النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ السادسة: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنْجُم؛ لحديث بَرِيرة. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء(١) والحمد لله. فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً، نُجِّمت عليه بقَدْر سِعايته، وإن كره السيِّد(٢). قال الشافعيُّ: لابُدَّ فيها من أجل، وأقلُّها ثلاثةُ أَنْجُم. واختلفوا إذا وقعت على نَجْم واحد؛ فأكثرُ أهل العلم يُجيزونها على نجم واحد. وقال الشافعيُّ: لا تجوز على نجم واحد، ولا تجوز حالَّةً الْبَثَّةَ، وإنما ذلك عِثْقٌ على صفة، كأنه قال: إذا أدَّيتَ كذا وكذا، فأنت حرٍّ، وليست كتابة(٣). قال ابن العربي(٤): اختلف العلماء والسَّلف في الكتابة إذا كانت حالَّةً على قولين، واختلف قول علمائنا كاختلافهم. والصحيحُ في النَّظر أن الكتابة مؤجَّةٌ، كما ورد بها الأثر في حديث بَريرةً حين كاتبتْ أهلها على تسع أواق، في كلِّ عام أُوقِيَّة، وكما فعلت الصحابة، ولذلك سُمِّيت كتابةً؛ لأنها تُكتَب ويُشهَد عليها، فقد استَوْسَق(٥) الاسم والأثر، وعَضَده المعنى، فإن المال إن جعله حالًّا وكان عند العبد شيءٌ، فهو مالُ مقاطعةٍ وعقدُ مقاطعةٍ(٦)، لا عقدُ كتابة. وقال ابن خُوَيْزِمَنْداد: إذا كاتبه على مال معجَّل، كان عتقاً على مال، ولم تكن کتابة. وأجاز غيره من أصحابنا الكتابةَ الحالَّة وسمَّاها قِطاعةً، وهو القياس؛ لأن الأَجَل فيها إنما هو فُسْحةٌ للعبد في التكسُّب. ألا ترى أنه لو جاء بالمنجَّم عليه قَبْل (١) التمهيد ١٦٨/٢٢. (٢) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٤١١/٤، والكافي ٩٨٨/٢، وإكمال المعلم ١١٠/٥. (٣) الاستذكار ١٩٦/٢٣، والتمهيد ١٦٨/٢٢. (٤) في أحكام القرآن ١٣٧١/٣ . (٥) أي: اجتمع، القاموس (وسق). وفي (د) وأحكام القرآن: استوثق. (٦) المقاطعة هو أن يجعل عتق المكاتّب على شيء يقاطع عليه، معجَّل أو مؤجَّل. المنتقى ١٦/٧ - ١٧ . ٢٤٢ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ مَحِلُّه؛ لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجّل للمكاتَب عتقَه(١). وتجوز الكتابة الحالَّة؛ قاله الكوفيون (٢). قلت: لم يَرِد عن مالك نصٌّ في الكتابة الحالَّة، والأصحابُ يقولون: إنها جائزة، ويسمُّونها قِطاعة. وأمَّا قولُ الشافعيّ: إنها لا تجوز على أقلّ من ثلاثة أَنْجُم، فليس بصحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً، لجاز لغيره أن يقول: لا تجوز على أقلّ من خمسة أنجم (٣)؛ لأنها أقلُّ النجوم التي كانت على عهد رسول اللـه ﴿ في بَرِيرة، وعَلِم بها النبيُّ ﴿ وقضى فيها، فكان بصواب الحُجَّة أوْلى. روى البخاريُّ عن عائشةَ أن بَرِيرة دخلت عليها تستعينُها في كتابتها، وعليها خمسةُ أواقٍ نُجِّمت عليها في خمس سنين ... الحديث. كذا قال اللَّيث عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: وعليها خمسةُ أواقٍ نُجِّمت عليها في خمس سنين (٤). وقال أبو أسامة: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت بَرِيرة فقالت: إني كاتبتُ أهلي على تسع أواق ... الحديث(٥). وظاهرُ الروايتين تعارضٌ، غيرَ أنَّ حديث هشام أَوْلى؛ لاتصاله وانقطاع حديث يونس؛ لقول البخاري: وقال اللَّيث: حدثني يونس؛ ولأن هشاماً أثبتُ في حديث أبيه وجدَّته(٦) من غيره، والله أعلم. (١) المفهم ٣١٨/٤. (٢) مختصر اختلاف العلماء ٤١١/٤ . (٣) في (د) و(م): نجوم. (٤) كذا علقه البخاري عن الليث (٢٥٦٠)، ووصله الذهلي في الزهريات كما في تغليق التعليق ٣٤٩/٣ وفتح الباري ٥/ ١٨٧ . قال ابن حجر في الفتح: والمحفوظ رواية الليث له عن ابن شهاب نفسه بغير واسطة ... وهذا هو المحفوظ أن يونس رفيق الليث فيه لا شيخه، ووقع التصريح بسماع الليث له من ابن شهاب ... (٥) أخرجه البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤): (٧)، وسلف في المسألة السابقة. قال ابن حجر في الفتح: ١٨٧/٥: وقد جزم الإسماعيلي بأن الرواية المعلقة غلط، ويمكن الجمع بأن التسع أصل والخمس كانت بقيت عليها ... ويعكّر عليه قوله في رواية قتيبة: ((ولم تكن أدت من كتابتها شيئاً)). ويجاب بأنها كانت حصّلت الأربع أواق قبل أن تستعين بعائشة، ثم جاءتها وقد بقي عليها خمس. (٦) في (د) و(م): وجده، والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في المفهم ٣٢١/٤ والكلام منه دون قوله: لقول البخاري: وقال الليث: حدثني يونس. ٢٤٣ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ السابعة: المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه من مال الكتابة شيءٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المكاتبُ عبدٌ ما بقيَ عليه من مكاتبته درهم)). أخرجه أبو داود(١) عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. ورُويَ عنه أيضاً أن النبيَّ ﴾ قال: «أيُّما عبدٍ كاتب على مئة دينار، فأدَّاها إلا عَشْرةَ دنانير، فهو عبد)(٢). وهذا قولُ مالك والشافعيِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِهم والثوريِّ وأحمد وإسحاقَ وأبي ثور وداود والطبري. ورُويَ ذلك عن ابن عمر من وجوه، وعن زيد بن ثابت وعائشةً وأمِّ سلمة، لم يُختلف عنهم في ذلك ﴾. ورُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطاب، وبه قال ابن المسيِّب والقاسم وسالم وعطاء(٣). قال مالك: وكلُّ مَن أَدْركْنا ببلدنا يقول ذلك. وفيها قولٌ آخَرُ رُويَ عن عليٍّ أنه إذا أدَّى الشَّطْر، فهو غريم. وبه قال النَّخَعي. ورُويَ ذلك عن عمرَ ﴾(٤)، والإسنادُ عنه بأن المكاتبَ عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ، خيرٌ من الإسناد عنه بأن المكاتَب إذا أدَّى الشَّطر فلا رِقَّ عليه. قاله أبو عمر (٥). وعن عليٍّ أيضاً: يَعْتِقِ منه بقَدْر ما أدَّى. وعنه أيضاً أن العَتاقة تَجري فيه بأوَّل نَجْم يُؤَدِّيه(٦). وقال ابن مسعود: إذا أدَّى ثُلُث الكتابة، فهو عَتيق غَرِيم. وهو (٧) قولُ شُرَيح(٨). (١) برقم (٣٩٢٦)، وسلف ٢٧٨/١٠ . (٢) أخرجه أحمد (٦٧٢٦)، وأبو داود (٣٩٢٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٥٠٠٨). (٣) التمهيد ١٧٤/٢٢. (٤) التمهيد ١٧٤/٢٢، وأخرج قول النَّخّعي ابن أبي شيبة ١٥١/٦. وأخرج قول عمر عبد الرزاق (١٥٧٣٦)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٥٠. (٥) في الاستذكار ٢٤١/٢٣ . (٦) التمهيد ١٧٢/٢٢، وأخرج قول علي الأول عبد الرزاق (١٥٧٤١)، وابن أبي شيبة ١٥٢/٦. وأخرج قوله الثاني ابن أبي شيبة ٦/ ١٥٠ . (٧) في (م): وهذا. (٨) التمهيد ١٧٤/٢٢، والاستذكار ٢٣٥/٢٣، وأخرجه عن ابن مسعود عبد الرزاق (١٥٧٢١)، وابن أبي شيبة ١٤٩/٦، والبيهقي ٣٢٦/١٠. ٢٤٤ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ وعن ابن مسعود: لو كانت الكتابة مئتي دينار، وقيمةُ العبد مئة دينار، فأدَّى العبدُ المئة التي هي قيمته، عَتَق. وهو قولُ النَّخَعيِّ أيضاً. وقول سابع: إذا أدَّى الثلاثةَ الأرباعِ، وبقي الرُّبع، فهو غريمٌ ولا يعود عبداً. قاله عطاء بن أبي رباح، رواه ابن جُريج عنه(١). وحُكيَ عن بعض السَّلف أنه بنفس عقد الكتابة حرِّ(٢)، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع إلى الرِّقُ أبداً. وهذا القول يردُّه حديث بَرِيرةَ لصحته عن النبيِّ ﴾(٣). وفيه دليلٌ واضحٌ على أن المكاتّب عبدٌ، ولولا ذلك ما بِيعت بَرِيرة (٤)، ولو كان فيها شيء من العتق، ما أجاز بيعَ ذلك، إذ مِن سنَّته المُجْمَعِ(٥) عليها ألَّا يباع الحرُّ. وكذلك كتابةُ سَلْمان وجُوَيْرِيَة، فإن النبيَّ ﴾ حكم لجميعهم بالرِّقِّ حتى أدَّوا(٦) الكتابة. وهي حُجَّةٌ للجمهور في أن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء. وقد ناظر عليَّ بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب، فقال لعليٍّ: أكنت راجمه لو زنى، أو مُجيزاً شهادتَه لو شَهِد؟ فقال عليٍّ: لا. فقال زيد: هو عبدٌ ما بقيَ عليه شيء(٧). وقد روى النَّسائيُّ عن عليٍّ وابنِ عباس ﴾، عن رسول الله:﴿ أنه قال: ((المكاتَب يَعْتِقِ منه بقَدْر ما أدَّى، ويُقام عليه الحدُّ بقَدْر ما أدَّى، ويَرِث بقَدْر ما عَتَقَ (١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٧٤٣) بنحوه مطولاً. (٢) في (ظ): يعتبر حرًّا. (٣) ينظر المفهم ٣٢٩/٤. (٤) التمهيد ٢٢ /١٧٤ . (٥) في (ظ) و(ف) والتمهيد ١٨٠/٢٢ - والكلام منه -: المجتمع. (٦) في (د): ردوا، وفي (ف) والمفهم ٣٢٩/٤ والكلام منه: وَدَوا. (٧) التمهيد ١٧٦/٢٢، وأورد قول زيد فقط دون مناظرته مع علي البخاري تعليقاً قبل حديث (٢٥٦٤)، ووصله عبد الرزاق (١٥٧١٧)، والبيهقي ٣٢٤/١٠. ٢٤٥ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ منه)). وإسناده صحيح(١). وهو حُجَّةٌ لِمَا رُويَ عن علي، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نَبْهانَ مكاتَبٍ أمِّ سلمةً قال: سمعت أمَّ سلمة تقول: قال لنا رسول الله﴾: ((إذا كان لإحداكنَّ مكاتَب، وكان عنده ما يُؤدِّي، فَلْتَحْتجب منه)). وأخرجه الترمذيُّ وقال: حديث حسن صحيح(٢). إلا أنه يَخْتمل أن يكون خطاباً مع زوجاته، أخذاً بالاحتياط والورع في حقُّهنّ، كما قال لسَوْدة: ((احتجبي منه))(٣) مع أنه قد حكم بأُخُوَّتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: ((أَفَعَمْيَاوَان أنتما، أَلَستُما تُبصرانه)) يعني: ابنَ أمُّ مكتوم، مع أنه قال لفاطمةَ بنت قيس: ((اعتدِّي عند ابن أمّ مكتوم)) (٤). وقد تقدم هذا المعنى. الثامنة: أجمع العلماء على أن المكاتَب إذا حلَّ عليه نَجْمٌ من نجومه أو نجمان أو نجومُه كلُّها، فوقف السيد عن مطالبته، وَتَركه بحاله، أنَّ الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين(٥). التاسعة: قال مالك: لیس للعبد أن يُعجِّز نفسه إذا كان له مالٌ ظاهر، وإن لم يظهر له مالٌ فذلك إليه. وقال الأوزاعيُّ: لا يُمَكَّن من تعجيز نفسه إذا كان قويًّا على الأداء. وقال الشافعيُّ: له أن يُعَجِّز نفسه، عُلِمٍ له مالٌ أو قوَّةٌ على الكتابة أو لم يُعلم، فإذا قال: قد عَجَزت وأبطلت الكتابة؛ فذلك إليه(٦). (١) سنن النسائي ٤٦/٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه، بدل: ويقام عليه الحد بقدر ما أدى، وأخرجه عنه أحمد (١٩٤٤) مختصراً. ولم نقف عليه عند النسائي عن علي ۵﴾، وقد أخرجه عنه عبد الرزاق (١٥٧٣٤) بنحوه. (٢) سنن أبي داود (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١)، وهو عند أحمد (٢٦٤٧٣)، وابن ماجه (٢٥٢٠). (٣) أخرجه