النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة النور: الآية ٣١
بها الإماءَ، ولم يَعْن بها العبيدَ(١). وكان الشعبيُّ يكره أن ينظرَ المملوكُ إلى شَعَر
مولاته. وهو قول مجاهد وعطاء(٢).
وروى أبو داود عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﴿ أتى فاطمةَ بعَبْدٍ قد وهَبَه لها، قال:
وعلى فاطمةً ثوبٌ إذا غّتْ به رأسَها، لم يبلغ رجليها، وإذا غطّتْ به رجليها، لم
يبلغْ رأسَها؛ فلما رأى النبيُّ ﴾ ما تَلْقَى من ذلك قال: ((إنَّه لا بأسَ عليك؛ إنَّما هو
أبوك وغلامُك))(٣).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ أي: غير
أُولي الحاجة. والإزْبَةُ: الحاجة، يقال: أرِبْتُ إلى كذا آربُ أَرَباً. والإرْب والإرْبةُ
والمَأْرُبَةُ والأَرَب: الحاجة، والجمع مآرب، أي: حوائج (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِىَ
فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وقد تقدم(٥).
وقال طَرَفة :
إذا المرءُ قال الجهل والحُوبَ والخَنا
تقدّمَ يوماً ثمَّ ضاعتْ مآربُهُ (٦)
واختلف الناس في معنى قوله: ﴿أَوِ التَِّنَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ﴾ فقيل: هو
الأحمق الذي لا حاجةً به إلى النساء. وقيل: الأبله. وقيل: الرجلُ يتبع القومَ، فيأكل
معهم ويرتفق بهم، وهو ضعيف لا يكترثُ للنساء ولا يَشتهيهنَّ. وقيل: العِنِين. وقيل:
الخَصِيّ. وقيل: المخنَّث. وقيل: الشيخُ الكبير، والصبي الذي لم يُدْرك(٧).
(١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٣٥/١٦، وابن أبي شيبة ٣٣٥/٤.
(٢) التمهيد ٢٣٦/١٦، وأخرج قولهم ابن أبي شيبة ٣٣٤/١٤-٣٣٥.
(٣) سنن أبي داود (٤١٠٦). وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٥٩/٦: في إسناده أبو جُميع سالم
ابن دينار الهُجيمي البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة الرازي: مصري لين الحديث، وهو
سالم بن راشد. قال الحافظ في التقريب: مقبول.
(٤) تهذيب اللغة ١٥/ ٢٥٧، ومجمل اللغة ٩٣/١، والمفردات للراغب (أرب).
(٥) ١٤ / ٤٤ .
(٦) لم نقف عليه، الحُوْب: الإثم، والخنا: الفحش. الصحاح (حوب) (خنا).
(٧) التمهيد ٢٧٤/٢٢ .

٢٢٢
سورة النور: الآية ٣١
وهذا الاختلاف كلُّه متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فَهْم له ولا هِمّة ينتبه بها
إلى أمر النساء، وبهذه الصفة كان مِيْت المخنَّث عند رسول الله﴾، فلما سمع منه ما
سمع من وصفِ محاسنِ المرأة - بادِيَةَ ابنة غَيْلان - أَمَر بالاحتجاب منه(١). أخرج
حديثَه مسلم وأبو داود ومالك في ((الموطأ)) وغيرهم، عن هشام بن عروة، عن عروة،
عن عائشة (٢).
قال أبو عمر (٣): ذكر عبد الملك بن حبيب، عن حبيب كاتبٍ مالك، قال:
قلت لمالك: إنَّ سفيان زاد في حديث ابنة غَيْلان: ((أنَّ مختَّئاً يقال له: مِنْت)) وليس
في كتابك: هِيت؟ فقال مالك: صَدَق، هو كذلك، وغرّبه النبي # إلى الحِمَى؛ وهو
موضع من ذي الحُلَيفَة ذات الشمال من مسجدها. قال حبيب: وقلت لمالك: وقال
سفيان في الحديث: إذا قعدت تَبَنّت، وإذا تكلّمت تَغَنّت (٤). قال مالك: صدق، هو
کذلك.
قال أبو عمر(٥): ما ذكره حبيب كاتبُ مالكٍ عن سفيان، أنه قال في الحديث
يعني حديثَ هشام بن عروة: ((أنَّ مخنثاً يدعى هِيْتاً)) فغير معروف عند أحدٍ من رواته
عن هشام، لا ابن عيينة ولا غيره، ولم يقل في نَسَق الحديث: ((أنّ مختَّئاً يدعى
هيتاً))، وإنَّما ذَكّره عن ابن جُريج بعد تمام الحديث، وكذلك قوله عن سفيان، أنه
(١) التمهيد ٢٧٤/٢٢، و٢٧٦/٢٢ .
(٢) صحيح مسلم (٢١٨١)، وسنن أبي داود (٤١٠٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥١٨٥) من حديث عائشة.
وهو في ((الموطأ)) ٢/ ٧٦٧ من طريق هشام بن عروة، عن عروة، عن أم سلمة، مرسل.
وأخرجه أحمد (٢٦٤٩٠)، والبخاري (٤٣٢٤)، ومسلم (٢١٨٠) عن أم سلمة رضي الله عنها موصولاً.
(٣) في التمهيد ٢٧٠/٢٢-٢٧١ .
(٤) تبنَّت: أي فرّجت رجليها، كأنه شبَّهها بالقُبَّة من الأدم، وهي المبناة لسمنها وكثرة لحمها. النهاية (بني)
وتغنّت: من الغنة لا من الغناء؛ أي: كانت تتغنن في كلامها من لينها ورخامة صوتها. التمهيد
٢٧٧/٢٢ .
(٥) في التمهيد ٢٧١/٢٢-٢٧٢، وينظر تفسير غريب الموطأ لابن حبيب ٥٥/٢-٥٦ .

