النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة النور: الآية ٥٥
وقال أبو العالية: مكث رسول الله ﴾ بمكةً عَشْرَ سنين - بعدما أُوحي إليه - خائفاً
هو وأصحابُه، يَدْعون إلى الله سرًّا وجهراً، ثم أُمِر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها
خائفين، يُصْبِحون ويُمسُون في السِّلاح. فقال رجل: يا رسول الله، ما (١) يأتي علينا
يومٌ نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لن تلبثوا(٢) إلَّا يسيراً حتى
يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِياً ليس عليه حديد))(٣). ونزلت هذه الآية،
وأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح وأَمِنوا (٤) ..
قال النحاس(٥): فكان في هذه الآية دلالةٌ على نبوَّة رسول اللـه ﴾؛ لأن الله جلّ
وعزَّ أنجز ذلك الوعد.
قال الضحاك في كتاب النقّاش: هذه الآية (٦) تتضمَّن خلافة أبي بكر وعمرَ
وعثمانَ وعليٍّ؛ لأنهم أهلُ الإيمان وعملوا الصالحات. وقد قال رسول الله ﴾:
((الخلافةُ بعدي ثلاثون))(٧).
وإلى هذا القول ذهب ابن العربيّ في أحكامه(٨)، واختاره وقال: قال علماؤنا:
هذه الآيةُ دليلٌ على صحة خلافة الخلفاء الأربعة ﴾، وأنَّ الله استخلفهم ورضي
أمانتهم، وكانوا على الدِّين الذي ارتضى لهم، لأنهم لم يتقدَّمهم أحدٌ في الفضيلة إلى
يومنا هذا، فاستقرَّ الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذَبُّوا عن حَوْزة الدِّين،
(١) في (م): أما.
(٢) في (د): لم تلبثوا، وفي (م): لا تلبثون، والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في أسباب النزول
للواحدي ص ٣٤١ والكلام منه.
(٣) في (م): حديدة.
(٤) أخرجه الطبري ٣٤٨/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٢٩/٨ (١٤٧٧٢).
(٥) في إعراب القرآن ٣/ ١٤٥ .
(٦) لفظة: الآية، من (ف) والمحرر الوجيز ١٩٣/٤ والكلام منه ..
(٧) هو قطعة من حديث سيرد بتمامه.
(٨) ١٣٨٠/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.

٣٢٢
سورة النور: الآية ٥٥
فَنَفَذ الوعدُ فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نَجَز، وفيهم نَفَذ، وعليهم ورَدَ، ففيمن
يكون إذاً؟! وليس بعدهم مثلُهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده، ﴾
وحكى هذا القولَ القُشَيْريُّ عن ابن عباس. واحتجُوا بما رواه سَفِينة مولى
رسول الله# قال: سمعت رسول الله # يقول: ((الخلافة من(١) بعدي ثلاثون سنة،
ثم تكون مُلْكاً)). قال سفينة: أَمسِك(٢) خلافة أبي بكر سنتين، وخلافةَ عمرَ عَشْراً،
وخلافةَ عثمانَ ثنتي عَشْرة سنة، وخلافةً عليٍّ سنًّا (٣).
وقال قوم: هذا وعدٌ لجميع الأمة في مِلك الأرض كلِّها تحت كلمة الإسلام،
كما قال عليه الصلاة والسلام: ((زُوِيَتْ لي الأرضُ، فرأيت مشارقها ومغاربها،
وسيبلغُ مُلْك أمتي ما زُوِيَ لي منها))(٤). واختار هذا القولَ ابنُ عطية في تفسيره حيث
قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافُهم هو أن يُمَلِّكهم
البلاد ويجعلَهم أهلها، كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب(٥).
قال ابن العربي(٦): قلنا لهم: هذا وعدٌ عامٌّ في النبوّة والخلافة، وإقامةِ الدعوة،
وعمومٍ الشريعة، فَنَفَذ الوعد في كلِّ أحد بقَدْره وعلى حاله، حتى في المفتين
والقُضاة (٧) والأئمة، وليس للخلافة محلٌّ تَنْفُذ فيه الموعِدُ الكريمةُ إلَّا مَن تقدَّم من
الخلفاء [الأربعة].
(١) لفظة: من، ليست في (م).
(٢) بعدها في (م): عليك.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، وأبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٩).
قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جُمْهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد
ابن جُمْهان. ا.هـ. وسفينة هو أبو عبد الرحمن مولى رسول الله #، كان عبداً لأمّ سلمة، فأعتقته،
وشرطت عليه خدمة رسول الله # ما عاش. توفي بعد سنة سبعين. السير ١٧٢/٣ -١٧٣.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٨٣/٣، والحديث في صحيح مسلم (٢٨٨٩)، وسلف ٤١٥/٨
وزُویت: جُمِعَت.
(٥) في (ظ): الغرب، والكلام في المحرر الوجيز ٤/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٦) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٨٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٧) في (د) و(ظ): المتقين والعصاة.

٣٢٣
سورة النور: الآية ٥٥
ثم ذكر قبل هذا (١) اعتراضاً وانفصالاً معناه: فإن قيل: هذا الأمر لا يصحُّ إلَّا في
أبي بكر وحده، فأمَّا عمرُ وعثمانُ فقُتِلا غِيلَةً، وعليٍّ قد نُوزِع في الخلافة. قلنا: ليس
في ضمن الأمن السلامةُ من الموت بأيِّ وجه كان، وأمَّا عليٍّ، فلم يكن نِزاله في
الحرب مُذْهباً للأمن، وليس من شرط الأمن رفعُ الحرب، إنما شرطه مِلْكُ الإنسان
لنفسه باختياره، لا كما كان أصحاب النبيِّ # بمكّة(٢).
ثم قال في آخر كلامه: وحقيقةُ الحال أنهم كانوا مقهورین فصاروا قاهرین،
وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهايةُ الأمن والعزّ.
قلت: هذه الحالُ لم تختص بالخلفاء الأربعة ﴾ حتى يُخَصُّوا بها من عموم
الآية، بل شاركهم في ذلك جميعُ المهاجرين، بل وغيرُهم. ألا ترى إلى إِغزاء قريشٍ
المسلمينَ في أُحُد وغيرها وخاصَّة الخندق، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم(٣) فقال:
﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ
وَتَظُونَ بِلَّهِ اَلُنُوَنَاْ. هُنَالِكَ أَبُّلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠-١١]. ثم
إن الله ردًّ الكافرين لم ينالوا خيراً، وأمَّن المؤمنين، وأورثهم أرضهم وديارهم
وأموالهم، وهو المراد بقوله: ﴿لَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾. وقولُه: ﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني بني إسرائيل، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم
وديارهم فقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾
[الأعراف: ١٣٧]. وهكذا كان الصَّحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمَّنهم
ومكّنهم وملَّكهم، فصحَّ أن الآية عامَّةٌ لأمة محمد﴿ غيرُ مخصوصة، إذ التخصيصُ
لا يكون إلا بخبر ممن يجب [له] (٤) التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسكُ بالعموم.
(١) قوله: قبل هذا، من (ظ).
(٢) أحكام القرآن ٣/ ١٣٨٢-١٣٨٣ وما بعده منه.
(٣) في (ظ): جمعهم.
(٤) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.

