النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة النور: الآية ٢٩
الثانية: اختلف العلماء في المراد بهذه البيوت:
فقال محمدُ بن الحنفيّة، وقتادةُ، ومجاهد: هي الفنادق التي في طرق السَّابلة.
قال مجاهد: لا يسكنها أحدٌ، بل هي موقوفةٌ ليأويَ إليها كلُّ ابن سبيلٍ، وفيها متاع
لهم، أي: استمتاع بمنفعتها.
وعن محمد بن الحنفية أيضاً: أنَّ المراد بها دورُ مكة، ويُبيِّنْه قول مالك، وهذا
على القول بأنها غير متملَّكة، وأنَّ الناسَ شركاءُ فيها، وأنَّ مكةَ أُخذت عَنْوةً .
وقال ابن زيد والشَّعْبِيّ: هي حوانيت القَيْسَارِيّات(١). قال الشعبيُّ: لأنَّهم جاؤوا
ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس: هَلُمّ. وقال عطاء: المراد بها الخِرَب التي
يدخلها الناسُ للبول والغائط؛ ففي هذا أيضاً متاع(٢).
وقال جابر بن زيد: ليس يعني بالمتاع الجهازَ، ولكن ما سواهُ من الحاجة، أمَّا
منزل ينزله قومٌ من ليلٍ أو نهار، أو خَرِبة يدخلها [الرجل] لقضاء حاجة، أو دار ينظر
إليها، فهذا متاع، وكلُّ منافع الدنيا متاع. قال أبو جعفر النحاس(٣): وهذا شرحٌ
حسنٌ من قول إمام من أئمة المسلمين، وهو موافقٌ للغة. والمتاع في كلام العرب:
المنفعة، ومنه: أمتعَ الله بك، ومنه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
قلت: واختاره أيضاً القاضي أبو بكر بن العربيّ(٤)، وقال: أمَّا مَنْ فسَّر المتاعَ
بأنَّه جميع الانتفاع، فقد طبَّق المفصَّل وجاء بالفَيْصل، وبيَّن أنَّ الداخلَ فيها إنَّما هو
لما لَه من الانتفاع؛ فالطالبُ يدخل في الخانكات - وهي المدارس - لطلب العلم،
والساكنُ يدخل الخانات، - وهي الفناتق، أي: الفنادق(٥) - [للمنزل فيه]، والزَّبون
(١) القيسارية: الخان الكبير الذي يشغله التجار والمسافرون، قد يشمل على سوق مسقوفة، معروف من
العصر المملوكي، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ٣٥٧.
(٢) المحرر الوجيز ١٧٧/٤. وأخرج الأقوال السابقة الطبري في تفسيره ٢٤٩/١٧-٢٥١.
(٣) في الناسخ والمنسوخ له ٥٤٩/٢، وما قبله منه.
(٤) في أحكام القرآن له ١٣٥٢/٣ و وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٤٩/٢، وتهذيب اللغة ٤١٢/٩.

٢٠٢
سورة النور: الآيتان ٢٩ - ٣٠
يدخل الدُّكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاءَ للحاجة، وكلَّ يؤتى على وجهه من بابه.
وأما قول ابن زيد والشَّعبيّ فقول [غلط]، وذلك أنَّ بيوتَ القَيْسَارِيّات محظورةٌ
بأموال الناس، غيرُ مباحة لكلِّ من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أَذِن له
ربُّها، بل أربابُها موّلون بدفع الناس(١).
قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ وَصَل تعالى بذكر السَّتر
ما يتعلّقُ به من أمر النَّظَر، يقال: غضَّ بَصَره يغُضُّه غضًّا، قال الشاعر:
فلا كَعْباً بلَغْتَ ولا ◌ِلابا(٢)
فغُضَّ الظَّرْفَ إِنَّك من نُمَيرٍ
وقال عَنْتَرةٍ(٣):
حتى يُواري جارتي مأواهَا
وأغضُّ طَرْفي ما بَدَتْ لي جارتي
ولم يذكر اللهُ تعالى ما يُغَضّ البصر عنه ويحفظ الفرج، غيرَ أنَّ ذلك معلوم
بالعادة، وأنَّ المرادَ منه المحرَّم دون المحلَّل.
وفي البخاري: وقال سعيدُ بن أبي الحسن للحسن: إنَّ نساءَ العَجَم يكشفْنَ
صدورَهن ورؤوسَهن؟ قال: اصْرِفْ بصَرك؛ يقول الله تعالى ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُواْ مِنْ
أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾. وقال قتادة: عما لا يحلُّ لهم، ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] ﴿َبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] [من] النَّظرِ إلى ما
نُهِيَ عنه (٤).
(١) المحرر الوجيز ١٧٧/٤ . وما بين حاصرتين منه.
(٢) ينظر الصحاح (غضض)، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ص ٦٣ .
(٣) وهو في ديوانه ص٧٦ .
(٤) صحيح البخاري، قبل حديث (٦٢٢٨) وما بين حاصرتين منه، وينظر تغليق التعليق ١٢٠/٥ .

٢٠٣
سورة النور: الآية ٣٠
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ ((من)) زائدة، كقوله ﴿فَمَا مِنْكُم مِّنْ لَمَدٍ عَنَّهُ
حَجِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]. وقيل: ((من)) للتبعيض؛ لأنَّ من النَّظرِ ما يُباح. وقيل: الغضُّ:
النقصان، يقال: غضَّ فلان من فلان، أي: وَضَع منه، فالبصر إذا لم يمكّن من
عمله، فهو موضوعٌ منه ومنقوص. فـ ((من)) صلة للغضّ، وليست للتبعيض ولا
للزيادة(١).
الثالثة: البَصَر هو الباب الأكبرُ إلى القلب، وأغْمَرُ طرقِ الحواسِّ إليه، وبحسب
ذلك كَثُر السقوطُ من جهته، ووجب التحذيرُ منه(٢)، وغضُّه واجب عن جميع
المحرمات، وكلّ ما يخشى الفتنة من أجله، وقد قال﴾: ((إياكم والجلوسَ على
الظُّرُقات))، فقالوا: يا رسولَ الله، ما لنا من مجالسنا بُدُّ نتحدَثُ فيها، فقال: ((فإذا
أَبَيْتُم إلا المجلسَ، فأعطُوا الطريقَ حقّه)) قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسولَ الله؟ قال:
(غَضُّ البَصَر، وكفُّ الأذى، وردُ السلام، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر)).
رواه أبو سعيد الخُذْريّ، خرّجه البخاري ومسلم(٣).
وقال لعليّ: ((لا تُتبع النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّما لك الأُولى، وليست لك الثانية))(٤).
وروى الأوزاعِيُّ، قال: حدثني هارون بن رِئاب، أنَّ غَزْوان وأبا موسى
الأشعرِيَّ كانا في بعض مَغازِيهم، فتكثّفتْ جاريةٌ، فَنَظَر إليها غَزْوان، فرفع يده فلطم
عينَه حتى نَفَرَت، فقال: إنكِ لَلحّاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك، فلقِيَ أبا موسى،
فسأله، فقال: ظلمتَ عينَك، فاستغفرِ اللهَ وتُب، فإنَّ لها أوَّلَ نظرة، وعليها ما كان
بعد ذلك. قال الأوزاعي، وكان غَزْوان مَلَك نفسَه، فلم يضحك حتى مات ﴾(٥).
(١) تفسير الرازي ٢٠٢/٢٣ بنحوه.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٧٧.
(٣) صحيح البخاري (٢٤٦٥)، وصحيح مسلم (٢١٢١)، وهو في مسند أحمد (١١٣٠٩).
(٤) أخرجه أحمد (١٣٦٩)، وأبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧).
(٥) أورده ابن الجوزي في صفة الصفوة ٣/ ٢٥٢ دون إسناد، وورد الخبر أيضاً بنحوه عن عتبة بن غزوان،
فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٦١/١ - ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (ترجمة عتبة بن =