٢٢٣
سورة النور: الآية ٣١
يقول في الحديث: إذا قعدت تبنّت، وإذا تكلّمت تغنّت، هذا ما لم يقله سفيان ولا
غيره في حديث هشام بن عروة، وهذا اللفظ لا يوجدُ إلا من رواية الواقدي،
والعجب أنه يحكيه عن سفيان، ويحكي عن مالكٍ أنه كذلك، فصارت روايةً عن
مالك، ولم يروه عن مالك غيرُ حبيب، ولا ذكره عن سفيان غيره أيضاً، والله أعلم.
وحبیب کاتب مالك متروُ الحدیث ضعيفٌ عند جمیعھم، لا يُکتب حدیثه ولا يلتفت
إلى ما يجيء به.
ذكر الواقِدِيّ(١) والكَلْبِي أنَّ هِيْتاً المختَّث قال لعبد الله بن [أبي] أُميَّة المخزوميّ
وهو أخو أُمّ سَلَمة لأبيها، وأُمّه عاتكة عمةُ رسول اللـه ف﴾، قال له وهو في بيت أُخته
أمِّ سَلَمة ورسول الله :﴿ يسمع: إنْ فَتَح الله عليكم الطائفَ، فعليك بياديَةً بنت غيلان
ابن سَلَمة الثَّقَفِيّ؛ فإنها تُقْبل بأربع وتُدْبر بثمان(٢)، مع ثَغْرٍ كَالأقْحُوان(٣)، إن جلست
تَبَنّت، وإن تكلّمت تغنّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قَيْس بن
الخطیم :
كأنَّمَا شَفَّ وَجْهَها نُزُقُ (٤)
تغْتَرِق الطَّرِفَ وهي لاهِيَةٌ
قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ
بين شُكُول النِّساء خِلْقَتُها
قامتْ رُوَيْداً تكاد تَنْقَصِف (٥)
تنام عن كُبْر شأنِها فإذا
(١) أخرجه عن الواقدي ابن حبيب في تفسير غريب الموطأ ٦٠/٢.
(٢) تقبل بأربع وتدبر بثمان: وصف امرأةً لها في بطنها أربع عُكن [والعكنة: الطي الذي يكون في جانبي
البطن من السمن] فإذا بلغت خصريها صارت أطراف العُكّن ثمانية، أربع من هاهنا، وأربع من هاهنا،
فإذا أقبلت إليك استقبلتك ببطنها، رأيت لها أربعاً، فإذا أدبرت عنك صارت تلك الأربع ثمانياً من جهة
الأطراف المجتمعة. التمهيد ٢٧٥/٢٢، ٢٧٦، والمفهم ٥١٣/٥، وتفسير غريب الموطأ ٢/ ٥٤ .
(٣) هو نبت طيب الريح، حواليه ورق أبيض، ووسطه أصفر. الصحاح (قحا).
(٤) النُّزْف: الضعف الحادث عن خروج الدم، وحركت الزاي لضرورة الشعر، والمعنى: أنها رقيقة
المحاسن حتی کان دمها منزوف. اللسان (نزف).
(٥) التمهيد ٢٧٦/٢٢، والمفهم ٥١٣/٥-٥١٤ . والأبيات في الأصمعيات ص١٩٦-١٩٧، الشكول:
الضروب، والقَصْد: الوسط، والجَبْلة: الغليظة، والقضف: الدِّقَّة وقلة اللحم. اللسان (شكل)،
(جبل)، (قصد)، (قضف).

٢٢٤
سورة النور: الآية ٣١
فقال له النبيّ 8#: ((لقد غلغلتَ(١) النظر إليها يا عدوّ الله))، ثم أجلاه عن المدينة
إلى الحِمَى، قال: فلما افتْتُحتِ الطائف، تزوَّجها عبدُ الرحمن بن عَوف، فوَلَدت له
منه بُرَيْهة - في قول الكلبي - ولم يزل هِيت بذلك المكان حتى قُبض النبيُّ ﴾، فلما
وَلِيَ أبو بكر كُلِّم فيه، فأبى أن يردّه، فلما وَليَ عمر كُلِّم فيه فأبى، ثم كُلِّم فيه عثمان
بعدُ، وقيل: إنَّه قد كَبِر وضَعُف واحتاج، فأذن له أن يدخلَ كلَّ جمعةٍ؛ فيسأل ويرجع
إلى مكانه(٢). قال: وكان هِيت مولّى لعبد الله بن [أبي] أمية المخزومي، وكان له
طُوَيْس (٣) أيضاً، فمن ثَمّ قيل: الخَنِث.
قال أبو عمر: يقال ((بادية)) بالياء، و((بادنة)) بالنون، والصواب فيه عندهم بالياء،
وهو قول أكثرهم، وكذلك ذكره الزُّبيري بالياء.
السادسة عشرة: وصف التابعين بـ ((غير))؛ لأنّ التابعين غيرُ مقصودين بأعيانهم،
فصار اللفظ كالنكرة، و((غير)) لا يتمحّض نكرةً؛ فجاز أن يجري وصفاً على
المعرفة(٤). وإن شئت قلت: هو بدل. والقول فيها كالقول في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ﴾ (٥) [الفاتحة: ٧].
وقرأ عاصم (٦) وابن عامر: ((غيرَ)) بالنصب، فيكون استثناء؛ أي: يبدين زينتهنَّ
للتابعين إلا ذا الإربة منهم (٧). ويجوز أن يكون حالاً؛ أي: والذين يتبعونهن عاجزين
(١) أي: بلغتَ بنظرك من محاسن هذه المرأة حيث لا يبلغ النظر، ولا يصل واصل، ولا يصف واصف.
النهاية (غلغل).
(٢) التمهيد ٢٧٥/٢٢-٢٧٧، والمفهم ٥١٣/٥-٥١٤، والأغاني ٣٠/٣-٣١.
(٣) هو عيسى بن عبد الله، أحد من يضرب به المثل في صناعة الغناء، مات سنة اثنتين وتسعين. السير
٣٦٤/٤.
(٤) الكلام بنحوه في الكشف عن وجوه القراءات ١٣٦/٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٣، ومشكل إعراب القرآن ٥١١/٢، والمحرر الوجيز ١٧٩/٤.
(٦) في رواية أبي بكر (شعبة) عنه .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٣، وينظر السبعة ٤٥٥، والتيسير ١٦١.

٢٢٥
سورة النور: الآية ٣١
عنهن. قاله أبو حاتم. وذو الحال ما في ((التابعين)) من الذكر(١).
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوِ اٌلِّفْلِ﴾ اسم جنس بمعنى الجمع، والدليل
على ذلك نعتُه بـ ((الذين))(٢). وفي مصحف حَفْصة: ((أو الأطفال)) على الجمع. ويقال:
طفلٌ ما لم يراهق الحُلُم. و﴿يَظْهَرُوا﴾ معناه: يطلعوا بالوطء(٣)؛ أي: لم يكشفوا عن
عوراتهنّ للجماع لصغرهنّ(٤). وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساءَ(٥)، يقال: ظهرت
على كذا أي: علمته، وظهرت على كذا أي: قهرته(٦).
والجمهورُ على سكون الواو من ((عَوْرات))؛ لاستثقال الحركة على الواو، وروي
عن ابن عامر فتح الواو(٧)، مثل جَفْنة وجَفَّنَات. وحكى الفراءُ أنَّها لغةُ قيس ((عَوَرات))
بفتح الواو. النحاس(٨): وهذا هو القياسُ؛ لأنَّه ليس بنعت، كما تقول: جفنة
وجَفَنات، إلا أن التسكين أجودُ في ((عَوْرات)) وأشباهه، لأنَّ الواو إذا تحرّكت
وتحرك ما قبلها، قُلبت ألفاً؛ فلو قيل(٩) هذا لذهب المعنى(١٠).
الثامنة عشرة: اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفينِ منه، على
(١) في (ظ): الضمير، وينظر الكشف عن وجوه القراءات ١٣٦/٢، وينظر قول أبي حاتم في إعراب
القرآن للنحاس ١٣٤/٣، والمحرر الوجيز ١٧٩/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٣.
(٣) المحرر الوجيز ١٧٩/٤.
(٤) تفسير الطبري ١٧/ ٢٧١ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٥٠.
(٦) ينظر معاني القرآن للنحاس ٥٢٦/٤ .
(٧) في (م) و(ظ) والبحر المحيط ٤٤٩/٦: ابن عباس، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في المحرر
الوجيز ١٧٩/٤، وقراءة ابن عامر ذكرها الداني في جامع البيان ٣٠٨/٢ من رواية يحيى عنه، وليست
هي في التيسير ولا في السبعة لابن مجاهد.
(٨) في إعراب القرآن له ١٣٤/٣.
(٩) في إعراب القرآن: فُعل.
(١٠) من قوله: (بفتح الواو) إلى ها هنا، ليس في النسخ، أثبتناه من (م).

