النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة النور: الآية ٦٠ يَرَوْا منكنَّ مُحرَّماً (١). وقال عطاء: هذا في بيوتهنّ، فإذا خرجت فلا يحلُّ لها وضع الجلباب. وعلى هذا: ((غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ)) غير خارجات من بيوتهن. وعلى هذا يلزم أن يقال: إذا كانت في بيتها فلابدَّ لها من جلباب فوق الدِّرع. وهذا بعيد، إلا إذا دخل عليها أجنبيّ. ثم ذكر تعالى أنَّ تحفّظ الجميع منهنَّ، واستعفافَهنَّ عن وضع الثياب، والتزامَهنَّ ما يَلْزَم الشبابَ أفضلُ لهنَّ وخير. وقرأ ابن مسعود: ((وأن يَعْفِفْنَ)) بغير سين (٢). ثم قيل: من التبرُّج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يَصِفانها(٣). روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سِيَاط كأذناب البَقَر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسُهن كأَسْنِمة البُخْتِ المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدنَ ریحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا))(٤). قال ابن العربي(٥): وإنما جعلهنَّ كاسياتٍ لأن الثياب عليهنَّ، وإنما وصفهنَّ بأنهنَّ عاريات؛ لأن الثوب إذا رقَّ يصفهنَّ، ويُبدي محاسنهنَّ، وذلك حرام. قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى. والثاني: أنهنَّ كاسياتٌ من الثياب، عارِياتٌ من لباس التَّقْوَى الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَاسُ اَلنَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٦) [الأعراف: ٢٦]. وأنشدوا: (١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٤٢/٨ (١٤٨٤٩) عن أم الضياء أنها دخلت على عائشة، فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين ... (٢) في (م): يتعففن، ولم تجوَّد في (د)، والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٩٥/٤ والكلام منه، والقراءات الشاذة ص ١٠١ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٨٩/٣. (٤) صحيح مسلم (٢١٢٨)، وهو عند أحمد (٨٦٦٥). والبُخْت - وسيأتي شرحها عند المصنف - : ضرب من الإبل، عظام الأجسام، عظام الأسنمة. (٥) في أحكام القرآن ١٣٨٩/٣ . (٦) المفهم ٥/ ٤٥٠ . ٣٤٢ سورة النور: الآية ٦٠ تقلّب عُزياناً وإن كان كاسِيا إذا المرءُ لم يلبس ثياباً من الثُّقَى ولا خيرَ فيمن كان لِله عاصِياً (١) وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربِّه وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي سعيد الخُدْريِّ قال: قال رسول الله ﴾: ((بينا أنا نائمٌ رأيت الناس يُعْرَضون عليَّ وعليهم قُمُص؛ منها ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومنها ما دون ذلك، ومرَّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجرُّه)) قالوا: ماذا أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: ((الدِّين))(٢). فتأويلُه# القميصَ بالدِّين مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَلِمَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. والعرب تُكَنِّي عن الفضل والعفاف بالثياب، كما قال شاعرهم: ثيابُ بني عَوْفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌ (٣) وقد قال لعثمان: ((إن الله سيُلْبِسك قميصاً، فإن أرادوك أن تخلعه، فلا تخلعه))(٤). فعبّر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنةٌ معروفة(٥). قلت: هذا التأويل أصحُ التأويلين، وهو اللائق بهنَّ في هذه الأزمان، وخاصَّةً الشباب، فإنهنَّ يتزيَّنَّ ويَخْرُجنَ متبرِّجات، فهنَّ كاسياتٌ بالثياب، عارياتٌ من التَّقْوَى حقيقةً، ظاهراً وباطناً، حيث تُبْدِي زينتها، ولا تُبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك مقصودُهنَّ، وذلك مشاهدٌ في الوجود منهنَّ، فلو كان عندهنَّ شيءٌ من التَّقوى لمَا فعلن ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك. وممَّا يقوِّي هذا التأويل ما ذُكر من وصفهنَّ في بقيَّة الحديث في قوله: ((رؤوسُهنَّ كأسنمة البُخْت)). والبُخْت ضربٌ من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة، شبَّه رؤوسهنَّ بها لما رفعن من ضفائر شعورهنَّ على أوساط رؤوسهنَّ [تزيُّناً وتصُّعاً](٦). (١) البيت الأول لأبي العتاهية، وسلف البيتان ٩/ ١٨٥. (٢) صحيح مسلم (٢٣٩٠)، وهو عند أحمد (١١٨١٤)، والبخاري (٢٣). (٣) صدر بيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٨٣ ، وعجزه: وأوجُههم عند المشاهد غُرَّانُ. (٤) أخرجه أحمد (٢٤٥٦٦)، وابن حبان (٦٩١٥) مطولاً من حديث عائشة رضي الله عنها. (٥) المفهم ٦/ ٢٥٣ . (٦) المفهم ٥/ ٤٥٠ وما بين حاصرتين منه. ٣٤٣ سورة النور: الآيتان ٦٠ - ٦١ وهذا مشاهَد معلوم، والناظرُ إليهنَّ ملوم. قال ﴿: ((ما تركتُ بعدي فتنةٌ أضرَّ على الرجال من النساء)». خرَّجه البخاري(١). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ مَابَآبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُنَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَعْمَئِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ عَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ هَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ، أَوْ صَدِيقِكٌّ لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُوْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانَأْ فَإِذَا دَخَلْتُم مُنَّا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةُ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ اُلْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فيه إحدى عشرةَ مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿لَّْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ اختلف العلماءُ في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية: أقربها: هل هي منسوخةٌ، أو ناسخة، أو مُحْكَمة؛ فهذه ثلاثة أقوال : الأول: أنها منسوخةٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية؛ قاله عبد الرحمن بن زيد، قال: هذا شيءٌ قد انقطع، كانوا في أول الإسلام ليس على أبوابهم أَغلاقٌ، فكانت السُّتورُ مُرْخَاةً، فربما جاء الرَّجلُ فدخَل البيتَ وهو جائع وليس فيه أحدٌ؛ فسوَغ اللهُ عزَّ وجلَّ أن يأكلَ منه، ثم صارت الأغلاقُ على البيوت، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يفتحها، فذهب هذا وانقطع(٢). قال #: ((لا يَحْتَلِيَنَّ أحدٌ ماشيةً أحدٍ إلا بإذنه)) الحديث. خرَّجهُ الأئمةُ(٣). (١) برقم (٥٠٩٦)، وهو عند أحمد (٢١٧٤٦) و(٢١٨٢٩)، ومسلم (٢٧٤٠) من حديث أسامة بن زيد ﴾. (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٥٩/٢، وأخرج هذا الأثر الطبري في تفسيره ٣٦٩/١٧ ، وابن أبي حاتم ٢٦٤٦/٨ (١٤٨٧٤)، وذكره مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ص٣٦٩. (٣) أخرجه الإمام أحمد (٤٤٧١)، والبخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وسلف ٤/ ٤٧٣ . ٣٤٤ سورة النور: الآية ٦١ الثاني: أنها ناسخةٌ؛ قاله جماعة. روى عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: لمَّا أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ﴾ [النساء: ٢٩] قال المسلمون: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد نهانا أن نأكل أموالَنا بيننا بالباطل، وإنَّ الطعامَ من أفضل الأموال، فلا يَحِلُّ لأحدٍ منَّا أن يأكلَ عند أحدٍ، فكفَّ الناسُ عن ذلكَ؛ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ قال: هو الرجلُ يوكِّل الرجل بضيعته(١). قلت: عليُّ بن أبي طلحة هذا هو مولى بني هاشم، سكّن الشامَ، يُكْنَى أبا الحسن، ويقال: أبا محمد، واسمُ أبيه أبي طلحة: سالمٌ، تُكلِّم في تفسيره؛ فقيل: إنه لم يَرَ ابنَ عباس(٢)، واللهُ أعلم. الثالث: أنها محكمة؛ قاله جماعةٌ من أهل العلم ممن يُقْتَدَى بقولهم؛ منهم سعيدٌ ابن المسيِّب، وعبيدُ اللهِ بن عبد الله بن عتبة بن مسعود(٣). وروى الزُّهْرِيُّ، عن عروةً، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يُوعِبُون في النَّفِير مع رسول اللـه ﴾، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضَمناهم، ويقولون: إن احتجتم فكُلُوا؛ فكانوا يقولون: إنما أحلُّوه لنا عن غيرِ طِيبٍ نَفْسٍ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٤). (١) في (ظ): بصنعته. وضيعة الرجل ما يكون منها معاشه، كالصنعة والتجارة والزراعة ... ينظر ((النهاية)) (ضيع). والأثر أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٦٠ ، وأبو عبيد الهروي في الناسخ والمنسوخ (٤٤٣) والطبري في تفسيره ٣٦٦/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٤٨/٨ (١٤٨٨٦)، وأخرجه البيهقي ٧/ ٢٧٤-٢٧٥ من طريق عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٩٠ وما بعدها، بنحوه. (٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٦٤/٢ . (٤) أخرجه البزار (٢٢٤١) (زوائد)، وابن أبي حاتم ٢٦٤٦/٨ (١٤٨٧٥)، والنحاس في الناسخ = ٣٤٥ سورة النور: الآية ٦١ قال النحاس(١): ((يُوعِبون)) أي: يَخرجون بأجمعهم في المغازي؛ يقال: أوْعَب بنو فلانٍ لبني فلان، إذا جاؤوهم بأجمعهم. وقال ابن السكيت: يقال: أوْعب بنو فلان جلاءً؛ فلم يَبْقَ ببلدهم منهم أحدٌ. وجاء الفرسُ برَكْضٍ وَعِيبٍ، أي: بأقصى ما عنده(٢). وفي الحديث: ((في الأنف إذا استُوعِبَ جَدْعُه الدِّيَةُ)): إذا لم يُتْرَك منه شيء. واستيعاب الشيء: استئصالُهُ(٢). ويقال: بَيْتٌ وَعِيبٌ: إذا كان واسعاً يَسْتَوْعِبُ كلَّ ما جُعِل فيه. والضَّمْنَى هم الزَّمْنَى، واحدُهم ضَمِن؛ مثل زَمِن. قال النحاس(٣): وهذا القولُ من أَجَلِّ ما رُويَ في الآية؛ لِما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أنَّ الآيةَ نزلت في شيءٍ بعينه. قال ابن العربي(٤): وهذا كلامٌ منتظم لأجلٍ تخلَّفِهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم، لكن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ قد اقتضاه(٥)؛ فكان هذا القولُ بعيداً جداً، لكن المختار أن يقال: إن اللهَ رفَع الحَرَجَ عن الأعمى فيما يتعلَّق بالتكليف الذي يُشترط فيه البَصَرُ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي؛ وما يتعذّر من الأفعال مع وجود العَرَج، وعن المريض فيما يُؤثِّر المرضُ في إسقاطه، كالصوم وشروطِ الصلاة وأركانها، والجهادِ ونحو ذلك. ثم قال [تعالى] بعد ذلك مبيّناً: ولیس علیکم حرج في أن تأكلوا من بیوتکم. فهذا معنی صحیحٌ، وتفسیرٌ مبينٌ(٦) مفيد، يَعْضُده الشرع والعقلُ، ولا يَحتاج في تفسير الآية إلى نقل. = والمنسوخ ٥٦٥/٢ . قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا صالح. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٨٣ - ٨٤: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (١) في الناسخ والمنسوخ ٥٦٦/٢ . (٢) الصحاح (وعب)، والحديث أخرجه البزار (١٥٣١) (زوائد) من حديث عمر ﴾؛ قال البزار: لا نعلمه عن عمر إلا بهذا الإسناد ... ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٦/٦: رواه البزار، وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات. (٣) في الناسخ والمنسوخ ٥٦٦/٢، وما قبله منه. (٤) في أحكام القرآن ١٣٩٢/٣ -١٣٩٣، وما بين حاصرتين منه. (٥) في (د): هذا مقتضاه. (٦) في (م): بيِّنْ . ٣٤٦ سورة النور: الآية ٦١ قلت: وإلى هذا أشار ابن عطية (١)، فقال: فظاهرُ الآية وأمرُ الشريعة يدلُّ على أن الحَرجَ عنهم مرفوعٌ في كلِّ ما يضطرهم إليه العذرُ، وتقتضي نيتهم فيه الإتيان بالأكمل، ويقتضي العذر أن يَقَعَ منهم الأنقصُ؛ فالحرج مرفوع(٢) عنهم في هذا. فأما ما قال الناس في هذا الحرج هنا، وهي: الثانية: فقال ابن زيد: هو الحَرجُ في الغزو، أي: لا حَرَجَ عليهم في تأخّرِهم، وقوله تعالى: (وَلَا عَلى أَنْفُسِكُمْ)) الآية، معنَى مقطوع من الأوَّل(٣). وقالت فرقةٌ: الآية كلُّها في معنى المطاعم. قالت: وكانت العرب ومَن بالمدينة قبل المَبْعث تَتَجَّب الأكلَ مع أهل الأعذار؛ فبعضُهم كان يفعلُ ذلك تقَذُّراً، لجَوَلانِ اليدِ من الأعمى، ولانبساط الجِلسةِ من الأعرج، ولرائحةِ المريض وعلَّاته؛ وهي أخلاقٌ جاهلية وكبرٌ، فنزلت الآية مؤدِّبة(٤). وبعضُهم كان يَفعل ذلك تحرُّجاً من عين(٥) أهل الأعذارِ، إذ هم مقصرون(٦) عن درجة الأصحاء في الأكل؛ لعدم الرؤية في الأعمى، وللعجز عن المُزاحمة في الأعرج، ولضعف المريض؛ فنزلت الآيةُ في إياحة الأكل معهم. وقال ابنُ عباس في كتاب الزَّهْرَاويِّ: إن أهلَ الأعذار تَحَرَّجوا في الأكل مع الناس(٧) من أجل عُذرهم؛ فنزَلت الآيةُ مبيحةً لهم. وقيل: کان الرجل إذا ساق أهل العذر إلی بیته فلم يجد فيه شيئاً ذهب به إلى (١) في المحرر الوجيز ١٩٥/٤ - ١٩٦. (٢) في (ظ): مدفوع. (٣) الناسخ والمنسوخ ٥٦٦/٢، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٦٩/١٧. (٤) في (ف) و(م): مؤذنة، وفي المحرر الوجيز ١٩٥/٤ مؤيدة. والمثبت من (د) و(ظ). (٥) في (م): غير، وفي المحرر الوجيز: غين. والمثبت من (ظ) و(ف). (٦) في (ظ): مقصورون. (٧) في (ظ): الأصحاء . ٣٤٧ سورة النور: الآية ٦١ بيوت قرابته؛ فتحرَّج أهلُ الأعذار من ذلك؛ فنزلت الآية (١). الثالثة: قولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ هذا ابتداء كلام؛ أي: ولا عليكم أيها الناس، ولكن لمَّا اجتمع المخاطَب وغيرُ المخاطب، غُلِّب المخاطبُ لينتظمَ الكلامُ(٢). وذَكّر بيوتَ القرابات وسقط منها بيوتُ الأبناء؛ فقال المفسرون: ذلك لأنها داخلةٌ في قوله: ﴿مِّنْ يُوتِكُمْ﴾ لأن بيت ابن الرجل بيتُه(٣)؛ وفي الخبر: ((أنت ومالُكَ لأبيك)»(٤)، ولأنه ذكر الأقرباء بعدُ ولم يذكر الأولادَ. قال النحاس(٥): وعارَض بعضُهم هذا القولَ، فقال: هذا تحكّمٌ على كتاب اللهِ تعالى؛ بل الأَولى في الظاهر ألَّا يكون الابنُ مخالفاً لهؤلاء، وليس الاحتجاجُ بما رُوي عن النبيِّ #: ((أنت ومالك لأبيك)) بقوِيٌّ، لِوَهاء(٦) هذا الحديثِ، وأنه لو صحَّ لم تكن فيه حجة؛ إذ قد يكون النبيُّ ﴿ عَلِمَ أنَّ مالَ ذلك المخاطب لأبيه. وقد قيل: إن معناه(٧): أنت لأبيك، ومالُكَ مبتدأ؛ أي: ومالك لك. والقاطعُ لهذا التوارثُ بين الأب والابن. وقال الترمذيُّ الحكيم(٨): ووجهُ قوله تعالى: ﴿وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُواْ مِنْ (١) المحرر الوجيز ١٩٦/٤، وهو في تفسير مجاهد ٤٤٤/٢، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٤، والطبري في تفسيره ٣٦٨/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٤٥/٨ (١٤٨٦٩-١٤٨٧٠) من قوله. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٩١/٣ . (٣) المحرر الوجيز ١٩٦/٤ . (٤) أخرجه الإمام أحمد (٦٦٧٨)، وأبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، وأخرجه ابن ماجه أيضاً (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله. (٥) في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٦١- ٥٦٣ . (٦) جاءت العبارة في (ظ): تقوى لهذا، وفي (م): بقوي لَوْهي، والمثبت من (ف)، والناسخ والمنسوخ. (٧) في (م): المعنى، وفي (د) و(ظ) و(ف): معنى. والمثبت من الناسخ والمنسوخ. (٨) لم نقف على قوله . ٣٤٨ سورة النور: الآية ٦١ بُيُوتِكُمْ﴾ كأنه يقول: مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم، فيكون للأهل(١) والولد هناك شيءٌ قد أفادهم هذا الرجلُ الذي له المسكن، فليس عليه حَرَج أن يأكل معهم من ذلك القُوت، أو يكون للزوجة والولد هناك شيءٌ من ملكهم، فليس عليه في ذلك حرج. الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُنَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَيْكُمْ﴾ قال بعض العلماء: هذا إذا أَذِنوا له في ذلك(٢). وقال آخرون: أَذِنوا