٢٠٤
سورة النور: الآية ٣٠
وفي ((صحيح مسلم)) عن جرير بن عبد الله قال: ((سألتُ رسول الله # عن نظرة
الفُجَاءة، فأمرني أن أصرفَ بصري»(١).
وهذا يقوّي قول من يقول: إن ((من)) للتبعيض؛ لأنَّ النظرة الأولى لا تُمْلَك، فلا
تدخل تحت خطاب تكليف؛ إذ وقوعها لا يتأتّى أن يكون مقصوداً، فلا تكون
مكتسبةً، فلا يكون مكلفاً بها(٢)، فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك في الفرج؛
لأنَّها تُمْلك.
ولقد كره الشعبيُّ أن يُديمَ الرجلُ النظرَ إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانُه خيرٌ من
زماننا هذا، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذاتٍ مَحْرم(٣) نظرَ شهوةٍ يُردِّدُها.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ أي: يستروها عن أنْ يراها من لا يحلّ.
وقيل: ﴿وَيَحْفَظُواْ فُوُجَهُمْ﴾ أي: عن الزِّنى، وعلى هذا القول لو قال: ((من
فروجهم)) لجاز، والصحيح أنَّ الجميع مرادٌ، واللفظ عام(٤).
ورَوى بَهْز بن حكيم بن معاوية القُشَيْرِيُّ عن أبيه عن جده قال: قلتُ: يا رسول الله،
عوراتُنا ما نَأُتي منها وما نَذَرُ؟ قال: ((احفَظُ عورتَكَ إلا من زوجتِكَ أو ما ملكتْ
يَمِينُك)). قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: ((إن استطعتَ ألا يراها [أحدُ] فافعل)).
قلت: فالرجل يكون خالياً؟ فقال: ((الله أحقُّ أن يُستحيا منه من الناس))(٥).
= غزوان) ــ من طريق الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، قال: عن عتبة بن غزوان.
وأورد خبر عتبة بن غزوان أيضاً أحمد في الورع ١١٦، ونعيم بن حمَّاد في زوائده على الزهد (٣٢٤)
مختصراً. ونفرت العين، أي: هاجت وورٍمتْ. لسان (نفر).
(١) صحيح مسلم (٢١٥٩)، وهو في مسند أحمد (١٩١٦٠).
(٢) المفهم ٤٨٣/٥ .
(٣) في (م) و(د) و(ف): ذاتٍ محرمة. وليست في (خ) و (ز)، والمثبت من (ظ). وهو الموافق لما في
الاستذكار ٣٤٤/٢٦، والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ١٧٧ .
(٥) أخرجه أحمد (٢٠٠٣٤)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، والنسائي في الكبرى (٨٩٢٣)، =

٢٠٥
سورة النور: الآية ٣٠
وقد ذكرت عائشةُ رضي الله عنها رسول اللـه﴾. وحالَها معه، فقال: ما رأيتُ
ذلك منه، ولا رأى ذلك مني (١).
الخامسة: بهذه الآية حرَّم العلماءُ نصَّا دخولَ الحمّام بغير مِئزر (٢). وقد رُوي عن
ابن عمر أنَّه قال: أظْيَبُ ما أَنفقَ الرجلُ درهمٌ يعطيه للحمّام في خلوة.
وصحَّ عن ابن عباس أنه دَخلَ الحمَّامَ وهو مُحرِم بالجُحْفة(٣). فدخولُه جائزٌ
للرجال بالمآزر، وكذلك النساء للضرورة، كغُسْلهنَّ من الحيض، أو النِّفاس، أو
مرض يلحقهنّ، والأوْلَى بهنَّ والأفضلُ لهنَّ غُسْلُهن إن أمكن ذلك في بيوتهنَّ؛ فقد
رَوى أحمدُ بن مَنيع، حدّثنا الحسن بن موسى، حدّثنا ابن لَهِيعة، حدّثنا زَبّان، عن
سهل بن معاذ، عن أبيه، عن أمّ الدَّرْداء، أنَّه سمعها تقول، لقِيَني رسولُ الله {8# وقد
خرجتُ من الحمَّام، فقال: ((مِنْ أينَ يا أمَّ الدَّرداء))؟ فقالت: من الحمّام، فقال:
((والذي نفسي بيده، ما من امرأةٍ تَضعُ ثيابَها في غير بيت أحدٍ من أُمَّهاتِها، إلا وهي
هاتِكةُ كلَّ سترٍ بينها وبين الرحمن عزَّ وجلَّ))(٤).
= وابن ماجه (١٩٢٠) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وجد بهز اسمه معاوية بن حيدة القشيري . اهـ
وما بين حاصرتين من المصادر.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٥٣/٣، وأخرجه أحمد (٢٤٣٤٤)، وابن ماجه (٦٦٢)، والترمذي في
الشمائل (٣٥٢) عن عائشة بنحوه. وإسناده ضعيف لابهام الراوي عن عائشة.
وأخرجه الطبراني في الصغير (١٣٨)، وابن عدي في الكامل ٤٧٩/٢ عن عائشة بنحوه، وفي إسناده
بركة بن محمد، قال ابن عدي: سائر أحاديث بركة مناكير، باطل كلها.
(٢) المحرر الوجيز ١٧٧/٤ -١٧٨ .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٩٤/٤ (نشرة العمروي).
(٤) هو عند أحمد بن منيع، كما في إتحاف الخيرة المهرة ٣٠١/١، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٠٣٨)،
والطبراني في الكبير ٢٤/ (٦٤٥) بهذا الإسناد، وهو مسلسل بالضعفاء، وهم ابن لهيعة، وزبّان بن فائد،
وسهل بن معاذ بن أنس الجهني.
وأخرجه أحمد (٢٧٠٤١)، والطبراني في الكبير ٢٤/ (٦٥٢) من طريق آخر عن أمّ الدرداء، وإسناده
حسن. قال الهيثمي في المجمع ٢٧٧/١: رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال
الصحيح.