٢٢٦
سورة النور: الآية ٣١
قولين: أحدهما: لا يلزم؛ لأنَّه لا تكليفَ عليه، وهو الصحيح. والآخر: يلزمُهُ؛ لأنَّه
قد يشتهي وقد تشتهي أيضاً هي، فإن رَاهَق، فحكمه حكمُ البالغ في وجوب السَّتر.
ومثله الشيخ الذي سقطت شهوتُه، اختلف فيه أيضاً على قولين كما في الصَّبي،
والصحيح بقاء الحرمةِ. قاله ابن العربي(١).
التاسعة عشرة: أجمع المسلمون على أن السَّوْءتين عورةٌ من الرجل والمرأة، وأنَّ
المرأةَ كلَّها عورةٌ، إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. وقال أكثر العلماء في
الرجل: من سرته إلى ركبته عورة، لا يجوز أن تُرَى(٢). وقد مضى في ((الأعراف))
القولُ في هذا مستوفّى(٣).
المُوفِية عشرين: قال أصحاب الرأي: عورةُ المرأة مع عبدها من السُّرة إلى
الركبة. ابن العربي(٤): وكأنهم ظنُّوها رجلاً أو ظنُّوه امرأةً، والله تعالى قد حرَّم المرأةَ
على الإطلاق لنظرٍ أو لذةٍ، ثم استثنى اللذَّةَ للأزواج ومِلْك اليمين، ثم استثنى الزينةً
لاثني عَشَر شخصاً، العبدُ منهم، فما لنا ولذلك! هذا نظر فاسدٌ، واجتهادٌ عن السَّدادِ
متباعدٌ. وقد تأوّلَ بعضُ الناس قولَه ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ على الإماءِ دون العبيدِ؛
منهم سعيد بن المسيِّب، فكيف يُحملون على العبيد ثم يُلحقون بالنساء، هذا بعيد
جدًّا!
وقد قيل: إنَّ التقدير أو ما ملكت أيمانهنّ من غير أولي الإربة أو التابعين غير
أولي الإربة من الرِّجال. حكاه المهدويّ.
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِ هِنَّ﴾ الآية، أي: لا تَضرب
المرأةُ برجلها إذا مَشت لتُسْمِع صوت خَلْخالها؛ فإسماع صوت الزِّينة كإبداء الزينة
(١) في أحكام القرآن ١٣٦٣/٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣٣/٣.
(٣) ١٨٢/٩ فما بعدها.
(٤) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٦٣ وما قبله منه.

٢٢٧
سورة النور: الآية ٣١
وأشدّ، والغرض التستر.
أسند الطبريُّ(١) عن المعتمر، عن أبيه، أنه قال: زعم حضرمِيٍّ أنَّ امرأةً اتخذتْ
بُرَتَيْن من فضةٍ، واتخذت جَزْعاً(٢)، فجعلت(٣) في ساقها، فمرّت على القومِ،
فضربت برِجْلها الأرضَ، فوقع الخَلْخال على الجَزْع فصوَّتَ، فنزلت هذه الآية.
وسماع هذه الزينة أشدُّ تحريكاً للشهوة من إبدائها. قاله الزجاج (2).
الثانية والعشرون: مَن فَعَل ذلك منهنَّ فَرَحاً بحُلِيِّهنَّ، فهو مكروه، ومن فعل ذلك
منهنّ تبرُّجاً وتعرُّضاً للرّجال، فهو حرامٌ مذموم. وكذلك من ضرب بنعله من الرجال،
إنْ فعل ذلك تعجّباً؛ حَرُم، فإنَّ العُجْبَ كبيرةٌ، وإن فعل ذلك تَبَرُّجاً، لم يَبُجُزَ(٥).
الثالثة والعشرون: قال مَكِّيٍّ رحمه الله تعالى: ليس في كتاب الله تعالى آيةٌ أكثرَ
ضمائر من هذه، جَمَعت خمسةً وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوضٍ ومرفوع (٦).
قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ﴾ أمْرٌ، ولا خلاف بين الأُمّة في وجوب التوبة،
وأنها فرضٌ متعيّن، وقد مضى الكلامُ فيها في ((النساء)) (٧) وغيرها؛ فلا معنى لإعادة
ذلك. والمعنى: وتوبوا إلى الله؛ فإنكم لا تَخلونَ من سهوٍ وتقصيرٍ في أداء حقوق الله
تعالى، فلا تتركوا التوبةَ في كلِّ حال.
(١) في تفسيره ١٧/ ٢٧٢، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٨٠/٤، والكلام منه إلى آخر
المسألة.
(٢) البُرّة: كلُّ حلقة من سوار وقُرْط وخَلخال. والجَزْع: ضرب من العقيق يعرف بخطوط متوازية
مستديرة، مختلفة الألوان. ((المعجم الوسيط)).
(٣) كذا في النسخ الخطية غير (ظ)، والمحرر الوجيز، وفي (ظ): فجعلته.
(٤) في معاني القرآن له ٤/ ٤٠ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٦٤.
(٦) المحرر الوجيز ١٨٠/٤.
(٧) ١٤٩/٦.

