لم يلق ابن
عباس رضي الله عنهما ولم يسمع منه. اهـ. وقوله: دُسمت، أي: سُدت. والقباطي: جمع قُبطية: وهو
الثوب من ثياب مصر، رقيقة بيضاء. والمطارف: جمع مطرف: وهو الثوب الذي في طرفيه علمان ..
النهاية (قبط) (طرف).
(٥) سنن الدارقطني (٦٦)، وفيه جابر الجعفي، قال البيهقي في السنن ٢٦٦/١: لا يحتج به.

٤٣٣
سورة الفرقان: الآية ٤٨
يَحتمل أن يكونَ الماءُ تغيَّر، والله أعلم.
وروى شعبة عن مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: كلُّ نَفْسٍ سائلة لا يُتوضأ
منها، ولكن رخص في الخُنْفَساء والعقرب والجراد والجُدْجُد إذا وقَعنَ في الرِّكاء فلا
بأس به. قال شعبة: وأظنُّه قد ذكر الوَزَغة. أخرجه الدار قطني(١): حدَّثنا الحسين بنُ
إسماعيل قال: حدَّثنا محمد بنُ الوليد قال: حدَّثنا محمد بنُ جعفر: قال: حدَّثنا
شعبة، فذكره.
الثامنة: ذهب الجمهورُ من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز
والعراق أنَّ ما ولغ فيه الهِرُّ من الماء طاهر، وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره؛ لحديث
أبي قتادة، أخرجه مالكٌ وغيره(٢). وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف. وروي عن
عطاء بن أبي رباح وسعيد بنِ المسيّب ومحمد بنٍ سيرين أنهم أمروا بإراقة ماءٍ ولغ فيه
الهرُّ وغسل الإناءِ منه. واختلف في ذلك عن الحسن. ويحتمل أن يكونَ الحسنُ رأی
في فمه نجاسةً، ليصحَّ مخرجُ الروايتين عنه(٣).
قال الترمذيُّ لمَّا ذَكر حديثَ مالك: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة، هذا
حديثٌ حسن صحيح، وهو قول أكثرِ أهلِ العلم من أصحاب النبيِّ # والتابعين ومَن
بعدَهم؛ مثل الشافعيِّ وأحمد وإسحاق، لم يرَوا بسؤر الهرةِ بأساً. وهذا أحسنُ شيءٍ
في الباب، وقد جوَّد مالكٌ هذا الحديثَ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم
يأتِ به أحدٌ أتمَّ من مالك.
قال الحافظ أبو عمر (٤): الحجَّةُ عند التنازع والاختلافِ سُنَّةُ رسول الله ﴾، وقد
صحّ من حديث أبي قتادة أنه أصغى لها الإناءً حتى شربت. الحديث. وعليه اعتمادُ
(١) برقم (٦٧). والجُدجُد: حيوان كالجراد يصوّت في الليل. النهاية (جدد).
(٢) الموطأ ٢٢/١-٣٢، وهو عند أحمد (٢٢٥٨٠)، وأبي داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي ١/ ٥٥ ،
وابن ماجه (٣٦٧).
(٣) التمهيد ٣٢٣/١ و٣٢٤ .
(٤) في التمهيد ٣٢٤/١ - ٣٢٦.

٤٣٤
سورة الفرقان: الآية ٤٨
الفقهاءِ في كل مصر، إلّا أبا حنيفة ومَن قال بقوله؛ فإنه كان يكره سؤرَه. وقال: إنْ
توضأ به أحدٌ أجزأه، ولا أعلم حُجَّةً لمن كره الوضوءَ بسؤر الهرة أحسنَ من أنه لم
يبلغه حديثُ أبي قتادة، وبلغه حديثُ أبي هريرة(١) في الكلب، فقاس الهرَّ عليه، وقد
فرَّقتِ السُّنةُ بينهما في باب التعبُّدِ في غَسل الإناء، ومَن حَجَّتْه السُّنةُ خاصمته، وما
خالفها مُطَّرَح. وبالله التوفيق.