٣٢٤
سورة النور: الآية ٥٥
وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول اللـه لمّا قال أصحابه: ما(١)
يأتي علينا يومٌ نأمن فيه ونضع السلاح. فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تلبثون إلا
قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُخْتَبِياً، ليس عليه حديدة))(٢).
وقال﴿: ((واللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ،
لا يخافُ إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». خرَّجه مسلم في
صحيحه(٣)، فكان كما أخبر﴿. فالآية معجزةُ النبوّة؛ لأنها إخبارٌ عمَّا سيكون فكان.
قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: يعني أرضَ مكة؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك، فوُعِدوا كما
وُعِدت بنو إسرائيل. قال معناه النقاش(٤).
الثاني: بلاد العرب والعجم. قال ابن العربيّ(٥): وهو الصحيح؛ لأن أرض
مَّةَ محرَّمةٌ على المهاجرين، قال النبيُّ﴾: ((لكنِ البائسُ سعدُ بن خَوْلة)). يَرثي له
رسول الله# أنْ مات بمكّة(٦). وقال في الصحيح أيضاً: ((يمكث المهاجر بمكّةً بعد
قضاء نُسُكه ثلاثاً))(٧).
واللامُ في ﴿لَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جوابُ قَسَم مُضْمَر؛ لأن الوعد قولٌ، مجازُها: قال الله
للذين آمنوا وعملوا الصالحات: واللهِ لَيستخلفنَّهم في الأرض، فيجعلهم ملوكها
وسُكَّانَها.
(١) في (د): أم، وفي (م): أما.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٣/٤، وسلف الخبر ص٣٢١ من هذا الجزء ..
(٣) ليس هو في صحيح مسلم، وأخرجه البخاري (٣٦١٢) من حديث خَبَّاب بن الأرتّ، وسلف
٤٤٤/١٢ - ٤٤٥ .
(٤) النكت والعيون ١١٨/٤، دون قوله: فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل.
(٥) في أحكام القرآن ١٣٨٣/٣ وما قبله منه . .
(٦) أخرجه البخاري (١:٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨): (٥) من حديث سعد بن أبي وقاص، وسلف ١٤/ ٣٧٨ .
(٧) أخرجه أحمد (١٨٩٨٥)، والبخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢): (٤٤٢) من حديث العلاء بن
الحضرمي.

٣٢٥
سورة النور: الآية ٥٥
﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني بني إسرائيل، أهلك الجبابرة بمصرَ
والشام، وأورثهم أرضهم وديارهم(١). وقراءةُ العامة: ﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ﴾ بفتح التاء
واللام؛ لقوله: (وَعَدَ))، وقولِه: ﴿لَيَسْتَخْلِنَّهُمْ﴾. وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر
والمفضَّل عن عاصم: ((استُخلِف)) بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول(٢).
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقد تقدَّم(٣). ورَوى سُلَيم بن عامر، عن المِقْداد بن
الأسود قال: سمعت رسول اللـه * يقول: ((ما على ظهر الأرض بيتُ حجر ولا مَدَر
إلا أدخله الله كلمة الإسلام؛ بعزِّ عزيز، أو ذُلِّ ذليل، إِمَّا يُعزُّهم(٤) فيجعلُهم من
أهلها، وإِمَّا يُذلُّهم(٥) فيدينون بها)). ذكره الماورديُّ(٦) حجة لمن قال: إن المراد
بالأرض بلادُ العرب والعجم، وهو القول الثاني، على ما تقدَّم آنفاً.
﴿وَلَيُبَدِّلَهُ﴾ قرأ ابن مُحَيْصِن وابن كثير ويعقوبُ وأبو بكر بالتخفيف(٧)، مِن
أَبدل، وهي قراءةُ الحسن، واختيارُ أبي حاتم. الباقون بالتشديد، مِن بدَّل، وهي
اختيار أبي عبيد؛ لأنها أكثرُ ما في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَا نَّدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾
[يونس: ٦٤]. وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ﴾ [النحل: ١٠١] ونحوه، و
(١) ذكر هذا الكلام الواحدي في الوسيط ٣٢٦/٣-٣٢٧ ونسبه لمقاتل، والبغوي في تفسيره ٣٥٤/٣ دون
نسبة.
(٢) قراءة عاصم من رواية أبي بكر عنه في السبعة ص٤٥٨، والتيسير ص١٦٣ .
(٣) ٢٩٥/٧-٢٩٦ .
(٤) في (ظ) و(م): بعزهم، والمثبت من (د) و(ف) وهو الموافق لمصادر التخريج الآتية.
(٥) في (ظ) و(م): بذلهم، والمثبت من (د) و(ف) وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٦) في النكت والعيون ١١٨/٤، وأخرجه أحمد (٢٣٨١٤)، وابن حبان (٦٦٩٩)، والطبراني في الكبير.
٢٠/ (٦٠١)، والحاكم ٤٣٠/٤.
(٧) قراءة ابن كثير وأبي بكر في السبعة ص٤٥٩، والتيسير ص١٦٣، وقراءة يعقوب في النشر ٣٣٣/٢،
وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز ١٩٣/٤ .