٢٢٨
سورة النور: الآيتان ٣١ - ٣٢
الثانية: قرأ الجمهورُ: ((أَيُّهَ)) بفتح الهاء، وقرأ ابنُ عامر بضمها(١)؛ ووجهُه أن
تُجعل الهاءُ من نفس الكلمةِ، فيكون إعرابَ المنادى فيها، وضعّف أبو عليٍّ ذلك
جدًّا(٢)، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من ((أيّ))، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر
الاسم، ولو جاز ضُّ الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة، لجاز ضمُّ الميم في ((اللَّهُمَّ))؛
لاقترانها بالكلمة. في كلام طويل.
والصحيح أنَّه إذا ثَبتَ عن النبيّ :﴿ قراءةٌ، فليس إلا اعتقادُ الصحةِ في اللغة؛ فإنَّ
القرآن هو الحجة. وأنشد الفراء:
يأيُّهَ القلبُ اللَّجُوجُ النَّفس أفق عن البِيض الحِسان اللُّغْسِ
اللَّعَس: لون الشَّفَة إذا كانت تَضِرب إلى السواد قليلاً، وذلك يُستملَح، يقال:
شَفَةٌ لَعْساء، وفِتيةٌ ونِسوةٌ لُعْسٌ(٣).
وبعضهم يقف: ((أَيُّهْ))، وبعضهم يقف: ((أيّها)) بالألف؛ لأنَّ علةَ حذفها في
الوصل إنَّما هو سكونُها وسكونُ اللام، فإذا كان الوقفُ ذهبت العلةُ فرجعت الألفُ
كما ترجع الياءُ إذا وقفت على ((مُحِلِّي)) من قوله تعالى: ﴿غَيْرَ يُحِلِّ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١].
وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في ﴿يَأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩]، و﴿أَيُّهَ
اَلنَّقَلَنِ﴾(٤) [الرحمن: ٣١].
قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُرْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَآَبِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
٣٧
فيه سبع مسائل :
(١) السبعة ص ٤٥٥، والتيسير ص ١٦١ .
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٨٠، وما سيأتي من كلام أبي علي هو في الحجة ٣٢٠/٥.
(٣) الصحاح (لعس).
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ١٨٠، وقراءة الوقف على ((أيُّهْ)) بغير ألف مع سكون الهاء قرأ بها الجمهور سوى
أبي عمرو والكسائي، ورواية عن قنبل، فقد قرؤوا فيها بالألف وقفاً. السبعة ٤٥٥، وجامع البيان
٣٠٨/٢.

٢٢٩
سورة النور: الآية ٣٢
الأولى: هذه المخاطبة تدخل في باب السّتر والصلاح؛ أي: زوِّجوا مَنْ لا زَوْجَ
له منكم؛ فإنَّه طريقُ التَّعفُّف، والخطاب للأولياء. وقيل: للأزواج. والصحيح الأوّل؛
إذ لو أَرادَ الأزواجَ لقال: ((وانْكحُوا)) بغير همز، وكانت الألفُ للوصل(١).
وفي هذا دليل على أنَّ المرأةَ ليس لها أن تُنكِح نفسَها بغير وَليٍّ، وهو قولُ أكثر
العلماء. وقال أبو حنيفةً: إذا زَوَّجت الثيِّبُ أو البكرُ نفسَها بغير وَليَّ كُفْأً لها، جاز.
وقد مضى هذا في ((البقرة)) مستوفّی(٢).
الثانية: اختلف العلماءُ في هذا الأمر على ثلاثة أقوال، فقال علماؤنا: يختلف
الحكم في ذلك باختلاف حالِ المؤمن مِن خوفِ العَنّت، ومن عدم صَبْره، ومن قوَّته
على الصبر وزوالٍ خشيةِ العَنَتِ عنه، وإذا خاف الهلاكَ في الدِّين أو الدنيا أو فيهما،
فالنكاحُ حَتْمٌ. وإن لم يخشَ شيئاً وكانت الحالُ مطلقةً، فقال الشافعيّ: النكاحُ مباحٌ.
وقال مالك وأبو حنيفة: هو مستحبٌّ. تعلّق الشافِعيُّ بأنَّه قضاءُ لذةٍ، فكان مُباحاً
كالأكل والشراب، وتعلَّق علماؤنا بالحديث الصحيح: ((من رَغِب عن سُنَّتِي فليس
منّي))(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿اَلْأَيَى مِنْكُرْ﴾ أي: الذين لا أزواجَ لهم من الرِّجال
والنساء؛ واحدهم أَيِّم. قال أبو عمرو: ((أيامى)) مقلوب: أيايم.
واتفق أهلُ اللغة على أنَّ الأيّم في الأصل: هي المرأةُ التي لا زوجَ لها، بكراً
كانت أو ثيِّباً، حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما(٤). تقول العرب: تأيَّمتٍ
المرأةُ: إذا أَقامتْ لا تتزوّج(٥). وفي حديث النبيّ ﴾: ((أنا وامرأةٌ سَفْعاءُ الخَذَّينِ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٤/٣ بنحوه.
(٢) ٣/ ٤٦٢ فما بعدها، وينظر التمهيد ٨٤/١٩، ٩٠.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٤/٣-١٣٦٥، والحديث سلف ٢٣٧/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٣٥/٣، والمفهم ١١٤/٤.
(٥) المفهم ٤ / ١١٤ .

٢٣٠
سورة النور: الآية ٣٢
تأيَّمت على ولدِها الصّغار حتى يبلغوا أو يُغنيَهم اللهُ من فضله، كهاتين في الجنة))(١).
وقال الشاعر:
فإن تَنْكِحي أنْكِحْ وإن تَتَأْيّمِي. وإنْ كنتُ أَفْتَى منكُمُ أتأيَّمُ (٢)
ويقال: أَيِّم بيِّن الأَيْمة، وقد آمَتْ هي، وإمتْ أنا. قال الشاعر:
رجاءً بسَلْمَى أنْ تَئِيمَ كما إمْتُ(٣)
لقد إمْتُ حتى لامَني کلُّ صاحبٍ
قال أبو عُبيد: يقال رجل أيِّم وامرأةٌ أيِّمُ، وأكثر ما يكون ذلك في النِّساء، وهو
كالمستعار في الرّجال (٤).
وقال أمَيَّة بن أبي الصَّلْت:
لله دَرُّ بني عَلِيٍّ
أيّم منهم وناكح(٥)
وقال قوم: هذه الآية ناسخةٌ لحكم قوله تعالى: ﴿وَأََِّةُ لَا يَنْكِعُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ
مُشْرِكْ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾(٦). وقد بينّاه في أوّل السورة والحمد لله(٧).
الرابعة: المقصود من قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوْ اُلْأَنَى مِنْكُرْ﴾ الحرائرُ والأحرار (٨).
ثم بيَّن حُكمَ المماليك، فقال: ﴿وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَّبِكُمْ﴾.
(١) أخرجه أحمد (٢٤٠٠٦)، وأبو داود (٥١٤٩) من حديث عوف بن مالك الأشجعي. وفيه: آمت، بدل:
تأيمت. وإسناده ضعيف لضعف النّاس بن قَهْم، ولانقطاعه بين شداد بن عمار وعوف بن مالك.
وسفعاء الخدين: أي متغيرة لونها بسبب خدمة الأيتام. قاله السندي في حاشيته على المسند.
(٢) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٦٥/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٣/٣، وتفسير الطبري
٢٧٤/١٨ دون نسبة .
(٣) البيان والتبيين للجاحظ ٣٠٦/٢ ونسبه لابن المعذّل، وفيه: (تأيمت) بدل: (لقد إمت).
(٤) المفهم ٤/ ١١٤ .
(٥) ديوان أمية ص٣٦، والعقد الفريد ٣٠١/٣.
(٦) المحرر الوجيز ١٨٠/٤ .
(٧) عند تفسير الآية (٣) المسألة السادسة.
(٨) الأضداد لابن الأنباري ص ٣٣١ .