أحمد (٢٤٠٨٦)، والبخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. وقوله: احتجبي منه، أي: من ابن وليدة زمعة، وذلك أن عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه، فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي، قد عهد إليَّ فيه، فقام عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى النبي ﴾ .... (٤) المفهم ٣٣٠/٤، وقد سلف هذان الحديثان ص٢١١-٢١٢ من هذا الجزء. (٥) التمهيد ١٧٨/٢٢، والمفهم ٣٣١/٤. (٦) التمهيد ١٧٨/٢٢، والمفهم ٣٣١/٤. ٢٤٦ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ وقال مالك: إذا عَجَز المكاتَب، فكلُّ ما قبضه منه سيِّدُه قبل العجز حَلَّ له، كان من كسبه أو من صدقة عليه. وأمَّا ما أُعِين به على فَكاك رقبته، فلم يَفِ ذلك بكتابته، كان لكلِّ مَن أعانه الرجوعُ بما أعْطَى، أو تحلَّل منه المكاتَب. ولو أعانوه صدقةً لا على فَكاك رقبته، فذلك إن عَجَز حَلَّ لسيِّده، ولو تمَّ به فَكاكه وبقيت منه فَضْلة. فإن كان بمعنى الفَكاك؛ ردَّها إليهم بالحِصَص أو يحلِّلونه منها. هذا كلُّه مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم(١). وقال أكثر أهل العلم: إنَّ ما قبضه السيد منه من كتابته، وما فَضَل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها، فهو لسيده، يَطيب له أخذُ ذلك كلِّه. هذا قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِهما وأحمد بن حنبل، وروايةٌ عن شُريح. وقال الثَّوريّ: يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب، وهو قول مسروق والنَّخَعيّ، وروایةٌ عن شریح. وقالت طائفة: ما قبض منه السید فهو له، وما فضل بیده بعد العجز فهو له دون سيده، وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك. وقال إسحاق: ما أُعطيَ بحال الكتابة رُدَّ على أربابه. العاشرة: حديثُ بَرِيرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمَّن أن بريرة وقع فيها بيعٌ بعد كتابةٍ تقدَّمت. واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك(٢). وقد ترجم البخاريُّ(٣): بابُ بيع المكاتَب إذا رضي. وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتَب بالبيع ولو لم يكن عاجزاً ذهب ابن المنذر (٤) والدَّاوُديُّ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر (١) التمهيد ١٧٩/٢٢ - ١٨٠، والكلام منه إلى آخر المسألة. (٢) المفهم ٤/ ٣٣٠ - ٣٣١. (٣) قبل الحديث (٢٥٦٤). (٤) في الإشراف ١/ ٣٤٠ . ٢٤٧ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ ابن عبد البر(١)، وبه قال ابن شهاب وأبو الزِّناد وربيعة، غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبيع عجزٌ منه. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابُهما: لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتباً حتى يعجِز، ولا يجوز بيع كتابته بحال، وهو قول الشافعيِّ بمصر. وكان بالعراق يقول: بيعه جائز، وأمَّا بيعُ كتابته فغيرُ جائزة(٢). وأجاز مالك بيع الكتابة، فإن أداها عَتَق، وإلّا كان رقيقاً لمشتري الكتابة. ومنع من ذلك أبو حنيفة؛ لأنه بيع غَرَر. واختلف قول الشافعيِّ في ذلك بالمنع والإجازة(٣). وقالت طائفة: يجوز بيع المكاتَب على أن يَمضيَ في كتابته، فإن أدَّى عَتق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه، ولو عَجَز فهو عبد له. وبه قال النَّخَعيُّ وعطاء واللَّيث وأحمدُ وأبو ثور (٤). وقال الأوزاعيُّ: لا يباع المكاتَب إلا للعتق، ويُكره أن يباع قبل عجزه، وهو قول أحمد وإسحاق(٥). قال أبو عمر(٦): في حديث بَريرةَ إجازةُ بيع المكاتَب إذا رضي بالبيع و[إن] لم يكن عاجزاً عن أداء نَجْم قد حلَّ عليه، بخلاف قولٍ مَن زعم أن بيع المكاتب غیرُ جائز إلا بالعجز؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عَجَزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن النجم قد حلَّ عليها، ولا قال لها النبيُّ ﴾: أعاجزةٌ أنتِ، أم هل حلَّ عليكِ نجم فلم تؤدِّه(٧)؟ ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حلَّ، لكان (١) في التمهيد ١٧٦/٢٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي العباس في المفهم ٣٣١/٤ والكلام منه. (٢) التمهيد ١٧٧/٢٢ . (٣) المفهم ٣٣١/٤. (٤) التمهيد ١٧٧/٢٢، والمفهم ٣٣١/٤. (٥) ينظر الاستذكار ٢٩٧/٢٣. (٦) في التمهيد ١٧٦/٢٢ وما سيرد بين حاصرتين منه. (٧) قوله: فلم تؤدِّه، ليس في (م). ٢٤٨ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ النبيُّ﴾ قد سألها: أعاجزةٌ هي أم لا، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه 0 أنها عاجزة؛ ولو عن أداء نجم واحد قد حلَّ عليها. وفي حديث الزُّهريِّ أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئاً (١). ولا أعلم في هذا الباب حجَّةً أصحَّ من حديث بَريرة هذا، ولم يُرْوَ عن النبيِّ ﴿ شيءٌ يعارضه، ولا في شيء من الأخبار دليلٌ على عجزها. استدلَّ مَن منع من بيع المكاتَب بأمور: منها أن قالوا: إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وإنَّ قولها: كاتبت أهلي، معناه أنها راوضتهم عليها، وقدَّروا مبلغها وأجلَها ولم يَعْقدوها. وظاهرُ الأحاديث