٣٢٦
سورة النور: الآية ٥٥
قال النحاس(١): وحكى محمدُ بن الجَهْم عن الفَرَّاء(٢) قال: قرأ عاصم
والأعمش: ((وليبدِّلنَّهم)) مشدّدة، وهذا غلطٌ على عاصم، وقد ذكر بعده غلطاً أشدَّ
منه، وهو أنه حکی عن سائر الناس التخفيف.
قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقاً، وأنه يقال:
بدَّلته، أي: غيَّرته، وأبدلته: أزلته وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القولُ صحيحٌ،
كما تقول: أَبدِلْ لي هذا الدِّرهم، أي: أزله وأعطني غيره. وتقول: قد بدّلتَ بعدنا،
أي: غيّرت، غير أنه قد يُستعمل أحدهما موضع الآخر، والذي ذكره أكثر.
وقد مضى هذا في ((النساء))(٣) والحمد لله، وذكرنا في سورة إبراهيم(٤) الدليلَ
من السنة على أن بدَّل معناه: إزالة العَين، فتأمَّله هناك. وقُرئ: ﴿عَسَى رَبَّا أَنْ يَبْدِلَا﴾
[القلم: ٣٢] مخفَّفاً ومثقلاً(٥).
﴿يَعْبُدُونَفِ﴾ هو في موضع الحال، أي: في حال عبادتهم الله بالإخلاص.
ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم(٦). ﴿لَا يُشْرِكُنَ بِي شَيْئًا﴾ فيه أربعة
أقوال: أحدها: لا يعبدون إلهاً غيري. حكاه النقاش. الثاني: لا يُراؤون بعبادتي
أحداً. الثالث: لا يخافون غيري. قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبُّون غيري. قاله
مجاهد (٧). ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بهذه النِّعم. والمراد كُفرانُ النِّعمة؛ لأنه
قال تعالى: ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ والكافر بالله فاسقٌ بعد هذا الإنعام وقبله.
(١) في إعراب القرآن ١٤٥/٣- ١٤٦ وكذا ما بعده.
(٢) في معاني القرآن ٢٥٨/٢ .
(٣) ٦/ ٤٢٠ وما بعدها.
(٤) ١٦٨/١٢ - ١٧٠ .
(٥) قرأ من السبعة بالتشديد نافع وأبو عمرو، والباقون بالتخفيف. السبعة ص٤٥٨-٤٥٩، والتيسير
ص١٤٥ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٥١ .
(٧) النكت والعيون ١١٩/٤ ، وقول ابن عباس عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٥ لعبد بن حميد.

٣٢٧
سورة النور: الآيتان ٥٦ - ٥٧
٥٦
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُنَ
تقدَّم(١)، فأعاد الأمر بالعبادة تأكيداً.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِىِ الْأَرْضِِّ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ
آلْمَصِيرُ
OV
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هذا تسليةٌ للنبيِّ ﴾ ووعدٌ بالنَّصر(٢). وقراءةُ
العامَّة: ((تَحْسَبَنَّ)) بالتاء خطاباً. وقرأ ابن عامر وحمزةُ وأبو حَيْوة: ((يَحْسَبَنَّ)) بالياءِ(٣)،
بمعنى: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسَهم(٤) مُعجِزين الله في الأرض؛ لأن الحُسْبان
يتعدَّى إلى مفعولين. وهذا قولُ الزجاج(٥).
وقال الفرَّاء وأبو عليٍّ: يجوز أن يكون الفعل للنبيِّ ﴾، أي: لا يحسبنَّ محمدٌ
الذين كفروا مُعجِزين في الأرض(٦). فـ ((الذين)) مفعول أوَّل، و((مُعجِزين)) مفعول ثان.
وعلى القول الأوَّل: ((الذين كفروا)) فاعل، ((أنفسهم)) مفعول أوَّل، وهو محذوفٌ
مرادٌ، ((مُعجِزین)) مفعول ثان.
قال النحاس: وما علمت أحداً من أهل العربية بَصْرِيًّا ولا كوفِيًّا إلا وهو يُخَطِّئ
قراءةً حمزة، فمنهم مَن يقول: هي لَحْنٌ؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد لـ ((يحسبنَّ)).
وممن قال هذا أبو حاتم(٧).
(١) ٢٥٣/١ وما بعدها، و٢٣/٢-٢٤، و٣١٢/٥.
(٢) في (م): بالنُّصرة.
(٣) السبعة ص٣٠٧، والتيسير ص١٦٣، وكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي.
(٤) في (ظ): أنهم .
(٥) في معاني القرآن ٤/ ٥٢ .
(٦) الحجة لأبي علي الفارسي ٣٣٢/٥، وقد ضعف أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٤٧٠، والسمين في
الدر المصون ٤٣٥/٨ أن يكون الفاعل هو الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن مثل هذا الحسبان لا
يُتصوّر منه حتى يُنھی عنه.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٤٦/٤ وفيه: إلا وهو يحظر أن تقرأ هذه القراءة، بدل: إلا وهو يخطئ قراءة
حمزة.

٣٢٨
سورة النور: الآيتان ٥٧ - ٥٨
وقال الفرَّاء: هو ضعيف، وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول
الأوَّل(١)، وقد بيَّناه.
قال النحاس(٢): وسمعت عليَّ بنَ سليمان يقول في هذه القراءة: يكون ((الذين
كفروا)) في موضع نصب. قال: ويكون المعنى: ولا يحسبنَّ الكافرُ الذين كفروا
مُعجِزين في الأرض.
قلت: وهذا موافقٌ لما قاله الفرَّاء وأبو عليٍّ؛ لأن الفاعل هناك النبيُّ ﴾. وفي
هذا القولِ الكافرُ.
و((معجزين)) معناه: فائتين. وقد تقدَّم(٣). ﴿وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي:
المرجع.
قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ
اُلْحُلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَبِينَ تَضَعُونَ بِيَابَكُمْ مِّنَ اُلَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ
صَلَوِْ الْمِشَآءِ ثَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاتٌ بَعْدَهُنُّ ◌َوَّفُونَ
عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَى بَعْضِنَّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(٥٨)
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قال العلماء: هذه آية(٤) خاصَّةٌ، والتي قبلها عامَّة؛ لأنه قال: ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُنَّا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]،
ثم خصَّ هنا فقال: ﴿ِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾، فخصَّ في هذه الآية بعضَ
المستأذنين، وكذلك أيضاً يتناول(٥) القول في الأولى(٦) جميع الأوقات عموماً.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٥٩/٢، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٤٦/٤.
(٢) في إعراب القرآن ١٤٦/٤.
(٣) ٣٥/٩.
(٤) في (د) و(م): الآية.
(٥) في (د) و(ف) و(م): يتأوَّل، وفي أحكام القرآن لابن العربي ١٣٨٤/٣-١٣٨٥ والكلام منه: تناول،
والمثبت من (ز).
(٦) بعدها في (د) و(ف) و(م): في.