٢٣١
سورة النور: الآية ٣٢
وقرأ الحسن: ((والصالحين من عبيدكم))، وعَبيد اسم للجمع(١). قال الفراء(٢):
ويجوز ((وإماءَكم)) بالنصب، يردّه على ((الصالحين))، يعني الذكور والإناث، والصلاحُ
الإيمان.
وقيل: المعنى ينبغي أن تكونَ الرغبةُ في تزويج الإماءِ والعبيدِ إذا كانوا صالحين،
فيجوز تزويجهم، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب، كما قال: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِيْتُمْ
فِيهِمْ خَيْرًا﴾. ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يُعلم أن في العبد خيراً، ولكن الخطاب ورد
في الترغيب والاستحباب، وإنما يُستحب كتابة من فيه خير(٣).
الخامسة: أكثرُ العلماء على أنَّ للسيّد أن يكُرهَ عبده وأمته على النكاح، وهو قول
مالك وأبي حنيفة وغيرِهما. قال مالك: ولا يجوز ذلك إذا كان ضرراً(٤). وروي نحوُه
عن الشافعيّ، ثم قال(٥): ليس للسيّد أن يكره العبدَ على النكاح.
وقال النَّخَعِيّ: كانوا يكرهون المماليكَ على النكاحِ ويُغلقون عليهم الأبوابَ.
تمسّك أصحاب الشافعيّ فقالوا: العبدُ مكلَّف، فلا يُجبر على النكاح؛ لأنَّ
التكليفَ يدلُّ على أن العبدَ كاملٌ من جهة الآدميّة، وإنَّما تتعلق به المملوكيةُ فيما كان
حظًّا للسيد من مِلْك الرقبةِ والمنفعة، بخلاف الأَمَة، فإنَّه له حقُّ المملوكية في بُضْعها
ليستوفيّه؛ فأما بُضْع العبد فلا حقَّ له فيه، ولأجل ذلك لا تُباحُ السيّدةُ لعبدها. هذه
عمدة أهل خراسان والعراق، وعمدتُهم أيضاً الطلاقُ، فإنه يملكه العبدُ بتملُّك عَقْدِه.
ولعلمائنا النُّكتةُ العظمى في أنَّ مالكيَّة العبدِ استغرقتها مالكيةُ السيِّد؛ ولذلك لا يتزوَّجُ
إلا بإذنه بإجماع، والنكاح وبابُه إنَّما هو من المصالح، ومصلحةُ العبد موكولةٌ إلى
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٥/٤، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص ١٠٢.
(٢) في معاني القرآن له ٢٥١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٣٥/٣.
(٣) ينظر تفسير الطبري ٢٧٧/١٧، والنكت والعيون ٩٩/٤ .
(٤) مختصر اختلاف العلماء ٣١٢/٢-٣١٣ .
(٥) في الأم ٤٢/٥ .

٢٣٢
سورة النور: الآية ٣٢
السيِّد، هو يراها ويقيمها للعبد(١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ رجع الكلامُ إلى
الأحرار؛ أي: لا تمتنعوا عن التَّزويج بسبب فَقْر الرجل والمرأة؛ ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِيةٌ﴾. وهذا وَعْدٌ بالغنى للمتزوِّجين طلب رضا الله واعتصاماً من
معاصيه. وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النِّكاح، وتلا هذه الآية. وقال عمر ﴾:
عَجَبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهٍ﴾(٢). وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً (٣)، ومن
حديث أبي هريرة ، أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((ثلاثة كلُّهم حقٌّ على الله عونُه:
المجاهدُ في سبيل الله، والناكحُ يريد العفافَ، والمكاتَبُ يريد الأداء)». أخرجه ابن
ماجه في ((سنته)) (٤).
فإن قيل: فقد نَجدُ الناكحَ لا يستغني؟ قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدَّوام،
بل لو كان في لحظةٍ واحدةٍ لصدَق الوعدُ. وقد قيل: يغنيه، أي: يغني النفس(٥). وفي
الصحيح: ((ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، إنَّما الغنى غِنَى النفس))(٦). وقد قيل: ليس
وعدٌ لا يقع فيه خُلْف؛ بل المعنى: أن المال غادٍ ورائح، فارْجُوا الغنى. وقيل:
المعنى يُغنهم اللهُ من فضله إن شاء(٧)، كقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾
[الأنعام: ٤١]، وقال تعالى: ﴿يَّسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآَهُ﴾ [الرعد: ٢٦].
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٦/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٨٠، وأخرج أثر ابن مسعود الطبريُّ في تفسيره ١٧/ ٢٧٥، وأخرج أثر عمر عبد
الرزاق كما في كشف الخفاء ٢٠٣/١ .
(٣) أورده الرازي في تفسيره ٢١٤/٢٣، والديلمي في الفردوس (٢٨٢) بلفظ: ((التمسوا الرزق بالنكاح)).
قال في كشف الخفاء ٢٠٢/١ : رواه الثعلبي في تفسيره والديلمي بسند فيه لين.
(٤) برقم (٢٥١٨)، وأخرجه أحمد (٧٤١٦)، والترمذي (١٦٥٥)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٥، وفي
الکبری (٤٣١٣) قال الترمذي: حديث حسن .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٧/٣ .
(٦) صحيح البخاري (٦٤٤٦)، وصحيح مسلم (١٠٥١) وسلف ٧/ ٥٢ - ٥٣ .
(٧) تفسير الرازي ٢١٤/٢٣ بنحوه.

٢٣٣
سورة النور: الآيات ٣٢ - ٣٤
وقيل: المعنى: إن يكونوا فقراءَ إلى النِّكاح، يُغْنِهِمُ اللهُ بالحلال ليتعفّفُوا عن
الزنى.
السابعة: هذه الآية دليلٌ على تزويج الفقير، ولا يقول: كيف أتزوَّج وليس لي
مال؛ فإنَّ رزقَه على الله، وقد زوَّج النبيُّ:﴿ المرأةَ التي أَتته تَهَبُ له نفسَها لمن ليس
له إلا إزار واحدٌ، وليس لها بعد ذلك فسخُ النِّكاح بالإعسار؛ لأنَّها دخلتْ عليه،
وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليَسَار فخرج معسراً، أو طرأ الإعسارُ بعد ذلك؛
لأنَّ الجوعَ لا صبرَ عليه. قاله علماؤنا(١).
وقال النقّاش: هذه الآية حجةٌ على من قال: إنَّ القاضي يُفرّق بين الزوجين إذا
كان الزوجُ فقيراً لا يقدرُ على النفقة؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ ولم يقل:
يفرّق. وهذا انتزاع ضعيف، ليست(٢) هذه الآيةُ حكماً فيمن عَجَزَ عن النفقة، وإنَّما
هي وعدٌ بالإغناء لمن تزوّج فقيراً، فأمّا من تزوَّج موسِراً وأَعسرَ بالنفقة، فإنَّه يفرَّق
بينهما؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ٣٠]
ونفحاتُ الله تعالى مأمولةٌ في كلِّ حالٍ موعودٍ بها(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَالَّذِينَ
يَنَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا وَءَاتُّوهُم مِّن مَّالِ
اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا لِبَغُواْ عَرَضَ الْخَوَةِ
الدُّنياً وَمَن يُكْرِهِقُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (*)
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُرْ
◌َيَتٍ مُبَيْنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ
(٣٤)
قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَحَا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهٍ﴾ فيه أربع
مسائل:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٨/٣.
(٢) في النسخ: ليس، والمثبت من المحرر الوجيز والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٨٠ .