ومِن حُجَّتهم أيضاً ما رواه قُرَّة بنُ خالد، عن محمد بنِ سيرين، عن أبي هريرة،
عن النبيِّ # قال: ((طهُور الإناءِ إذا ولغ فيه الهِرُّ أن يُغسلَ مرَّةً أو مرتين)) شكَّ قرة.
وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بنُ خالد، وقرة ثقةٌ ثبت.
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني(٢)، ومتنُه: «طهورُ الإناء إذا ولغ فيه
الكلبُ أن يغسلَ سبعَ مرات، الأُولى بالتراب، والهرُّ مرةً أو مرتين)). قرةُ شكّ. قال
أبو بكر (٣): كذا رواه أبو عاصم مرفوعاً، ورواه غيرُه عن قرة: ولوغ الكلب؛ مرفوعاً،
وولوغ الهر؛ موقوفاً.
وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((يُغسل الإناءُ من الهر
كما يغسلُ من الكلب)) قال الدار قطني(٤): لا يثبت هذا مرفوعاً، والمحفوظ من قول
أبي هريرة، واختُلف عنه.
وذكر مَعْمَرٌ وابنُ جُرَيج عن ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يجعل الهرَّ مثلَ الكلب.
وعن مجاهد أنه قال في الإناء يلغ فيه السنور؛ قال: إِغسله سبعَ مرات. قاله
الدار قطني(٥).
(١) سلف في المسألة السادسة.
(٢) برقم (٢٠٥).
(٣) هو النيسابوري شيخ الدار قطني.
(٤) عقب الحديث (٢٠٨).
(٥) بسنده عنهما: (٢١٢) (٢١٣).

٤٣٥
سورة الفرقان: الآية ٤٨
التاسعة: الماء المستعمل طاهرٌ إذا كانت أعضاءُ المتوضئ به طاهرةً؛ إلَّا أنَّ
مالكاً وجماعةً من الفقهاء الجِلَّةِ كانوا يكرهون الوضوءَ به. وقال مالك: لا خيرَ فيه،
ولا أُحِبُّ لأحد أن يتوضأ به، فإنْ فعل وصلَّى لم أرَ عليه إعادةَ الصلاة، ولْيتوضأُ لِمَا
يستقبل(١).
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابهما: لا يجوز استعمالُه في رفع الحدث، ومَن
توضأ به أعاد؛ لأنه ليس بماء مطلق، وتيمَّم واجدُه؛ لأنه ليس بواجد ماءً. وقال
بقولهم في ذلك أَصبغ بنُ الفَرَج، وهو قولُ الأوزاعيّ. واحتجُوا بحديث الصُّنابِحيِّ،
خرَّجه مالكٌ(٢)؛ وحديثِ عمرو بنِ عَبَسة(٣)، أخرجه مسلم، وغير ذلك من الآثار.
وقالوا: الماء إذا تُوضئ به خرجت الخطايا معه؛ فوجب التنزهُ عنه؛ لأنه ماءُ الذنوب.
قال أبو عمر(٤): وهذا عندي لا وجه له؛ لأن الذنوب لا تنجِّس الماء، لأنها لا
أشخاص لها، ولا أجسامَ تمازج الماءَ فتفسده، وإنما معنى قوله: ((خرجت الخطايا
مع الماء) إعلامٌ منه بأنَّ الوضوء للصلاة عملٌ يكفِّر اللهُ به السيئاتِ عن عباده
المؤمنين؛ رحمةً منه بهم وتفضُّلاً عليهم.