٣٢٩
سورة النور: الآية ٥٨
وخصّ في هذه الآية بعض الأوقات، فلا يدخل فيها عبدٌ ولا أَمَة، وَغْداً كان أو ذا
منظر إلا بعد الاستئذان.
قال مقاتل: نزلت في أسماءَ بنتِ مَرْثَد، دخل عليها غلام لها كبير، فاشتكت إلى
رسول اللـه*، فنزلت عليه الآية(١).
وقيل: سبب نزولها دخولُ مُذْلج على عمر، وسيأتي(٢).
الثانية: اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿لِسْتَعْذِنكُمْ﴾ على ستة أقوال:
الأول: أنها منسوخة. قاله ابن المسيِّب وابنُ جبير(٣).
الثاني: أنها ندب غير واجبة. قاله أبو قِلَابة، قال: إنما أُمِروا بهذا نظراً لهم(٤).
الثالث: عنى بها النساء. قاله أبو عبد الرحمن السُّلَميّ(٥).
وقال ابن عمر: هي في الرجال دون النساء(٦). وهو القول الرابع.
الخامس: كان ذلك واجباً، إذ كانوا لا غَلَق لهم ولا أبواب، ولو عاد الحال
لعاد الوجوب. حکاه المهدويُّ عن ابن عباس(٧).
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٣٤٢، وتفسير البغوي ٣٥٥/٣، وزاد المسير ٦٠/٦.
(٢) في المسألة الرابعة.
(٣) أخرجه عن ابن المسيب النحاس في الناسخ والمنسوخ (٧١٧). وعن ابن جبير الطبري ٣٥٥/١٧،
والنحاس (٧١٨). وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٠٥) واللفظ له، والطبري ١٧/ ٣٥٥ عن
سعيد بن جبير في هذه الآية، قال: يقولون هي منسوخة، لاوالله ما نسخها شيء، ولكنها مما تهاون به
الناس.
(٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٥١/٢-٥٥٢ . وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجَزْمي.
(٥) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٠٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠ ، والنحاس في الناسخ
والمنسوخ (٧٢٠)، وابن أبي حاتم ٢٦٣٣/٨ (١٤٧٩٢). وأخرج الطبري ٣٥١/١٧-٣٥٢ عن أبي عبد
الرحمن في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ... ﴾ قال: هي في الرجال والنساء، يستأذنون علی کل
حال، بالليل والنهار. وكذا جاء في النكت والعيون ٤/ ١٢٠، وزاد المسير ٦١/٦ .
(٦) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٥٧)، والطبري ١٧/ ٣٥١ ، والنحاس في الناسخ والمنسوخ
(٧٢١).
(٧) المحرر الوجيز ٤/ ١٩٤.

٣٣٠
سورة النور: الآية ٥٨
السادس: أنها محكمةٌ واجبة ثابتة على الرجال والنساء، وهو قول أكثر أهل
العلم، منهم القاسمُ وجابر بن زيد والشَّعْبِيّ(١).
وأضعفُها قولُ السُّلَمِيِّ؛ لأن ((الذين)) لا يكون للنساء في كلام العرب، إنما يكون
للنساء: اللَّاتي واللَّواتي. وقولُ ابن عمر يستحسنه أهل النظر، لأن ((الذين)) للرجال
في كلام العرب، وإن كان يجوز أن يَدخل معهم النساء، فإنَّما يقع ذلك بدليل،
والكلامُ على ظاهره، غيرَ أنَّ في إسنادهِ لَيْثَ بنَ أبي سُلَيم (٢).
وأمَّا قولُ ابن عباس، فروى أبو داود(٣) عن عُبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن
عباس يقول: آيةٌ لم يُؤمَر (٤) بها أكثرُ الناس: آيةُ الاستئذان، وإني لامرُ جاريتي هذه
تستأذن عليّ. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس: يأمر به.
وروى عكرمةُ أنَّ نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس، كيف ترى في هذه
الآية التي أُمِرنا فيها بما أُمِرنا ولا يعمل بها(٥) [أحد]، قول الله عزَّ وجل: ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَِّينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُرْ وَالَّذِينَ لَ يَبْلُغُوْ اَلُْمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّنَّوْ مِن قَبْلِ صَلَوْقِ الْتَجْرِ
وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُم مِّنَ الَّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ آلْعِشَآءِ ثَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَيْكُ وَلَا
عَلَيْهِمْ جُنٌَ بَعْدَهُنُّ طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ﴾. قال أبو داود: قرأ القَعْنَبيُّ إلى: ﴿عَلِيهُ
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٥١/٢، ٥٥٧، وقول القاسم بن محمد أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠
واللفظ له، والطبري ١٧ / ٣٥٥ عن حنظلة قال: سمعت القاسم وسئل عن الإذن، فقال: استأذن عند كل
عورة، ثم هو طوَّاف بعدها.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٥٣/٢-٥٥٤. وليث هذا قال فيه ابن حبان في المجروحين ص٢٣١:
اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به، فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن
الثقات بما ليس من أحاديثهم، تركه يحيى القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين. اهـ .
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال البزار: كان أحد العباد، إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب
حديثه.
(٣) برقم (٥١٩١).
(٤) في (د): لم يأمر، وفي (ظ) و(ف): لم يؤمن، والمثبت من (م) وهو الموافق لسنن أبي داود.
(٥) في (د): ولا تفعل بها، وفي (ف): ولا نعمل بها، وليست في (ز) و(ظ).