خلافُ هذا إذا تُؤُمِّل مساقُها (٢). وقيل: إن بريرة عجزت عن الأداء، فاتفقت هي وأهلُها على فسخ الكتابة، وحينئذٍ صحَّ البيع، إلا أن هذا إنما يتمشَى على قول من يقول: إن تعجيز المكاتب غيرُ مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف. وقال سُحْنُون: لابُدَّ من السلطان، وهذا إنما خاف أن يتواطأا على ترك حقِّ الله تعالى. ويدل على صحة أنها عجزت ما رُويّ أن بريرةً جاءت عائشةً تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبُّوا أن أقضيَ عنك كتابتك، فعلت(٣). فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضَها استُحِقَّ عليها؛ لأنه لا يُقْضَى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم(٤). هذه التأويلات(٥) أشبهُ ما لهم، وفيها من الدَّخَلِ ما بيَّنَّاه. وقال ابن المنذر: ولا أعلم حجَّةً لمن قال: ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول: لعل بريرة عَجَزت. قال الشافعيُّ: وأظهر معانيه أن لمالك المكاتَب بَيْعَه. (١) سلف في المسألة الخامسة. (٢) المفهم ٣١٩/٤ - ٣٢٠. (٣) سلف في المسألة الخامسة. (٤) المفهم ٤/ ٣٢٠. (٥) في (ظ): هذان التأويلان. ٢٤٩ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ الحادية عشرة: المكاتَب إذا أدَّى كتابته عَتَق، ولا يحتاج إلى ابتداء عِتق من السيِّد. وكذلك ولدُه الذين وُلِدوا في كتابته من أَمَته، يَعْتِقون بعتقه ويَرِقُون برقِّه؛ لأن ولد الإنسان من أمَته بمثابته اعتباراً بالحرِّ، وكذلك ولدُ المكاتَبة، فإن كان لهما ولدٌ قبل الكتابة، لم يدخل في الكتابة إلا بشرط. الثانية عشرة: ﴿وَءَاتُوهُمْ مِن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ هذا أمرٌ للسَّادة بإعانتهم في مال الكتابة، إمَّا بأن يُعطوهم شيئاً ممَّا في أيديهم - أعني: أيدي السادة - أو يحظُّوا عنهم شيئاً من مال الكتابة. قال مالك: يُوضع عن المكاتب من آخر کتابته، وقد وضع ابن عمر خمسةَ آلاف من خمسة وثلاثين ألفاً(١). واستحسن عليٍّ ﴾ أن يكون ذلك ربعَ الكتابة(٢). قال الزَّهراويُّ: رُويَ ذلك عن النبيِّ﴾(٣). واستحسن ابن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثَها. وقال قتادة: عُشْرها (٤). ابن جُبير: يُسقِط عنه شيئاً، ولم يحُدَّه، وهو قول الشافعيِّ، واستحسنه الثوري. قال الشافعي: والشيء أقلُّ شيء يقع عليه اسم شيء، ويُجبَر عليه السيِّد، ويَحكم به الحاکم علی الورثة إن مات السید. ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب، ولم ير لقَدْر الوضيعة حدًّا (٥). احتجَّ الشافعيُّ بمطلق الأمر في قوله: ﴿وَءَاتُوهُم﴾، ورأى أن عطف الواجب (١) قول مالك في الموطأ ٧٨٨/٢، ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ١٨٩/٢٢، وأخرج أثر ابن عمر الطبري ٢٨٦/١٧، والبيهقي ٣٣٠/١٠. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٩٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٥٠١٩)، والطبري ٢٨٣/١٧ . (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٨٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٥٠١٧) من حديث علي ﴾. قال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٥٦/٢٣: والصحيح أنه موقوف على علي ﴾. وقال ابن كثير ٦/ ٥٤ : هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي. (٤) المحرر الوجيز ١٨١/٤، وأخرج قول قتادة عبد الرزاق (١٥٥٩٤). (٥) المحرر الوجيز ١٨١/٤ ... ٢٥٠ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ على الندب معلومٌ في القرآن ولسان العرب؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ﴾ [النحل: ٩٠] وما كان مثله(١). قال ابن العربي - وذكره قبله إسماعيلُ بن إسحاق القاضي -: جعل الشافعيُّ الإيتاء واجباً، والكتابةَ غيرَ واجبة؛ فجعل الأصل غيرَ واجب والفرعَ واجباً، وهذا لا نظير له، فصارت دعوى محضة. فإن قيل: يكون ذلك كالنكاح لا يجب، فإذا انعقد وجبت أحكامه، منها المتعة. قلنا: عندنا لا تجب المتعة، فلا معنى لأصحاب الشافعيّ. وقد كاتب عثمان ابن عفان عبده وحلف ألَّا يحظّه ... ، في حديث طويل(٢). قلت: وقد قال الحسن والنَّخَعيُّ وبُريدة: إنما الخطاب بقوله: ﴿وَءَاتُوهُم﴾ للناس أجمعين في أن يتصدَّقوا على المكاتبين، وأن يعينوهم في فَكاك رقابهم. وقال زيد بن أسلم: إنما الخطاب للولاة بأن يُعطوا المكاتَبين من مال الصدقة حظّهم، وهو الذي تضمَّنه قولُه تعالى: ﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾(٣). وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئاً عن مكاتبه. ودليلُ هذا أنه لو أراد حطّ شيء من نجوم الكتابة لقال: وضَعُوا عنهم كذا. الثالثة عشرة: إذا قلنا: إن المراد بالخطاب السادة، فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أوَّل نجومه، مبادرةً إلى الخير خوفاً ألَّ يُدرِك آخرها(٤). ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيرُه أن يكون الوضع من آخر نجم. وعلَّة ذلك أنه إذا وُضِع من أوَّل نَجم ربَّما عَجَز العبد، فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وَضِيعتُه، وهي شبه الصدقة. وهذا قول عبد الله بن عمر(٥) وعليّ. وقال مجاهد: يَتْرك له من كلِّ نجم. (١) الاستذكار ٢٣/ ٢٥٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٧٢/٣ - ١٣٧٣، ولم نقف على هذا الأثر . (٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٨٢. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٨٧/٨ (١٤٥١٠)، والبيهقي ٣٢٩/١٠ - ٣٣٠. (٥) المحرر الوجيز ١٨١/٤، وقول مالك في الموطأ ٧٨٨/٢، وأخرج قول ابن عمر عبد الرزاق (١٥٥٩٥)، والبيهقي ٣٣٠/١٠ . ٢٥١ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ قال ابن العربي(١): والأقوى عندي أن يكون في آخرها؛ لأن الإسقاط أبداً إنما يكون في أُخْرَيات الدُّیون. الرابعة عشرة: المكاتب إذا بيع للعتق رضاً منه بعد الكتابة، وقبض بائعه ثمنه، لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئاً، سواء باعه لعتق أو لغير عتق، وليس ذلك كالسيد يؤدِّي إليه مكاتبُه(٢) كتابته فيؤتيه منها، أو يضع عنه من آخرها نَجماً أو ما شاء، على ما أمره(٣) الله به في كتابه، لأن النبيَّ ﴾ لم يأمر موالي بريرةَ بإعطائها ممَّا قبضوا شيئاً، وإن كانوا قد باعوها للعتق (٤). الخامسة عشرة: اختلفوا في صفة عقد الكتابة، فقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: صفتُها: أن يقول السيد لعبده: كاتبتك على كذا وكذا من المال، في كذا وكذا نجماً، إذا أدَّيته فأنت حرّ. أو يقول له: أدِّ إليَّ ألفاً في عَشَرة أنجم وأنت حرّ. فيقول العبد: قد قبلت، ونحو ذلك من الألفاظ، فمتى أدَّاها عَتَق. وكذلك لو قال العبد: كاتبني، فقال السيد: قد فعلت، أو قد كاتبتك. قال ابن العربي(٥): وهذا لا يلزم؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضیه والحال یشهد له، فإن ذكره فحسن، وإن ترکه فهو معلوم لا يُحتاج إليه. ومسائل هذا الباب وفروعُه كثيرةٌ، وقد ذكرنا من أصوله جملة، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله الموفّق للهداية. السادسة عشرة: في ميراث المكاتَب، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك أنَّ المكاتَب إذا هلك وترك مالاً أكثر ممَّا بقي عليه من کتابته، وله ولدٌ وُلِدوا في كتابته، أو كاتَبَ عليهم، ورِثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته؛ (١) في أحكام القرآن ١٣٧٣/٣، وقول مجاهد منه. (٢) في (م): مكاتب. (٣) في (م): أمر. (٤) التمهيد ١٨٧/٢٢ - ١٨٨. (٥) في أحكام القرآن ١٣٧٤/٣ . ٢٥٢ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ لأن حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلِّف مالاً، ولا يَعْتِقُون إلا بعتقه، ولو أدَّى عنهم ما رجع بذلك عليهم؛ لأنهم يَعْتِقون عليه، فهم أولى بمیراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله. والقول الثاني: أنه يُؤدَّی عنه من ماله جمیعُ کتابته، وجُعِل کأنه قد مات حُرًّا، ويَرِثه جميع ولده، وسواءٌ في ذلك مَن كان حرًّا قبل موته من ولده، ومَن كاتب عليهم، أو وُلِدوا في كتابته؛ لأنهم قد استَوَوا في الحرِّية كلَّهم حين تأذَّت عنهم كتابتُهم. رُويَ هذا القول عن عليٍّ وابن مسعود، ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس وإبراهيم، وبه قال فقهاء الكوفة؛ سفيانُ الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه والحسنُ بن صالح بن حَيّ، وإليه ذهب إسحاق. والقول الثالث: أن المكاتب إذا مات قبل أن يُؤدِّيَ جميع كتابته فقد مات عبداً، وكلُّ ما يخلفه من المال فهو لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا الأحرارُ ولا الذين معه في كتابته؛ لأنه لمَّا مات قبل أن يؤدِّي جميع كتابته، فقد مات عبداً، ومالُه لسيده، فلا يصح عتقه بعد موته؛ لأنه مُحالٌ أن يَعتِقِ عبد بعد موته، وعلى ولده الذین كاتب عليهم، أو وُلِدوا في كتابته أن يسعَوْا في باقي الكتابة، ويَسْقُطُ عنهم منها قَدْرُ حصته، فإن أدَّوا عَتَقوا لأنهم كانوا فيها تَبَعاً لأبيهم، وإن لم يُؤدُّوا ذلك رَقُّوا. هذا قول الشافعيّ، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو قول عمر بن الخطاب وزیدِ بن ثابت، وعمرَ بنِ عبد العزيز والزُّهريِّ وقتادةٍ (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَمَسُّنَا﴾ رُويَ عن جابر بن عبد الله وابنِ عباس ﴾ أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ، وكانت له جاريتان؛ إحداهما تسمَّى مُعاذة، والأخرى مُسَيْكة، وكان يُكرِهُهما على الزنى، ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد، فشكتا ذلك إلى النبيِّ#، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذةُ هذه أمُّ خولة التي جادلت النبيَّ # في زوجها. (١) ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن عبد البر في الاستذكار ٢٤١/٢٣ - ٢٤٣ . ٢٥٣ سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤ وفي ((صحيح مسلم))(١) عن جابر أن جاريةً لعبد الله بن أُبَيِّ يقال لها: مُسَيكة، وأخرى يقال لها: أُمَيمة، فكان يُكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبيِّ #، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَِّ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدَّنَ تَحَضُّنَا﴾ راجعٌ إلى الفَتَيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصُّن، فحينئذٍ يمكن ويُتَصوَّر أن يكون السيد مكرِهاً، ويمكن أن يُنهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصُّن، فلا يُتصوَّر أن يقال للسيد: لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يُتصوَّر فيها وهي مريدةٌ للزنى. فهذا أمرٌ في سادة وفتيات حالُهم هذه(٢). وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال(٣): إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصُّن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يُصَوِّر الإكراه، فأمَّا إذا كانت هي راغبةً في الزنى، لم يُتَصوَّر إكراه، فحصِّلوه. وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسِّرين، فقال بعضهم: قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَسُّنَا﴾ راجعٌ إلى الأَيَامى. قال الزَّجَّاج والحسينُ بن الفضل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إنْ أردن تحصناً(٤). وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدَنَ﴾ مُلْغّى، ونحو ذلك مما يَضْعُف(٥). والله الموفق. قوله تعالى: ﴿ِغَفُواْ عَرَضَ الْخَيَّوَةِ الدُّنيَا﴾ أي: الشيءَ الذي تكتسبه(٦) الأَمَة بفرجها، والولدَ لُيُستَرَقَّ(٧) فيباع. وقيل: كان الزاني يقتدي ولده من المزنيِّ بها بمئة (١) برقم (٣٠٢٩): (٢٧). (٢) المحرر الوجيز ١٨٢/٤ . (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٧٤. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٠/٤، وكلام الحسين بن الفضل في تفسير البغوي ٣٤٤/٣. (٥) المحرر الوجيز ١٨٢/٤. (٦) في (د) و(ز) و(م): تكسبه، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٨٢/٤ والكلام منه. (٧) في (٥): يسترق. : ٢٥٤ سورة النور: الآيات ٣٣ - ٣٥ من الإبل يدفعُها إلى سيدها. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ﴾ أي: يَقْهَرْ هِنَّ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ لهنَّ ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهنَّ. وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير: ((لهنَّ غفور)) بزيادة: لهنَّ (١). وقد مضى الكلام في الإكراه في ((النحل))(٢) والحمد لله. ثم عدَّد تعالى على المؤمنين نِعَمَه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيما(٣) ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم؛ ليقع التحفّظ مما وقع أولئك فيه. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضَِّ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوْقَ فِهَا مِصَْامٌ الْمِصَْاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنّهاَ كَوَّكَبُ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مَُرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسَّهُ نَارٌ نُورُ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْتَلَ لِلنَّاسِنُّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ النور في كلام العرب: الأضواءُ المدركة بالبصر. واستعمل مجازاً فيما صحَّ من المعاني ولاح، فيقال منه: كلام له نور. ومنه: الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر: نسبٌ كأنَّ عليه من شمس الضُّحا نوراً ومن فَلَقِ الصباح عمودا(٤) والناس يقولون: فلانٌ نور البلد، وشمس العصر وقمرُه. قال: فإِنَّكِ شمسٌ والملوك كواكبٌ(٥) وقال آخر : (١) المحرر الوجيز ١٨٢/٤، ونسبها ابن جني في المحتسب ١٠٨/٢ لابن عباس وسعيد بن جبير. (٢) ٤٣٢/١٢ وما بعدها. (٣) في (د) و(م): وفيها، والمثبت من (ز) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٨٢/٤ والكلام منه. (٤) المحرر الوجيز ١٨٣/٤ . والبيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٤١٣/١ . (٥) المفهم ٣٩٦/٢-٣٩٧. وهذا صدر بيت النابغة الذبياني، وعجزه: إذا طلعت لم يبد منهن كوكب. والبيت في ديوانه ص١٨ . ٢٥٥ سورة النور: الآية ٣٥ قمرَ القبائلِ خالد بن يزيد(١) هلا خصصت من البلادِ بمقصدٍ وقال آخر: إذا سار عبدُ الله من مَرْوَ ليلةً فقد سارَ منها نورُها وجمالُها(٢) فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛ لأنَّه أوجد الأشياءَ، ونوَّرَ جميع الأشياء، منه ابتداؤها وعنه صدورُها، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدرَكة، جلّ وتعالى عما يقول الظالمون عُلُوًّا كبيراً. وقد قال هشام الجواليقي(٣) وطائفة من المُجَسِّمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام(٤). وهذا كلُّه مُحالٌ على الله تعالى عقلاً ونقلاً، على ما يُعرف في موضعه من علم الكلام. ثم إنَّ قولَهم متناقض؛ فإنَّ قولهم: جسم أو نور، حكمٌ عليه بحقيقة ذلك، وقولهم: لا كالأنوار ولا كالأجسام، نفيٌ لما أثبتوه من الجسمِيّة والنور، وذلك متناقض، وتحقيقه في علم الكلام(٥). والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها؛ منها هذه الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل يتهجَّد: ((اللَّهُمّ لك الحمدُ أنت نورُ السماوات والأرض» (٦). وقال عليه الصلاة والسلام وقد سُئل: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: ((رأيت نوراً))(٧). إلى غير ذلك من