وقال أبو ثور وداودُ مثلَ قولٍ مالك، وأنَّ الوضوء بالماء المستعمل جائز؛ لأنه
ماءٌ طاهر لا ينضاف إليه شيء، وهو ماءٌ مطلق. واحتجُّوا بإجماع الأمةِ على طهارته
إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المَرْوَزِيُّ محمد
ابنُ نصر. وروي عن عليٍّ بن أبي طالب وابنِ عمر وأبي أمامة وعطاء بن أبي رَبَاحٍ
والحسنِ البصريِّ والنَّخَعيِّ ومكحولٍ والزُّهريِّ أنهم قالوا فيمن نسي مسحَ رأسه؛
(١) الكافي ١٥٨/١ .
(٢) في الموطأ ٣١/١، وقد سلف ٣٤٢/٧ تخريجه والكلام عليه.
(٣) في (د) و (ز) و(م): عنبسة، وهو خطأ. وحديثه عند أحمد (١٧٠١٩)، ومسلم (٨٣٢)، وقد سلف
٣٧٠/٧.
(٤) في الاستذكار ١٩٧/٢، وما قبله منه.

٤٣٦
سورة الفرقان: الآية ٤٨
فوجد في لحيته بَلَلاً: إنه يجزئه أنْ يمسحَ بذلك البللِ رأسَه؛ فهؤلاء كلُّهم أجازوا
الوضوء بالماء المستعمل(١).
وروى عبد السلام بنُ صالح: حدَّثنا إسحاق بنُ سُويد، عن العلاء بنِ زياد، عن
رجل من أصحاب النبيِّ # مَرْضِيٍّ: أنَّ رسول الله # خرج عليهم ذات يوم وقد
اغتسل، وقد بقيت لُمعةٌ من جسده لم يُصبها الماء، فقلنا: يا رسولَ الله، هذه لُمعةٌ
لم يصبها الماء؛ فكان له شعرٌ وارد، فقال بشعره هكذا على المكان، فَلَّه. أخرجه
الدار قطني(٢)، وقال: عبد السلام بنُ صالح هذا بصريٌّ، وليس بقويّ، وغيرُه من
الثقات يرويه عن إسحاق، عن العلاء مرسَلاً، وهو الصواب.
قلت: الرواي الثقةُ عن إسحاق بن سويد العدويّ، عن العلاء بن زياد العدوي:
أنَّ رسول اللـهِ ﴾﴿ اغتسل ... الحديث؛ فيما ذكر هو(٣) هُشيم.
قال ابن العربي (٤): مسألة الماءِ المستعمل إنما تَنيني. على أصل آخرَ، وهو أنَّ
الآلة إذا أُدِّي بها فرضٌ؛ هل يؤدَّى بها فرضٌ آخرُ أم لا؟ فمنع ذلك المخالفُ قياساً
على الرقبة إذا أُدِّي بها فرضُ عتقٍ؛ لم يصلُح أن يتكرر(٥) في أداء فرضٍ آخر؛ وهذا
باطلٌ من القول، فإنَّ العتق إذا أَتى على الرِّقِّ أتلفه، فلا يبقى محلٌّ لأداء الفرضِ بعتقٍ
آخر. ونظيرُه من الماء ما تلف على الأعضاء، فإنه لا يصحُّ أنْ يؤدَّى به فرضٌ آخر؛
لِتلف عينِهِ حِسّاً، كما تلف الرقُّ في الرقبة بالعتق حكماً، وهذا نفيسٌ فتأمَّلوه.
العاشرة: لم يفرِّق مالكٌ وأصحابه بين الماء تقع فيه النجاسةُ وبين النجاسة يَرِد
(١) التمهيد ٤٣/٤ .
(٢) في سننه (٣٨٦) والشعر الوارد: الطويل المسترسل. القاموس (ورد).
(٣) لفظة: هو، ليست في (د) و(ز)، وفي (م): ذكره، والمثبت من (ف) و (ظ). وهو خبر لقوله: الرواي
الثقة .. ، ورواية هُشيم المرسلة هي عند الدارقطني (٣٨٧).
(٤) في أحكام القرآن ١٤٠٦/٣-١٤٠٧.