له أوْ لم يأذنوا، فَلَه أن يأكلَ؛ لأن القرابةَ التي بينهم هي إذنٌّ منهم؛ وذلك لأن في تلك القرابة عَظْفاً تَسمَحُ النفوسُ منهم بذلك العطفِ أن يأكل هذا من شيئهم، ويُسَرُّوا بذلك إذا علموا(٣). ابن العربي(٤): أباح لنا الأكلَ من جهة النَّسب من غير استئذانٍ، إذا كان الطعامُ مبذولاً، فإذا كان مُحرزاً (٥) دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا(٦) إلى الادِّخار، ولا إلى ما ليس بمأكولٍ وإن كان غير مُخْرَزٍ (٧) عنهم إلا بإذنٍ منهم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ يعني مما اختَزَنتم وصار في قَبضتكم، وعُظْمُ ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غَلَقه؛ وذلك هو تأويل الضحاك (١) في (د) و(ظ): الأهل . (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٤٨/٣ بنحوه. (٣) أحكام القرآن للجصاص ٣٣٥/٣، وتفسير أبي الليث ٤٤٩/٢ - ٤٥٠، وتفسير الرازي ٣٦/٢٤ بنحوه . (٤) في أحكام القرآن ١٣٩١/٣. (٥) في (ظ): محروزاً، وفي (ف): محوزاً . (٦) في (د): يُجاوز، وفي (ظ): يتجاوز. (٧) في (ظ): محروز، وفي (ف): محوز. ٣٤٩ سورة النور: الآية ٦١ وقتادة ومجاهد (١). وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيدُ والأُجَراء(٢). قال ابن عباس: عنى وكيلَ الرجلِ على ضيعته، وخازنَه على ماله؛ فيجوز له أن يأكل مما هو قَيِّمٌ عليه(٣). وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة قال: إذا ملك الرجلُ المفتاحَ، فهو خازنٌ، فلا بأسَ أن يَطْعَم الشيءَ اليسيرَ(٤). ابن العربي(٥): وللخازن أن يأكل مما يخزُن إجماعاً؛ وهذا إذا لم تكن له أجرة، فأما إن كانت له أجرة على الخَزْن حَرُم عليه الأكلُ. وقرأ سعيدُ بن جُبير: ((مُلِّكْتُمْ)) بضم الميم، وكسرِ اللام وشدِّها(٦). وقرَأ أيضاً: ((مفاتيحه)) بياء بين التاء والحاء، جمع مفتاح(٧)؛ وقد مضى في ((الأنعام)»(٨). وقرأ قتادة: ((مفتاحه)) على الإفراد (٩). وقال ابن عباس: نزلت هذه الآيةُ في الحارث بن عمرو، خرَج مع رسول الله ﴾ غازِياً، وخلّف مالكَ بنَ زيد على أهله، فلمَّا رجع وَجَده مجهوداً، فسأله عن حاله، فقال: تحرَّجتُ أن آكل من طعامك بغير إذنك؛ فأنزل اللهُ تعالى هذه الآيةَ(١٠). (١) أخرج أقوالهم الطبري في تفسيره ٣٧١/١٧، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٤ عن قتادة، وابن أبي حاتم ٢٦٤٧/٨ (١٤٨٧٨) عن الضحاك و(١٤٨٧٩) عن قتادة. (٢) المحرر الوجيز ١٩٦/٤ وما قبله منه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٩١/٣، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٧/ ٣٧٠ . (٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٥ عن معمر، به. وأخرجه الطبري في تفسيره ١٧/ ٣٧٤ ، وابن أبي حاتم ٢٦٤٨/٨ (١٤٨٨٤) من قول قتادة . (٥) في أحكام القرآن ١٣٩٤/٣. (٦) القراءات الشاذة ص١٠٣. (٧) المحرر الوجيز ١٩٦/٤ . (٨) ٨/ ٤٠١ . (٩) القراءات الشاذة ص ١٫٠٣م، والمحتسب ١١٦/٢. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٤٨/٨ (١٤٨٨٥) عن مقاتل بن حيان بأطول منه. ٣٥٠ سورة النور: الآية ٦١ السادسة: قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌ﴾ الصديق بمعنى الجمع، وكذلك العدوُّ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ◌ِ﴾ [الشعراء: ٧٧]. وقال جرير: دعَوْن الهوَى ثم ارْتَمَيْنَ قلوبَنا بأسهم أعداء وهنَّ صدِيقُ(١) والصديق مَن يَصْدقك في مودَّته وتَصْدُقه في مودَّتك. ثم قيل: إن هذا منسوخٌ بقوله: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَدْخُلُوهَا﴾ الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحلّ مالُ امرئٍ مسلم إلا بطيبة نفس منه))(٢). وقيل: هي محكمة (٣)؛ وهو أصحُ. ذكر محمد بن ثَوْر، عن مَعْمَر قال: دخلتُ بيتَ قتادة، فأبصرت فيه رُطَباً، فجعلتُ آكله؛ فقال: ما هذا؟ قلت: أبصرت رطباً في بيتك فأكلتُ؛ قال: أحسنتَ، قال الله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌّ﴾(٤). وذكر عبدُ الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله: ((أَوْ صَدِيقِكُمْ)) قال: إذا دخلتَ بيتَ صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس. وقال معمر: قلت لقتادة: أَلا أشرب من هذا الحُبِّ؟ قال: أنتَ لي صديق، فما هذا الاستئذان؟!(٥). وكان# يدخلُ حائطَ أبي طلحة المسمَّى بـ: بَيْرَحا، ويشربُ من ماءٍ فيها (١) النكت والعيون ١٢٤/٤، والبيت في ديوان جرير ٣٧٢/١، وهو أيضاً في ديوان نُصيب بن رباح ص١٠٩، وفيه: بأعين أعداء . بدل: بأسهم أعداء . (٢) النكت والعيون ١٢٥/٤، والمحرر الوجيز ١٩٦/٤، والحديث أخرجه أحمد (١٥٤٨٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٧٩)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٣٣٢/١ من حديث عمرو بن يثربي الضمري. وأخرجه أيضاً الإمام أحمد (٢٠٦٩٥) من حديث عمّ أبي حُرَّة الرقاشي. وأخرجه أيضاً الدار قطني (٢٨٨١) من حديث ابن عباس. (٣) كما ذكر النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٦٤/٢، ومكي في الإيضاح ص ٣٧٠ . (٤) التمهيد ٢٠٢/١ . (٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٤-٦٥، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٧٤/١٧. قوله: الحُبّ، أي: الجرة، أو الضخمة منها. القاموس (حبب). ٣٥١ سورة النور: الآية ٦١ طيِّبٍ(١)، بغير إذنه، على ما قاله علماؤنا؛ قالوا: والماء متملَّكٌ لأهله، وإذا جاز الشربُ من ماء الصديق بغير إذنه، جاز الأكلُ من ثماره وطعامه إذا علم أن نَفْسَ صاحبه تطيبُ به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لِما بينهما من المَودَّة(٢). ومن هذا المعنى: إطعامُ أمِّ حَرامٍ له# إذ نام عندها(٣)؛ لأن الأغلبَ أنَّ ما في البيت من الطعام هو للرجل، وأن يدَ زوجته في ذلك عارِيَة، وهذا كلُّه ما لم يتخذ الأكل خُبْنة(٤)، ولم يقصد بذلك وقاية ماله، وكان تافهاً يسيراً (٥). السابعة: قَرَن اللهُ عزَّ وجلَّ في هذه الآية الصديقَ بالقرابة المَخْضة الوكيدة؛ لأن قُرب المودَّة لَصِيق. قال ابنُ عباس في كتاب النّقَّاش: الصديق أَوْكد من القرابة؛ ألا ترى استغاثة الجَهَنمِيِّين: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ. وَلَا صَدِقٍ حِيمٍ﴾(٦) [الشعراء: ١٠٠-١٠١]. قلت: ولهذا لا تجوز عندنا شهادةُ الصديق لصديقه، كما لا تجوز شهادةُ القريب لقريبه(٧). وقد مضى بيانُ هذا والعلةُ فيه في ((النساء))(٨)، وفي المَثَل: أيُّهم أحبُّ إليكَ أخوك أمْ صديقُك؟ قال: أخي إذا كان صديقي(٩). (١) أخرجه الإمام أحمد (١٢٤٣٨)، والبخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨) من حديث أنس بن مالك ﴾، وسلف ١٩٩/٥ . (٢) التمهيد ١/ ٢٠١ بنحوه . (٣) أخرجه البخاري (٢٧٨٨-٢٧٨٩)، ومسلم (١٩١٢)، وهو عند أحمد (٢٧٠٣٢) من حديث أنس بن مالك، ولفظه: كان رسول الله ﴿ يَدخل على أُمَّ حَرَام بِنْتِ مِلحان فتطعمه، وكانت أمُّ حَرام تحت عبادة ابن الصامت، فدخل عليها رسول الله# فأطعمته، وجعلت تُفْلي رأسه، فنام رسول الله # ثم استيقظ وهو يضحك ... الحديث. وسلفت قطعة منه ٢١٩/١ . قال ابنُ عبد البر في التمهيد ٢٢٦/١: أمُّ حرام هذه خالةُ أنس بن مالك، أخت أم سليم بنت ملحان أم أنس، وأظنها أرضعت رسول الله ﴾، أو أم سليم أرضعت رسولَ الله ﴾، فحصلت أم حرام خالة له من الرضاعة فلذلك كانت تفلي رأسه وينام عندها، وكذلك كان ينام عند أم سليم . (٤) أي يأكل من طعام صديقه ويُخبّئ طعامه إلى وقت الشِّدَّة. اللسان: (خبن). (٥) التمهيد ٢٢٨/١ و٢٣٢. (٦) المحرر الوجيز ١٩٦/٤، والنكت والعيون ١٢٤/٤ بنحوه. (٧) عقد الجواهر الثمينة ١٤٤/٣ . (٨) ١٧٣/٧ وما بعدها. (٩) ذكره ابنُ قتيبة في عيون الأخبار ٦/٣، وابن عبد ربه في العقد الفريد ٣١٣/٢ ونسباه لبُزرجمهر، = ٣٥٢ سورة النور: الآية ٦١ الثامنة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاً﴾ قيل: إنها نَزَلت في بني ليث بن بكر، وهم حيٍّ من بني كِنانة، كان الرجلُ منهم لا يَأْكل وحدَه، وَيمكُثُ أياماً جائعاً حتى يَجِدَ من يُؤاكله(١). ومنه قولُ بعض الشعراء: إذا ما صَنَعتِ الزَّادَ فالتمسي له أَكِيلاً فإني لستُ آكِلَه وَحْدي(٢) قال ابن عطية: وكانت هذه السيرةُ موروثةً عندهم عن إبراهيم/، فإنه كان لا يأكل وحده(٣). وكان بعضُ العرب إذا كان له ضيفٌ لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه؛ فنزلت الآيةُ مبيِّنة سُنَّةَ الأكل، ومذهبةً كلَّ ما خالفها من سيرة العرب، ومبيحةً من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرَّماً، نَحَتْ به نَحْوَ كَرَم الخُلق، فأفرطت في إلزامه، وإن إحضار الأَكيل لحَسَنٌ، ولكن بألا يحرم الانفراد (٤). التاسعة: قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ ((جميعاً)) نصب على الحال(٥). و((أَشْتَاتا)) جمع شَتِّ، والشَّتُّ المصدر بمعنى التفرُّق(٦)؛ يقال: شتَّ القومُ، أي: تفرَّقوا. وقد ترجم البخاريُّ في ((صحيحه)): باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ = ونسبه ابن عبد البر في بهجة المجالس ٦٨٩/٢ لعبد الحميد الكاتب، وذكره ابن العربي ١٣٩٤/٣ دون نسبة. (١) أخرجه عبد الرزاق ٦٥/٢ عن قتادة، والطبري في تفسيره ١٧/ ٣٧٦ عن قتادة والضحاك، وابن أبي حاتم ٢٦٤٩/٨ (١٤٨٨٨) عن قتادة، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٤٤ عنهما. (٢) هو في البيان والتبيين ٣١٠/٣، وعيون الأخبار ٢٦٣/٣، وديوان الحماسة شرح المرزوقي ١٦٦٨/٤، والمحرر الوجيز ١٩٦/٤ دون نسبة، وهو منسوب في الكامل للمبرد ٧٠٩/٢، والأغاني ١٤ / ٧١ لقيس بن عاصم المنقري، ونسبه التبريزي في شرح الحماسة ٤/ ١٠٠ لحاتم الطائي. (٣) هذه العبارة هي في أحكام القرآن لابن العربي ١٣٩٤/٣، وكلام ابن عطية هو الآتي بعده . (٤) المحرر الوجيز ١٩٦/٤. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٤٩/٣. (٦) الوسيط ٣٣٠/٣، والرازي ٢٤/ ٣٧، وبنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤/ ٥٤ . ٣٥٣ سورة النور: الآية ٦١ حَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ الآية، والنِّهدِ والاجتماع [على الطعام](١). ومقصودُه فيما قاله علماؤنا في هذا الباب: إباحةُ الأكلِ جميعاً وإن اختلفت أحوالهم في الأكل. وقد سوَّغ النبيُّ :﴿ ذلك، فصارت تلك سنَّةً في الجماعات التي تُدعى إلى الطعام في النِّهد والولائم وفي الإملاق في السفر. وما ملكتَ مفاتحه بأمانةٍ أو قَرَابةٍ أو صداقة، فلَك أن تأكلَ مع القريب أو الصديق وَوَحدَك. والنّهد: ما يَجمعه الرُّفقاءُ من مالٍ أو طعام على قدرٍ في النفقة ينفقونه بينهم؛ وقد تَنَاهدوا(٢)؛ عن صاحب العين. وقال ابن دُرَيد(٣): يقال من ذلك: تَنَاهَد القومُ الشيءَ بينهم. الهَرَوِيُّ: وفي حديث الحَسَن: ((أَخرِجوا نِهْدَكم، فإنه أعظمُ للبركة وأحسن لأخلاقكم)). النِّهد: ما تُخرجه الرُّفقة عند المناهدة؛ وهو استقسام النفقةِ بالسَّويّة في السفر وغيره(٤). والعرب تقول: هات نِهْدَك؛ بكسر النون(٥). قال المهلَّب: وطعامُ النِّهد لم يُوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسَّواء، وإنما يأكل كلُّ واحدٍ على قدرٍ نَهْمته، وقد يأكل الرَّجلُ أكثرَ من غيره(٦). وقد قيل: إن تركها أشبهُ بالوَرَع، وإن كانت الرُّفقة تجتمع كلَّ يومٍ على طعام أحدِهم، فهو أحسن من النهد؛ لأنهم لا يَتناهدون إلا لِيُصيبَ كلُّ واحدٍ منهم من ماله، ثم لا يدرى لعلَّ أحدَهم يقصِّر عن ماله، ويأكلُ غيرُه أكثرَ من ماله، وإذا كانوا (١) صحيح البخاري قبل الحديث (٥٣٨٤)، وما بين حاصرتين منه، وقد أشار الحافظ في الفتح ٥٢٩/٩ أن قوله: والنّهد والاجتماع على الطعام. هي رواية المستملي وحده، وذكر العيني في عمدة القاري ٣٣/٢١-٣٤: أنها رواية النسفي وحده. (٢) الكلام بنحوه في تهذيب اللغة ٢٠٩/٦ ، والصحاح (نهد). (٣) في جمهرة اللغة ٢/ ٣٠٤ . (٤) ذكر قول الهروي مع الأثر ابنُ الأثير في النهاية (نهد)، وذكر الأثر أيضاً ابنُ حجر في الفتح ١٢٩/٥، والعيني في عمدة القاري ١٣/ ٤٠ . (٥) تهذيب اللغة ٢٠٩/٢ . (٦) ذكره عنه بنحوه ابنُ حجر في الفتح ٥٢٩/٩، والعيني في عمدة القاري ٣٤/٢١، وينظر أحكام القرآن للكيا ٣ /٢٦٥ . ٣٥٤ سورة النور: الآية ٦١ يوماً عند هذا ويوماً عند هذا بلا شرطٍ؛ فإنما يكونون أضيافاً، والضّیف یأکل بطيب نَفْسٍ مِمَّا يُقدَّم إليه. وقال أيوب السَّختياني: إنما كان النِّهد أنَّ القومَ كانوا يكونون في السفر، فيسبق بعضُهم إلى المنزل، فَيَذْبِحُ ويهيِّئ الطعامَ ثم يأتيهم، ثم يسبق أيضاً (١) إلى المنزلِ، فيفعل مثلَ ذلك؛ فقالوا: إنَّ هذا الذي تصنع كلُّنا نحبُّ أن نصنعَ مثلَه، فتعالوا نجعل بيننا شيئاً لا يتفضَّل بعضُنا على بعض، فوضعوا النَّهد بينهم. وكان الصُّلحاء إذا تَناهدوا تحرَّى أفضلُهم أن يزيدَ على ما يُخرجه أصحابُه، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا علموه، فعله سرًّا دونهم. العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُوَّا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ ◌ُبَرَكَةُ طَيِّبَةُ كَذَلِكَ يُبَيِّبُّ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ اختلف المتأوِّلون في أيِّ البيوت أراد؛ فقال إبراهيم النَّخَعِيُّ والحسنُ: أراد المساجدَ؛ والمعنى: سلِّموا على مَن فيها من صنفكم (٢)، فإن لم يكن في المساجد أحدٌ، فالسلام أن يقول المرءُ: السَّلام على رسول الله. وقيل: يقول: السَّلام عليكم؛ يريد الملائكةَ، ثم يقول: السَّلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين(٣). وذكر عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُوْنَا فَسَلِّمُواْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، قال: إذا دخلتَ المسجدَ، فقل: السلام علينا وعلى عباد اللهِ الصالحين(٤). وقيل: المراد بالبيوت البيوتُ المسكونة، أي: فسلِّموا على أنفسكم. قاله جابر (١) في (د): ضائفاً. (٢) في (ظ) و(م): ضيفكم. والمثبت من باقي النسخ والمحرر الوجيز ١٩٦/٤ والكلام منه، وأخرج الأثر عن إبراهيم والحسن الطبريُّ في تفسيره ١٧/ ٣٨١ . (٣) المحرر الوجيز ١٩٦/٤ . (٤) تفسير عبد الرزاق ٦٦/٢، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٨١/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٥٠/٨ (١٤٨٩٤)، والحاكم ٤٠١/٢، والبيهقي في الشعب (٨٨٣٦). ٣٥٥ سورة النور: الآية ٦١ ابن عبد الله، وابن عباس أيضاً، وعطاء بن أبي رباح(١)، قالوا: يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة، ويسلّم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال ابن العربي (٢): القولُ بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليلَ على التخصيص؛ وأطلَق القولَ ليدخل تحت هذا العموم كلُّ بيتٍ كان للغير أو لنفسه، فإذا دخل بيتاً لغيره استأذن كما تقدَّم، فإذا دخل بيتاً لنفسه سلَّم كما ورد في الخبر، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ قاله ابن عمر (٣). وهذا إذا كان فارغاً، فإن كان فيه أهلُه [وعياله] وخدمُه، فليقل: السلام عليكم. وإنْ كان مسجداً، فليقل: السَّلام علينا وعلى عباد اللهِ الصالحين. وعليه حَمل ابنُ عمر البيتَ الفارغ. قال ابن العربي(٤): والذي اختاره إذا كان البيتُ فارغاً ألا يلزم السلام، فإنه إن كان المقصود الملائكة؛ فالملائكةُ لا تفارِقُ العبد بحال، أما إنه إذا دخلت بیتك يُستحب لك ذِكْرُ الله بأن تقول: ما شاء الله لا قوةَ إلا بالله، وقد تقدَّم في سورة الكهف(٥). وقال القُشَيْريُّ في قوله: ﴿إذا دَخَلْتُم ◌ُونًا﴾: والأوجَهُ أن يقال: إن هذا عامٌّ في دخول كلِّ بيت، فإن كان فيه ساكنٌ مسلم يقول: السلام عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، وإن لم يكن فيه ساكن يقول: السلام علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، وإن كان في البيت