٢٠٦
سورة النور: الآية ٣٠
وخرّج أبو بكر البزّار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال
رسولُ اللهِ ﴾: ((احذروا بيتاً يقال له الحمَّام)). قالوا: يا رسولَ الله، يُنقي الوَسَخ،
قال: ((فاستتروا))(١).
قال أبو محمد عبد الحق(٢): هذا أصحُّ إسنادٍ حديثٍ في هذا الباب، على أنَّ
الناس يرسلونَه عن طاوس، وأما ما خرّجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا
يصحُّ منه شيءٌ؛ لضَعْفِ الأسانيد، وكذلك ما خرَّجه الترمذيُّ (٣).
قلت: أما دخولُ الحمام في هذه الأزمان، فحرامٌ على أهل الفضل والدِّين؛
لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسَّطوا الحمامَ رمْيَ مآزرهم، حتى يُرَى
الرجل البَهِيُّ ذو الشيبة قائماً منتصباً وسطَ الحمام وخارجَه بادِياً عن عورته، ضامًّا بين
فخذيه، ولا أحدَ يغيّر عليه(٤). هذا أمر بين الرجال، فكيف بالنساء، لا سيّما بالدِّيار
المصرية، إذ حماماتُهم خاليةٌ عن المظاهر التي هي عن أعين الناس سواتر، ولا حول
ولا قوّة إلا بالله العليِّ العظيم.
السادسة: قال العلماء: فإن استتر، فليدخل بعشرة شروط:
الأوّل: ألّا يدخلَ إلا بنيّة التداوي، أو بنيّة التطهير عن الرُّحَضاء(٥).
(١) كشف الأستار (٣١٩)، قال البزار: وهذا رواه الناس عن طاوس مرسلاً ولا نعلم أحداً وصله إلا يوسف
عن يعلى عن الثوري. اهـ، وقال الهيثمي في المجمع ٢٧٧/١: رجاله عند البزار رجال الصحيح، إلا أن
البزار قال: رواه الناس عن طاوس مرسلاً. اهـ.
(٢) في الأحكام الصغرى له ١/ ١٥٠ .
(٣) سنن أبي داود (٤٠٠٩)، وسنن الترمذي (٢٨٠٢)، وهو من حديث عائشة رضي الله عنها. قال
الترمذي: إسناده ليس بذاك القائم. ونقل المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٤/٦ عن أبي بكر بن
حازم الحافظ: أحاديث الحمام كلها معلولة، وإنما يصح فيها عن الصحابة ﴾، فإن كان هذا الحديث
محفوظاً فهو صريح في النسخ، والله أعلم بالصواب.
(٤) في (ف): يعير، والمثبت من (م) و (ظ)، ولم تجود في (د).
(٥) الرحضاء: العرق الكثير يغسل الجلد، أو العَرَق إثر الحُمّى. المعجم الوسيط (رحض).

٢٠٧
سورة النور: الآية ٣٠
الثاني: أن يعتمدَ أوقات الخلوة، أو قلَّةَ الناس.
الثالث: أن يسترَ عورتّه بإزار صَفيق.
الرابع: أن يكون نظرُه إلى الأرض، أو يستقبلَ الحائط؛ لئلا يقع بصرُه على
محظور.
الخامس: أن يُغيّر ما يرى من منكرٍ برفقٍ؛ يقول: استتر سَتَرك اللهُ.
السادس: إن دلَّكه أحدٌ، لا يمكّنه من عورته؛ من سرته إلى ركبته، إلا امرأته أو
جاريته. وقد اختلف في الفخذين: هل هما عورة أم لا؟
السابع: أن يدخلَه بأجرةٍ معلومةٍ بشرطِ أو بعادة (١).
الثامن: أن يصبَّ الماءَ على قدر الحاجة.
التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحدَه، اتفق مع قوم يحفظون أديانَهم على كِرائه.
العاشر: أن يتذكّر به جهنّم.
فإن لم يمكنه ذلك كله، فليستتر وليجتهد في غضِّ البصر(٢).
ذكر الترمذِيّ أبو عبد الله في ((نوادر الأصول)) من حديث طاوس، عن عبد الله
ابن عباس، قال: قال رسول الله﴾: ((اتقوا بيتاً يقال له: الحمام))، قيل: يا رسول
الله، إنَّه يذهبُ به الوسخُ ويذكّر النارَ، فقال: ((إن كنتم لا بُدَّ فاعلين، فادخلوه
مستترين))(٣).
وخرّج من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((نِعم البيتُ يدخله الرجلُ
المسلم بيتُ الحمام، وذلك لأنَّه(٤) إذا دَخَله سأل الله الجنةَ، واستعاذَ به من النار،
(١) في (م) بعادة الناس.
(٢) عارضة الأحوذي ١٠/ ٢٤٥، وجامع الأمهات لابن الحاجب ٥٦٣/١ .
(٣) نوادر الأصول ص١٦٦، والحديث أخرجه الطبراني في الكبير ٢٧/١١ (١٠٩٣٢)، والحاكم ٣٢٠/٤،
والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٦٥). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه
الذهبي، وسلف الحديث بأخصر منه، وسلف كلام عبد الحق أن الناس يرسلونه عن طاوس .
(٤) في (د) و (ظ) أنه، والمثبت من (م).