٣٣١
سورة النور: الآية ٥٨
حَكِيمٌ﴾. قال ابن عباس: إنَّ الله حليم (١) رحيم بالمؤمنين يحبُّ السِّتر ، وكان
الناس ليس لبيوتهم (٢) سُتُور ولا حِجال(٣)، فربما دخل الخادم، أو الولدُ، أو يتيمةُ
الرجل(٤) والرجلُ على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله
بالسُّتور والخير، فلم أر أحداً يعمل بذلك [بعد](٥).
قلت: هذا متنٌ حسن، وهو يَرُدُّ قول سعيد وابنٍ جبير، فإنه ليس فيه دليلٌ على
نسخ الآية، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مِثلُ ذلك الحال،
فحكمها قائمٌ كما كان (٦)، بل حكمها لليوم(٧) ثابتٌ في كثير من مساكن المسلمين في
البوادي والصَّحارى ونحوِها. وروى وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبي عائشةً،
عن الشَّعبي: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ قال: ليست بمنسوخة.
قلت: إنَّ الناس لا يعملون، قال: الله عزَّ وجلَّ المستعان(٨).
الثالثة: قال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاثاً مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَشْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْخُلُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتَّ﴾ قال: يريد
ثلاثَ دُفعات. قال: فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنَّةُ رسول اللـه ﴾ في
الجميع. قال ابن عبد البر(٩): ما قاله من هذا وإن كان له وجه، فإنه غيرُ معروف عن
(١) في (د) و(ف): علیم، وفي (ز): حكيم.
(٢) في النسخ الخطية: لأبوابهم، والمثبت من (م) وسنن أبي داود.
(٣) في (ظ): ولا حجاب. والحجال جمع الحَجَلة - بالتحريك - : بيت كالقُبَّة يستر بالثياب، وتكون له
أزرار كبار. النهاية (حجل).
(٤) لفظة: الرجل، من (م) وسنن أبي داود .
(٥) سنن أبي داود (٥١٩٢) وما بین حاصرتين منه.
(٦) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٥٥/٢ دون قوله: وهو يرد قول سعيد وابن جبير.
(٧) في (د) و(ف): اليوم .
(٨) أخرجه بهذا الإسناد ابن أبي شيبة ٤٠٠/٤، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٠٤). وأخرجه أبو عبيد
في الناسخ والمنسوخ (٤٠٤)، والطبري ١٧/ ٣٥٤ من طريق يحيى بن سعيد وعبد الرحمن عن سفيان به.
(٩) في التمهيد ١٩٧/٣، والاستذكار ١٦١/٢٧ - ١٦٢.

٣٣٢
سورة النور: الآية ٥٨
العلماء في تفسير الآية التي نَزَع بها، والذي عليه جمهورُهم في قوله. ﴿ ثَلَثَ مَرَّةٍ﴾ أي:
في ثلاثة أوقات. ويدلُّ على صحَّة هذا القول ذِكْرُه فيها: ﴿مِن ◌َّلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ
◌ِيَابَكُمْ مِنَ الَّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوْةِ اَلْمِشَاءِ﴾.
الرابعة: أدَّب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيدُ إذ لا بال لهم،
والأطفالُ الذين لم يبلغوا الحُلُم إلا أنهم عَقَلُوا معاني الكَشْفة ونحوها، يستأذنون
على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة، وهي الأوقاتُ التي تقتضي عادةُ الناس
الانكشافَ فيها وملازمة التَعرِّي. فما قبلَ الفجر وقتُ انتهاء النوم، ووقتُ الخروج من
ثياب النوم، ولبس ثياب النهار. ووقتُ القائلة وقتُ التجرُّد أيضاً وهي الّهيرة، لأن
النهار يظهر فيها إذا علا (١) واشتد حَرُّه. وبعد صلاة العشاء وقتُ التّعرِّي للنوم(٢)،
فالتكثُّف غالبٌ في هذه الأوقات.
يُروى أن رسول الله ﴾ بعث غلاماً من الأنصار - يقال له: مُذْلج إلى عمرَ بن
الخطاب ظَهِيرةً ليدعوه، فوجده نائماً قد أغلق عليه الباب، فدقَّ عليه الغلام الباب
فناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس، فانكشف منه شيء، فقال عمر: وَدِدتُ أن الله
نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق
إلى رسول الله ﴾ فوجد هذه الآية قد أُنزلت، فخرَّ ساجداً شكراً لله(٣). وهي مكية(٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَ يَبْلُغُوْ اَلْحُمُ مِنْكُمْ﴾ أي: الذين لم يحتلموا من
أحراركم. قاله مجاهد(٥). وذكر إسماعيل بن إسحاق [أن ابن عباس] كان يقول:
(١) بعدها في (م): شعاعه.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٤/٤.
(٣) أخرجه ابن منده - كما في الإصابة ٩/ ١٥٥ - من طريق السُّدِّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح،
عن ابن عباس بنحوه. وهذا إسناد تالف. وأورده الماوردي في النكت والعيون ٤/ ١٢٠، والبغوي في
تفسيره ٣٥٥/٣ .
(٤) لم نقف على من ذكر أن هذه الآية مكية. وسلف في أول السورة أنها مدنية كلها بالإجماع.
(٥) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٠٨)، والطبري ١٧/ ٣٥٢ .

٣٣٣
سورة النور: الآية ٥٨
ليستأذِنْكم الذين لم يبلغوا الحُلُم ممَّا ملكت أيمانكم(١)، على التقديم والتأخير، وأنَّ
الآية في الإماء. وقرأ الجمهور بضمِّ اللام، وسكّنها الحسن بن أبي الحسن لثِقَل
الضَّمة. وكان أبو عمرو يستحسِنُها(٢).
و﴿َثَلَثَ مَّتٍ﴾ نصب على الظرف؛ لأنهم لم يُؤمروا بالاستئذان ثلاثاً، إنما أُمِروا
بالاستئذان في ثلاثة مواطن، والظرفيةُ في ((ثلاث)) بيِّنةٌ(٣): من قبل صلاة الفجر،
: وحين تَضَعُون ثيابكم من الظَّهِيرة، ومن بعد صلاة العشاء . وقد مضى معناه . ولا
يجب أن يُستأذَن ثلاث مرات في كلِّ وقت.
﴿ثَلَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ﴾ قرأ جمهور السبعة: ((ثلاثُ عَوْراتٍ)) برفع ((ثلاث)). وقرأ
- حمزة والكسائيُّ وأبو بكر عن عاصم: ((ثلاثَ)) بالنصب على البدل من الظرف في
قوله: ((ثلاثَ مرَّات))(٤). قال أبو حاتم: النصب ضعيفٌ مردود. وقال الفرَّاء(٥):
الرفعُ أحبُّ إليَّ. قال: وإنما اخترتُ الرفع لأن المعنى: هذه الخصالُ ثلاثُ عورات.
والرفع عند الكسائيِّ بالابتداء، والخبر عنده ما بعده، ولم يقل بالعائد، وقال نَصّا
بالابتداء . قال: والعَوْرات: الساعاتُ التي تكون فيها العَوْرة، إلا أنه قَرَأ بالنصب،
والنصب فيه قولان: أحدهما: أنه مردود على قوله: ((ثلاثَ مرَّات))، ولهذا استبعده
الفرَّاء. وقال الزجاج(٦): المعنى: لِيستأذِنكم أوقاتَ ثلاثٍ عورات، فخُذِف المضاف
وأُقيم المضاف إليه مُقامه.
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٢١/٤ ومابين حاصرتين منه.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٣/٤ دون ذكر قراءة الحسن، وقد ذكرها النحاس في إعراب القرآن ١٤٦/٣،
ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٣ في هذه الآية والتي بعدها لعبد الوارث عن أبي عمرو.
(٣) المحرر الوجيز ٤ / ١٩٤.
(٤) المحرر الوجيز ١٩٤/٤، والسبعة ص ٤٥٩، والتيسير ص ١٦٣.
، (٥) في معاني القرآن ٢٦٠/٢، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٤٧/٣ وماقبله
وماسیرد منه.
: (٦) في معاني القرآن ٤/ ٥٢.