٢٣٤
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ﴾ الخطاب لمن يَملك أمر نفسه، لا لمن
زِمامُه بيد غيره، فإنه يقوده إلى ما يراه، كالمحجور - قولاً واحداً - والأَمةِ والعبد،
على أحد قولَي العلماءِ(١).
الثانية: و((اسْتَعْفَفَ)) وزنه استفعل، ومعناه: طَلَبَ أن يكون عفيفاً، فأمر الله
تعالى بهذه الآية كلَّ مَن تعذّر عليه النكاحُ ولا يجدُه بائِ وجهٍ تَعذَّر أن يستعففَ. ثم
لمَّا كان أغلبَ الموانع على النكاح عدمُ المال، وعدَ بالإغناء من فضله(٢)، فيرزقُه ما
يتزوَّج به، أو يجدُ امرأة ترضى باليسير من الصَّداق، أو تزولُ عنه شهوة النساء. وروى
النسائيُّ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﴾ قال: ((ثلاثة كلُّهم حقٌّ على الله عزَّ وجلَّ عونُه(٣):
المجاهدُ في سبيل الله، والناكحُ الذي يريد العفاف، والمكاتَبُ الذي يريد الأداء))(٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَا يَجِدُونَ فِكَاءًا﴾ أي: طَوْلَ نكاح، فحذف المضاف.
وقيل: النكاحُ هاهنا ما تُنكَح به المرأةُ من المهر والنفقة، كاللِّحافِ اسمٌ لِمَا يُلتحَف
به. واللِّاس اسمٌ لِمَا يُلبس، فعلى هذا لا حذفَ في الآية، قاله جماعة من المفسرين،
وحَمَّلَهم على هذا قولُه تعالى: ﴿حَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهٍ﴾، فظنُّوا أن المأمور
بالاستعفاف إنما هو مَن عَدِمَ المال الذي یتزوَّج به. وفي هذا القول تخصیصُ
المأمورين بالاستعفاف، وذلك ضعيف، بل الأمرُ بالاستعفاف متوجّهٌ لكلِّ مَن تعذَّر
عليه النكاح بأيٍّ وجهٍ تعذَّرَ(٥)، كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم.
الرابعة: مَن تاقت نفسُه إلى النكاح، فإن وجد الطَّوْل، فالمستحبُّ له أن يتزوَّج،
وإن لم يجد الطّوْل، فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم، فإن الصوم له وِجَاء،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٨/٣، وسلفت أقوال العلماء في تزويج العبد والأمة في المسألة
الخامسة في تفسير الآية قبلها.
(٢) المحرر الوجيز ١٨١/٤.
(٣) في (م): عونهم.
(٤) سنن النسائي ٦/ ١٥ - ١٦، و٦١، وسلف في المسألة السادسة في تفسير الآية قبلها.
(٥) المحرر الوجيز ١٨١/٤.

٢٣٥
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
كما جاء في الخبر الصحيح(١). ومَن لم تَتُق نفسُه إلى النكاح، فالأولى له التخلي
لعبادة الله تعالى. وفي الخبر: ((خيرُكم الخفيفُ الحاذِ الذي لا أهلَ له ولا ولد))(٢).
وقد تقدَّم جواز نكاح الإماء عند عَدَم الطّوْل للحرة في ((النساء))(٣) والحمد لله.
ولمَّا لم يجعل الله بين(٤) العِقَّة والنكاح درجةً، دلَّ على أنَّ ما عداهما محرَّمٌ،
ولا يدخل فيه مِلْك اليمين؛ لأنه بنصِّ آخرَ مباح، وهو قولُه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فجاءت فيه زيادة، ويبقى على التحريم الاستمناءُ ردًّا على أحمد.
وكذلك يخرج عنه نكاحُ المُتْعَة بنسخه(٥)، وقد تقدَّم هذا في ((المؤمنين))(٦).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ
فيه ستَّ عَشْرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَنَّغُونَ الْكِنَبَ﴾ ((الذين)) في موضع رفع. وعند
الخليل وسيبويه في موضع نصبٍ على إضمار فعل؛ لأن بعده أمراً (٧). ولمَّا جرى ذِكْر
العبيد والإماء فيما سبق، وَصَل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحبُّ كتابتُه، فَرُبَّما
(١) يشير المصنف بذلك إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (٤٠٢٣)، والبخاري (٥٠٦٦)، ومسلم
(١٤٠٠): (١). عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله﴾: ((يا معشر الشباب، من استطاع
منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له
وِجاء)». والوٍجاء هو رضُّ الخصيتين، والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المني كما يفعله
الوجاء. شرح صحيح مسلم للنووي ٩/ ١٧٣ .
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٦٩/٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١٩٨/٦، وابن عساكر في تاريخه
٥٥/٦، ٢١١/١٨ من حديث حذيفة مرفوعاً. قال أبو حاتم كما في علل الحديث ١٣٢/٢: هذا
حديث باطل. وقال أيضاً ٢/ ٤٢٠: هذا حديث منكر. وكذا قال الذهبي في المغني في الضعفاء ٢٣٣/١.
وقال في السير ١٤/١٣ : غريب جداً.
(٣) ٦/ ٢٢٥ وما بعدها.
(٤) في (م): له بین.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٩/٣.
(٦) ص١١- ١٢ من هذا الجزء.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٣٥/٣.