٢٠٨
سورة النور: الآيتان ٣٠ - ٣١
وبئس البيتُ يدخله الرجلُ [المسلم] بيتُ العروس، وذلك لأنَّه يرغّبه في الدنيا وينسيه
الآخرة))(١). قال أبو عبد الله: فهذا لأهل الغفلة، صيَّر الله هذه الدنيا بما فيها سبباً
الذِّكر لأهل الغفلة، ليذَّكَّروا بها آخرتهم، فأما أهلُ اليقين فقد صارت الآخرةُ نُصبَ
أعينهم، فلا بيت حمّامٍ يُزعجه، ولا بيت عروس يستفزُّه، لقد دَقَّت الدنيا بما فيها من
الصنفين والضربين في جنب الآخرة، حتى إنَّ جميعَ نعيم الدنيا في أعينهم كتُثَارة
الطعام من مائدةٍ عظيمة، وجميعَ شدائد الدنيا في أعينهم كتَفْلةٍ (٢) عُوقِب بها مجرمٌ أو
مسيءٌ، قد كان استوجب القتلَ أو الصلبَ من جميع عقوبات أهل الدنيا.
السابعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزَّكَ لَمْ﴾ أي: غضُّ البصر وحفظُ الفرج أطهرُ في
الدين، وأبعدُ من دنس الآثام (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ أي: عالم ﴿بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ تهديد
ووعید.
قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَى جُيُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبََّبِهِنَ أَوْ ءَابَآِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبَبِهِنَ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَذِهِنَّ أَوْ بَنِّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ
التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اُلْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ
اُلِسَاءِ وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا
أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
(١) نوادر الأصول ص١٦٥، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٧٧٩) وما بين حاصرتين منهما، وابن
عساكر في تاريخه ١٨٨/٨ . قال البيهقي: في إسناده ضعف.
(٢) في (د): كفعلة، وفي (ظ): كنقلة، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في نوادر الأصول ص١٦٥
والكلام منه.
(٣) في (م): الأنام، والمثبت من (د) و (ظ).

٢٠٩
سورة النور: الآية ٣١
زِينَتَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فيه ثلاث وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ﴾ خصَّ الله سبحانه وتعالى الإناثَ هنا
بالخطاب على طريق التأكيد؛ فإنَّ قولَه ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ﴾ يكفي؛ لأنَّه قولٌ عامٌّ يتناول
الذَّكَر والأنثى من المؤمنين، حسب كلّ خطاب عامٌّ في القرآن(١).
وظهر التضعيف في ((يَغْضُضْنَ))؛ ولم يظهر في ((يَغُضُّوا))؛ لأنَّ لامَ الفعل من
الثاني(٢) ساكنةٌ، ومن الأوّل متحركة، وهما في موضع جزم جواباً(٣). وبدأ بالغَضّ
قبل الفرج؛ لأنَّ البصرَ رائد للقلب(٤)، كما أنَّ الحُمَّى رائد الموت. وأخذ هذا المعنى
بعض الشعراء فقال:
ألم تَرَ أنَّ العينَ للقلب رائدٌ
فما تألفُ العينانِ فالقلبُ الفُ(٥)
وفي الخبر: ((النظرُ سَهْمٌ من سهام إبليسَ مسمومٌ، فمن غضَّ بصرَه، أورثه الله
الحلاوةَ في قلبه))(٦).
وقال مجاهد: إذا أقبلتِ المرأةُ، جلس الشيطانُ على رأسِها؛ فزيَّنَها لمن ينظرُ،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٥٥/٣.
(٢) يعني في قوله: يَغْضُضْنَ.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣٣/٣.
(٤) الكشاف ٣/ ٦١ .
(٥) البيت لمضرس بن قرط كما في الحماسة البصرية ٢/ ٢٠٣، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٢٩٣ ،
والخزانة ٢٣/٥، وهو في بهجة المجالس ٢٢/٣ دون نسبة. وعندهم: ألا إنما العينان للقلب رائد ..
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣١٤/٤، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩٢) من حديث حذيفة ﴾
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: إسحاق واهٍ، وعبد الرحمن بن إسحاق
هو الواسطي ضعفوه، وأخرجه الطبراني في الكبير ١٧٣/١٠ (١٠٣٦٢) من حديث ابن مسعود، وفي
إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي أيضاً. وأورده المنذري في الترغيب ٦٥١/٢، والهيثمي في
المجمع ٨/ ٦٣ ، وذكرا ضعف عبد الرحمن بن إسحاق.
وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٢٩٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفي إسناده عبد
الرحمن بن إسحاق أيضاً.

٢١٠
سورة النور: الآية ٣١
فإذا أدبرت، جلس على عَجُزِها؛ فزيَّنها لمن ينظر.
وعن خالد بن أبي عمران، قال: لا تُتْبِعِنّ النظرةَ النظرة، فربما نَظَرَ العبدُ نظرةً،
نَغِلَ منها قلبُه كما يَنْغَلُ الأديمُ فلا يُنتفع به(١).
فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغضِّ الأبصار عما لا يحلُّ؛ فلا
يحلُّ للرجل أن ينظرَ إلى المرأة، ولا المرأةُ إلى الرجل؛ فإنَّ علاقتها به كعلاقته بها ،
وقَضدها منه کقصده منها(٢).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((إنَّ الله
كَتَب على ابنِ آدمَ حظّه من الزِّنى، أدرك ذلك لا محالة، فالعينانِ تَزینانِ وزناهُما
النظر، ... )) الحديث(٣).
وقال الزهري في النظر إلى التي لم تَحِض من النساء: لا يَصلحُ النظرُ إلى شيءٍ
منهن؛ ممن يُشْتَهَى النظرُ إليهن، وإن كانت صغيرة. وكره عطاء النظرَ إلى الجواري
اللاتي يُبَعن بمكةَ، إلا أن يريد أن يشتري(٤).
وفي ((الصحيحين)) عنه عليه الصلاة والسلام، أنَّه صرفَ وجهَ الفَضْلِ عن
الخَثْعَمِيّة حين سألته، وطَفِقِ الفضلُ ينظر إليها(٥). وقال عليه الصلاة والسلام: ((الغَيْرة
من الإيمان، والمِذاء من النِّفاق))(٦).
(١) نوادر الأصول ص٣٠٦. والنَّغَل بالتحريك: الفساد، وقد نَغِلَ الأديم: إذا عَفِن وتهرَّى في الدِّباغ
فينفسد ويهلك. النهاية (نغل).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٥٥.
(٣) صحيح مسلم (٢٦٥٧)، وأخرجه أحمد (٧٧١٩)، والبخاري (٦٦١٢).
(٤) ذكر قول الزهري وعطاء البخاريُّ قبل حديث (٦٢٢٨)، ووصل قول عطاء ابن أبي شيبة ٦٨/٦.
(٥) صحيح البخاري (١٥١٣) و(٦٢٢٨)، وصحيح مسلم (١٣٣٤)، وهو في مسند أحمد (٢٢٦٦).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٢٠) والبيهقي في السنن ٢٢٦/١٠، وفي شعب الإيمان (١٠٧٩٧) عن زيد بن
أسلم عن النبي # مرسلاً، قال البيهقي: هكذا جاء مرسلاً، وقد رويناه عن أبي مرحوم، عن زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي #، قال: الغيرة من الإيمان ... =