٣٣٤
سورة النور: الآية ٥٨
و((عَوْرات)) جمعُ عَوْرة، وبابُه في الصَّحيح أن يجيء على فَعَلات - بفتح العين -
كجَفْنة وجَفَنات، ونحو ذلك. وسكّنوا العَيْن في المُعْتَلِّ كَبَيْضة وبَيْضات؛ لأن فتحه
داعٍ إلى اعتلاله، فلم يُفتح لذلك(١)، فأمَّا قول الشاعر:
أبو بَيَضاتٍ رائحٌ أو مُعْتَدٍ(٢)
عجلانَ ذا زاد وغيرَ مُزَوَّد(٣)
[فضرورة] (٤).
السادسة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيَّهِمْ جُنٌَّ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: في الدخول
من غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذِّلين. ﴿طَوَّقُونَ﴾ بمعنى: هم طوَّافون. قال
الفرَّاء(٥): كقولك في الكلام: إنما هم خدمُكم وطوَّافون عليكم. وأجاز الفراء نصب
((طوَّافين))(٦)؛ لأنه نكرة، والمضمرُ في ((عليكم)) (٧) معرفة. ولا يُجيز البصريون أن
يكون حالاً من المضمَرَيْن اللَّذَين في ((عليكم)) وفي ((بعضكم)) لاختلاف العاملين. ولا
يجوز: مررتُ بزيد ونزلت على عمرو العاقليْن، على النعت لهما (٨). ومعنى(٩)
(١) المحرر الوجيز ١٩٤/٤ .
(٢) كذا وقع في (ف)، وهو غير موزون، ولم تجود اللفظتان الأخيرتان في (د) و(ظ)، وهذا القسم من
التفسير سقط من (خ) و(ز).
(٣) المثبت من (ظ)، ولم تجود اللفظة الأخيرة في (د) و(ف)، ولم نقف على البيت بهذا السياق، ووقع
في ديوان النابغة الذبياني ص٣٨ :
عجلان ذا زاد وغير مزوَّد
أمنَ ال ميَّةَ رائح أو مغتد
ووقع هذا البيت في الخصائص ١٨٤/٣، ولسان العرب (بيض)، وخزانة الأدب ٨/ ١٠٢ وما بعدها:
رفيق بمسح المَنْکبین سَبُوحُ
أخو بيضات رائح متاوِّبٌ
(٤) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. وفتح حرف العلة في: بيضات، هي لغة هذيل، وعند غير
هذيل يكون الفتح ضرورة. ينظر خزانة الأدب ١٠٣/٨ .
(٥) في معاني القرآن٢/ ٢٦٠ .
(٦) وهذه قراءة ابن أبي عبلة كما في المحرر الوجيز ٤/ ١٩٤.
(٧) في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٦٠: عليهم.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٤٧.
(٩) في (د) و(م): فمعنى .

٣٣٥
سورة النور: الآية ٥٨
((طَوَّافون عليكم))، أي: يطوفون عليكم وتطوفون عليهم، ومنه الحديثُ في الهِرَّة:
((إنما هي من الطوَّافين عليكم أو الطوَّافات))(١). فمنع في الثلاث العورات من دخولهم
علينا؛ لأن حقيقة العَوْرة كلُّ شيء لا مانع دونه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ بُتَّنَا عَوْرَةٌ ﴾
[الأحزاب: ١٣] أي: سهلةُ المَدْخَل(٢)، فبيَّن العلة الموجبة للإذن، وهي الخلوة في
حال العورة، فتعيَّن امتثاله وتعذَّر نسخه.
ثم رفع الجناح بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاتٌ بَعْدَهُنُّ طَوَّقُونَ عَلَيْكُمْ
بَعْضُكُمْ عَى بَعْضٍٍ﴾ أي: يطوف بعضكم على بعض
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ الكاف في موضع نصب، أي: يبيِّن الله لكم آياته
الدَّالة على متعبَّداته بياناً مثلَ ما يبيِّن لكم هذه الأشياء(٣).
﴿وَاللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمٌ﴾ تقدَّم(٤).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ﴾ يريد العَّمة. وفي ((صحيح مسلم))
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله # يقول: ((لا تَغْلِبَنَّكم
الأعراب على اسم صلاتكم، ألَا إنَّها العِشاء، وهم يُعْتِمون بالإِبل)»(٥). وفي رواية
(«فإنها في كتاب الله العِشاءُ، وإنها تُعْتِم بِحِلاب الإبل))(٦).
وفي البخاريِّ عن أبي بَرْزة: كان النبيُّ# يؤخِّر العشاء(٧). وقال أنس: أخّر
(١) قطعة من حديث أبي قتادة أخرجه أحمد (٢٢٥٨٠)، وأبو داود(٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي
٥٥/١ و١٧٨، وابن ماجه (٣٦٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) في (د) و(ف) و(م): للمدخل، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي
١٣٨٧/٣ والكلام منه .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤٧/٣.
(٤) ١/ ٤٢٩ .
(٥) صحيح مسلم (٦٤٤): (٢٢٨)، وهو عند أحمد (٤٥٧٢).
(٦) برقم (٦٤٤): (٢٢٩).
(٧) علقه بهذا اللفظ قبل حديث (٥٦٤)، ووصله (٥٩٩) بلفظ: وكان يستحب أن يؤخر العشاء . وسلف
ص٦٧ من هذا الجزء .