(٥) في (د): يكون، وفي (ظ) و(ف): تكون، وفي (ز): يكون.
:

٤٣٧
سورة الفرقان: الآية ٤٨
عليها الماء، راكداً كان الماءُ أو غيرَ راكد؛ لقول رسولِ الله﴾: ((الماء لا ينجِّسه
شيء، إلَّا ما غلب عليه، فغيَّر طعمَه أو لونه أو ريحه))(١).
وفرَّقت الشافعية فقالوا: إذا وردت النجاسةُ على الماء تنجَّس؛ واختاره ابنُ
العربي، وقال(٢): مِن أصول الشريعة في أحكام المياهِ أنَّ ورود النجاسة على الماء
ليس كورود الماءِ على النجاسة؛ لقول النبيِّ # في الحديث الصحيح (٣): ((إذا استيقظ
أحدُكم من نومه، فلا يَغْمسْ يده في الإناء حتى يَغْسِلَها ثلاثاً؛ فإنَّ أحدَكم لا يدري
أين باتت يدُه)). فمنع من ورود اليد على الماء، وأمر بإيراد الماءِ عليها، وهذا أصلٌ
بديع في الباب، ولولا ورودُه على النجاسة - قليلاً كان أو كثيراً - لَمَا طهرت. وقد
ثبت عن النبيِّ # أنه قال في بول الأعرابيّ في المسجد (٤): ((صُبُّوا عليه ذَنُوباً من
ماء)).
قال شيخنا أبو العباس(٥): واستدلُّوا أيضاً بحديث القُلَّتين(٦)، فقالوا: إذا كان
الماءُ دون القلتين فحلَّته نجاسة، تنجَّسَ وإن لم تغيِّره، وإن ورد ذلك القدرُ فأقَلُّ على
النجاسة فأذهب عينَها، بقي الماءُ على طهارته وأزال النجاسة. وهذه مناقضة، إذ
المخالطةُ قد حصلت في الصورتين، وتفريقهم بورود الماءِ على النجاسة وورودِها
عليه فرقٌ صوريٌّ، ليس فيه من الفقه شيء، فليس الباب بابَ التعبُّدات، بل من باب
عقلية المعاني، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامِها. ثم هذا كلَّه منهم يردُّه قولُه عليه
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٤١٢، وينظر المفهم ١/ ٥٤٤ .
(٣) قوله: في الحديث الصحيح ليس في (د) و (ز) و(م). والحديث أخرجه أحمد (٧٢٨٢)، والبخاري
(١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٠٨٢)، والبخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٤) و(٢٨٥) من حديث أنس ﴾. وأخرجه
أحمد (٧٢٥٥)، والبخاري (٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٥) في المفهم ١/ ٥٤٤ .
(٦) سلف في المسألة الثالثة.

٤٣٨
سورة الفرقان: الآية ٤٨
الصلاة والسلام: ((الماءُ طَهورٌ لا ينجِّسه شيء، إلَّا ما غيَّر لونَه أو طعمه أو ريحه)).
قلت: هذا الحديثُ أخرجه الدارقطني عن رِشدِين بن سعدٍ أبي الحجّاج، عن
معاوية بنٍ صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة الباهلي؛ وعن ثوبان، عن
النبيِّ #، وليس فيه ذِكْرُ اللون(١). وقال: لم يرفعه غيرُ رشدين بن سعد، عن معاوية
ابن صالح، وليس بالقوي(٢).
وأحسنُ منه في الاستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير، عن محمد بن
كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَدِيج، عن أبي سعيد الخدريِّ قال:
قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئرٌ يلقى فيها الحِيَضُ ولحومُ
الكلاب والنَّتْن؛ فقال رسول اللـه﴾: ((إنَّ الماء طَهورٌ لا ينجِّسه شيء)). أخرجه أبو
داود والترمذيُّ والدار قطني، كلُّهم بهذا الإسناد(٣).