٢١١
سورة النور: الآية ٣١
والمِذَاء: هو أن يجمع الرجلُ بين النِّساء والرجال ثم يخلِّيهم يُماذِي بعضُهم
بعضاً، مأخوذ من المَذْي. وقيل: هو إرسالُ الرجال إلى النساء، من قولهم: مَذَيْتُ
الفرس: إذا أرسلتَها تَرْعَى (١). وكلّ ذَكَر يَمْذي، وكلّ أُنثى تَقْذِي(٢). فلا يحلّ لا مرأةٍ
تؤمنُ بالله واليوم الآخرِ أن تُبديَ زينتها إلا لمن تحلُّ له، أو لمن هي محرّمةٌ عليه على
التأبيد؛ فهو آمنُ أن يتحرَّك طبعُه إليها، لوقوع اليأس له منها.
الثانية: روى الترمذيّ عن نَبْهان مولى أم سلمة، أنَّ النبيَّ ﴾ قال لها ولميمونةً
وقد دخل عليها ابنُ أمّ مَكْتُوم: ((احتجِبا)) فقالتا: إنَّه أعمى، قال: ((أفَعَمْيَاوَانِ أنتما،
ألستما تُبصِرانِهِ؟))(٣).
فإن قيل: هذا الحديث لا يصحُّ عند أهل النقل؛ لأنَّ راويه عن أم سلمة نبهان
مولاها، وهو ممَّن لا يحتج بحديثه، وعلى تقدير صحته، فإنَّ ذلك منه عليه الصلاة
والسلام تغليظ على أزواجه لحرمتهن، كما غلَّظ عليهن أمرَ الحجاب، كما أشار إليه
أبو داود وغيره من الأئمة (٤). ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت، وهو أنَّ النبيَّ ﴾
أَمَر فاطمةَ بنتَ قيس أن تعتدّ في بيت أُمّ شَريك، ثم قال: «تلك امرأةٌ يغشاها
= وهذا الموصول أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٤٩٠). وفي إسناده أبو مرحوم - وهو
عبد الرحمن بن كردم - وهو مجهول، كما ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال ٦٠٦/٢، وقد وهم الهيثمي
في المجمع ٣٢٧/٤، فقال: فيه أبو مرحوم، وثقه النسائي، وضعفه ابن معين. اهـ . وهذا الذي أشار
إليه الهيثمي هو عبد الرحيم بن ميمون، وكنيته أبو مرحوم أيضاً، وهو من رجال التهذيب.
(١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٣/ ٣٩٧، ونقله عنه البيهقي في الشعب ٧/ ٤١١ .
(٢) الصحاح: (قذى).
(٣) سنن الترمذي (٢٧٧٨)، وأخرجه أحمد (٢٦٥٣٧)، وأبو داود (٤١١٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٩٧)
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال النسائي: ما نعلم أحداً روى عن نبهان غير الزهري. أهـ
قلنا: ونبهان مولى أم سلمة لم يذكروا في الرواة عنه سوى الزهري، وقال ابن عبد البر: مجهول، وقال
الإمام أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين، فذكر حديث المكاتب، وحديث: أفعمياوان أنتما. ثم إن
الحديث معارض بما سيذكر المصنف ها هنا. وينظر شرح مشكل الآثار ١/ ٢٦٥ .
(٤) المفهم ٤/ ٢٧٠-٢٧١، وقول أبي داود في سننه عقب الحديث (٤١١٢).

٢١٢
.سورة النور: الآية ٣١
أصحابي، اعتدِّي عند ابنٍ أمّ مَكْتُوم؛ فإنه رجلٌ أعمى، تضعين ثيابَك ولا يَرَاكِ(١)).
قلنا: قد استدلّ بعضُ العلماء بهذا الحديث على أنَّ المرأة يجوز لها أن تطَّلِعَ من
الرَّجل على ما لا يجوز للرَّجُل أن يطَّلع عليه(٢) من المرأة، كالرأس ومعلَّق القُرْط،
وأما العورة فلا(٣). فعلى هذا يكون مخصِّصاً لعموم قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾، وتكون ((من)) للتبعيض كما هي في الآية قبلها.
قال ابن العربي(٤): وإنَّما أمرها بالانتقال من بيت أُم شَريك إلى بيت ابنٍ أُمّ
مكتوم؛ لأنَّ ذلك أوْلى بها من بقائها في بين أُمّ شريك؛ إذ كانت أُمُّ شريك مُوسرةً(٥)
بكثرة الدَّاخل إليها، فيكثر الرَّائي لها، وفي بيت ابن أمّ مكتوم لا يراها أحدٌ؛ فكان
إمساكُ بصرها عنه أقربَ من ذلك وأولى، فرشخّص لها في ذلك، والله أعلم.
الثالثة: أمر الله سبحانه وتعالى النساءَ بألَّ يُبدين زينتهنَّ للناظرين، إلا ما استثناه
من الناظرين في باقي الآية؛ حذراً من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزِّينة،
واختلف الناس في قدر ذلك؛ فقال ابن مسعود: ظاهرُ الزِّينة هو الثياب. وزاد ابن
جبير: الوجهَ. وقال سعيد بن جبير أيضاً، وعطاء والأوزاعِيّ: الوجه والكفَّان
والثياب. وقال ابنُ عباس وقتادة والمِسْوَر بن مَخْرمة: ظاهرُ الزينة هو الكُخْلُ،
والسِّوار، والخضاب إلى نصف الذِّراع، والقِرطة والفَتَخ(٦)، ونحو هذا فمباح أن
تُبدِيَه المرأة لكلِّ من دَخَل عليها من الناس(٧).
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠)، وأحمد (٢٧٣٢٧).
(٢) لفظ: عليه، من (ظ) وهو الموافق لما في المفهم ٤/ ٢٧٠.
(٣) المفهم ٤ / ٢٧٠ .
(٤) في أحكام القرآن له ١٣٥٦/٣ .
(٥) في (د) و(م): مؤثرة.
(٦) الفتح: جمع فَتَخْة، وهي الخواتيم. غريب الحديث لأبي عبيد ٣١٧/٤.
(٧) المحرر الوجيز ١٧٨/٤، وأخرج الأقوال السابقة الطبري في تفسيره ٢٥٦/١٧-٢٦١ .