٣٣٦
سورة النور: الآية ٥٨
النبيُّ# العشاء(١). وهذا يدلُّ على العشاء الأولى.
وفي الصحيح: فصلًاها - يعني العصر - بين العشاءين المغرب والعشاء(٢). وفي
الموَظَأ(٣) وغيره: ((ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح، لأَتَوْهما ولوْ حَبْواً)).
وفي مسلم عن جابر بن سَمُرةً قال: كان رسول الله ﴾ يصلي الصلواتِ نحواً من
صلاتكم، وكان يؤخِّر العَتَمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يُخِفُّ الصلاة(٤).
قال القاضي أبو بكر بن العربي(٥): وهذه أخبارٌ متعارضة، لا يعلم منها الأول
من الآخِر بالتاريخ، ونهيُه عليه الصلاة السلام عن تسمية المغرب عشاءً(٦) وعن تسمية
العشاء عَتَمةً ثابتٌ، فلا مَردَّ له من أقوال الصحابة فضلاً عمن عداهم. وقد كان ابن
عمر يقول: مَن قال: صلاة العَتَمة؛ فقد أَثِم(٧). وقال ابن القاسم: قال مالك: ﴿وَمِنْ
بَعْدِ صَلَوَةِ آلْمِشَاءِ﴾ فاللهُ سمَّاها صلاةَ العشاء، فأحبَّ النبيُّ ﴾ أن تُسمَّى بما سمَّاها
الله تعالى به، ويُعلِّمها الإنسانُ أهله وولده، ولايُقال: عَتَمة، إلَّ عند خطاب مَن
لا يفهم. وقد قال حسَّان:
وكانت لا يَزال بها أَنيسٌ
خلالَ مُروجِها نَعَمٌ وَشَاءُ
(١) علقه البخاري بهذا اللفظ قبل حديث (٥٦٤)، ووصله (٥٧٢)، وأحمد (١٢٨٨٠)، ومسلم (٦٤٠):
(٢٢٢). وسلف ١٧٥/٤ من حديث ابن مسعود ﴾.
(٢) أخرجه مسلم (٦٢٧): (٢٠٥)، وأحمد (٦١٧) من حديث علي ﴾.
(٣) الموطأ ١٣١/١ عن أبي هريرة ، وأخرجه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١): (٣٥٢)، وسلف.
١٨٠/٤.
(٤) صحيح مسلم (٦٤٣): (٢٢٧)، وهو عند أحمد (٢١٠٠٢). وجاء عنده وفي رواية عند مسلم: يخفّف،
بدل: یخف.
(٥) في أحكام القرآن ١٣٨٦/٣.
(٦) يشير المصنف بذلك إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٦٣) عن عبد الله المزني أن النبي # قال:
((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب)» قال: وتقول الأعراب: هي العشاء ..
(٧) لم نقف عليه، وأخرج عبد الرزاق (٢١٥٤) عن عبد العزيز بن أبي رؤَّاد، وابن أبي شيبة ٤٣٩/٢ عن
نافع كلاهما قال (واللفظ لنافع): كان ابن عمر إذا سمعهم يقولون: العتمة، غضب غضباً شديداً، ونهى
نهياً شديداً.

٣٣٧
سورة النور: الآية ٥٨
فدَعْ هذا ولكن مَنْ لِطَيْفٍ يُؤَرِّقني إذا ذهب العِشاء(١)
وقد قيل: إن هذا النهيَ عن اتِّباعِ الأعراب في تسميتهم العشاءَ عَتَمة، إنَّما كان
لئلا يُعدَل بها عما سمَّاها الله تعالى في كتابه إذ قال: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْمِشَاءِ﴾، فكأنه
نَهْيُ إرشاد إلى ما هو الأَوْلى، وليس على جهة التحريم، ولا على أنَّ تسميتها العَتَمة
لا يجوز. ألا ترى أنه قد ثبت أن النبيَّ # قد أطلق عليها ذلك، [إذ قال: ((ولو يعلمون
ما في العَتَمة والصبح))] وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وعمرُ رضي الله عنهما(٢).
وقيل: إنما نهى عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشريفة الدِّينية عن أن يُطلق عليها ما
هو اسم لفِعلة دُنْيَويَّة، وهي الحَلْبةُ التي كانوا يَحلُبونها في ذلك الوقت ويسمُّونها
العَتَمة، ويشهد لهذا قوله: ((فإنها تُعْتِم بِحلاب الإبل)).
الثامنة: روى ابن ماجه في سننه: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةً، حدَّثنا إسماعيل بن
عيَّاش، عن عُمارةَ بن غَزِيَّة، عن أنس بن مالك، عن عمرَ بنِ الخطاب، عن النبيِّ ◌َ *
أنه كان يقول: ((مَن صَلَّى في (٣) جماعة أربعين ليلةً، لا تفوته الرَّكعة الأولى من صلاة
العشاء، كتب الله له بها عِثْقاً من النار))(٤).
وفي (صحيح مسلم))(٥) عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﴾: ((مَن صلَّى
العشاء في جماعة، فكأنَّما قام نصفَ الليل، ومَن صلَّى الفجر في جماعة، فكأنَّما قام
الليلَ كلَّه)».
وروى الدارقطني في سننه (٦) عن سُبيع أو تُبَيْع، عن كعب قال: مَن توضأ فأحسن
(١) سلف البيت الأول ٥/ ٥٤، والبيت الثاني ٤٢٦/٩ .
(٢) المفهم ٢٦٨/٢ وما سلف بين حاصرتين وما سيرد منه، وفيه: ابن عباس، بدل: عمر.
(٣) بعدها في سنن ابن ماجه: مسجد .
(٤) سنن ابن ماجه (٧٩٨)، وقد أشار إليه الترمذي إثر الحديث (٢٤١) دون أن يذكر لفظه، وقال: هذا
حديث غير محفوظ ، وهو حديث مرسل، وعمارة بن غَزِيَّة لم يدرك أنساً. اهـ. وقال ابن حجر في
التقريب: لا بأس به، وروايته عن أنس مرسلة. وينظر مصباح الزجاجة ١٦٩/١ .
(٥) برقم (٦٥٦)، وسلف ٤/ ١٨٠ -١٨١ .
(٦) برقم (٣٤٣٤).