مَنْ ليس بمسلم، قال: السلام على مَنِ اتّبع الهُدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وذكر ابن خُوّيز مَنداد قال: كتب إليَّ أبو العباس الأصمُّ، قال: حدثنا محمدُ بن (١) أخرج أقوالهم الطبري في تفسيره ٣٧٨/١٧-٣٨٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٠ (١٤٨٩٥). (٢) في أحكام القرآن له ١٣٩٦/٣ -١٣٩٧ . (٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٥٥)، والطبري في تفسيره ٣٨٣/١٧. (٤) في أحكام القرآن له ١٣٩٧/٣ ، والكلام قبله وما بين حاصرتين منه. (٥) ٢٨٠/١٣ - ٢٨١. ٣٥٦ سورة النور: الآية ٦١ عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا ابنُ وهب، قال: حدثنا حفص(١) بنُ ميسرة، عن زيد بن أسلم، أنَّ رسولَ اللهِ # قال: ((إذا دخلتُم بيوتاً فسلُموا على أهلها، واذكروا اسمَ اللهِ؛ فإنَّ أحدكم إذا سلَّم حين يَدخل بيته، وذكر اسمَ اللهِ تعالى على طعامه، يقول الشيطانُ لأصحابه: لا مَبِيتَ لكم هاهنا ولا عَشاء، وإذا لم يُسلِّم أحدُكم إذا دَخَل ولم يذكرِ اسمَ الله على طعامه، قال الشيطانُ لأصحابه: أدركتُم المبيتَ والعَشاءَ))(٢). قلت: هذا الحديث ثَبَت معناه مرفوعاً من حديث جابر، خرَّجه مسلم(٣). وفي كتاب أبي داود، عن أبي مالك الأشعري(٤)، قال: قال رسول الله ﴾: ((إذا وَلَج الرجلُ بيتَه، فليقل: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ خَيْرَ المَوْلَجِ وخيرَ المخرج، باسم اللهِ وَلَجْنَا، وباسم الله خَرَجنا، وعلى الله ربِّنا توكلنا. ثم ليسلِّم على أهله))(٥). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿تَجِيَّةٌ﴾ مصدر؛ لأن قوله ﴿فَسَلِمُوا﴾ معناه: فحیُّوا(٦). ووصفَها بالبركة، لأن فيها الدعاءَ واستجلاب موذَّةِ المسلَّم عليه، ووصفها أيضاً (١) في النسخ: جعفر، وهو تصحيف، والمثبت من (د). (٢) الحديث مرسل. زيد بن أسلم من التابعين. (٣) صحيح مسلم (٢٠١٨)، وهو عند أحمد (١٥١٠٨)، ولفظه: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء ... )). (٤) في (ظ) و(ف) و(م): الأشجعي، والمثبت من (د) وسنن أبي داود . (٥) سنن أبي داود (٥٠٩٦). وأخرجه الطبراني في الكبير (٣٤٥٢) ومن طريقه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار ١/ ١٧٢ من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، به. قال الحافظ: هذا حديث غريب، ونقل عن النووي قوله: لم يضعفه أبو داود، فتعقبه الحافظ بقوله: يريد في السنن، وإلا فقد ضعف راويه في أسئلة الآجري، فقال: محمد بن إسماعيل بن عياش ليس بذاك وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه، ثم قال: وفي السند علة أخرى، قال أبو حاتم: رواية شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرسلة. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٤٩/٣. ٣٥٧ سورة النور: الآيتان ٦١ - ٦٢ بالطّب، لأن سامعها يستطيبها. والكاف من قوله ((كذلك)): كافُ تشبيهٍ، و((ذلك)) إشارةٌ إلى هذه السُّنَن؛ أي: كما بيَّن لكم سُنَّةَ دينِكم في هذه الأشياء، يبيِّن لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَّى يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعَذِنُونَكَ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَتْذَنُكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ جَاِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعَذِئُونُ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾. ((إِنَّمَا)) في هذه الآية للحصر؛ المعنى: لا يَتمُّ ولا يَكملُ إيمانُ من آمن باللهِ ورسولهِ إلا بأن يَكونَ من الرسول سامعاً، غير معنِّت في أن يكونَ الرسولُ يُريد إكمالَ أمرٍ فیرید هو إفسادَه بزواله في وقت الجمع، ونحو ذلك(٢). وبيَّن تعالى في أول السورة، أنَّه أنزَل آياتٍ بيِّنات، وإنما النزول على محمدٍ *؛ فختم السورةَ بتأكيد الأمر في متابعته عليه الصلاة والسلام؛ ليعلم أن أوامرَه کأوامر القرآن. الثانية: واختلف في ((الأمر الجامع)) ما هو؟ فقيل: المراد به ما للإمام من حاجةٍ إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، من إقامة سُنَّةٍ في الدِّين(٣)، أو لترهيب عدوٍّ باجتماعهم، وللحروب؛ قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اَلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فإذا كان أمرٌ يَشملهم نفعُه وضرُّه جمعهم للتشاور في ذلك. (١) المحرر الوجيز ٤/ ١٩٧ . (٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٩٧ . (٣) المصدر السابق . ٣٥٨ سورة النور: الآية ٦٢ والإمام الذي يُرتَقَب(١) إذنُه هو إمام الإمْرة، فلا يذهب أحدٌ لعذرٍ إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظنُّ السيِّئ. وقال مَكْحُول والزُّهْرِيُّ: الجمعة من الأمر الجامع(٢). وإمام الصلاة ينبغي أن يُستأذن إذا قدَّمه إمامُ الإمرة، إذا كان يرى المستأذن(٣). قال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمامَ على المنبر؛ فلما كثُرَ ذلك، قال زياد: مَنْ جعل يدَه على أنفه(٤) فليَخرج دونَ إذن، وقد كان هذا بالمدينة، حتى إنَّ سهيل(٥) ابن أبي صالح رَعَف يومَ الجمعة فاستأذن الإمامَ(٦). وظاهرُ الآية يقتضي أن يُستأذن أميرُ الإمْرةِ الذي هو في مقعد