٢١٣
سورة النور: الآية ٣١
وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبي ﴾(١)، وذكر آخرَ
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي # أنه قال: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم
الآخر إذا عركَتْ أن تظهرَ إلا وجهها ويديها إلى هاهنا)) وقبض على تصف الذراع(٢).
قال ابن عطية(٣): ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية، أنَّ المرأةَ مأمورةٌ بألا تُبديّ،
وأن تجتهدَ في الإخفاء لكلِّ ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة
حركة فيما لابدّ منه، أو إصلاح شأنٍ، ونحو ذلك. فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدّي
إليه الضرورةُ في النساء، فهو المعفوّ عنه.
قلت: هذا قول حسنٌّ، إلا أنه لما كان الغالبُ من الوجه والكفين ظهورهما عادةً
وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما.
يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنهما دَخَلْت على رسول اللـه ◌ِ﴾ وعليها ثيابٌ رِقاق، فأعرض عنها
رسولُ اللهِ﴾، وقال: ((يا أسماء إنَّ المرأةَ إذا بَلَغتِ المَحِيضَ، لم يصلح أن يُرَى
منها إلا هذا [وهذا])). وأشار إلى وجهه وكفّيه(٤).
فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس؛ فلا تُبدي المرأةُ من
زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها، والله الموفق لا ربّ سواه(٥).
(١) أخرجه الطبري ٢٥٩/١٧ من طريق عبد الرزاق، وهو في تفسيره ٥٦/٢ . والكلام في المحرر الوجيز
١٧٨/٤ .
(٢) تفسير الطبري ١٧/ ٢٦٠. وقوله: عركت، أي: حاضت. القاموس (عرك).
(٣) في المحرر الوجيز ١٧٨/٤.
(٤) سنن أبي داود (٤١٠٤) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة، به - وما
بين حاصرتين منه -. وقال أبو داود: هذا مرسل؛ خالد بن دُرَيك لم يدرك عائشة رضي الله عنها. اهـ.
وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٥٨/٦ : في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري،
نزيل دمشق، مولى بني نصر، وقد تكلم فيه غير واحد، وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني هذا
الحديث، وقال: لا أعلم من رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرة فيه: عن خالد بن دريك، عن
أم سلمة، بدل: عائشة.
(٥) المحرر الوجيز ١٧٨/٤ .

٢١٤
سورة النور: الآية ٣١
وقد قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد من علمائنا: إنَّ المرأة إذا كانت جميلةً وخِيفَ من وجهها
وكفَّيها الفتنةُ، فعليها سَتْر ذلك، وإن كانت عجوزاً أو مُقَبَّحة، جاز أن تكشف وجهها
و کفیھا.
الرابعة: الزينة على قسمين: خَلْقِية ومُكتَسبة؛ فالخَلْقية: وجهُها؛ فإنه أصلُ الزينة
وجمالُ الخلقة ومعنى الحيوانية؛ لما فيه من المنافع وطرق العلوم. وأما الزينة
المكتسبة: فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خِلقتها، كالثياب والحليّ والكُخْل
والخِضاب؛ ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكٌ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وقال الشاعر:
يأخُذْنَ زينتَهنّ أحسنَ ما تَرَى
وإذا عَطِلْنَ فهنّ خيرُ عواطلٍ(١)
الخامسة: من الزينة ظاهر وباطن، فما ظهر، فمباحٌ أبداً لكلِّ الناس من المحارم
والأجانب، وقد ذكرنا ما للعلماء فيه. وأما ما بَطَن، فلا يحل إبداؤه إلا لمن سمَّاهم
الله تعالى في هذه الآية، أو حلَّ محلهم(٢).
واختلف في السِّوار، فقالت عائشة: هو من الزينة الظاهرة؛ لأنه في اليدين. وقال
مجاهد: هو من الزينة الباطنة؛ لأنَّه خارج عن الكفين، وإنَّما يكون في الذراع. قال
ابن العربي(٣): وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِثُمُرِ مِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ﴾ قرأ الجمهور بسكون اللام
التي هي للأمر. وقَرأَ أبو عمرو في رواية عباس(٤) بكسرها على الأصل؛ لأنَّ
الأصلَ في لام الأمر الكسرُ، وحُذفت الكسرةُ لثقلها، وإنما تسكينها كتسكين عَضُد
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٥٦/٣، والبيت منسوب في الأغاني ٣٣٣/٢٢، والأمالي للزجاجي
ص/ ١٠٠، والوافي بالوفيات ٥٣٧/١٩ للعديل العجلي، وروايتهم (غير) بدل (خير).
عَطِلَت المرأةُ: إذا لم يكن عليها حلي، ولم تلبس الزينة، وخلا جيدها من القلائد. اللسان (عطل).
(٢) هو في النكت والعيون ٤/ ٩٠ -٩١ بنحوه.
(٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٥٧ وما قبله منه.
(٤) في (م): ابن عباس، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الصواب، والقراءة المتواترة عن أبي عمرو كقراءة
الجمهور. السبعة ص ٤٥٤ .

٢١٥
سورة النور: الآية ٣١
وفَخِذ(١). و((يَضْرِبْن)) في موضع جزم بالأمر، إلا أنه بُني على حالة واحدة إتباعاً
للماضي عند سيبويه(٢).
وسبب هذه الآية أنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غظَينَ رؤوسَهنَّ بالأَخْمِرة
- وهي المقانع - سَدَلْنَها من وراء الظهر. قال النقَّاش: كما يصنع النَّبَطُ(٣)؛ فيبقى
النحرُ والعنقُ والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلَيِّ الخمارِ على الجيوب،
وهيئةُ ذلك: أن تضربَ المرأةُ بخمارها على جيبها لتستُرَ صدرَها (٤).
روى البخاري عن عائشةً، أنَّها قالت: رَحِم اللهُ نساءَ المهاجراتِ الأُوَل؛ لما
نزل: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِثُ مِنَّ عَلَى جُيُوبِنٌ﴾ شَقَقْنَ أُزُرَهنَّ، فاختمَرْنَ بها(٥).
ودخلت على عائشةً حفصةُ بنتُ أخيها عبد الرحمن ﴾ وقد اختمرتْ بشيءٍ يَشِفُّ
عن عُنقها وما هنالك، فشقّته عليها، وقالت: إنَّما يُضرب بالكثيف الذي يَستر(٦).
السابعة: الخُمُر: جمع الخِمار، وهو ما تُغطّي به رأسَها، ومنه: اختمرت المرأةُ
وتخمَّرت، وهي حَسَنة الخِمْرةِ (٧). والجيوب: جمع الجيب، وهو موضع القطع من
الدّرع والقميص، وهو من ((الجَوْب)) وهو القطع.
ومشهور القراءة ضم الجيم من ((جُيوبهنّ))، وقرأ بعضُ الكوفيين بكسرها بسبب
الياء، كقراءتهم ذلك في: ((بِيوت)) و((شيوخ)»(٨)، والنَّخْويون القدماء لا يُجيزون هذه
(١) المحرر الوجيز ١٧٨/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣٣/٣.
(٣) النَّبَط: جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين. الصحاح (نبط).
(٤) المحرر الوجيز ١٧٨/٤.
(٥) صحيح البخاري (٤٧٥٨). وفيه شققن (مروطهن) بدل (أزرهن).
(٦) المحرر الوجيز ١٧٨/٤، وأثر عائشة أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/ ٧٢ عدا القول الأخير منه.
(٧) تهذيب اللغة ٣٧٩/٧ .
(٨) المحرر الوجيز ١٧٨/٤، وقرأ بكسر الجيم: ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي، والقراءة
في التيسير ص١٦١ .