الأحاديث. (١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٣٩٤/١ وصدره فيه: كنت الربيع أمامه ووراءه، بدل: هلا خصصت من البلاد بمقصد. (٢) المفهم ٢/ ٣٩٧ ولم ينسبه. (٣) هو هشام بن سالم الجواليقي، على مذهب الإمامية ومن الطائفة الهشامية، ومع ذلك هو مفرط في التشبيه والتجسيم، ينظر الفرق للبغدادي ٥١ ، ومقالات الإسلاميين ص٣٤، والملل والنحل ١٨٤/١. (٤) المفهم ١/ ٤٠٧، وتنظر المصادر السابقة. (٥) المفهم ١/ ٤٠٧-٤٠٨ . (٦) أخرجه أحمد (٢٧٠٩)، والبخاري (٦٣١٧)، ومسلم (٧٦٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٧) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٧٨): (٢٩٢) من حديث أبي ذر﴾. ٢٥٦ سورة النور: الآية ٣٥ واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: المعنى أي: به وبقدرته أنارتْ أضواؤها، واستقامت أمورُها، وقامتْ مصنوعاتُها. فالكلام على التقريب للذِّهن، كما يقال: المَلِك نور أهل البلد؛ أي: به قِوامُ أمرها وصلاحُ جملتها؛ لجَرَيان أموره على سنن السَّداد. فهو في المَلِكِ مجاز، وهو في صفة الله حقيقة محضة؛ إذ هو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقلَ نوراً هادياً؛ لأنَّ ظهورَ الموجود به حصل كما حصل بالضّوْء ظهور المبصَرات، تبارك الله تعالى لا ربّ غيره(١). قال معناه مجاهد والأزهري(٢) وغيرهما. قال ابن عرفة: أي منوِّر السماوات والأرض. وكذا قال الضحاك والقُرَظي. كما يقولون: فلان غياثنا، أي: مغيثنا. وفلان زادي؛ أي: مزودي. قال جرير: وأنت لنا نورٌ وغَيْثُ وعِضْمةٌ ونبْتٌ لمن يرجو نَداك ورِيقُ(٣) أي: ذو وَرَق. وقال مجاهد: مدبِّر الأمور في السماوات والأرض. أُبَيّ بن كعب، والحسن، وأبو العاليَة: مزيِّنُ السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّن الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال ابن عباس وأنس: المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض(٤). والأول أعمّ للمعاني وأصحّ مع التأويل. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهٍ﴾ أي: صفةُ دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن، والدلائل تسمى: نوراً. وقد سمَّى الله تعالى كتابه نُوراً، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وسمى نبيَّه نوراً، فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ (١) المحرر الوجيز ١٨٣/٤. (٢) في (م) الزهري، والمثبت من (د) و(ظ) وكلام الأزهري في تهذيب اللغة ٢٣٥/١٥. (٣) تهذيب اللغة ٢٣٥/١٥، ولم نقف عليه في ديوان جرير. (٤) تفسير الطبري ٢٩٥/١٧ - ٢٩٦، وتفسير البغوي ٣٤٥/٣، والنكت والعيون ١٠٢/٤. ٢٥٧ سورة النور: الآية ٣٥ ◌ُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. وهذا لأنَّ الكتابَ يهدي ويبيّن، وكذلك الرسول. ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبيِّنها وواضعها. وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزءٍ من الممثَّل به، بل وقع التشبيه فيه جملةً بجملة، وذلك أن يريد: مَثَل نور الله الذي هو هداه وإتقانُه صنعةَ كلِّ مخلوقٍ وبراهينه الساطعة على الجملة، كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة، التي هي أبلغُ صفات النور الذي بين أيدي الناس، فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكُم أيها البشر . والمِشْكاة: الكوَّة في الحائط غير النافذة. قاله ابن جبير وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباحُ فيها أكثر إنارةً منه في غيرها(١). وأصلها: الوعاء يجعل فيه الشيء، والمشكاة: وعاء من أَدَم(٢)، كالدَّلْو يبرّد فيها الماء، وهو على وزن مِفعلة، كالمِقراة(٣) والمِصْفاة، قال الشاعر: كأنَّ عَيْنيه مِشكاتان في حَجَرٍ قِيضا اقتياضاً بأطرافِ المناقيرِ (٤) وقيل: المِشْكاة عمودُ القِنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: هي القنديل(٥). وقال: ﴿فِ زُجَّةٍ﴾ لأنَّه جسمٌ شفاف، والمصباح فيه أنورُ منه في غير الزُّجاج، و﴿الْمِصْبَاحُ﴾: الفتيل بناره(٦). (١) المحرر الوجيز ٤ / ١٨٤. (٢) الصحاح (شكا) وتهذيب اللغة ٢٩٩/١٠ بنحوه. (٣) المقراة: إناء يجتمع فيه الماء، والقَصْعةُ التي يُقُرى فيها الضيف. اللسان (قرأ). (٤) ورد هذا البيت في الصناعتين للعسكري ص/ ١٢٤، والحيوان للجاحظ ٤/ ٤٥٧، منسوباً لأبي زبيد، وفيهما: ((كأن عينيه في وقبين من حجر)) بدل: ((كأن عينيه مشکاتان في حجر))، وفي الشعر والشعراء ٨٠١/٢ وفيه: ((وقبان)) بدل ((في وقبين). والوقب: النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، و((قيضا))؛ القيض: الشق، والمناقير جمع المنقار: وهي حديدة كالفأس ينقر بها. تاج العروس (وقب)، (قيض)، (نقر). (٥) النكت والعيون ٤/ ١٠٢ . (٦) المحرر الوجيز ١٨٤/٤. ٢٥٨ سورة النور: الآية ٣٥ ﴿كَنّهَا كَوَكَبُ دُرِىٌ﴾ أي: في الإنارة والضوء. وذلك يحتمل معنيين: إما أن يريد أنَّها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنَّها في نفسها، لصفائها وجودة جوهرها كذلك. وهذا التأويلُ أبلغ في التعاون على النور. قال الضحاك: الكوكب الذُّرِّي هو الزُّهَرة(١). قوله تعالى: ﴿يُوقَّدُ مِنْ شَجَرَقِ مُبَرَكَةٍ﴾ أي: من زيت شجرةٍ، فَحُذِف المضاف. و﴿الْمُبَرَكَةِ﴾ المُنَمّاة، و((الزيتون)) من أعظم الثمار نَماءً، والرُّمان كذلك. والعِيان يقتضي ذلك(٢). وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس: رٍو وليتٌ يقولها المحزونُ ليتَ شِعْرِي مسافِرَ بنَ أبي عَمْـ رِكَ بيعُ(٣) الرُّمان والزَّيتون (٤) بورك الميِّتُ الغريبُ كما بُو وقيل: من بركتهما أنَّ أغصانهما تُورق من أسفلها إلى أعلاها(٥). وقال ابن عباس: في الزيتونة منافع، يُسرج بالزيت، وهو إدامٌ ودِهانٌ ودِباغ، ووَقود يوقد بحطبه وتُفْله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعةٌ، حتى الرَّماد يغسل به الإِبْريسَم (٦). وهي أول شجرةٍ نبتَتْ في الدنيا، وأوّلُ شجرة نبتت بعد الطوفان، وتنبتُ في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيًّا بالبركة، منهم إبراهيم(٧)، ومنهم محمد *. (١) المحرر الوجيز ١٨٤/٤ . (٢) في المحرر الوجيز: يقضي بذلك. (٣) في (د) و(م): نبع. (٤) المصدر السابق، والبيتان في كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان للجاحظ ص٧٤ ، والأغاني ٥١/٩، ومصارع العشاق ٢٥٠/١ والخزانة ٤٦٣/١٠ . واختلفت الرواية في الشطر الثاني من البيت الثاني منهما، فرواية الجاحظ: ((كما بورك نضح الرمان والزيتون)) ورواية الأغاني ومصارع العشاق: ((كما بورك نضر الريحان والزيتون)) ورواية الخزانة: ((كما بورك غصن الريحان والزيتون)). (٥) تفسير الرازي ٢٣٦/٢٣ بنحوه. (٦) الوسيط للواحدي ٣/ ٣٢٠ دون نسبته إلى ابن عباس. (٧) تفسير الرازي ٢٣٦/٢٣ . ٢٥٩ سورة النور: الآية ٣٥ فإنَّه قال: ((اللّهُمّ باركْ في الزيت والزيتون)). قاله مرتين(١). قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِّكْ﴾ اختلف العلماءُ في قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةِ﴾ فقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم: الشرقية التي تُصيبها الشمسُ إذا شَرَقت ولا تُصيبها إذا غَرَبت؛ لأنَّ لها ستراً، والغربِيّة عكسها؛ أي: إنَّها شجرة في صحراء ومنكشفٍ من الأرض، لا يُواريها عن الشمس شيءٌ، وهو أجود لزَيْتِها، فليست خالصةً للشرق فتسمَّى شرقية، ولا للغرب فتسمَّى غربِيّة، بل هي شرقية غربية(٢). وقال الطبريُّ عن ابن عباس(٣): إنَّها شجرة في دَوْحة قد أحاطت بها، فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. قال ابن عطية(٤): وهذا قولٌ لا يصحُّ عن ابن عباس؛ لأنَّ الشجرة(٥) التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهَدٌ في الوجود. وقال الحسن: ليست هذه الشجرةُ من شجر الدنيا، وإنّما هو مَثَل ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إمّا شرقيةً وإمّا غربية(٦). الثعلبي: وقد أفصح القرآن بأنَّها من شجر الدنيا؛ لأنَّها بدلٌ من الشجرة، فقال: (زیتونة)). وقال ابن زيد: إنَّها من شجر الشام؛ فإنَّ شجر الشام لا شرقيّ ولا غربيّ، وشجر (١) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ٩٠/٢ من حديث يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد ﴾ مرفوعاً. ويعلى بن الأشدق قال البخاري: لا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال ابن حبان: وضعوا له أحاديث يحدث بها ولم يدر. ميزان الاعتدال ٤/ ٤٥٦. (٢) معاني القرآن للفراء ٣٥٢/٢ دون نسبة، وأخرجه بنحوه الطبري في تفسيره ٣١١/١٧-٣١٢ عن عكرمة و ابن عباس. (٣) تفسير الطبري ١٧/ ٣١٢ بنحوه. (٤) في المحرر الوجيز ١٨٥/٤، وما قبله منه. (٥) في (م) و(د) و(ز): الثمرة، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٦) المحرر الوجيز ١٨٥/٤، وأخرج قول الحسن الطبريُّ في تفسيره ٣١٣/١٧. ٢٦٠ سورة النور: الآية ٣٥ الشام هو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة (١). و((شرقيةٍ)) نعت لـ ((زيتونَةٍ))، و((لا)) ليست تحول بين النعت والمنعوت، ((ولا غربية)) عطف عليه(٢). قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ مبالغةٌ في حُسنه وصفائه وجودته(٣). ﴿قُورٌ عَلَى نُورِّ﴾ أي: اجتمع في المِشكاة ضوءُ المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت؛ فصار لذلك نوراً على نور(٤). واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة؛ فصارت كأنور ما يكون، فكذلك براهين الله تعالى واضحة، وهي برهانٌ بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، كإرساله الرسلَ وإنزاله الكتبَ، ومواعظُ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر. ثم ذكر تعالى هداه لنوره مَن شاء وأسعدَ من عباده، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال؛ لتقع لهم العبرةُ والنظر المؤدي إلى الإيمان(٥). وقرأ عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ: ((اللهُ نَوَّر))؛ بفتح النون والواو المشدّدة (٦). واختلف المتأوّلون في عود الضمير في ((نور))؛ على من يعود، فقال كعبُ الأحبار وابن جُبير: هو عائدٌ على محمد #؛ أي: مَثَل نور محمد ﴾(٧). (١) المصدر السابق. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣٦/٣. (٣) المحرر الوجيز ١٨٥/٤ . (٤) النكت والعیون ١٠٥/٤ بنحوه. (٥) المحرر الوجيز ١٨٥/٤ . (٦) المحرر الوجيز ١٨٣/٤، والقراءة ذكرها أيضاً أبو حيان في البحر المحيط ٤٥٥/٦ . (٧) المصدر السابق.