وقال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن، وقد جوَّد أبو أسامة هذا الحديثَ، ولم يَروِ
أحدٌ حديثَ أبي سعيد في بئر بُضاعة أحسنَ مما روى أبو أسامة. فهذا الحديث نصٍّ
في ورود النجاسة على الماء، وقد حكم # بطهارته وطهوره.
قال أبو داود(٤): سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّمَ بئرِ بضاعةً عن عمقها؛
قلت: [ما] أكثرُ ما يكون الماءُ فيها؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون
العورة. قال أبو داود: وقدَّرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضُها
ستةُ أذرع، وسألت الذي فتح لي بابَ البستان فأدخلني إليه: هل غُيِّر بناؤها عما
كانت عليه؟ فقال: لا. ورأيت فيها ماءً متغيرَ اللون.
(١) سنن الدارقطني (٤٥)، (٤٧). وأخرجه ابن ماجه (٥٢١) من حديث أبي أمامة ﴾، وفيه ذكر اللون.
قال البوصيري في الزوائد ١٣١/١: فيه رشدين، وهو ضعيف، واختلف عليه مع ضعفه.
(٢) وقال الدار قطني بعده: والصواب من قول راشد، وقد أخرجه عنه برقم (٤٦).
(٣) سنن أبي داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والدارقطني (٥٤). وسلف في المسألة الثالثة.
(٤) إثر الحديث (٦٧). ونقله المصنف عنه بواسطة أحكام القرآن لابن العربي ١٤١١/٣-١٤١٢، وما
سیرد بین حاصرتین منه.

٤٣٩
سورة الفرقان: الآية ٤٨
فكان هذا دليلاً لنا على ما ذكرناه، غير أنَّ ابن العربيِّ قال: إنها في وسط
السَّبَخة(١)، فماؤها يكون متغيراً من قرارها، والله أعلم.
الحادية عشرة: الماء الطاهر المطهّرُ الذي يجوز به الوضوءُ وغَسلُ النجاسات هو
الماء القَرَاحُ الصافي، من ماء السماء والأنهارِ والبحار والعيون والآبار، وما عرَفه
الناسُ ماءً مطلقاً غيرَ مضافٍ إلى شيءٍ خالطه؛ كما خلقه اللهُ عزَّ وجلَّ صافياً، ولا
يضرُّه لونُ أرضه(٢)، على ما بيَّنَاه.
وخالف في هذه الجملةِ أبو حنيفة وعبد الله بنُ عمرو وعبد الله بنُ عمر، فأما أبو
حنيفة فأجاز الوضوءَ بالنبيذ في السفر (٣)، وجوَّز إزالةَ النجاسة بكل مائعٍ طاهر. فأمَّا
بالدُّهن والمَرَق، فعنه روايةٌ أنه لا يجوز إزالتُها به. إلَّا أنَّ أصحابه يقولون: إذا زالت
النجاسةُ به جاز. وكذلك عنده النارُ والشمس؛ حتى إنَّ جلد الميتة إذا جفَّ في
الشمس طَهُر من غير دباغ. وكذلك النجاسةُ على الأرض إذا جفَّت بالشمس، فإنه
يطهر ذلك الموضع، بحيث تجوز الصلاةُ عليه، ولكن لا يجوز التيممُ بذلك
التراب(٤).
قال ابن العربي(٥): لمَّا وصف اللهُ سبحانه الماءَ بأنه طَهور، وامتنَّ بإنزاله من
السماء ليطهِّرَنا به، دلَّ على اختصاصه بذلك؛ وكذلك قال عليه الصلاة والسلام
(١) السبخة: الأرض ذات النزِّ والملح. القاموس (سبخ).
(٢) الكافي ١/ ١٥٥ .