٢١٦
سورة النور: الآية ٣١
القراءةَ، ويقولون: بَيْت وبُيوت، كفَلْس وفُلوس. وقال الزجَّاج: يجوز على أن تُبدل
من الضمة كسرة؛ فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر، فمحال، لا
يقدر أحدٌ أن ينطق به إلا على الإيماء إلى ما يجوز(١).
وقال مقاتل: ((على جيوبهنَّ)) أي: على صدورهنّ، يعني على مواضع جيوبهنّ.
الثامنة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الجَيْب إنما يكون في الثوب موضعَ الصدر،
وكذلك كانت الجيوبُ في ثياب السلف رضوان الله عليهم، على ما يصنعه النساءُ
عندنا بالأندلس، وأهلُ الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم.
وقد ترجم البخارِيُّ رحمة الله تعالى عليه: باب جيب القميص من عند الصدر
وغيره، وساق حديثَ أبي هريرة قال: ضربَ رسولُ اللـه ﴿ مَثَلَ البخيلِ والمُتصدِّق،
كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديد، قد اضْطرَّت أيدِيَهما إلى ثُديِّهما وتراقِيهما ...
الحديث، وقد تقدَّم بكماله(٢)، وفيه: قال أبو هريرة: فأنا رأيتُ رسولَ الله ◌ُ﴾ يقول
بأصبعيه هكذا في جَيْبه، فلو رأيتَه يوسِّعها ولا تتوسَّع(٣).
فهذا يبيّن لك أن جَيْبه عليه الصلاة والسلام كان في صدرِهِ، لأنَّه لو كان في
منکبه، لم تکن يداه مضطرّةً إلى ثَدْيِیه وتراقیه. وهذا استدلال حسن.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ البَعْل: هو الزوج والسَّيِّد في كلام
العرب، ومنه قول النبيِّ:﴿ في حديث جبريل: ((إذا وَلَدتِ الأَمَةُ بَعْلَها ... ))(٤) يعني:
سيِّدَها؛ إشارة إلى كثرة السَّراري بكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد من الإماء، فتعتق
كلُّ أمّ بولدها، وكأنه سيّدُها الذي مَنّ عليها بالعتق؛ إذ كان العتق حاصلاً لها من
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٤/٣.
(٢) صحيح البخاري (٥٧٩٧)، وسلف ٢٥٠/١٠ .
(٣) صحيح البخاري (٥٧٩٧)، وقال ابن حجر في الفتح ٢٦٨/١٠: جوابه محذوف، وتقديره: لتعجبت
منه.
(٤) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٩٥٠١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٩): (٦) - واللفظ
له -، وأخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر ﴾.

٢١٧
سورة النور: الآية ٣١
سببه. قاله ابن العربيّ(١).
قلت: ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في ماريَة: ((أَعتقَها ولدُها))(٢) فنسب العتقَ
إليه. وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث. والله أعلم.
مسألة: فالزوج والسَّيِّد يرى الزينةَ من المرأة وأكثرَ من الزينة؛ إذ كلُّ محلٌّ من
بدنها حلالٌ له، لذةً ونظراً. ولهذا المعنى بدأ بالبُعولة؛ لأنَّ اطلاعَهم يقع على أعظم
من هذا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِعُونٌ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾(٣) [المؤمنون: ٥-٦].
العاشرة: اختلف الناس في جواز نظرِ الرجل إلى فرج المرأة؛ على قولين:
أحدهما: يجوز؛ لإنه إذا جاز له التلذُّذُ به، فالنظر أولى. وقيل: لا يجوز؛ لقول
عائشةَ رضي الله عنها في ذكر حالها مع رسولِ الله﴾: ما رأيتُ ذلك منه ولا رأى
ذلك مني. والأول أصحُ، وهذا محمولٌ على الأدب. قاله ابنُ العربي(٤). وقد قال
أضبغ من علمائنا : يجوز له أن يلحسه بلسانه.
وقال ابن خُويْزِ مَنْداد: أما الزوجُ والسيِّد فيجوز له أن ينظر إلى سائر الجسد
وظاهِر الفرج دون باطنه. وكذلك المرأةُ يجوز أن تنظرَ إلى عورة زوجها، والأَمَةُ إلى
عورة سيدها.
(١) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٥٧.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥١٦) من حديث ابن عباس، قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٩٧/٣: هذا
إسناد ضعيف، حسين بن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي، تركه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل
والنسائي وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة.
وأخرجه أيضاً ابن حزم في المحلى ٢١٩/٩ من طريق آخر عن ابن عباس، وقال: هذا خبر جيد
الإسناد، كل رواته ثقات.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٥٧/٣-١٣٥٨.
(٤) في أحكام القرآن ١٣٥٨/٣، وقول أصبغ الآتي منه، وحديث عائشة رضي الله عنها سلف عند الآية
(٣٠) من هذه السورة.

٢١٨
سورة النور: الآية ٣١
قلت: وروي أنَّ النبيَّ ﴿ قال: ((النظرُ إلى الفرج يُورث الطمس)) (١) أي: العمى،
أي: في الناظر. وقيل: إنَّ الولد بينهما يُولَد أعمى. والله أعلم.
الحادية عشرة: لما ذَكَر الله تعالى الأزواجَ وبَدأَ بهم، ثنَّى بذوي المحارم،
وسؤَّى بينهم في إبداءِ الزينة، ولكن تختلف مراتبهم [في الحرمة] بحسب ما في نفوس
البشر، فلا مِرْيةً أنَّ كشفَ الأب والأخ على المرأة أخْوَط من كشف ولد زوجها.
وتختلف مراتب ما يُبْدَى لهم، فَيُبْدَى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج(٢).
وقد ذكر القاضي إسماعيل عن الحسن والحسين رضي الله عنهما، أنَّهما كانا لا
يَرَيان أمهات المؤمنين. وقال ابنُ عباس: إنَّ رؤيتهما لهنَّ تحِلّ(٣). قال إسماعيل:
أحسِب أن الحسنَ والحسين ذهبا في ذلك إلى أنَّ أبناء البُعُولة لم يذكروا في الآية
التي في أزواج النبي ﴾، وهي قوله تعالى: ﴿لَّ جُنَاحَ عَيْهِنَ فِّ ءَابَآِنَّ﴾
[الأحزاب: ٥٥].
٢٠
وقال في سورة النُّور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، فذهب ابن
عباس إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين إلى الآية الأخرى.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ أَبْنَآء بعولتهن﴾ یرید ذكور أولادِ الأزواج،
ويدخل فيه: أولادُ الأولادِ وإن سَفَلوا، من ذُكرانٍ كانوا أو إِناثٍ، كبني البنين وبني
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٥٠٧ ، والبيهقي ٩٤/٧ - ٩٥ ، وابن الجوزي في الموضوعات
(١١١٥) من حديث ابن عباس مرفوعاً، ونقل ابن الجوزي عن ابن حبان أنه موضوع. قال ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٤٩/٣: قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنه، فقال: موضوع، ... وخالف
ابن الصلاح فقال: إنه جيد الإسناد، كذا قال، وفيه نظر.
وأخرجه ابن الجوزي (١١١٦) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفي إسناده إبراهيم بن محمد، قال
الأزدي: ساقط. وأورده السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١٤٤/٢.
(٢) المحرر الوجيز ١٧٩/٤، وما بين حاصرتين منه.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٧٨/٨، وسعيد بن منصور في سننه (٩٦٥)، وابن أبي شيبة
٣٣٧/٤.