٣٣٨
سورة النور: الآيتان ٥٨ - ٥٩
الوضوء، وصلَّى العشاء الآخرة، وصلَّى بعدها أربع ركعات، فأتمَّ ركوعهن
وسجودهن، ويعلمُ ما يَقْترِئ فيهنَّ، كُنَّ له بمنزلة ليلة القدر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ فَلْيَسْتَئْذِنُواْ كَمَا أُسْتَشْذَنَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيرٌ حَكِيمٌ(
٥٩٦
قرأ الحسن: ((الحُلْم))، فَحَذف الضمةَ لثِقَلها (١). والمعنى أن الأطفال أُمِروا
بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة، وأُبيح لهم الأمرُ في غير ذلك كما ذكرنا.
ثم أمر الله تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحُلُم على حكم الرجال في
الاستئذان في كلِّ وقت(٢). وهذا بيانٌ من الله عزَّ وجل لأحكامه، وإيضاح حلاله
وحرامه (٣)، وقال: ((فَلْيَسْتَأُذِنُوا))، ولم يقل: فليستأذنوكم.
وقال في الأولى: (لِيَسْتَأْذِنْكُم)) لأن الأطفال غيرُ مخاطَبين ولا متعبَّدين(٤). وقال
ابن جُريح: قلت لعطاء: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَلْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ فَلْيَسْتَنْذِنُوا﴾ قال: واجبٌ على
الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، أحراراً كانوا أو عبيداً(٥). وقال أبو إسحاق الفَزَاريُّ:
قلت للأوزاعيِّ: ما حدُّ الطفل الذي يستأذن؟ قال: أربع سنين، قال: لا يدخل على
امرأة حتى يستأذن(٦). وقال الزهريُّ: أي يستأذن الرجلُ على أمِّه. وفي هذا المعنى
نزلت هذه الآية (٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٤٧، ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٣ القراءة في الموضعين
لعبد الوارث عن أبي عمرو.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٤/٤ .
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٣٨٨/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٤٧.
(٥) الاستذكار ٣٤٤/٢٦-٣٤٥، وأخرجه الطبري ٣٥٨/١٧- ٣٥٩ بنحوه .
(٦) الاستذكار ٣٤٥/٢٦ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٥٥.

٣٣٩
سورة النور: الآية ٦٠
قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرَجُونَ نِكَمًا فَسَ عَلَيْهِنَ جُنَاحُّ أَنْ
يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيِّرَ مُتَبَرِحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُرَبَّ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمٌ (٥)
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ القواعدُ واحدتُها قاعِد، بلا هاء؛
ليدلَّ حذفها على أنه قُعُود الكِبَر، كما قالوا: امرأة حامل؛ ليدلَّ بحذف الهاء أنه حملُ
حَبَل(١). قال الشاعر:
فلو أنَّ ما في بطنه بين نِسوةٍ حَبِلْن وإن كنَّ القواعد عُقَّرا(٢)
وقالوا في غير ذلك: قاعدةٌ في بيتها، وحاملةٌ على ظهرها، بالهاء(٣). والقواعدُ
أيضاً: أساس البيت، واحده قاعدة، بالهاء.
الثانية: القواعد: العُجَّزُ اللَّواتي قَعَدْنَ عن التصرُّف من السنِّ، وقَعَدْنَ عن الولد
والمَحِيض. هذا قول أكثر العلماء(٤). قال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرُها من
كِبَرِها(٥). وقال أبو عبيدة اللاتي قَعَدْنَ عن الولد(٦). وليس ذلك بمستقيم، لأن المرأة
تقعد عن الولد فيها مستمتع. قاله المهدويّ.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاعُّ أَنْ يَضَعْنَ ثِبَابَهُنَ غَيْرَ مُتَبَِّحَاتٍ
بِزِينَةِ﴾ إنما خصَّ القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا مَذْهب للرجال
(١) تفسير غريب القرآن ص٣٠٨ .
(٢) النكت والعيون ١٢١/٤، وأورده أيضاً ابن منظور في اللسان (عقر)، وجاء فيه الشطر الثاني: حبلن
ولو كانت قواعد عقّرا .
(٣) تفسير غريب القرآن ص٣٠٨ .
(٤) ينظر تفسير غريب القرآن ص٣٠٧، والنكت والعيون ١٢١/٤، والوسيط ٣٢٨/٣، والمحرر
الوجيز ٤/ ١٩٤ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٥٥، والمحرر الوجيز ١٩٥/٤.
(٦) مجاز القرآن ٦٩/٢ .

٣٤٠
سورة النور: الآية ٦٠
فيهنَّ، فأبيح لهنَّ ما لم يُبَح لغيرهنَّ، وأُزيل عنهنَّ كُلْفةُ التحفُّظِ المتعِبِ لهنّ(١).
الرابعة: قرأ ابن مسعود وأبَيّ وابنُ عباس: ((أنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيابهن)) بزيادة: من(٢).
قال ابن عباس: وهو الجِلْباب(٣). ورُويَ عن ابن مسعود أيضاً: ((من جلابيبهن)).
والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كَبِرت فوضعت خمارها (٤). وقال قوم: الكبيرة
التي أَيست من النكاح، لو بدا شعرها فلا بأس، فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار.
والصحيح أنها كالشابة في التستُّر، إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق
الدِّرع والخِمار. قاله ابن مسعود وابن جُبير وغيرهما (٥).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿عَيّرَ مُتَّبَرِحَتٍ بِينَةٌ﴾ أي: غيرَ مُظهِرات ولا متعرِّضات
بالتزيُّن(٦) ليُنْظر إليهنَّ(٧)، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعدِه عن الحقّ. والتبرُّج:
التكُّف والظُهورُ للعيون، ومنه: بروج مُشَيَّدةٌ، وبروجُ السماء والأسوار(٨)، أي: لا
حائل دونها يسترها.
وقيل لعائشةَ رضي الله عنها: يا أمَّ المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والصِّباغ
والتمائم والقُرْطَين والخَلْخال وخاتم الذهب ورِقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء،
قصتُكنَّ قصةُ امرأة واحدة، أحلَّ الله لكُنَّ الزينة غيرَ متبرِّجات لمن لا يحلُّ لَكُنَّ أن
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٩٥/٤.
(٢) قراءة ابن مسعود وأبي في تفسير البغوي ٣٥٦/٣، والمحرر الوجيز ١٩٥/٤، وقراءة ابن عباس في
مجمع البيان ٧١/١٨ .
(٣) أخرجه الطبري ٩٣/١٧، والبيهقي ٣٦٠/١٧.
(٤) المحرر الوجيز ١٩٥/٤ .
(٥) ينظر المحرر الوجيز٤/ ١٩٥، وأخرجه عن ابن مسعود الطبري٣٦٢/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٤٠/٨
(١٤٨٣٨) و(١٤٨٤٠). وأخرجه عن سعيد بن جبير ابن أبي حاتم ٢٦٤١/٨ (١٤٨٤٥).
(٦) في (م): بالزِّينة.
(٧) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٣٨٩/٣.
(٨) المحرر الوجيز ١٩٥/٤.