٢٣٦
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
يقصد بالكتابة أن يَستقِلَّ ويكتسب ويتزوَّج إذا أراد، فيكون أعفَّ له.
قيل: نزلت في غلام لحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى يُقال له صُبْح - وقيل: صُبَیح - طلب
من مولاه أن يُكاتبه، فأبى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه حُوَيطب على مئة
دينار، ووهب له منها عشرين ديناراً، فأذَّاها، وقُتِل بحُنَيْنٍ في الحرب. ذكره
الْقُشَيْرِيُّ، وحكاه النقاش(١).
وقال مَكِّيّ: هو صبيحٌ القِبطي غلامُ حاطبٍ بن أبي بَلْتَعَة. وعلى الجملة فإن الله
تعالى أمر المؤمنين كافَّةً أن يكاتِب منهم كلُّ مَن له مملوكٌ، وطلب المملوكُ الكتابة،
وعلم سيِّدُه منه خيراً(٢).
الثانية: الكِتاب والمكاتبة سواء، مُفاعلة ممَّا لا تكون إلا بين اثنين؛ لأنها معاقَدةٌ
بين السيِّد وعبده، يُقال: كاتب يكاتب كتاباً (٣) ومكاتبة، كما يُقال: قاتل قتالاً
ومقاتلة. فالكتاب في الآية مصدرٌ، كالقتال والجِلاد والدِّفاع(٤).
وقيل: الكتاب هاهنا هو الكتابُ المعروفُ الذي يُكتب فيه الشيء، وذلك أنهم
كانوا إذا كاتبوا العبد، كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتاباً. فالمعنى: يطلبون العتق
الذي يُكتب به الكتاب، فيُدفَعُ إلیھم.
الثالثة: معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يُكاتِب الرجلُ عبدَه على مال يؤدِّيه
مُنَجَّماً عليه، فإذا أدَّاه فهو حُرّ(٥). ولها حالتان:
الأولى: أن يطلبَها العبد ويُجِيبَه السيِّد، فهذا مطلَقُ الآية وظاهرُها .
(١) نقله عن النقاش ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨١/٤، وأورد الخبر الواحدي في أسباب النزول
ص٣٣٧، والبغوي في تفسيره ٣/ ٣٤٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٧/٦ ، والرازي في تفسيره
٢١٧/٢٣ .
(٢) المحرر الوجيز ١٨١/٤.
(٣) بعدها في (ظ) والمفهم ٣١٨/٤ والكلام منه: وكتابة.
(٤) المحرر الوجيز ١٨١/٤.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤/ ٤٠ - ٤١، وتهذيب اللغة ١٥٠/١٠، والصحاح (كتب).

٢٣٧
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
الثانية: أن يطلبها العبد ويأباها السيِّد، وفيها قولان: الأوَّل لعكرمةَ وعطاءٍ
ومسروق وعمرو بن دينار والضحاكِ بن مُزاحم وجماعةِ أهل الظاهر أنَّ ذلك واجبٌ
على السيِّد. وقال علماء الأمصار: لا يجب ذلك(١).
وتعلَّق مَن أوجبها بمطلق الأمر، وافعلْ بمطلقه يدل (٢) على الوجوب حتى يأتي
الدليل بغيره(٣). ورُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطاب وابنِ عباس، واختاره الطبري(٤).
واحتج داودُ أيضاً بأنَّ سِيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابةَ - وهو
مولاه ـ فأبى أنس، فرفع عمر عليه الدِّرَّة، وتلا: ﴿فَكَلِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا﴾،
فكاتبه أنس. قال داود: ما كان عمرُ لِيرفعَ الدِّرَّة على أنس فيما له مباح ألَّ يفعله(٥).
وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقِدٌ على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه
ذلك، ولم يُجبَر عليه وإن ضوعف له في الثمن. وكذلك لو قال له: أعتقني، أو
دَبِّرْني، أو زوّجني، لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابةُ؛ لأنها معاوضةٌ، فلا
تصح إلا عن تراضٍ (٦).
وقولُهم: مطلق الأمر يقتضي الوجوب: صحيحٌ، لكن إذا عَرِيَ عن قرينة تقتضي
صرفَه عن الوجوب، وهي(٧) تعليقُه هنا بشرط علم الخير فيه، فعلَّق الوجوب على أمر
باطن، وهو علمُ السيِّد بالخيريَّة. وإذا قال العبد: كاتبني، وقال السيِّد: لم أعلم فيك
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦٩/٣ - ١٣٧٠، وينظر التمهيد ١٦٧/٢٢، والاستذكار ٢٥٠/٢٣.
(٢) كلمة: يدلّ، من (ظ).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٧٠.
(٤) في تفسيره ٢٧٨/١٧، وأخرج قول عمر وابن عباس ٢٧٦/١٧ - ٢٧٧ .
(٥) التمهيد ١٦٧/٢٢. وداود هو الظاهري. وأورد هذا الأثر البخاري معلقاً قبل الحديث (٢٥٦٠) عن
عطاء عن موسى بن أنس، ووصله عبد الرازق (١٥٥٧٨).
(٦) الاستذكار ٢٥٢/٢٣ دون قوله: ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن. فقد ذكرها أبو العباس في
المفهم ٣١٩/٤ .
(٧) لفظة: هي، من (ظ).

٢٣٨
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
خيراً، وهو أمرٌ باطن، فيُرجَع فيه إليه، ويُعوَّل عليه. وهذا قويٌّ في بابه(١).
الرابعة: واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿خيّرًا﴾ فقال ابن عباس وعطاء:
المال(٢). مجاهد: المال والأداء(٣). الحسن والنَّخَعيّ: الدِّين والأمانة(٤). وقال
مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون: هو القوَّةُ على الاكتساب والأداء(٥). وعن
الليث نحوه، وهو قول الشافعيّ(٦). وقال عَبيدةُ السَّلْمانيّ: إقامةُ الصلاة والخير(٧).
قال الطحاوي: وقولُ مَن قال: إنه المال، لا يصحُّ عندنا؛ لأن العبد مالٌ
لمولاه، فكيف يكون له مال؟ والمعنى عندنا: إنْ علمتم فيهم الدِّينَ والصّدق،
وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبّدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق
في المعاملة، فكاتبوهم.
وقال أبو عمر (٨): مَن لم يقل: إن الخير هنا المالُ، أنكر أن يُقال: إن علمتم
فيهم مالاً، وإنما يقال: علمتُ فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال: علمتُ فيه
المال، وإنما يقال: علمتُ عنده المال.
قلت: وحديثُ بَرِيرةَ يردُّ قول مَن قال: إن الخير المالُ، على ما يأتي.
الخامسة: اختلف العلماء في كتابة مَن لا حِرْفةً له، فكان ابن عمر يكره أن
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٧٠.
(٢) أخرج قولهما عبد الرزاق (١٥٥٧٠)، والطبري ٢٨٠/١٧ - ٢٨٢، والبيهقي ٣١٨/١٠. وأخرج ابن
أبي شيبة ٧/ ٢٠٢ قول عطاء فقط.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٠١/٧، والطبري ٢٧٩/١٧، والبيهقي ٣١٨/١٠.
(٤) أخرج قول الحسن عبد الرزاق (١٥٥٧٤)، وابن أبي شيبة ٢٠١/٧ . وأخرج قول النخعي عبد الرزاق
(١٥٥٧٥)، وابن أبي شيبة ٢٠٢/٧، والطبري ٢٧٩/١٧ - ٢٨٠، والبيهقي ٣١٨/١٠ بلفظ: صدقاً
ووفاء.
(٥) أخرجه الطبري ٢٧٨/١٧ - ٢٧٩ .
(٦) أحكام القرآن للشافعي ١٦٨/٢، والتمهيد ١٦٤/٢٢، والاستذكار ٢٤٨/٢٣.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٧٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٢١٦/٣ دون قوله: والخير.
(٨) في الاستذكار ٢٤٩/٢٣ .