النبوّة، فإنه ربما كان له رأيٌ في حبس ذلك الرجل لأمرٍ من أمور الدِّين، فأمَّا إمامُ الصلاة فقط فليس ذلك إليه؛ لأنه وكيلٌ على جزءٍ من أجزاء الدِّين للذي هو في مقعد النبوّة(٧). وروي أنَّ هذه الآية نَزلَت في حفرِ الخندق، حين جاءت قريش وقائدُها أبو سفيان، وغَطفان وقائدُها عُيَيْنة بن حِصْن؛ فضَربَ النبيُّ# الخندقَ على المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقونَ يتسلَّلون لِوَاذاً من العمل، ويَعتذرون بأعذارٍ كاذبة(٨). ونحوه رَوَى أشهب وابنُ عبد الحكم عن مالك، وكذلك (١) في (د) و(م) يُتَرَقَّب. والمثبت من باقي النسخ والمحرر الوجيز ١٩٧/٤ والكلام منه. (٢) أخرج قولهما عبد الرزاق (٥٥٠٧) و(٥٥٠٨)، والطبري في تفسيره ٣٨٦/١٧، وأخرج قول مكحول ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٦٥٣/٨ (١٤٩١٨). (٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٩٧ . (٤) في النسخ: فيه، والتصويب من المصادر الآتية. (٥) في (ف) و(م): سهل. والمثبت من (د) و(ظ) وأحكام القرآن . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٩٨/٣، وأخرج خبر زياد عبد الرزاق (٥٥٠٩)، وابن أبي شيبة ١١٦/٢. (٧) المحرر الوجيز ٤/ ١٩٧ . (٨) المحرر الوجيز ١٩٧/٤ بنحوه، وينظر السيرة النبوية ٢١٥/٣-٢١٦. : ٣٥٩ سورة النور: الآية ٦٢ قال محمدُ بن إسحاق(١). وقال مقاتل: نَزَلت في عمر، استأذن النبيَّ# في غَزْوةٍ تَبُوك في الرجعة، فأذن له، وقال: ((انطلق، فواللهِ ما أنتَ بمنافقٍ))(٢) يريد بذلك أن يُسمِعَ المنافقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما استأذن عمرُ﴾ في العُمْرة، فقال عليه الصلاة والسلام لمَّا أذِن له: ((يا أبا حَفْص لا تَنْسنا في صالح دعائك))(٣). قلت: والصحيح الأوّلُ لتناوله جميعَ الأقوال، واختار ابن العربيّ(٤) ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأنَّ ذلك مخصوصٌ في الحرب، قال: والذي يبيِّن ذلك أمران: أحدهما: قوله في الآية الأخرى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَاً﴾ وذلك أنَّ المنافقين كانوا يتلوَّذون، ويَخرجون عن الجماعة، ويتركون رسولَ الله ◌ِ﴾، فأمَرَ اللهُ جميعَهم بألّا يَخرجَ أحدٌ منهم حتى يأذن له رسول اللـه :﴾، وبذلك يتبيَّن إيمانُه. الثاني: قوله: ﴿لَّمْ يَذْهَبُواْ حَّ يَسْتَعْذِنُوهُ﴾ وأيُّ إذنٍ في المحدث(٥) والإمام يَخطُب، وليس للإِمام خيارٌ في مَنعهٍ ولا إبقائه، وقد قال: ﴿فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾؛ فبيَّن بذلك أنه مخصوص في الحرب. قلت: القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٩٨/٣ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤/ ١٢٧ . (٣) أخرجه الإمام أحمد (١٩٥)، وأبو داود(١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٩٤) من حديث ابن عمر، عن عمر، بنحوه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. (٤) في أحكام القرآن ١٣٩٨/٣ . (٥) في (م): الحدث. ٣٦٠ سورة النور: الآيتان ٦٢ - ٦٣ ﴿فَأَذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فكان النبيُّ# بالخيار إن شاء أن يأذَن وإن شاء منع. وقال قتادة: قوله ﴿فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ منسوخةٌ(١) بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ أي: لخروجهم عن الجماعة إن علمتَ لهم عذراً ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذَاْ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَلِفُونَ عَنْ أَمْرِ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِئُ (٦٣) قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَةَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يريدُ: يَصيحُ من بعيدٍ: يا أبا القاسم! بل عظّموه، كما قال في الحُجُرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [٣]. وقال سعيدُ بن جُبير ومُجاهد: المعنى قُولوا: يا رسول اللهِ، في رِفقٍ ولِين، ولا تقولوا: يا محمَّد، بتجَهُّم(٢). وقال قتادة: أمرهم أن يشرِّفوه ويفخِّموه(٣). ابن عباس: لا تتعرَّضوا لدعاءِ الرسولِ عليكم بإسخاطه؛ فإنَّ دعوته موجبة(٤). ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَُّونَ مِنْكُمْ لِوَاذٌَّ﴾ التسلُّلُ والانسلال: الخروج. واللِّواذ (١) كذا، وفي تفسير مجاهد ٤٤٥/٢، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٣٩/٢، والنكت والعيون ١٢٧/٤ عن قتادة أن آية النور ناسخة لآية التوبة ﴿عفا الله عنك ... ). وكذا روي عن ابن عباس والحسن وعكرمة كما في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٣٨/٢، وسلف قول قتادة على الصواب ٢٢٨/١٠. (٢) هو في تفسير مجاهد٢/ ٤٤٥، وأخرجه عنه الطبري في تفسيره ٣٨٩/١٧ ، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٥ (١٤٩٢٦). وأما قول سعيد بن جبير فقد أخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٥٥/٨ (١٤٩٢٥) بلفظ: لا تقولوا: يا محمد قولوا: يا رسول الله يا نبي الله بأبي أنت وأمي. (٣) أخرجه عبد الرزاق ٦٦/٢، والطبري في تفسيره ٣٨٩/١٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٥ (١٤٩٢٧). (٤) أخرجه الطبري ٣٨٨/١٧ ، وابن أبي حاتم ٢٦٥٥/٨ (١٤٩٢٩).