(٣) وقد رُويّ عنه أنه قد رجع عن ذلك. وعند محمد لابد من الجمع بينه وبين التيمم، وقال أبو يوسف:
يتيمم ولا يتوضأ به، وهو المفتى به. ينظر الجامع الصغير ص ٥٥، والمبسوط ٨٨/١ ، ومجمع الأنهر
٢٤/١، وحاشية ابن عابدين ١/ ١٨١. وفي بدائع الصنائع ١٦٨/١: ذكر في الجامع الصغير أن المسافر
إذا لم يجد الماء ووجد نبيذ التمر توضأ به ولم يتيمم. اهـ. ولم نقف على تقييده بالسفر عند غيره.
(٤) ينظر البناية شرح الهداية ٧٠٩/١-٧١٠، ٧٣٢، ٧٢٨ .
(٥) في أحكام القرآن ١٤٠٩/٣، ١٤١٠.

٤٤٠
سورة الفرقان: الآية ٤٨
لأسماء بنتِ الصِّدِّيق حين سألته عن دم الحيضِ يصيب الثوب (١): ((حُتِّيه ثم اقرُصيه،
ثم اغسليه بالماء)». فلذلك لم يُلحِق غيرَ الماء بالماء؛ لِمَا في ذلك من إبطال الامتنان،
وليست النجاسة معنىَ(٢) محسوساً حتى يقال: كلُّ ما أزالها فقد قام به الفرض، وإنما
النجاسةُ حكمٌ شرعيٍّ عيَّن له صاحبُ الشرع الماءَ؛ فلا يَلحَق به غیرُه؛ إذ ليس في
معناه، ولأنه لو لحق به لأسقطه، والفرع إذا عاد إلحاقُه بالأصل في إسقاطه(٣) سقط
في نفسه. وقد كان تاجُ السُّنة ذو العِزِّ ابنُ المرتضى(٤) الدبوسي يسمِّيه فرخَ زنى.
قلت: وأما ما استُدِلَّ به على استعمال النبيذ، فأحاديثُ واهيةٌ ضِعَاف، لا يقوم
شيءٌ منها على ساق؛ ذكرها الدارقطني وضعَّفها ونصَّ عليها(٥). وكذلك ضعَّف ما
رَوَى عن ابن عباس موقوفاً: ((النبيذ وضوءُ من(٦) لم يجد الماء)). في طريقه ابنُ
محرَّر(٧)، متروكُ الحديث. وكذلك ما رَوَى عن عليٍّ أنه قال: لا بأس بالوضوء
بالنبيذ. الحجّاج وأبو ليلى ضعيفان(٨). وضعَف حديثَ ابنِ مسعود(٩)، وقال: تفرَّد به
ابنُ لهيعة، وهو ضعيفُ الحديث. وذكر عن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن
مسعود: أَشَهِدَ رسولَ اللـه # أحدٌ منكم ليلةَ أتاه داعي الجِنّ؟ فقال: لا. قال
(١) أخرجه الشافعي في المسند (٤٦) عن سفيان بن عيينة، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء
رضي الله عنها. وأخرجه أحمد (٢٦٩٢٠)، والبخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١) من طرق عن هشام، عن
فاطمة، عن أسماء قال: أتت النبيَّ # امرأةٌ فقالت ... قال ابن حجر في الفتح ٣٣١/١: رواية الشافعي
صحیحة الإسناد، ولا بعد في أن یبهم الراوي اسم نفسه.
(٢) في النسخ الخطية: عيناً، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
(٣) في (ف): في الإسقاط، وفي أحكام القرآن: بالإسقاط.
(٤) في النسخ الخطية: ذو العزيز المرتضى.
(٥) في السنن ١٢٦/١ فما بعد.
(٦) في (م): لمن.
(٧) في النسخ: محرز، وهو خطأ. والمثبت من سنن الدارقطني.
(٨) سنن الدارقطني (٢٤١) و(٢٥٤) و(٢٥٥).
(٩) سنن الدار قطني (٢٤٤)، وأخرجه أحمد (٣٧٨٢)، وابن ماجه (٣٨٥).