٢٣٩
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
يكاتب عبده إذا لم تكن له حِرْفة، ويقول: تأمرني(١) أن آكل أوساخ الناس. ونحوُه
عن سلمانَ الفارسي(٢) .
ورَوى حكيم بن حزام قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عُمير بن سعد: أما بعد،
فانْهَ مَن قِبَلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقّاءهم على مسألة الناس(٣). وكَرِهه
الأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاق(٤).
ورخَّص في ذلك مالكٌ وأبو حنيفة والشافعيُّ(٥). ورُويَ عن عليٍّ ﴾ أنَّ ابنَ
النَّبَّاحِ(٦) مؤذِّنَه قال له: أُكاتَبُ وليس لي مال؟ قال: نعم، ثم حضَّ الناسَ على
الصَّدقة عليَّ، فأعطَوْني ما فَضَل عن مكاتبتي، فأتيت عليًّا فقال: اجعلها في
الرِّقاب(٧) .
(١) في (م): أتأمرني .
(٢) أخرجه عن ابن عمر وسلمان الفارسي عبد الرزاق (١٥٥٨٣) و(١٥٥٨٥)، وابن أبي شيبة ٢٣/٧-٢٤،
والبيهقي ٣١٨/١٠ - ٣١٩.
(٣) الاستذكار ٢٤٩/٢٣، وأخرجه عبد الرزاق (١٥٥٨٦) عن معمر قال: أخبرني رجل من أهل الشام
أنهم وجدوا في خزانة حمص كتاباً من عمر بن الخطاب، إلى عمير ..
وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣، والبيهقي ٣١٩/١٠ - ٣٢٠ من حديث حزام بن حكيم. وحزام هذا هو
ابن الصحابي حكيم بن حزام الأسدي، وهو مقبول كما قال ابن حجر في التقريب.
(٤) التمهيد ١٦٥/٢٢، والاستذكار ١٩٦/٢٣، وإكمال المعلم ١١٠/٥، والمفهم ٣٢٩/٤. قال ابن
عبد البر في التمهيد ١٦٦/٢٢: وفي هذا الحديث - يعني حديث بريرة الآتي - دليل على إجازة أخذ
السيد نجوم المكاتبة من مسألة الناس ... وهذا يردُّ قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس،
وقال: تطعمني أوساخ الناس، وليس كما قال ولا كما ظن؛ لأن ما طاب لبريرة أخذه، كان لسيدها
قبضه عنها في الكتابة؛ لأنه داخل عليه من غير الجهة التي دخل عليها، وهو كاللحم الذي تُصُدِّقَ به
على بريرة، فقال رسول الله#: هو عليها صدقة، ولنا هدية. انتهى بتصرف يسير. وينظر الاستذكار
١٩٤/٢٣٠ ٠
(٥) التمهيد ١٦٥/٢٢، والاستذكار ١٩٦/٢٣.
(٦) في النسخ وسنن البيهقي ٣٢٠/١٠: ابن التََّّاح، والتصويب من التاريخ الكبير ٤٥١/٦، والجرح
والتعديل ٣٢٨/٦، والمؤتلف والمختلف ٣١٥/١، وتوضيح المشتبه ٢٣/٩ وجاء فيها: ابن النَّبَّاح،
واسمه عامر، مؤذِّن علي بن أبي طالب، يروي عنه.
(٧) أخرجه - بهذا اللفظ - الدار قطني في المؤتلف والمختلف ٣١٥/١. وأخرجه البخاري في التاريخ =

٢٤٠
سورة النور: الآيتان ٣٣ - ٣٤
وقد رُويَ عن مالك كراهةُ ذلك، وأنَّ الأَمَة التي لا حِرفة لها يُكره مكاتبتُها(١)؛
لِمَا يؤدِّي إليه من فسادها.
والحجةُ في السُّنة لا فيما خالفها. روى الأئمة عن عائشةَ رضي الله عنها قالت:
دخلتْ عليَّ بَرِيرةُ فقالت: إنَّ أهلي كاتبوني على تسع أواقٍ في تسع سنين، كلِّ سنة
أوقيَّة، فأعِينِيني ... الحديث(٢). فهذا دليلٌ على أن للسيِّد أن يكاتب عبده وهو لا شيء
معه، ألا ترى أن بَريرة جاءت عائشةَ تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها؟
وذلك كان في أوَّل كتابتها قبل أن تُؤدِّيَ منها شيئاً، كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة
أن عائشة أخبرته أن بَريرة جاءت تستعينُها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها
شيئاً(٣). أخرجه البخاريُّ وأبو داود (٤).
وفي هذا دليلٌ على إجازة(٥) كتابة الأَمَة، وهي غيرُ ذاتٍ صَنْعة ولا حِرْفة ولا
مال، ولم يسأل النبيُّ﴾: هل لها كسب، أو عملٌ واصبٌ(٦)، أو مالٌ؟ ولو كان هذا
واجباً لسأل عنه؛ ليقعَ حكمه عليه؛ لأنه بُعث مبيِّناً معلّماً مِ﴾.
وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن مَن تأوَّل في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾
أنَّ المال الخيرُ، ليس بالتأويل الجيِّد، وأن الخير المذكورَ هو القوَّةُ على الاكتساب
مع الأمانة (٧)، والله أعلم.
= الكبير ١٨٨/٢ مختصراً. وأخرجه عبد الرزاق (١٥٥٨١)، وابن أبي شيبة ٤٢٤/٦، والبيهقي
١٠/ ٣٢٠ بنحوه. وجاء عند عبد الرزاق: أبو التَّيَّاح، بدل: ابن النَّبَّاح.
(١) الاستذكار ١٩٦/٢٣، والمفهم ٣٢٩/٤ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٧٨٦)، والبخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤): (٨).
(٣) التمهيد ١٦٢/٢٢ - ١٦٣، والاستذكار ١٩٣/٢٣.
(٤) صحيح البخاري (٢٥٦١)، وسنن أبي داود (٣٩٢٩)، وهو عند أحمد (٢٤٠٥٣)، ومسلم (١٥٠٤):
(٦).
(٥) في (م) و(د): جواز، والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في التمهيد ١٦٣/٢٢، والاستذكار
١٩٣/٢٣ والكلام منهما.
(٦) أي: دائم، ووقع في (ظ) والتمهيد والاستذكار: واجب.
(٧) الاستذكار ١٩٣/٢٣ - ١٩٤.