٢١٩
سورة النور: الآية ٣١
البنات. وكذلك آباءُ البعولة والأجداد وإن عَلَوا من جهة الذَّكران لآباءِ الآباء وآباء
الأُمهات، وكذلك أبناؤهنَّ وإن سَفَلوا. وكذلك أبناءُ البنات وإن سَفَلن؛ فيستوي فيه
أولادُ البنين وأولادُ البنات. وكذلك أخواتهنَّ، وهم مَن ولدَه الآباء والأمهات، أو
أحد الصّنفين. وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات وإن سَفَّلُوا من ذُكرانٍ كانوا أو إناث،
كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات. وهذا كلُّه في معنى ما حُرِّم من المناكح، فإنَّ
ذلك على المعاني في الولادات، وهؤلاء محارم، وقد تقدم في ((النساء)) (١).
والجمهور على أنَّ العَمَّ والخالَ كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز
لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع، وهو كالنسب على ما تقدم(٢).
وعند الشعبِيّ وعكرمة: ليس العمُّ والخال من المحارم. وقال عكرمة: لم
يذكرهما في الآية؛ لأنَّهما ينعتانها(٣) لأبنائهما.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ يعني: المسلمات، ويدخل في هذا
الإماءُ المؤمنات، ويخرج منه نساءُ المشركين من أهل الذمة وغيرهم؛ فلا يحلُّ لا مرأة
مؤمنةٍ أن تكشفَ شيئاً من بدنها بين يدي امرأةٍ مشركةٍ، إلا أن تكونَ أَمَةً لها؛ فذلك
قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾(٤).
وكان ابن جُريج، وعُبَادة بن نُسَيّ، وهشام القارىء، يكرهون أن تَقْبَلَ(٥)
النصرانيةُ المسلمةَ أو ترى عورتها، ويتأَوَّلون ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾(٦).
قال عُبَادة بن نُسَيّ: وكتب عمرُ ﴾ إلى أبي عبيدة بن الجرّاح: أنه بلغني أنَّ نساءً
(١) ٦/ ١٧٣ وما بعدها.
(٢) تنظر المسألة في تفسير الرازي ٢٠٦/٢٣-٢٠٧ .
(٣) في النسخ: تبعان، والتصويب من التمهيد وبقية المصادر، وقد أخرجه ابن عبد البر في التمهيد
٢٣٠/١٦-٢٣١، وابن أبي شيبةٍ ٣٣٨/٤. وأورده الرازي في تفسيره ٢٠٧/٢٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٤ /١٧٩ .
(٥) قَبِلَت القابلةُ المرأة تَقْبَلها: إذا قَبِلَت الولد، أي تَلقَّته عند الولادة. اللسان: (قبل)).
(٦) مصنف عبد الرازق (١١٣٦) ونسبه إلى عبادة بن نسي، ومکحول وسليمان ..

٢٢٠
سورة النور: الآية ٣١
أهلِ الذمّةِ يدخُلنَ الحمّامات مع نساء المسلمين؛ فامنعْ من ذلك، وحُلْ دونَه؛ فإنَّه لا
يجوز أن ترى الذمّيةُ عِرْيةً(١) المسلمة. قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل، وقال
أيُّما امرأةٍ تدخل الحمامَ من غير عذرٍ لا تُريد إلا أن تبيِّض وجهها، فسؤَّد اللهُ وجهَها
يوم تبيضُ الوجوه(٢).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يحلُّ للمسلمةِ أن تراها يهوديةٌ أو نصرانيةٌ؛
لئلا تصفَها لزوجها. وفي هذه المسألة خلافٌ للفقهاء. فإن كانت الكافرة أمَّةً لمسلمة،
جاز أن تنظرَ إلى سيدتها، وأما غيرها فلا؛ لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام وأهل
الكفر، ولما ذكرناه. والله أعلم.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ ظاهر الآية يشمل العبيدَ
والإماءَ المسلمات والكتابيّات، وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من
مذهب عائشةً وأمِّ سلمة رضي الله عنهما(٣).
وقال ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوكُ إلى شَعَر مولاته (٤). وقال أشهب:
سُئل مالك: أتُلْقي المرأةُ خِمارَها بين يدي الخَصيّ؟ فقال: نعم، إذا كان مملوكاً لها
أو لغيرها؛ وأما الحرّ فلا، وإن كان فحلاً كبيراً وَغْداً تملكه، لا هيئة له ولا مَنْظَر،
فلينظرْ إلى شعرها. قال أشهب: قال مالك: ليس بواسع أن تَدْخلَ جاريةُ الولدِ أو
الزوجة على الرجل المرحاض؛ قال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾. وقال أشهب عن
مالك: ينظر الغلامُ الوغد إلى شَعَر سيّدته، ولا أُحبه لغلام الزوج(٥).
وقال سعيد بن المسيب: لا تغرّنَّكم هذه الآية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ إنمَّا عَنَى
(١) عِرْية المرأة: يريد ما يَعْرى منها وينكشف. النهاية (عرا).
(٢) المحرر الوجيز ١٧٩/٤ ولم ينسبه لعبادة بن نسي، وأخرجه عبد الرزاق (١١٣٤)، والبيهقي ٧/ ٩٥ عن
عبادة بن نسي. وأخرجاه أيضاً عن عبادة بن نسي عن الحارث بن قيس.
(٣) المحرر الوجيز ١٧٩/٤.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٣٥/١٦-٢٣٦، وابن أبي شيبة ٣٣٤/٤.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦١/٣. والوغد: هو ضعيف العقل، أو الخفيف الأحمق. اللسان (وغد).